العروبة بين التقليد والتجديد   
الاثنين 1426/4/29 هـ - الموافق 6/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:29 (مكة المكرمة)، 12:29 (غرينتش)

- ارتباط الاستبداد بالقومية العربية
- استعداد الحكام القوميين للديمقراطية
- المشروع القومي الليبي
- ضرورة تصالح الأنظمة مع شعوبها
- الديكتاتورية الداخلية مقابل التدخل الخارجي

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم، منذ الذي حصل عام 1967 والسجال حول القومية العربية والمشروع القومي العربي لم يتوقف، الذي حصل عام 1967 وصفه القوميون العرب آنذاك بأنه كان نكسة بينما وصفه الآخرون بأنه كان هزيمة لمشروع القومي العربي لكن ما حصل في عبور عام 1973 ابتهج به القوميون العرب وقالوا لولا حرب الاستنزاف الذي قادها عبد الناصر لما كان انتصار السادات بينما جزم الطرف الآخر لولا السياسة الجديدة للسادات التي كانت على أنقاض التقليدية والكلاسيكية والراديكالية في المشروع القومي العربي لما انتصر الجيش المصري.

 بعد الذي حصل في العراق تجدد السجال ولكن بحدة شديدة، هل أن سقوط نظام صدام حسين هو كان إيذانا بسقوط المشروع القومي إلى غير رجعة أم أنه كان سقوطا لنظام مارس كما يقول خصومه الديكتاتورية والاستبداد؟ لكن التطورات الأخيرة التي حصلت ولا تزال مستمرة في لبنان فتحت السجال من جديد خاصة بعد ما حصل للقوات السورية التي انسحبت من لبنان، الآن ثمة هذا السجال هل أن ما حصل في لبنان هو إيذان أيضا بهزيمة فكرة القومية العربية وممارستها أم أنه انتصار للهيمنة الأميركية ومشروعها الدولي؟

السؤال الجوهري الآن هل انتهت فكرة القومية العربية؟ هل انهزم المشروع القومي العربي؟ أبالفعل هناك عروبة تقليدية وعروبة جديدة؟ هل أن الضغوط الدولية ستدفع القوميين العرب إلى مراجعة نقدية في اتجاه الإصلاح والانفتاح أم بالعكس ستدفعهم أكثر إلى الانطواء تفاديا أو تخطيا أو مواجهة لما يصفونه بالمشروع الأميركي الهيمني وأيضا الخطر والتحدي الإسرائيلي البائن؟ لمراجعة هذه الأسئلة الجوهرية يسعدنا أن نستضيف هنا في بيروت القادم من المغرب الدكتور عبد الإله بلقزيز عضو المؤتمر القومي العربي والقادم من بغداد الشيخ جواد الخالصي الأمين العام للمؤتمر التأسيسي العراقي الوطني وصاحب البيت السيد جورج حاوي الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني ويسعدنا أن نستضيف على الهواء مباشرة من القاهرة السيد محمود أباظة نائب رئيس حزب الوفد المصري، مرحبا بكم أيها السادة جميعا، مشاهدينا الكرام أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا وقفة أولى نعود بعدها مباشرة للبدء في حوارنا المفتوح.

[فاصل إعلاني]

غسان بن جدو: أهلا بكم، دكتور بلقزيز أثمة فرق ابتداءً بين العروبة والقومية العربية؟


ارتباط الاستبداد بالقومية العربية

عبد الإله بلقزيز - عضو المؤتمر القومي العربي: ثمة فرق مفاهيمي بين العروبة والقومية العربية، العروبة بالتعريف ماهية ثقافية واجتماعية لمجموعة سكانية أو مجموعة ثقافية أو مجموعة قومية اسمها العرب، العروبة ماهية اجتماعية عابرة للوطنيات.. للأقطار.. للكيانات، إنها الجامع بين سائر أولئك الذين ينتمون إلى أقطارهم ويسمون عربا، القومية العربية هي تصور لمشروع سياسي يُماهي.. يقيم مُماهة أو تماثلا أو تطابقا ما بين هذه الماهية الاجتماعية الثقافية الجامعة التي اسمها العروبة وما بين الكيانية السياسية التي تعبر عنها، المشروع القومي هو المشروع الذي ينتدب نفسه لكي يكون حاملا لفكرة المطابقة ما بين الماهية الجماعية الثقافية والاجتماعية للعرب وما بين الكيان السياسي الذي يعبر عن قومياتهم.

غسان بن جدو: لكن على الأرض يعني هل ثمة فرق حقيقي لأنه ربما بهذا التفسير الآن الذي قدمته يعني كل شخص عربي هو بالضرورة عروبي وليس..

عبد الإله بلقزيز: بالطبع..

غسان بن جدو: لا يعني أنت تعلم جيدا بأن غير القوميين العرب لا يقولون نحن من العروبيين لا يقولون هذا الأمر كأن الآن بعد كل الممارسات التي حصلت، بعد كل هذه العقود بالضرورة القومي العربي هو عروبي.. والعروبي قد لا يكون بالضرورة قوميا عربيا..

"
العروبة
رابطة ثقافية واجتماعية
 تجمع كل المنتمين للمنطقة
العربية وهذه الرابطة عبارة عن حصيلة ميراث تاريخي طويل
"
عبد الإله بلقزيز

عبد الإله بلقزيز: قد لا يكون قومي عربي هذا ما قصدت أنا.. يعني دعنا مما يقال من أن ثمة عروبة سياسية وهي كناية أو قرينة على مفهوم القومية العربية هذا الكلام أنا شخصيا لا أحبذه، ثمة عروبة هي عبارة عن رابطة ثقافية واجتماعية تشد كل الذين ينتمون إلى هذه المنطقة إلى بعضهم البعض وهذه الرابطة هي حصيلة ميراث تاريخي طويل ثقافي لغوي اجتماعي إلى آخره يعاد اليوم تجديده من موقع فكرة المشروع القومي.

غسان بن جدو: سنرى إذا كان بالإمكان تجديد هذا الأمر من خلال فكرة المشروع القومي العربي، سيد محمود أباظة منذ عام 1967 والذين ليسوا من القوميين العرب يجزمون بأن المشروع القومي العربي قد انهزم وأن القوميين العرب لا يمكن أن ينتجوا إلا استبدادا وديكتاتورية أمازلت مقتنعا بهذه القناعة؟

محمود أباظة - نائب رئيس حزب الوفد المصري: لا الحقيقة أن فكرة القومية العربية تم الاستيلاء عليها من جانب أنظمة سُلطوية في غالبها عسكرية حكمت بطريقة صادرت الحريات وفرضت اختيارها السياسي فرضا في هذا المجال وفي مجالات أخرى كثيرة على شعوب بعضها كان بدأ في تجربة ديمقراطية فأنا لا أخلط بين القومية العربية أو الفكر القومي وبين هذه الأنظمة التي جعلت منها يعني قلب مشروعها السياسي، في حقيقة الأمر القومية العربية أو الفكر العربي.. الانتماء العربي تاريخي وجغرافي وهو أمر واقع قائم ولا يمكن أن يزول لأن أنظمة سياسية قد أخطأت سواء في حق شعوبها أو أخطأت في إقامة دولتها والإشراف على قواتها المسلحة وضبط سياستها الخارجية وفقا لإمكانيتها إلى آخر هذه الأخطاء التي وقعت فيها كثير من..

غسان بن جدو [مقاطعاً]: سيد أباظة عفوا، هل أن كل الذين حكموا باسم القومية العربية أخفقوا.. فشلوا لم يقدموا إنجازات.. لم يقدموا شيئا؟

محمود أباظة [متابعاً]: لا قدموا إنجازات اجتماعية واقتصادية في بعض الأحيان ولكن هُمَّا لم يحكموا باسم القومية العربية همَّا حكموا باسم القوة همَّا جلوا صارما وتلوا باطلا وقالوا صدقنا فقلنا نعم، شأنهم أن أنظمة أخرى كثيرة لم تأخذ القومية العربية كقلب لمشروعها في طبيعة النظام الشمولي الذي يصادر الحريات ثم يأخذ أي فكرة ما في العالم العربي أو خارجه كمركز لمشروعه السياسي وهناك أنظمة أخرى ديمقراطية قد تأخذ أيضا مشروع وتنهض به والذي حدث في مصر مثلا أن مشروع القومية العربية عندما أُنشئت الجامعة العربية في 1944 وبرتوكول الإسكندرية الذي وقعه مصطفي النحاس والرؤساء العرب في ذلك الوقت لم يكن بعد هناك هذا النوع أو هذا الطراز من الأنظمة الذي باسم القومية العربية فرض مشروعا سياسيا في حقيقة الأمر قاسى من طبيعة النظام الشمولي نفسه وليس من مجموعة الأفكار التي يرتكز إليها المشروع العربي.

غسان بن جدو: طيب سيد جورج حاوي دائما عندما نحاجج أصحاب النظريات أكان اليسارية أو الإسلامية أو القومية دائما يحاولون القول لا يعني فشل الممارسة النظرية من هذا النظام أو ذاك طبقا لأي فكرة أكانت إسلامية أو يسارية.. لا يعني فشل الفكرة والنظرية، عندما أردنا أن نتحدث عن الشيوعية قالوا لا الشيوعية تبقى حاضرة والفكر اليساري يبقى حاضرا والفكر الاشتراكي يبقى حاضرا لا بأس أن يفشل الاتحاد السوفيتي أو الدول الأخرى، عندما نتحدث عن القوميين يقولون لنا الأنظمة القومية فشلت ولكن هذا لا يعني بأن القومية العربية خاطئة طيب كيف يمكن للمواطن العربي أن يقتنع بفكرة إذا لم يكن صاحبها ينجح في الممارسة والتطبيق؟

جورج حاوي - الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني: لا شك أن هناك رابط بين النظرية والتطبيق وحتى في الفكر الماركسي يستحيل أن تُفصَل النظرية عن التطبيق فماركس قال إن التطبيق هو محك الحقيقة ولكن هناك تجارب وهناك نماذج وهناك مدارس تنشأ في محاولة لتجسيد الفكرة، الخطأ ليس في الفكرة بما هي أهداف بما هي مبادئ بما هي مُثُل بما هي مشاعر الخطأ هو في الصيغة التنفيذية التي لم تستطع أن تدرك كيف تجمع بين دارسة العوامل الموضوعية لمجتمع معين وسبل نقله إلى الهدف أي..

غسان بن جدو: إذا أردنا أن نبسط الأمور أستاذ جورج.. إذا أردنا أن نبسط الأمور للسادة المشاهدين عندما تقول هذا الأمر أين أخطأ القوميون العرب في السلطة؟ أين أخطؤوا بالتحديد؟

جورج حاوي: يعني ليس فقط القوميون العرب..

غسان بن جدو: لا دعنا الآن.. في هذه الحلقة نتحدث عن القوميين العرب سنخصص حلقات أخرى لليساريين وربما حتى للأنظمة الإسلامية التي تقول إنها إسلامية لكن الآن حلقتنا تتحدث عن القوميين العرب، أين أخطأ هؤلاء حتى نقول بالفعل هل هم أخطؤوا لأنهم قوميون عرب أو أخطؤوا لأن ثمة ضغوط خارجية أخطؤوا لأن ثمة التحدي الإسرائيلي أخطؤوا لأن ثمة العالم العربي كله يعاني التخلف حتى نكون واقعيين مع هؤلاء؟

جورج حاوي: يعني حتى نحدد الأشياء بأسمائها إذا كنت تعني بالقوميين العرب أولئك المنتسبين سياسيا وأيديولوجيا إلى تنظيمات قومية عربية هذا شيء وإذا كنت تعني أنا ما أفهمه من أن فشل القوميين العرب أي فشل القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعنية بقيادة الأمة العربية نحو تحقيق أهدافها فهذا شيء آخر أنا أعتقد أن الفشل هو شامل..

غسان بن جدو: أعذرني فقط سيد جورج حاوي على مقاطعتك فقط، أود أن يتحدث الشيخ جواد الخالصي لسبب بسيط جدا لأن صوتك لا يسمع بشكل نقي، شيخ جواد حتى نصلحه بطبيعة الحال، شيخ جواد هل بعد كل هذه التجربة بصراحة هل أن ارتباط ما يوصف بالاستبداد مع الحكم القومي العربي هو ارتباط عضوي أم تراه شيئا آخر؟

جواد الخالصي - الأمين العام للمؤتمر التأسيسي العراقي الوطني: ليس ارتباطا عضويا، إذا كان الصوت يصلكم بشكل جيد..

غسان بن جدو: جدا نعم.

جواد الخالصي: ليس ارتباطا عضويا وإنما هي محاولة من أنظمة استبدادية قد يكون بعض أفرادها نشؤوا في ظل نظرية قومية ولكنهم أرادوا أن يستغلوها لرؤاهم الشخصية ولرغبتهم في التسلط والحكم..

غسان بن جدو: أعطنا أمثلة.. يعني حتى الآن ندخل في الموضوع بشكل عملي وميداني حتى يفهم السادة المشاهدين أعطنا أمثلة عن هذه المسألة.

جواد الخالصي: يعني أنا أعتقد قبل الأمثلة هناك شيء مهم، في النظرة أو النظرية القومية العربية التي بدأت ملامحها السياسية تظهر قبيل ومع الحرب العالمية الأولى هنالك خطأ نظري كبير وقع فيه بعض دعاة القومية العربية من ذلك الوقت حين قبلوا بالتحالف مع قوى خارجية لتصحيح أوضاع داخلية كانت تعانيها الأمة وقد اعترض على هذا الخطأ الكبير بعض دعاة القومية العربية أيضا فالخطأ بدأ من هناك ثم بدأ يتفاقم ووصل إلى هذه الأنظمة التي رأينها وعشناها في منطقتنا والعراق كنموذج واضح من هذه الممارسات..

غسان بن جدو: بس عفوا، قبِلوا بالتحالف مع القوى الخارجية على حساب من تقصد؟

جواد الخالصي: على حساب وحدة الأمة في الداخل..

غسان بن جدو: أي؟ يعني القوميون العرب هم دعاة وحدة أمة في الداخل ليس دعاة انفصال.

جواد الخالصي: لا القوميون العرب حين نشؤوا في ذلك الوقت كان هنالك تياران، تيار يدعو إلى تصحيح الوضع الداخلي في الأمة الإسلامية عموما وفي الأمة العربية بالذات وبعض القوميين العرب قبلوا بالتحالف مع قوى خارجية لتصحيح هذا الأمر على ما يظنون أو ما يعتقدون..

غسان بن جدو: مَن؟ أعطنا مثالا.. أعطنا أمثلة..

جواد الخالصي: يعني الثورة العربية الكبرى..

عبد الإله بلقزيز: في نهاية العهد العثماني..

جواد الخالصي: ونهاية العهد العثماني، الثورة العربية الكبرى هي منطلق مهم لدراسة الواقع القومي والنظرية القومية وفكرة العروبة ودورها في المجتمع والأمة..

غسان بن جدو: يعني القوميين العرب الآن الذين ينتقدون استنجاد إذا صح التعبير بعض القوى التي تصف نفسها بالوطنية الآن والديمقراطية بالخارج هم أنفسهم كانوا استنجدوا في وقت من الأوقات بالخارج من أجل ضرب الدولة العثمانية هل هذا الأمر تعتبره خطأً استراتيجيا؟

جواد الخالصي: خطأ خطير وبداية خطيرة ولكن ليس كل القوميين العرب فبعض قادة القومية العربية اعترضوا على هذه الممارسة من أناس قالوا نحن أيضا..

غسان بن جدو: دكتور عبد الإله بلقزيز هل ترى بالفعل أنه كان خطأً خطيرا واستراتيجيا هذا الأمر؟

عبد الإله بلقزيز: أنا لست أشك في أن القيادات العربية في تلك المرحلة استُدرجت خلال الحرب العالمية الأولى.. استُدرجت إلى مشروع تطلع إلى إسقاط الفكرة القومية العربية من خلال اختطاف هذا المشروع الذي بدأ يستنهض قواه منذ السقوط الفعلي للدولة العثمانية بنهاية خلافة عبد الحميد الثاني وصعود حزب الاتحاد والترقي وانفلات النزعة القومية التورانية التركية من كل عقال وبداية سياسة التتريك، هذا المشروع الذي بدأ يلم صفوفه ويتطلع إلى بلورة خيارات بحجم التحول الكبير الذي حصل في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين اختُطف واستُدرجت قيادته إلى هذا الفخ.

غسان بن جدو: أعود إليك سيد جورج حاوي وأحيل إليك السؤال هل أن الممارسة القومية العربية مرتبطة عضويا بالاستبداد والتسلط أم لا يعني الحكم القومي العربي لأنه حكم وطني كما يقول أصحابه فهو بالضرورة يتعرض إلى ضغوط خارجية وهو مضطر إلى الانكماش وحماية نفسه؟

جورج حاوي: على العكس من ذلك ليست الديكتاتورية والعسْف ليست احتكارا للعرب فهي ظاهرة عالمية شهدتها كل أمم وشعوب العالم والعروبة ليست كلها ذات سمة ديكتاتورية، هناك أنظمة ديكتاتورية وهناك مطامح وشعور قومي عربي لدى أكثر الناس ديمقراطية وبالتالي الخلل الرئيسي برأيي هو ليس في.. يعني أنا لا أوافق سماحة الشيخ فيما يصفه بأنه أن البعض أراد أن يستند إلى الخارج والداخل، الخطأ الرئيسي برأيي هو أن أنصار القومية العربية في ذلك الوقت المبكر قد عزلوا إمكانيات تحقيق الدولة القومية عن مستوى النضوج الاقتصادي الاجتماعي الثقافي الفكري مقلدين الغرب دون أن يبنوا القاعدة المادية التي أمَّنت نشوء القوميات والأمم في الغرب فلا.. فيستحيل برأيي تحقيق الدولة القومية لأناس فشلوا في تحقيق الدولة الوطنية وهل نجحت هذه الأنظمة في تحقيق البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في الداخل حتى نلومها بأنها لم تنجح في تحقيق وحدة الأمة ما فشلها في تحقيق وحدة الأمة إلا بفعل فشلها في تحقيق أهداف شعبها على الصعيد الوطني..

غسان بن جدو: لكن الذين ينتقدون القوميين العرب يقولون ربما هذا ما تفضلت به صحيح ظاهرة الاستبداد ظاهرة تقريبا شبه عامة في البلاد العربية لكن لا يوجد حكم قومي عربي ديمقراطي؟

جورج حاوي: لا يوجد حكم عربي ديمقراطي أكان أنصاره يقولون بالقومية العربية أم كانوا ضد فكرة القومية العربية، أنظمتنا إما ملكية مستبدة أو رئاسية متوارثة عسكريا كما سبق لا.. هي على عداء كامل مع الديمقراطية وقد نحرت الديمقراطية تحت حجة المعركة القومية ولا صوت فوق صوت المعركة ولم تكن هناك معركة وقد خسرنا المعركة القومية لأننا خسرنا معركة البناء الاقتصادي الاجتماعي وخسرنا معركة البناء الاقتصادي الاجتماعي لأننا خسرنا معركة الديمقراطية وبالتالي سبب الخلل في تحقيق الأمنية القومية في الوحدة في صيغة ما من صيغها هو المعاداة للديمقراطية والمعاداة للشعب وعدم إطلاق الحريات..

غسان بن جدو: يعني الأنظمة العربية كلها في الهوا سوا لا فرق بين من يستغل القومية العربية أو يستغل الشعار الإسلامي أو يستغل الشعار الاشتراكي كلها في الهوا سوا..

جورج حاوي: كلها أنظمة استبدادية متخلفة.

غسان بن جدو: ربما للسيد محمود أباظة رأي آخر ولكن أسمع رأيه بعد الموجز، أعود إليك شيخ جواد الخالصي في هذه النقطة بالتحديد هل أنت ترى بأن عدم وجود حكم ديمقراطي في نظام يرفع الشاعر القومي مرده إلى أن البنية الفكرية للقوميين العرب لا تتقبل ديمقراطية ورأيا آخر وهي بالفعل إقصائية أم بالعكس هذه الفكرة القومية.. المشروع القومي مشروع وطني يريد مواجهة كما يقول إسرائيل والهيمنة وبالتالي كان مضطرا للانطواء على نفسه والسلطة بقبضة من حديد؟

جواد الخالصي: أتصور أن المشروع الوطني ينبغي أن يستند إلى شعبه في مواجهة مشروع الهيمنة المُعادي الذي وقع فيه الحكام في البلاد العربية من القوميين ومن غيرهم أنهم حذفوا واستندوا إلى تحالفات لا تمت إلى داخل شعوبهم وهذا هو السبب الرئيسي لهزيمتنا وهزيمتهم في كل المواجهات التي حصلت، من يريد أن يستند إلى شعبه في مقارعة الهيمنة سيتمكن من ممارسة دور كبير من خلال احترام الشعب واحترام رأيه والاستناد إليه وأعتقد أن الحكام القوميون.. أن الحكام القوميين الذين وقعوا في هذا المطب إنما وقعوا فيه لا لأن القومية تدفعهم إلى نزعة استبدادية وإنما لتخوفات مبالغ فيها أو لأسباب ذاتية في شخصياتهم وفي تصوراتهم.

غسان بن جدو: بعد الموجز ربما سنتحدث بأكثر أمثلة وبأكثر صراحة، سنتحدث عن العراق، سنتحدث عن سوريا، سنتحدث عن مصر، وسنتحدث عن ليبيا، مشاهدينا الكرام من بيروت إلى غرفة الأخبار في الدوحة.

[موجز الأنباء]

غسان بن جدو: أهلا بكم من جديد، سيد محمود أباظة أود أن تشاركنا في النقاش الأساسي الذي دار قبل الموجز وهو علاقة الحكم القومي العربي بالديمقراطية بالعمل السياسي أو بالاستبداد، سؤالي لك بصراحة بعد كل هذه التجارب أترى بأن كل القوميين العرب يستبطنون الإقصاء وبالتالي الاستبداد والديكتاتورية؟ أم شأنهم كالجميع بدون استثناء لا فرق بين هذا وذاك؟

محمود أباظة: لا أنا أعتقد أنه المشكلة.. المشكلة ليست في الصلة بين القوميين العرب والاستبداد، المشكلة هي في أن الأنظمة الحاكمة في هذه المنطقة من العالم التي خرجت.. تلك التي خرجت من الاستعمار بعد حركات التحرر الوطني وقعت أسيرة في يد نظام حكم سُلطوي صادر الحريات أيا ما كان المبرر الذي صادره بها لأن كل من يصادر الحريات يحتاج إلى حلم يغني على العلم وبالتالي الحلم بالعروبة الحلم بالعدالة الاجتماعية الحلم بالدولة القوية إلى آخره التي تحتل وتعيد إنشاء الإمبراطورية الإسلامية، كل هذه أحلام تبرر في نظام شمولي مصادرة الحريات العامة ولكن لحسن الحظ أن الفكرة العربية أو العروبة تستند إلى واقع وهذا الواقع قائم.. وقائم منذ قيام الدولة الإسلامية الأولى وثم انتهت الدولة وبقِي الإسلام وقامت الدولة العربية في نشأتها وانتهت الدولة العربية وبقيت العروبة وبالتالي فنحن ننطلق من واقع قائم، أما أن نصل بهذا الواقع إلى الدولة الواحدة ذات الرسالة الخالدة هذه وجهة نظر.. هذا هو المشروع إنما أو أن نصل إلى نوع من الوحدة التي لا تنفي الدولة الوطنية هذا أيضا مشروع آخر..

غسان بن جدو: أستاذ محمود..

محمود أباظة: أنا أريد أن أجيب على سؤالك..

غسان بن جدو: نعم لأني أريد أن أفهم رأيك يعني حتى هذه اللحظة أنا يعني حريص على فهم رأيك وموقفك بالتحديد.. يعني ماذا تنظر في المشروع القومي العربي في الحكم القومي العربي في هذه الأنظمة التي تحكم باسم القومية العربية أتراها قد نجحت أم فشلت لأنها قومية أم فقط لأنها هذه ظاهرة الاستبداد تشمل الجميع أم ماذا؟ حدثونا فقط رجاء جميعا حدثونا عن القوميين العرب وليس عن الظاهرة العربية بشكل عام.

محمود أباظة: هذه الأنظمة فشلت.. هذه الأنظمة في رأيي فشلت لأنها أنظمة ديكتاتورية صادرت الحريات العامة ولم تتمكن من خلق توافق وطني في داخلها ولم تستوعب الآراء المختلفة وهي فشلت الأنظمة القومية..


استعداد الحكام القوميين للديمقراطية

غسان بن جدو: طيب هل يمكن لحكم قومي عربي أن يكون ديمقراطيا سيد أباظة في رأيك؟

"
يمكن لأي
 دولة أن
تتحول للديمقراطية
 إذا كان
الشعب مستعدا لدفع ثمن استرداد حقه في تشكيل حاضره وبناء مستقبله
"
محمود أباظة

محمود أباظة: أنا أعتقد أنه يمكن لأي حكم أن يكون ديمقراطيا إذا كانت الشعوب العربية مستعدة لأن تدفع ثمن استرداد حقها في بناء مستقبلها.. في تكوين حاضرها وبناء مستقبلها في إطار نظام ديمقراطي يجد فيه كل القوى السياسية مكانها وإذا حدث هذا فأتوقع..

غسان بن جدو: أنت رميت الآن الكرة في ملعب الشعوب العربية أنا أسألك.. سيد أباظة أنت رميت الآن الكرة في ملعب الشعوب العربية، أسألك عن هذه السلطات.. السلطة أو الحاكم الذي يتبنى فكرا قوميا أو هكذا على الأقل يقول يرفع شعارا قوميا عربيا أترى هذا مستعدا أو قابلا لأن يكون ديمقراطيا أم لا؟

محمود أباظة: لا وهو في الوضع الحالي.. في الوضع الحالي وفقا لما رأيناه لا يمكن أن يقبل الديمقراطية سواءً.. لا يستطيع أن يتعايش معها..

غسان بن جدو: هكذا إذاً .. إذاً القومي العربي لا يستطيع أن يتعايش مع الديمقراطية؟

جواد الخالصي: لا أنا أعترض على هذا، الحكم القومي العربي إذا أراد أن يطبق عقيدته في الالتزام بأمر الأمة العربية ليس فقط يمكن أن يكون ديمقراطيا بل يجب عليه أن يكون ديمقراطيا والإمكان حاصل وأنا أعتقد أن الأنظمة العربية رغم أن كل هذه الأنظمة لا تطبق الديمقراطية ولكن بعضها يتمكن وبإمكانية عالية أن يتحول إلى نظام ديمقراطي إذا جرى تفاعل جيد بين..

غسان بن جدو: كيف ذلك؟ طيب كيف.. أي مشاهد الآن يسألك شيخ جواد الخالصي أو الدكتور عبد الإله أو الجميع يسألكم بالتحديد كيف ذلك بعد كل تلك العقود؟ أروني كيف يمكن لنظام يرفع الشعار القومي العربي أن يكون متصالحا مع شعبه وديمقراطيا أروني؟

جواد الخالصي: أولا أنا أشير..

غسان بن جدو: ليس أنا كشخص.. أتحدث عن المشاهدين..

جواد الخالصي: أنا أؤيد ما قاله الأستاذ جورج من أن القضية ليست في الأنظمة القومية العربية..

غسان بن جدو: لنتحدث عن القوميين العرب الآن.. نتحدث عن القوميين العرب..

جواد الخالصي: نعم حتى لا يكون هنالك تبرئة لغير هذه الأنظمة هاي مسألة مهمة لكن أقول إن أي نظام الآن في البلاد العربية..

غسان بن جدو: يعني ألا تميز بين الحكم مثلا في اليمن والحكم في العراق؟ ألا تميز بين الحكم الموجود في الأردن والحكم الموجود في سوريا أو ليبيا على سبيل المثال؟ كما يقول خصوم القوميين العرب؟ ألا يمكن أن تميز بين الحكم الموجود في الجزائر على سبيل المثال حيث التدافع والانتخابات؟ ألا يمكن حتى أن تميز بين الواقع الموجود في المغرب وثمة حكم ملكي هناك ولكن هناك تعددية سياسية وهناك حركة ثقافية ناشطة جدا هناك ملايين يخرجون في الشوارع ولا أحد يقمعهم؟ ألا يمكن أن تميز بين كل هذه الأنظمة والواقع الموجود في هذه الحكومات وبين بلدان تحكم باسم القومية العربية؟

جواد الخالصي: هو.. حصل اختلاط الآن هل المقصود بالجزائر أنها حكم لا ينتسب إلى القومية العربية أم هو قومي عربي..

غسان بن جدو: هو لا يرفع شعار القومية العربية بالمعنى الأيديولوجي الكلاسيكي الذي نقصده يعني إذا كان بهذه الطريقة كل الحكومات العربية هي قومية عربية لأنها عربية.. لا أنا أتحدث عن الحكومات التي ترفع شعار القومية العربية وتقول..

جورج حاوي: من هي؟ سمِّها.

غسان بن جدو: مَن يعني.. العراق أنتم تسمونها ولكن معروف العراق سوريا ليبيا يعني هذه حكومات رفعت شعار القومية العربية بشكل أساسي ومصر في عهد عبد الناصر هذه الحكومات يعني عندما نريد الآن أن نحاسب التجربة القومية العربية نحاسبها من خلال هذه الأنظمة أليس هذا ما نقرأه في الكتابات دكتور عبد الإله؟

عبد الإله بلقزيز: يعني أنا سوف أتحدث من موقع نقدي للتجربة القومية علما بأنني لست عدميا في النظر إلى تاريخ هذه الحركة بل بالعكس أحاول أن أشدد على الأدوار التاريخية الكبرى التي نهضت بها هذه الحركة في التاريخ العربي المعاصر لكن من سوء المصادفات أن هذه الفكرة القومية التي نبتت في عراك تاريخي شديد مع الاحتلال والتجزئة الكيانية التي تعرض لها الوطن العربي بدءا من سيكس بيكو فيما بعد من المصادفات السياسية أن هذه.. والسيئة يعني أن هذه الفكرة القومية التي تطلعت إلى أن تكون ناطقا رسميا باسم الأمة وطموحات هذه الأمة إلى استئناف مشروعها النهضوي الذي انطلق في فترة ما من القرن التاسع عشر.. من سوء المصادفات أن هذه الفكرة التي صممت لنفسها أحزابا سياسية وأُطُرا سياسية تحولت سريعا إلى نظام سياسي، القوميون العرب..

غسان بن جدو: طيب أين العلة دكتور عبد الإله؟

عبد الإله بلقزيز: معلش خليني بس أكفِّي، القوميون العرب أصيبوا كما أصيب كثيرون وكما يصاب الليبراليون الجدد العرب اليوم.. أصيبوا بآثار نزعة استعجالية تريد أن تصل إلى السلطة سريعا وأن تحرق مراحل الزمن وأن تنفذ مشروعا نهضويا كبيرا بحجم ذلك الذي طرحته على نفسها والمؤسف أكثر من ذلك أن هذه الفكرة القومية العظيمة التي انتدبت قوى سياسية نفسها لكي تمثلها وتحملها في مشروع سياسي انقضَّ عليها العسكريون بدل أن تكون فكرة الجماهير فكرة الشعب فكرة طبقات الشعب تحولت إلى فكرة نخبة سياسية ثم انتقلت من فكرة نخبة سياسية أو حزب سياسي إلى فكرة تسطو عليها نُخب عسكرية وهي التي تقوم بتحويلها إلى نظام سياسي لكي تؤول في النهاية إلى نخبة.. إلى مسألة تستحوذ عليها نخبة أمنية داخل نظام عسكري..

غسان بن جدو: طيب وين حصل هذا؟ أين حاصل هذا الأمر؟

عبد الإله بلقزيز: حصل في كل البلاد العربية استثني مصر نسبيا، حصل في العراق حصل في سوريا حصل في ليبيا..

غسان بن جدو: يعني في مصر لم يكن بهذا الشكل؟

عبد الإله بلقزيز: في مصر استطاعت الثورة سريعا أن تتأقلم مع متغيرات الداخل المصري والمحيط العربي فأنجزت، أولا في مصر ما.. لا نستطيع أن نضع التجربة المصرية إلى جانب سائر التجارب القومية العربية بسهولة، التجربة المصرية كانت من الأصالة ومن التطلع بحيث نجحت في إنجاز مكتسبات كبيرة جدا لمصر وللمنطقة العربية، المشروع الناصري المشتبك مع الأحلاف الاستعمارية.. المشتبك مع المشروع الصهيوني المتطلع إلى تحقيق التنمية من خلال الإصلاح الزراعي والتأميمات والقرارات الاشتراكية وما إلى ذلك الدعم..

غسان بن جدو: لكن المنتقدين يقولون إنه فشل دكتور عبد الإله.. فشل في التنمية فشل في الإصلاح السياسي فشل في الديمقراطية فشل في حربه مع إسرائيل فشل..

عبد الإله بلقزيز: هذا غير صحيح، هذا الكلام بدأ بعد خمسة يونيو 1967 بعد يعني حينما..

غسان بن جدو: لم.. هؤلاء ربما تجرَّؤوا على القول بعد ما حصل عام 1976 ولكن قبل ذلك يقولون كنا مقموعين كانت الأجهزة الأمنية والاستخبارية كانت هي التي تقمعنا..

عبد الإله بلقزيز: أنا لم أُنهِ حديثي في هذا الموضوع، نقطة ضعف هذا المشروع هو المسألة الديمقراطية.. نقطة ضعف المشروع الناصري وردائفه من المشاريع القومية على التفاوت في الدرجة هو المسألة الديمقراطية..

غسان بن جدو: يعني في ذلك الوقت كان ممكن للتجربة الناصرية أن تكون ديمقراطية؟

عبد الإله بلقزيز: شكرا، أنا.. شكرا لهذا التنبيه، لم تكن هذه حالة استثنائية في مصر، كانت ثقافة حركات التحرر في العالم في الخمسينيات والستينيات والحركات الاشتراكية في العالم كانت كل هذه الحركات تقيم مقايضة أو مساومة بين فكرة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمنتجين وفكرة الحقوق السياسية للأفراد المواطنين، كانت تعطي الأولية لهذه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ظنا منها بأنها هي التي تمثل الرافعة التي يقوم عليها صرح البناء الوطني والبناء القومي، إذا كنا سنحاسب عبد الناصر..

غسان بن جدو: ربما لأنه سطا عليه الشيوعي.. الفكر الشيوعي سطا عليهم وقتذاك، أثَّر فيهم بشكل كبير..

جورج حاوي: فيه أثر لا شك في هذا الخلل..

عبد الإله بلقزيز: يعني في الصين مثلا أستاذ جورج يعرف هذا الشيء، يعني ما فينا نحكي عن الصين بإسقاطات اليوم، هذا المشروع القومي الاشتراكي نجح في أن يصمد تحت الحصار وأن يحقق أعلى معدلات التنمية والاندماج الاجتماعي في التاريخ الحديث هذا ليس مشروعا ديمقراطيا، لم يقم على أسس ديمقراطية هل نضرب كل تجربة الصين وكل التراث الهائل من المكتسبات والإنجازات التي تحققت في الصين بعلة أن الصين ليس بلدا ديمقراطيا؟

غسان بن جدو: لكن لماذا.. حينئذ لماذا تقول إن الخلل في التجربة الناصرية كان غياب الديمقراطية لماذا؟

عبد الإله بلقزيز: معلش الخلل كان في التجربة الناصرية هو الديمقراطية بمنظور اليوم.. بمنظور اليوم بمعنى أنه كان في وسع الناصرية لولا الضربة القاصمة في حرب 1967 كان في وسع الناصرية أن تستأنف وأريد هنا فقط أن أنبه إلى بيان مارس سنة 1968، كان منعطفا في نظرة الناصرية إلى الموضوع، على كل حال حتى على فرض أن بيان مارس كان مجرد محاولة لاستيعاب واحتواء مطالب بدأت تطل وتجهر بنفسها آنئذ بعد الهزيمة كان في وسع المشروع الناصري أن يستمر قادرا على تقديم إنجازات حقيقية على الأرض لولا التدخل الاستعماري الأميركي الصهيوني الذي ضرب هذا المشروع في عموده الفقري فحينما تكررت التجربة..

غسان بن جدو: لولا تدخل المشروع ما تسميه الآن بالمشروع الأميركي الصهيوني أو لولا القطيعة أو الفجوة القائمة بين الحكم وبين الشعب.

عبد الإله بلقزيز: هذه الفجوة أنا لا أظن أنها وسيعة إلى الدرجة التي تصور اليوم..

غسان بن جدو: طيب سيد جورج حاوي أنت عشت تلك التجربة...

جورج حاوي: أنا يعني أريد أن أقول حتى في ظل الأنظمة الاشتراكية النموذجية النظام السوفيتي والصيني وسواه، الموقف من الديمقراطية كان خاطئا إلى درجة أن الإنجازات الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الحضارية التي حُققت قد انهارت أو هي معرضة للانهيار بفعل عدم الفهم الصحيح لصفة.. لسمة ممارسة الديمقراطية، ما حصل في بلداننا أن هذه الأنظمة أخذت من الأنظمة الاشتراكية تلك أسوأ ما فيها دون أن تأخذ جوانبها الإيجابية كاملة وبالتالي كانت انتقائية فاتصفت بأنها نقلت تجربة الحزب الواحد أو الجبهة التي يقودها حزب واحد وفكرة التضحية بالحريات السياسية وحريات المواطن من أجل الحريات الاجتماعية أو الديمقراطية الاجتماعية ومن أجل المعركة فكان هذا السقوط المزدوج.

غسان بن جدو: لكن بصراحة سيد جورج الآن.. دعنا نتحدث يعني عندما تقول نأخذ جزءا من التجربة الاشتراكية أو القومية العربية وأخطأوا في أخذ الجانب الديمقراطي هي الديمقراطية كذلك هي كل متكامل والنظرية الأخرى هي كل متكامل هل يمكن أن تتعايش الديمقراطية مع هذا الجانب؟ عندما تقولون مثلا..

جورج حاوي: هذا ما أردت أن أقول إنه كان نقلا انتقائيا غير طبيعيا غير موضوعيا..

غسان بن جدو: لكن هل يمكن أن يتعايشوا؟ على سبيل المثال الآن عندما يتحدثون عن القوميون العرب ما الذي يرفعه القوميون العرب من شعارات أساسية؟ لنترك إحنا التنمية وكل هذه المسائل، مواجهة المشروع الصهيوني أليس كذلك هذا من أرفع الشعارات وأرقى الشعارات التي يواجهها القوميون العرب.

جورج حاوي: يا أخي أنا دائما بأقول لك طيب ليس.. هذا ما أردت أن أقوله إن الموضوع ليس موضوعا.. عندنا عندما استقلت أنظمتنا.. بلداننا العربية من الاستعمار القديم تباعا نشأت أنظمة أسميناها بأنظمة برجوازية وطنية أو ملكية أو رجعية تصدت لمهام الحيلولة دون قيام كيان صهيوني في فلسطين ففشلت، تحقيق نوع من الوحدة العربية ففشلت تحقيق التنمية ففشلت، على أنقاض فشلها جاء ما أسميناه نهوض حركة تحرر الوطنية العربية التي تسميها أنت الأنظمة القومية والتي كان النظام المصري أبرزها وأقواها ونموذجها الأساسي وقُلد في أشكال مختلفة في أنظمة حزب البعث أو الأقطار الأخرى، مع الأسف إن النوايا الجيدة لهؤلاء الضباط الأحرار ولتلك الشرائح من المثقفين التي تبنت شعارات الوحدة وتحرير فلسطين والحرية والاشتراكية هذه النوايا الحسنة لن تترجم بمنطق عقلاني يستطيع أن يقود هذه الأمة لتحقيق هذه المطالب بل على العكس من ذلك وقد فشلت هذه.. حركة التحرر الوطنية العربية عن تحقيق ما انتفضت من أجل تحقيقه إلى درجة أن باتت الشعوب العربية تترحم على تلك الأنظمة القديمة بأن الوحدة العربية ليس فقط لم تتحقق بل إن وحدة أقطارنا الداخلية مهددة والاشتراكية ليس فقط لم تتحقق بل إن عدد المليونيرية اليوم في تلك الأنظمة التي ادعت تطبيق الاشتراكية ازداد ألوف الأضعاف عما كان سابقا والحرية نُحرت وازداد عدد الشرائح الاجتماعية والثقافية في السجون وبالتالي أين هي الوحدة والعدو الإسرائيلي بات متحكما في القرار العربي بمعزل عن شكله.


المشروع القومي الليبي

غسان بن جدو: هل ينطبق هذا الأمر على ليبيا؟

جورج حاوي: هذا.. ليبيا هي أصغر بلد في هذه المجموعة وبالتالي هناك رغبة ذاتية إرادية في أن تبقى خارج هذا الاستنتاج ولكن في المحصلة هي أيضا جزء من هذا الاستنتاج.

غسان بن جدو: أي؟

جورج حاوي: هذا جزء من هذا ..

غسان بن جدو: أي ماذا؟

جورج حاوي: أي الأمر الذي.. أي أنها أيضا..

غسان بن جدو: يعني في ليبيا هناك حكم يرفع شعار القومية العربية هل أن الآن لسنا نقول تاريخه فقط ولكن حاضره الآن.. يعني ليبيا خطت خطوات مخالفة تماما لخطوات الأنظمة التي ترفع شعار القومية العربية تتعاون مع أوروبا تتعاون مع أميركا تتعاون إلى أقصى حد هناك تجديد..

جورج حاوي: هذا ممكن.. هذا الفشل اللي أشرت إليه ربما يفسر ردة الفعل هذه لدى القائد معمر القذافي ليس حيال صيغة ما فشلت في تحقيق إنجازات الأمة العربية بل حيال صيغة الأمة العربية أو الوحدة العربية ويفسر هذا التوجه الإفريقي.. الفضاء الأفريقي ويفسر هذا التوجه الغربي ولكن التحدي الرئيسي هو في كيفية النهوض مرة أخرى بالحالة القومية.. بالحالة العربية.. بالمشروع العربي الحضاري الجديد..

غسان بن جدو: طيب ما الذي تريدونه من مثال أبرز سيد جورج حول.. ما الذي تريدونه من مثال أبرز حتى تقولوا إن الحكم الذي يقوم على شعار القومية العربية لا يمكن أن ينجح أكثر من المثال الليبي؟ يعني المثال الليبي لمدة عقود وهو من أبرز الحكومات على الإطلاق التي تدافع عن الأمة العربية وقدمت الأموال ودعمت كل.. وفي الآخر سياساتها.. ويقول معمر القذافي.. يقول الحكم في ليبيا بشكل صريح لقد خُذلتُ.. لقد أُحبطت وأنا متجه لشيء آخر وتبا لكل ما سلف.

جورج حاوي: هو هناك علاقة متبادلة..

غسان بن جدو: يعني كلامه في جوهره فشل لهذا المشروع القومي العربي.

جورج حاوي: كلامه اعتراف بواقع ولكن أنا من الذين يدعون إلى معالجة هذا الواقع وليس الخضوع لنتائجه..

غسان بن جدو: طيب سيد.. دكتور في عبد الاله في هذه القضية..

عبد الاله بلقزيز: أولا ليبيا ليست مثالا طيبا للحديث في الحركة القومية العربية..

غسان بن جدو: لماذا ليست مثالا طيبا؟ يعني أهناك بلد قومي عربي دعم العرب ودعم الشعوب العربية ودعم حركات التحرر.. ما تسمى بحركات التحرر في الأمة العربية وفي خارجها؟ أهناك أكثر من حُكم في ليبيا كيف؟

عبد الاله بلقزيز: يعني هذا كان زكاة إذا أردنا.. زكاة سياسية عن فائض من الامتيازات جمعها هذا النظام في الداخل بما في ذلك صمت مع الأسف وأشدد على هذا.. صمت كل فصائل حركة التحرر الوطني العربية عن ما كان يجري في ليبيا طوال سنوات السبعينيات والثمانينيات وحتى الآن..

غسان بن جدو: ما الذي كان يجري؟

"
النظام الليبي مثال سيئ للقومين العرب فهو يخون من يتحزب رغم أن ذلك يعد أبسط الأشكال  لممارسة الحق السياسي
"
عبد الاله بلقزيز
عبد الاله بلقزيز: من كبت.. من قهر للحريات، هذا البلد يُخوِّن من يتحزب يعني حتى أبسط الأشكال البدائية لممارسة الحق السياسي تقع في خانة الخيانة في ليبيا يعني أنا قلت ليس مثالا طيبا..

جورج حاوي: ليس.. لا.. بس هذا شيء نظري..

عبد الاله بلقزيز: ها؟

جورج حاوي: في الممارسة كل الأحزاب العربية تنشط نشاطات استثنائية في ليبيا دعما للمقاومة والحركة الوطنية ولغيرها.. يعني هذا الشعار من تحزَّب خان هو نوع من الترف الفكري الذي لا يمارس في ليبيا حتى..

عبد الاله بلقزيز: لا بس إنه..

غسان بن جدو: يعني ربما قصده إنه فعلا يمكن المشكلة هو البلدان العربية التي تحتضن هذه الأحزاب وهذه الحركات هي ليبيا أليس كذلك؟

جورج حاوي: مش هذا هو المثل، نعم.

غسان بن جدو: لا أجبه في هذه النقطة.

عبد الاله بلقزيز: لا أنا قلت هذه زكاة سياسية.. هذه زكاة سياسية تدفعها لاحتضان..

غسان بن جدو: بسِّطها للمشاهد..

عبد الاله بلقزيز: سأقول.. سأوضح، أولا لست أفهم كيف يحق لنظام سياسي يجرِّم الانتماء السياسي في بلده ويعتبر الأحزاب طوابير مدسوسة في نسيج المجتمع لتخريب وحدته الوطنية ولتخريب توجهه العروبي، لست أفهم كيف يقيم هذا النظام علاقات مع أحزاب سياسية..

جورج حاوي: هذا واقع.

عبد الاله بلقزيز: لست أفهم ذلك، نظام يخوِّن من يتحزب يتعاطى مع أحزاب هذا ما أسميه أنا بالزكاة السياسية..

غسان بن جدو: ما الذي تقصده واقع سيد جورج؟ يعني نريد أن نفهم من هذا النقاش..

جورج حاوي: هو يتعاطى ويتعاطى بإيجابية ولكن من المفهوم النظري النظرية التي يقوم عليها النظام الليبي هي أن المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية واللجان الثورية أن الشعب كله يمارس الديمقراطية، أنا لا أدافع.. من هذا المفهوم من الخطأ أن تأتي أنت وتقسم هذا المجتمع إلى هذا الحزب أو ذاك، هي صيغة ما من صيغ الحزب الواحد أي المؤتمر الشعبي العام ولكن بصيغة أخرى وبالتالي أنا رأيي ألا يتحول النقاش حول ليبيا مو سبب المشكل فيها إنه فيه هذا السكوت العربي الآن..

غسان بن جدو: يعني أليست لديك مشكلة في أن نتحدث عن العراق وسوريا ولكن المشكلة.. هي أمثلة حدد..

عبد الاله بلقزيز: ليبيا هي نتيجة وليست سبب سقوط الوضع في مصر في العراق في سوريا في المملكة العربية السعودية في لبنان في هذه الدول القادرة على المواجهة هو الذي أدى إلى هذه النتاجات..

غسان بن جدو: قبل أن أعود إليك شيخ جواد..

عبد الاله بلقزيز: يعني هو كما يقال الأمور بخواتمها، هذا الجدل لم يعد له مكان اليوم لأن ليبيا حسمت أمرها وفكت كل أواصر العلاقة بينها وبين كل ما حملته سابقا من مبادئ حول العروبة والقومية العربية وما إلى ذلك لهذا قلت في البداية أنها ليست مثالا طيبا للحديث لأن الأمور بخواتمها..

غسان بن جدو: حسمت أمرها لماذا؟ لأنها اقتنعت بأن هذه الأفكار.. هذا المشروع لا يمكن أن ينجح هذه قناعتها.

جورج حاوي: لا هناك صراع مستمر حول الموضوع..

عبد الاله بلقزيز: ليس ثمة..

غسان بن جدو: هل يعني.. معلش خليني معك سيد جورج، هل تعتقد بأن لأن الضغوط الدولية الأميركية الأوروبية كانت ثقيلة وكبيرة جدا على ليبيا وحصار لمدة سنوات أجبرت الحكم في ليبيا.. السلطة في ليبيا على انتهاج هذا الخيار مُكره أخاك لا بطل؟

جورج حاوي: المفروض هناك مراجعة شاملة في ليبيا على ما أعتقد..

غسان بن جدو: على ما تفهم نعم..

جورج حاوي: بمجمل الممارسة وهناك استنتاجات أن ليبيا التي حوصرت لم تستطع أن تفك الحصار بالاستناد إلى الأمة العربية لا كجماهير ولا كأنظمة بل إن إفريقيا كانت أكثر رحمة بها من أشقائها العرب هذا أول استنتاج، ثاني استنتاج في ظل التفكك العربي وفي ظل المغامرات العربية الفاشلة وخاصة في الحكم العراقي وفي الأنظمة الأخرى وما أدت إليه من بداية الحرب ضد إيران الأولى في حرب الخليج إلى المغامرات الثانية وما أدت إليه من مساعدة الوجود العسكري الأميركي الغربي في غرز أظافره في هذه الأمة كان من الطبيعي أن يفكر أي نظام يريد أن ينقذ بلده ورأسه في حماية من نوع آخر يخطئ هنا أو يصيب ولكن لم يعد بالإمكان الدفاع عن النفس.. عن الذات حتى ما يسمى عن الثورة من خلال نفس الوسائل والأساليب والأطر السابقة فاختار العلاقة المباشرة..

غسان بن جدو: إذاً هو واقعي..

جورج حاوي: آه واقعي أن كل ما..

غسان بن جدو: إذاً نستطيع أن نتحدث عن شيء اسمه عروبة جديدة.. تجديدية مع..

جورج حاوي: أستاذ غسان ما داخل بالعروبة هذا لا علاقة له في العروبة..

غسان بن جدو: قومية..

جورج حاوي: هذه ممارسات سياسية مرحلية مؤقتة، أنا أعتقد أن عودة نهوض المشروع القومي العربي الحضاري الديمقراطي المستقبلي سيستعيد ليبيا أيضا..

غسان بن جدو: نعم، يعني المشروع القومي العربي الذي موجود في ليبيا مشروع واقعي..

جورج حاوي: هذا يا أستاذ حضاري جديد..

غسان بن جدو: واقعي ليس جامدا..

عبد الاله بلقزيز: أي مشروع قومي في ليبيا يا رجل؟ ثمة انكفاء إلى الفكرة الوطنية بين هلالين الليبية معطوف على انقلاب في الخيارات الخارجية لليبيا باتجاه أفريقيا تحت طلب دولي بأن يصار إلى تكليف ليبيا بدور أفريقي لمناهضة الدور الفرنسي والأوروبي في أفريقيا هذه الخيارات واضحة..

غسان بن جدو: كيف ذلك يعني؟

جورج حاوي: بالعكس يعني الدور.. دور بنَّاء في وقف..

عبد الاله بلقزيز: أستاذ غسان..

جورج حاوي: وقف المجازر وقف حمامات الدم محاولة النهوض بأفريقيا وهو يصطدم مع الأميركيين ويصطدم مع الفرنسيين، أنا أقترح أن المشكل الرئيسي كيف النهوض بالأمة العربية..

غسان بن جدو: تفضل شيخ، أنا أريد رأي الشيخ جوادي في هذه القضية..

جوادي الخالصي: أعتقد تشعبنا في الحديث في أمور..

غسان بن جدو: لا نحن نتحدث الآن.. نتحدث عن نماذج..

جوادي الخالصي: اسمح لي.. سأتحدث عنها أنا أيضا..

غسان بن جدو: تفضل.

جوادي الخالصي: أنا أعتقد أن الأنظمة إذا اضطرت لممارسات في مرحلة محددة للدفاع عن نفسها لا ينبغي أن نأخذ قياس قراراتنا على هذه المرحلة الضيقة والصعبة هذا أولا، ثانيا أن نعطي الخيارات الأخرى لتجديد الحركة الجديدة في الأمة حركة المصالحة بين الأنظمة وبين الشعوب ونحن نطالب الأنظمة بصراحة أن تبادر هي إلى مصالحة الشعوب والاستجابة لمطالبها وإدخالها في العملية السياسية كحق مشروع وليس كمنَّة تُلقى على هذه الشعوب، النقطة الثالثة أن الدول التي نريد أن ننتقدها يجب أن ننظر إلى الإيجابيات التي تحققت فيها أيضا يعني إذا أردنا أن نذكر ليبيا لا ننظر إلى هذه المرحلة الضيقة الآن الصعبة علينا جميعا ولكن كما ذكر الأستاذ جورج أن مواقف وقفتها ليبيا في مرحلة من المراحل وهي مواقف مشهودة مع القضية الفلسطينية مثلا الحرب التي جرت بين العراق وإيران لليبيا كان موقفا واضحا في مواجهة هذه الحرب التي هي كانت بداية الانهيار الأخير الذي وقعنا فيه في هذه المرحلة، أيضا لا يعني هذا عدم نقد ما يجري في ليبيا داخليا هذا يجب أن نقوله بصراحة وبوضوح وأن نجلس مع الليبيين أنفسهم مسؤولين وشعوب وأن نصارحهم بالذي يجري، هذه هي بداية تحقيق النهضة العربية الجديدة طبعا هذا كله مبني على أساس من العودة إلى الفكر الأول الذي يمكن للعرب أن يستندوا إليه في هذه النهضة نحن نقول اليوم الديمقراطية أنا قد أسميها المبادئ العليا للشورى التي جاء بها الإسلام والتي بدأت نكبتنا منذ أن تخلينا عنها بعد نهاية.

غسان بن جدو: طيب سوف نتحدث عن هذا الحل السحري الذي يسمى ديمقراطية ولكن بعد هذه الوقفة، كونوا معنا من فضلكم.

[فاصل إعلاني]

غسان بن جدو: أهلا بكم أيها السادة، السيد أباظة في القاهرة، بعد كل هذا النقاش وبعد كل هذه العقود ما هو الحل المطلوب الآن لهذه الأمة انطلاقا سواءً من الأنظمة القومية العربية أو غيرها هل هو كما يصفه الدكتور عبد الاله بلقزيز ما يسمى بالحل السحري اللي اسمه الديمقراطية أم شيء آخر؟


ضرورة تصالح الأنظمة مع شعوبها

"
نحن أمام مرحلة مفصلية توجب الأولوية فيها  أن تتصالح الدولة مع شعبها من خلال اعتراف الحاكم بأخطائه
"
محمود أباظة
محمود أباظة: لا هو عدة أشياء الحل هو، أولا أن تتوفر الظروف الملائمة لكي يرضى كل شعب عن حاكمه ولذلك عندما تتحدثون عن ليبيا أو عن سوريا أو عن العراق نحن نتحدث عن حكام وليس عن بلدان وليس عن شعوب وبالكثير جدا عن أحزاب أصبحت أفراد إذا بدأت أحزاب فهي أصبحت أفراد والأفراد زائلة بطبيعة الحال حتى لو كان فيه توارث إنما الأفراد بتزول وبالتالي نحن أمام مرحلة مفصلية يجب أول نقطة مطروحة هي أن تتصالح الدولة والأمة في جميع الدول العربية تتصالح إما نتيجة لاعتراف الأنظمة الحاكمة بأخطائها وتقاربها من شعوبها وإما عن طريق تغيير هذه الأنظمة.. وهذه الأنظمة تغييرها مكلف جدا لو سقطت لأنه.. لأنها اندمجت بالدولة فعندما يسقط النظام بتنهار الدولة ولذلك علينا أن نجد طريقا آخر غير ما حدث في العراق ويمكن أن يحدث في سوريا وسوف ندفع ثمنه غاليا جدا فعلينا أن نجد هذا الطريق وبداية هذا الطريق أن نعترف لأنفسنا بأن الدول ليست الحكام وأن هناك دول عربية لها وجود ولها كيان ولها تاريخ ويجب ألا نخفضها أو نختزلها في الحاكم أو في النظام القائم، ثانيا أن هناك مستقبل لا يمكن..

غسان بن جدو: لكن هذا واقع في العالم العربي سيد أباظة..

محمود أباظة: أفندم؟

غسان بن جدو: قلت لك..

محمود أباظة: هو واقع قائم ولكننا كلنا نرى أنه يتغير هو.. نحن في نهاية مرحلة كل هذه الأنظمة في نهاية الطريق ولم تنجح في أن ترسم مشروعا جديدا وبالتالي فأنا لست معنيا كثيرا بهذه البقايا القديمة وإنما أنا معنِي بما يمكن أن يجمعنا في مستقبل ننتقل إلى مرحلة جديدة بطريقة أكثر أمنا مما حدث حولنا سواء أكان في لبنان أو كان في سوريا أو كان في العراق أو ما تبقى من العراق بعد هذه الكارثة أو كان في ليبيا أو كان في السودان أو إلى آخره، نحن على أبواب مرحلة جديدة لم يعد فيها الحديث عن المشروع القومي العربي أو المشروع الاشتراكي أو المشروع الديمقراطي، الحديث عن مشروع مستقبل كلنا مطلوب منا أن نساهم فيه لأن مرحلة انتهت.. المرحلة التي مررنا بها جميعا انتهت، كلمة أريد أن أعلق بها على ما قيل عن النظام المصري وتجربة عبد الناصر.. قطعا تجربة عبد الناظر.. كان النظام السياسي لعبد الناصر كان نظاما عسكريا وكان نموذجا أخذت به كثير من الأنظمة العربية وهو.. هذا النظام هو الجانب الفاشل في هذه التجربة أما شخصية عبد الناصر وكاريزمة عبد الناصر ووجود عبد الناصر حاكما لمصر التي بدأت نهضتها الحديثة من أوائل القرن التاسع عشر هو الذي مكَّن من تحقيق الإنجازات التي حققتها هذه التجربة وأن تجمع الأمة العربية أو الشعوب العربية حول مشروع مثَّله شخص غير عادي.. شخص كاريزماتي وشخص.. ويحكم أكبر بلد عربي وأقدم بلد عربي في التطور نحو الحداثة إنما تلاميذه في الأنظمة الأخرى أخذت عيوبه وهو النظام السياسي ولم تستطع أن تأخذ مزاياه الشخصية وبالتالي كانت صورا أقل إضاءة إنما العيب واحد نحن عندنا أنظمة عسكرية سلطوية جميعها فشلت في أن تتصالح مع شعوبها وأن تحقق التنمية بعد الاستقلال.

غسان بن جدو: هناك سيد أباظة أود أن أبقى معك، هناك من يقول إن التحدي الإسرائيلي هو أخطر التحديات وأن المشروع القومي العربي لا يمكن أن يتعايش مع هذا التحدي الإسرائيلي، أنتم عندما.. الآن عندما تدعو إلى مصالحة الدولة مع المجتمع هل أنتم في مصر خرجتم مما يسمى بهذا التحدي الإسرائيلي ووصلتم إلى هذه المصالحة بين الدولة والمجتمع أم شيء آخر؟

محمود أباظة: لا التحدي، أولا التحدي الإسرائيلي تحدي عسكري وحضاري، الجانب العسكري منه انتهى إلى حين أما الجانب الحضاري فمستمر فالتحدي الإسرائيلي يفترض التنمية ويفترض التعليم ويفترض البحث العلمي ويفترض العدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي يفترض مشروع نهضوي هذا هو التحدي الإسرائيلي وفي حقيقة الأمر لو أننا ما فشلناش في الخمسين سنة الماضية في تحقيق هذا المشروع النهضوي العام لما كان التحدي الإسرائيلي بهذا الحد ولما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه في الوقت الحالي وبالتالي فنحن عندما نقف في هذه النقطة ونقول نحن أمام مرحلة تنتهي ومرحلة أخرى تبدأ ليس في مصر فقط ولكن في المنطقة كلها لأن فيه أنظمة تشيخ وتنتهي ويتجاوزها الزمن وإنما عندما يتجاوزها الزمن لم تعد تفي بالغرض بتفضل كهياكل قائمة إلى أن تظهر الهياكل الجديدة ولذلك فأنا أعتقد التحدي.. فكرة أن التحدي الإسرائيلي يمنع المشروع التنموي ويمنع المشروع الديمقراطي ويمنع المشروع الاجتماعي هذه فكرة خاطئة استفادت بها الأنظمة الاستبدادية ولم تعد تنطلي على أحد الآن وبالتالي التحدي الإسرائيلي تحدي حضاري والمطلوب من الدول العربية والمطلوب من الأمة العربية أن تنجح في عملية الحداثة وفي بناء المجتمع الحديث وفي دخول العصر الحديث بكل ما لها من إمكانيات فعليها أولا أن تتغلب على قصور الداخل لكي تستطيع أن تواجه ضغوط الخارج.

غسان بن جدو: إذاً سيد جورج حاوي.. السيد أباظة يقول التحدي الإسرائيلي لا يمنع شيئا آخر ربما كان كذبة، هذا الأمر.. هل أن هذا الأمر ينسحب أيضا على سوريا؟

جورج حاوي: نعم وعلى العكس تماما لا يمكننا أن نواجه التحدي الإسرائيلي بنجاح إلا إذا واجهنا التحدي الديمقراطي، تحدي بناء البديل الديمقراطي الحضاري بدون ذلك ستبقى إسرائيل تذلنا فردا.. فردا شعبا.. شعبا وأمة ككل والمشكلة أن القضية كانت مطروحة عكس ذلك كانت مطروحة اسكتوا ادخلوا في السجن صفقوا لنا لأننا سنحرر فلسطين..

غسان بن جدو: لكن كيف عمليا.. الآن عندما نتحدث الآن مثلا عن سوريا..

جورج حاوي: العملية الآن في كلمتين نعم..

غسان بن جدو: بشكل واضح عندما نتحدث عن سوريا ثمة ضغط دولي على سوريا..

جورج حاوي: نعم.

غسان بن جدو: هو عن حق أو عن باطل هذا أمر آخر هو مصيب أو مخطئ هذا أمر آخر لكن ثمة ضغط دولي كبير على سوريا..

جورج حاوي: نعم.

غسان بن جدو: القادة السوريون يقولون إن رأسنا مستهدف وهويتنا القومية مستهدفة ولأنهم يريدون مَّنا أن نستسلم لإسرائيل فنحن مستهدفون، هل أنت مع هذه المسألة أم لا؟

جورج حاوي: أنا مع صمود سوريا..

غسان بن جدو: أم ترى أنه برغم أن كل هذا الأمر ينبغي أن ينفتحوا على الديمقراطية لأنها ربما تكون صمام أمان أين أنت من هذا الطرح؟

جورج حاوي: لماذا ننظر إلى الديمقراطية كعقوبة تضعفنا في مواجهة العدو الإسرائيلي على العكس تماما على سوريا أن تنتفح على الديمقراطية لتستعين بطاقات الشعب السوري الخلاقة بمثقفيه بعماله بجماهيره ولتستطيع أن تشكل نموذجا يلتف حوله الوضع العربي كي نستطيع أن نجابه الضغوط الأميركية لا نستطيع أن نواجه الضغوط الأميركية بالمزيد من الاعتقالات بالمزيد من وضع النجوات بالمزيد من منع المثقفين، إن مثل هذا النهج إذا استمر هو فتح الباب أمام دخول المشروع الاستعماري والصهيوني..

غسان بن جدو: لكن السوريين يقولون هاكم النموذج العراقي أمامنا بأقاطعك، سأعود إليك شيخ جواد لكن هاكم النموذج أمامكم..

جورج حاوي: النموذج العراقي فتح الباب..

غسان بن جدو: بدعوة أن النظام مستبد وأسلحة الدمار الشامل فأصبح الحكم في العراق كما يقول السوريون بطبيعة الحال أو جزء من السوريين هل حكم العراق أنتم تعرفونه الآن؟

جورج حاوي: طيب ولكن ما هو الذي أتى بنا إلى هذا الحكم صحيح أن أميركا معادية وهي تبحث عن ضحايا ولكن لولا الثغرة التي أوجدها حكم صدام حسين في الوضع الداخلي العراقي باضطهاده للشعب العراقي لقومياته لفئاته لجماهيره ولو أنه لم يفتح تلك الحرب المجرمة ضد إيران ولو أنه استطاع أن يقود سياسة تعاون ولم يغزو الكويت واستطاع أن يبني سياسة ديمقراطية في الداخل وعلاقات عربية جيدة وعلاقات حسن جوار مع إيران لما كانت أميركا تدخل..

غسان بن جدو: لكن هناك ديكتاتورية في أماكن أخرى ولم تتدخل أميركا القضية الآن ليست فقط لأن النظام العراقي دكتاتوريا..

جورج حاوي: أميركا تطمح في بترولنا..

غسان بن جدو: القومية العربية إلى آخره، هناك.. هذه قضية أخرى..

جورج حاوي: أميركا تطمح في نفطنا.. أستاذ غسان أميركا تطمح في نفطنا في خيراتنا في موقعنا الاستراتيجي وفي حماية إسرائيل لا يمكن أن نكتفي في أن نشتم أميركا وإسرائيل ولكن قوة أميركا وقوة إسرائيل هي في ضعف أنظمتنا في طابعها الديكتاتوري في طابعها الفاشي في طابعها المعادي للشعوب ومن موقع دراستنا للتجربة العراقية نقول على سوريا أن تبادر إلى إصلاح ديمقراطي حقيقي يستند إلى طاقات الشعب السوري وإمكانياته لتستقطب طاقات الأمة العربية في دعمها وإلا فالمصير سيكون أسود ونحن في لبنان سندفع الثمن المزدوج.

غسان بن جدو: الشيخ جواد وأنت العراقي والمتابع للشأن السوري.


الديكتاتورية الداخلية مقابل التدخل الخارجي

جواد الخالصي: أمام الكذبة الكبرى التي تريد الإدارة الأميركية ترويجها في العالم عن العراق الجديد علينا أن نستلهم مجموعة من العِبر المهمة في هذه المرحلة، أول هذه العبر أن التدخل الخارجي هو الشيء الوحيد الأسوأ من الاستبداد الداخلي وحال العراق واضح للجميع ونحن قلنا هذا قبل الحرب وفي ندوة حضرتها أنت..

غسان بن جدو: لكن لماذا شيخ جواد؟ لماذا هو أسوأ من الاستبداد الموجود في الداخل؟ يعني نحن هنا في لبنان سمعنا كلاما من بعض الأخوان المعارضين يقولون عكس هذا الأمر.. يقولوا عكس هذا الأمر لأنه كان هناك نظام أمني واستخباراتي..

جواد الخالصي: الأخوان المعارضون..

جورج حاوي: مع لبنان..

غسان بن جدو: نعم.

جورج حاوي: لا مجال للتدخل الخارجي الآن في لبنان عسكري..

جواد الخالصي: المعارضون.. أستاذ غسان اسمح لي..

غسان بن جدو: هناك رموز معارضة لبنانيين قالوا مرحب بالوصاية مرحب بالانتداب، المهم..

جورج حاوي: أبدا .. أبدا كلهم قالوا لا للوصاية..

غسان بن جدو: هذا أمر قيل.. هذا..

جواد الخالصي: أستاذ غسان..

جورج حاوي: يمكن هذا ذلة لسان..

غسان بن جدو:يمكن هذا ذلة لسان لكن هذا الأمر قيل..

جواد الخالصي: أستاذ غسان إذا قال هؤلاء الأخوة المعارضون هذا الكلام فإنهم يخطؤون بنفس الخطأ القاتل الذي وقع فيه معارضون آخرون في العراق وأنت تذكر قبل الحرب..

غسان بن جدو: لكن لا يعني حتى أصحح.. حتى أكون واضحا في هذه القضية لا يعني بأن هؤلاء يرضون بالوصاية وبالانتداب..

جواد الخالصي: فليكن..

غسان بن جدو: كل ما أقوله أن هؤلاء على الأقل الذين تحدثوا بهذا الأمر هم ديمقراطيون حقيقيون..

جواد الخالصي: أريد النتيجة..

غسان بن جدو: لكن ربما لأن الضغط كان شديدا عليهم فانفعلوا بهذه الطريقة..

جواد الخالصي: حتى هذا الضغط ليس مبررا..

جورج حاوي: لا أحد يستطيع أن يقبل بوصاية أميركية بديلا عن وصاية سوريا في لبنان..

"
مهما عانينا من النظام في الداخل يبقى التدخل الخارجي هو الشيء الأسوأ الذي يسير بنا إلى الكارثة وهذا ما نراه اليوم فيما يسمى بالعراق الجديد
"
جواد الخالصي
جواد الخالصي: حتى الضغط ليس مبررا، أنا قلت قبل الحرب وفي الندوة التي أقمتها في الجزيرة نفسها في هذا البرنامج قلت إنه مهما عانينا من النظام في داخل العراق فالتدخل الخارجي هو الشيء الأسوأ الذي يسوق بنا.. يسير بنا إلى كارثة وهذا ما نراه اليوم حول هذه الكذبة التي تسمى العراق الجديد وفي هذا تفصيل طويل لا أريد أن آخذ وقت البرنامج الآن وأما سوريا فسوريا فعلا هي مستهدفة لا لأن أميركا تريد أن تطبق الديمقراطية في سوريا لأن سوريا تقف في وجه إسرائيل لأن سوريا تدعم المقاومة لأن سوريا هي القلعة الوحيدة التي بقيت في هذه المنطقة بشكل شامخ وقوي، هذا أيضا لا يعني أننا لا نريد أن تُستغل أو يُستفاد من طاقة الشعب السوري كاملا في هذه المواجهة بالعكس.. العكس هو الصحيح حين نريد مواجهة المشروع الصهيوني وهو الخطر الأكبر في المنطقة يجب ألا ننسى هذه النقطة ومن يساوي بين سوريا وبين الخطر الصهيوني هذا للأسف الشديد مخدَّر ويعمل لصالح أعداء الأمة ولصالح أعدائه وهو لا يعلم، نحن نريد وفي هذه المواجهة أن تبدأ عملية انفتاح شجاعة وقوية وبدون تردد لمصالحة حقيقية يشترك فيها كل المخلصين والفرصة في سوريا متاحة أفضل من أي مكان في العالم العربي، هذا الذي نريده ونعمل من أجله في كل البلاد العربية حتى البلاد التي نختلف معها نحن نريد لبلادنا أن تنهض وأن تقوم لا أن نساهم في إضعافها أخشى أن يقودنا إلى النقض إلى إضعاف بلادنا فنساهم من حيث نعلم أو لا نعلم في تطبيق المشروع الصهيوني والدعم الأميركي لهذا المشروع.

غسان بن جدو: ولمَ لا تقول العكس ولا تقول إنه ربما يساهم في الإصلاح؟

جواد الخالصي: أنا أطالب بالإصلاح.. أنا معك..

غسان بن جدو: النقد.. ليس بالضروة أن يخدم المشروع الصهيوني الأميركي والمشروع الذي يناهض الإصلاح..

جواد الخالصي: طريقة النقد أستاذ غسان، مرة أنتقد ومع نفس البلاد وفي نفس الداخل وأقترح وأقدم بدائل ومرة أقع بالخطأ الذي تفضلت به ذلة لسان..

جورج حاوي: مبرر..

جواد الخالصي: عندما أقول فلتأتي أميركا ولتنقذنا من هذا الاستبداد..

غسان بن جدو: لكن أعتقد مجرد انفعال..

جواد الخالصي: انفعال .. انفعال في العراق..

غسان بن جدو: ينبغي الإقرار هنا لا أحد في لبنان على الإطلاق يقبل بوصاية أجنبية أيا كان.. لا أحد..

جواد الخالصي: أستاذ غسان في العراق.. هذا الانفعال..

غسان بن جدو: أكان من الموالاة أم من المعارضة..

جواد الخالصي: هذا الانفعال صار..

غسان بن جدو: هل هذا الكلام دقيق؟

جورج حاوي: نعم.

جواد الخالصي: أنا عراقي.. في العراق هذا الانفعال صار كارثة وهذا الذي نعانيه اليوم في واقع العراق..

جورج حاوي: صحيح..

غسان بن جدو: هل الحل السحري هو بالفعل في الديمقراطية، دكتور بلقزيز؟

عبد الاله بلقزيز: يعني الديمقراطية فقرة في نص كامل.. في مشروع كامل أود ابتداءً أن ألفت الانتباه إلى أن جهدا نظريا وعلميا رصينا بُذل في العشرين سنة الأخيرة في مراجعة تجربة الحركة القومية العربية ومراجعة الكثير من اليقينيات والبديهيات التي قام عليها الفكر القومي في الحقبة الماضية، دعني فقط أن..

غسان بن جدو: تلك التي يشرف عليها مركز دراسات الوحدة العربية..

عبد الاله بلقزيز: يعني المشروع الذي أطلق مركز دراسات الوحدة العربية ليس هينا واستقرت هذه المراجعة على مجموعة من المقدمات أو من الأطروحات الجديدة التي تستحق الانتباه والمناقشة، مثلا أمام الثنائية التقاطبية التي كانت حاكمة للوعي القومي وهي الدولة القومية في مقابل الدولة القُطرية أصبح الحديث..

غسان بن جدو: خرجنا من هذا..

عبد الاله بلقزيز: خرجنا من هذا، أصبح الحديث يتجه نحو العنف بأن..

غسان بن جدو: أو الاشتباك بين العروبة والإسلام..

عبد الاله بلقزيز: الوطنيات.. بأن الوطنيات أي تلك الكيانات الاجتماعية التي تقع في وعاء ما يسمى بالدولة القُطرية نحن نسميها الدولة الوطنية في المغرب العربي على فكرة، هذه الوطنيات لا تتعارض مع فكرة الأمة الجامعة والواحدة..

غسان بن جدو: أو الاشتباك بين العروبة أو الإسلام..

عبد الاله بلقزيز: بل بالعكس ينبغي أن يكون بناء الدولة الوطنية أو الدولة القُطرية من الداخل البناء التنموي والبناء الاقتصادي هو الرافعة التي يقوم عليها صرح البناء القومي..

جورج حاوي: والعكس قد كلفنا كثيرا..

عبد الاله بلقزيز: والعكس كلفنا كثيرا صحيح، فكرة الفكرة الوحدوية البسماركية الإدماجية البروسية التي كانت حاكمة للوعي العربي لفترة.. الوعي القومي العربي لفترة طويلة الآن جرى تفكيك هذا الجهاز المفاهيمي الذي قامت عليها الفكرة تلك وبدأ الحديث عن الديمقراطية.. عن الوحدة الديمقراطية أو التوحيد الديمقراطي القائم على الرضا الطوع والقهر..

غسان بن جدو: الوقت ضيق علينا، سؤالي هل أن الديمقراطية تبقى الحل السحري لكل هذا المشروع؟

عبد الاله بلقزيز: الديمقراطية فيها جزء من هذا المشروع لا شك في أنه إذا لم يقم على أساس ديمقراطي فإنه يحكم على نفسه بالمراوحة في المكان وبالذهول..

غسان بن جدو: لكنه بات المدخل الأساسي ربما..

عبد الاله بلقزيز: (Ok)

جورج حاوي: شرط ضروري بس مش كافي..

عبد الاله بلقزيز: طبعا .. طبعا..

غسان بن جدو: لكنه ليس ضروريا..

عبد الاله بلقزيز: لكنه ليس شرطا أساسيا..

جورج حاوي: شرط ضروري بس مش كامل..

عبد الاله بلقزيز: لذلك هذه الموجة الجديدة التي تراجع الحقبة الماضية تتحدث عن مشروع نهضوي بدل الحديث عن مشروع قومي بالمعنى الكلاسيكي.. مشروع نهضوي قائم على المصالحة ما بين المطالب النهضوية الكبرى التي حملتها نُخب مختلفة وليس فقط النخبة القومية الإسلامية والليبرالية والماركسية والقومية، المشروع النهضوي أي المشروع الذي يقوم على الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري ينبغي لهذا المشروع أن يتحول إلى برنامج عمل يستورد كتلة شعبية من كل القوى التي تؤمن به وهذه هي التي تستطيع أن تجدد هذا الفكر..

غسان بن جدو: يعني هذه عناصر التجديد في المشروع القومي العربي..

عبد الاله بلقزيز: طبعا أنا شخصيا بطُل عندي أن يكون القومي بالتعريف هو الناصري أو الذي ينتمي إلى حزب البعث أو الذي كان في حركات القومية العربية، القومي اليوم.. القومية ليست حكرا لتيار اسمه القومي، الفكرة القومية هي فكرة لكل الأمة ولكل قواها، القومي العربي هو الذي يحمل اليوم هذه الأهداف النهضوية الكبرى التي تشاركت فيها نخب عديدة طوال القرن العشرين ونحن في حاجة اليوم إلى هذا الخطاب التركيبي الذي يجمع بين كل هذه..

غسان بن جدو: مع ذلك أن تجزم في آخر دقيقة للأسف، هل أنت تجزم دكتور عبد الإله بالعام الماضي في ورقة عن الإصلاح تقول التالي، من نافلة القول إن مشروعا من هذا الدرب يغير وجه المنطقة استراتيجيا ويزوِّل هويته، تتحدث عن الشرق الأوسط الكبير..

عبد الاله بلقزيز: الشرق الأوسط.

غسان بن جدو: ويزوِّل هويتها القومية، هل أن الهوية القومية مستهدفة؟ في نهاية الحلقة.

عبد الاله بلقزيز: طبعا .. طبعا..

جورج حاوي: حتما .. حتما..

غسان بن جدو: لماذا؟

عبد الاله بلقزيز: لأنه لا تستطيع.. العدو الخارجي لا يستطيع..

غسان بن جدو: من قال إن الهوية القومية مستهدفة؟ يعني أنتم الآن مطالبون إما بالإصلاح أو بالديمقراطية أو بأن يكون هناك سلام واستقرار أو تنمية واحتفظ بهويتك القومية أو هويتك الإسلامية لماذا؟

عبد الاله بلقزيز: أولا مفهوم الشرق الأوسط الأوسع نفسه..

جورج حاوي: يحولوننا خدما..

عبد الإله بلقزيز: يحولوننا خدمنا..

جورج حاوي: وتابعين لإيدلوجياتهم..

عبد الاله بلقزيز: أيوة.. طريقة حياتهم عفوا..

جورج حاوي: أنا أريد بس باختصار شديد إذا سمحت لي..

غسان بن جدو: جملة أخيرة..

عبد الاله بلقزيز: بس جملة واحدة فقط أستاذ جورج أن مفهوم الشرق الأوسط الأوسع هو نفسه تزوير لهوية هذه المنطقة، بطُل الحديث عن العالم العربي..

جورج حاوي: أنا أريد أن أقول هناك ثلاثة مستحيلات، مستحيل أن تستمر الأنظمة الراهنة في قيادة هذه الأمة، مستحيل أن يكون التدخل الأميركي والهيمنة الأميركية سبيلا للإصلاح ومستحيل أن تكون البن لادنية بديلا للأنظمة الراهنة، لابد من البديل الوطني الديمقراطي الشامل وهذا ينبغي أن نبنيه حتى لا تقع الأمة فريسة هذا الخيار الصعب والمستحيل..

غسان بن جدو: ومستحيل أنا..

جورج حاوي: وهذا يتطلب ثورة في الفكر القومي وليس فقط إصلاح ثورة في الفكر الديني وليس مجرد بعض الإصلاحات ثورة في الفكر الماركسي وليس مجرد ترداد لأفكار جامدة قديمة وثورة في الفكر الليبرالي فلا يكرر تجارب الغرب بشكل ميكانيكي إلى مجتمعاتنا وهي بعيدة عنها لكي نستنتج حالة حضارية جديدة تنسجم مع واقعنا وتخطط لمستقبله..

غسان بن جدو: من فضلك كلمة أخيرة شيخ جواد.

جواد الصالحي: هذه الثورة التي أشار إليها الأستاذان يجب في نظري لكي تنجح أن تستند إلى هوية هذه الأمة..

جورج حاوي: صح.

جواد الصالحي: بالمفهوم الحضاري الراقي الذي جرى في عهد النبوة وفي عهد الخلافة الراشدة مع نظرة متطورة للواقع الإنساني اليوم ونظرة إنسانية واسعة..

جورج حاوي: ومع إنجازات العصر..

غسان بن جدو: ونحن مستحيل أن لا نستضيفكم ثانية لنكرر هذا النقاش الثري والمعمق أستاذ جورج حاوي..

جورج حاوي: في هذا الجو الحلو..

غسان بن جدو: الشيخ جواد الخالصي، دكتور عبد الإله بلقزيز، أستاذ محمود أباظة، شكرا لكم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة مع تقديري لكم، شكرا لكل من ساهم في إنجاز هذه الحلقة من بيروت مع كل فريقي وطوني عون ومن الدوحة عماد بهجت وإسلام حجازي، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة