العدل بين الحاكم والمحكوم   
الأربعاء 16/6/1427 هـ - الموافق 12/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)

- مفهوم العدل وشروط تحقيقه
- العلاقة بين العدل وكل من العمران والنصر

- مجالات العدل في مختلف مناحي الحياة

- العدل في القضاء وعدل الحاكم


عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الثامنة من سورة المائدة بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} صدق الله العظيم. إن القرآن الكريم تحدث في أكثر من ثلاثمائة آية عن العدل وإذا عددنا الآيات التي حث الله تعالى فيها على العدل وحذر من الظلم وأمر بالحق لوصل العدد إلى حوالي ألف آية وقديماً قال بعض فلاسفة اليونان إن محبة جمال العدل هي التي تجعل الإنسان سياسيا خصبا منتجا، لكن لماذا يغيب العدل عن تعاملات الناس فيما بينهم؟ وكيف يمكن تحقيقه في شتى مناحي الحياة؟ وهل تحقيقه بين الحاكم والمحكوم مرهون بتحقيقه بين المحكومين أولا؟ وإذا كان العدل محور الأحكام التشريعية كقيمة عليا فلماذا يتركز الحديث على الحرية وليس العدل؟ إذاً العدل هو موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة في هذه الحلقة نستضيف الدكتور غالب القرشي وزير الأوقاف اليمني الأسبق فضيلة الدكتور أهلا بك.

غالب القرشي- وزير الأوقاف اليمني الأسبق: مرحبا.

مفهوم العدل وشروط تحقيقه

عبد الصمد ناصر: مرحبا فضيلة الدكتور مما لا شك فيه طبعا أن الحياة لا تستقيم إلا بالعدل وبدونه تختل والعدل غاية الرسالة السماوية يُقال في القول المشهور العدل أساس الملك، ما المقصود بالعدل هنا الذي نتحدث عنه في هذا الكلام؟

غالب القرشي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، في البداية نشكركم على دعوتكم هذه واستقبالكم وحفاوتكم وأهنئكم على نجاحكم في هذه القناة..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: بارك الله فيك..

"
اليوم نرى أن العدل مفقود في أغلب البلدان حتى البلدان التي قطعت شوطا كبيرا في مجال الحريات وحقوق الإنسان
"
غالب القرشي [متابعاً]: العالمية والنجاح الذي نلمسه بل يلمسه كل مشاهد وسامع يشهد بهذا ونحن نحمد الله عز وجل أن توجد مثل هذه القناة ونجاح هذا البرنامج برنامج الشريعة والحياة شاهد على ما أقول وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ شيخ الإسلام الدكتور يوسف القرضاوي وأن يطيل عمره ويحسن عمله ويزيد من عطائه، الحقيقة العدل الذي يمكن أن نتحدث عنه معناه لغة كما قال أهل اللغة ما قام بالنفس إنه مستقيم والعدل ضد الجور والعدل إذا أراد لنا أن نعرِّفه اصطلاحا فهو عمل مَن له الأمر شيئا من قول أو فعل في موضعه دون جور أو ظلم، هذا هو العدل الذي يبحث عنه الناس والعدل الذي قال العلماء قديما إنه أساس الملك وإنه سبب النجاة في الدنيا والآخرة هو الذي نراه اليوم يكاد يكون مفقودا في أغلب البلدان حتى البلدان التي قطعت شوطا كبيرا في مجال الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية لا تريد أن يكون العدل سائدا في هذه الدنيا.

عبد الصمد ناصر: عموما ليس هناك شيئا اسمه العدل المطلق على وجه البسيطة، متى يتحقق هذا العدل وإن كان نسبيا يعني هل يمكن الحديث عن شروط لتحقيقه؟ وما هي هذه الحقوق؟

غالب القرشي: العدل المطلق هو لله عز وجل أما الإنسان مهما كان عادلا فإن عدله يعتبر نسبيا والكمال نسبي ولا شك أن أعدل الناس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الذين جاؤوا من بعده وأصحابه الذين ساروا على هديه والعدل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا التزم الناس بشرع الله عز وجل، ذلك أن العدل وكما أننا نعيش في هذا البرنامج الشريعة والحياة العدل من أهم أو ربما أهم ما تحتاجه البشرية لحياة سعيدة بل للدنيا والآخرة، لا يمكن أن يوجد إلا إذا ارتفع شيئاً كما قال ابن تيمية رحمه الله عز وجل.. في الآية قوله تعالى {إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} قال لا يمكن أن يرتفع الظلم إلا بالعدل ولا يمكن أن يرتفع الجهل إلا بالعلم، فالأصل في الإنسان أنه ظلوم وأنه جهول وأنه يميل إلى الظلم ما استطاع إلى ذلك سبيل، لا يمكن أن يرتفع هذا الظلم الموجود السائد في العالم اليوم إلا بالعدل، كيف نوجده؟ لابد أن نرجع إلى شريعتنا الصالحة إلى ما نجد من آيات وأحاديث وسيرة للرسول عليه الصلاة والسلام وسيرة الخلفاء الراشدين ثم أيضاً لابد أن نعرف بأن مرضنا اليوم هو الظلم والجور والحرمان، الإنسان سواء كان مسلماً أو غير مسلم في هذا العالم الثالث الذي يعاني من الظلم كثيراً.

عبد الصمد ناصر: نتفق أن العدل الكامل هو لله سبحانه وتعالى وأنا العدل في الأرض هو نسبي ولا يمكن أن يتحقق عدل مطلق، ما علاقة إذاً العدل أو الظلم بالفطرة هل للفطرة علاقة بالأمر؟

غالب القرشي: الأصل أن الإنسان بفطرته يميل إلى الظلم ما لم يكون استقام أمره الإيماني..

عبد الصمد ناصر: بفطرته يميل إلى الظلم..

غالب القرشي: والعلم ما لم يكن قد تربى على الإيمان وعلى العلم وعاش في مجتمع يسوده العدل فإنه يميل إلى الظلم وهناك مصداق لقول الشاعر

والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلِعلّة لا يظلم

هناك شيء من الحق في هذا القول وليس هو أصلاً في هذا الموضوع.

العلاقة بين العدل وكل من العمران والنصر

عبد الصمد ناصر: طيب ابن خلدون حينما يعتبر أن العدل أساس العمران وطبعاً ويعنيه هنا العمران التطور الحضاري، النهضة، الخيرات، المعرفة وغير ذلك حينما يقول هذا الكلام ونريد أن ننزله إلى أرض الواقع واقعنا هذا، هل فساد عمراننا الآن سببه غياب العدل؟ طبعاً أقول عمران نقول الدول نقول الحكومات نقول الحكم؟

غالب القرشي: نعم لا شك أنا أفهم العمران.. العمران العام العمران يعني الحضارة المتكاملة العمران يعني علماً واقتصادا وصناعة زراعة وحكومة وإدارة وقضاء، لاشك أن الظلم له تأثير في تأخير الأمم ولا شك أن العدل له تأثير كبير في تقدم الأمم، فالظلم الذي ساعد البلدان المتخلفة هو الذي أوصلها إلى هذه الحالة ولا يمكن أن يرتفع هذا التخلف الكبير إلا بإحلال العدل وإقامة مبادئ العدالة عدالة الشريعة الإسلامية، ثم أيضاً العدالة التي تتفق عليها الناس في القوانين المعترف بها دولياً هذه إذا سادت المجتمعات يرتفع أو سينحسر هذا التخلف الموجود الآن والسائد في بلدان العالم المتخلفة.

عبد الصمد ناصر: كيف يمكن أن يكون للظلم التأثير أو للعدل تأثير في تقدم أو تأخر الأمور؟

غالب القرشي: لأن الظالم إذا ظلم قومه ظلم القريب والبعيد يظل مُحتبساً متمترساً وراء حرسه وقصوره وجيشه فلا يلتفت إلى العمران، المظلومين بالمقابل يبحثون عن طرق للمعارضة لذات المعارضة للانتقام من الحاكم، للثورة على الحاكم، للوصول إلى شيء من الحق فينصرف هؤلاء وهؤلاء عن العمران، فالمظلومون لا يمكن أن يذهبوا إلى صناعة ولا إلى زراعة ولا إلى عمران ولا إلى تعليم ولا إلى حتى نصيحة الحاكم والحاكم أساساً لا يسمعها إذا كان ظالماً، هذه في الحقيقة لا شك أنها تؤثر على العمران، المطلوب للأمم يعني قديماً وحديثاً فعكس العدل إذا وُجد يوجد المحبة، يوجد التناصح، يوجد الاستقرار، إذا انصرف الناس إلى الانشغال إلى أعمال تفيد المجتمع وتنهض بالأمة.

عبد الصمد ناصر: بمعنى أن المظلوم يحس بالغبن يحس بالإحباط يفقد الأمل وينصرف فقط للتفكير في كيفية التخلص من هذا الظلم وبالتالي يتشتت تركيزه على العمران على التعلم على المعرفة وغير ذلك؟

غالب القرشي: نعم ولا شك في هذا..

عبد الصمد ناصر: طيب..

غالب القرشي: إضافة إلى هذا المظلوم أيضاً لا يأمن حتى إذا كان هناك مجال للبناء مجال للاستثمار مجال للصناعة مجال.. لكنه في الحقيقة لا يأمن أساسا الظالم يوما من الأيام وسيخشى على ماله، يخشى على نفسه، يخشى كما حصل في بعض الدول التي ساد الظلم فيها على طريقة المصادرة والتأميم يعني كيف يمكن للمظلوم أن يجمع المال أو أن يحرك ماله بل الذي يحصل هو العكس أن تهاجر الأموال إلى خارج هذه البلدان..

عبد الصمد ناصر: عاداك عن ارتباط العدل بالعمران، هناك علاقة أخرى بين العدل والنصر تحدث عنها الإمام ابن تيمية حين اعتبر أن العدل أساس النصر فرأى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة على الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، كيف نفهم ذلك يا دكتور؟

غالب القرشي: العدل سواء كان في بلد كافر أو بلد مسلم وسواء إن كان من كافر أو من مسلم كأنه له تأثير على حياة الناس، فالعادل يطمئن الناس بأن يعملوا، بالنسبة للنصر صلته بالعدل أن الأمة التي تطمئن لحاكمها والتي تأمن ظلمه تذهب إلى تصرفه همتها ويهدى بطاقتها للعداد والله تعالى يقول {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم} إذا كان الإعداد وكانت الجماعة منتفية الفرقة وحصل الإعداد الصحيح فإن ذلك لا شك سبب من أسباب النصر والأسباب كثيرة..

عبد الصمد ناصر: بمعنى أن العدل في القلوب يوحّد الكلمة، يقوي الصفوف؟

غالب القرشي: نعم هذا هو يعني إذا كان العدل سيجعل الناس يحبون الحاكم ستكون الثقة موجودة سيكون الوقت وافر للإعداد..

عبد الصمد ناصر: وعند وقت الشدة تكون هناك..

غالب القرشي: والحاكم أيضا حينما يكون عادل لا يخشى على نفسه ولا يصرف طاقة الأمة وجهدها وإمكانية الدولة لحماية نفسه وحماية قصره وعرشه..

عبد الصمد ناصر: ووقت الأزمات تكون هناك تجليات لثمار هذا العدل ولنا نماذج كثيرة في واقعنا العربي والإسلامي..

غالب القرشي: الواقع التاريخي بالنسبة لنا وبالنسبة لغيرنا..

عبد الصمد ناصر: حتى واقعنا المعاصر..

غالب القرشي: يشهد بذلك لا شك إن الدولة العادلة حتى لو كانت كافرة تجد من أسباب من الاستقرار والبناء والإعداد والتماسك فتنتصر وهذا بالحقيقة وُجد عندنا قديما ووُجد عند غيرنا حديثا، قديما عند الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفائه والحكام من بعده خاضوا المعارك التي انتصروا فيها بعدد قليل وبعدة أقل وكانوا يقاتلون ويخوضون المعارك على قلب رجل واحد لكننا اليوم نرى أن المسلمين على كثرتهم والعرب وحدهم ثلاثمائة مليون وما يقارب ذلك..

عبد الصمد ناصر: قلوبهم شتى..

غالب القرشي: قلوبهم شتى و22 دولة و57 دولة إسلامية والإمكانيات هائلة لكن ليس لهم قضية وليس لهم هدف موحد ولا قرار موحد ولذلك ينطبق عليهم قول الله عز وجل {ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} لم ينتبهوا لهذه الآية وأمثالها فدولة كافرة تعدل بين أبنائها وتعدل فغيرها لا ننتظر العدل لنا، لكن إذا نظرنا إلى العدل فيما بينهم هل هؤلاء الصهاينة في فلسطين لو أن يهودي ظلم في أي بلد في العالم لتحرك اليهود كلهم..

عبد الصمد ناصر: قضية الأسير الآن..

غالب القرشي: والشاهد خير اليوم الجندي هذا الأسير قالوا مخطوف وهو جندي مهما كان لكن تتحرك له كل الجيوش ويأمر رئيس الوزراء كل قواته أن تكون تحت الاستمرار لاستخلاص الجندي الأسير..

عبد الصمد ناصر: بينما يقف مسلمون موقف المتفرج على شعب أعزل يذبح يوميا..

غالب القرشي: أعتقد ثمانية مليون جندي عربي نظامي يعني مثل سكان فلسطين من اليهود مرتين لا يدرون ما هي مهمتهم..

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور قبل قليل قلنا بأن القسط والعدل غاية الرسالات السماوية وفي القرآن الكريم والتشريع الإسلامي هناك مراعاة هناك عناية واضحة من خلال عدد كبير من الآيات بالقسط والعدل لكن لماذا يتم الآن في واقعنا هذا الحالي التركيز في البلاد العربية والإسلامية على موضوع الحقوق على موضوع الحريات ولا يتم التركيز على العدل؟

غالب القرشي: لأن النغمة الموجودة الآن عالميا والخطاب اللبرالي والغربي ولو أنه بالحقيقة ليس صادق مع غيره دائما يطبل ويزمر ويتحدث عن حقوق الإنسان وعن الحريات..

عبد الصمد ناصر: يعني هو انسياق للبرالية غربية..

غالب القرشي: كتابنا ومفكرونا وخطباؤنا ودعاتنا في الحقيقة متأثرون بهذا لأنه مطلب أساسا مفقود عندنا، هذا الأمر مفقود عندنا فلا الحريات متوفرة ولا الحقوق تصل لأصحابها، فنجد إنه الخطاب وهكذا في الحقيقة اعتدنا دائما أن كل جديد يأتي من الغرب نسير وراءه عقود من السنين وليس سنين فقط، كم تكلم المتكلمون وكتب الكاتبون وتحدث المتحدثون عن حرية المرأة عن حقوق المرأة ولم يتحدثوا عن حقوق الرجل أبدا مع أن كلها مسلوبة ومهضومة، كم يتحدث المتحدثون عن العلمانية وعن الاشتراكية وعن الرأسمالية وأخيرا يتحدثون عن العولمة الحقيقة دون أن يعلموا ما وراءها..

عبد الصمد ناصر: نعم ولكن ربما قد..

غالب القرشي: ظواهر صوتية..

عبد الصمد ناصر: نعم ربما الكثير من المشاهدين قد يتساءلون البعض منهم على الأقل لماذا نحن نعيب على من يتحدث عن الحقوق ولا يتحدث عن العدل إذا كانت مراعاة هذه الحقوق صونها حمايتها يكفل في نهاية المطاف ربما عدلا ومساواة؟

غالب القرشي: المشكلة عندنا نحن بكتابنا وعلمائنا وخطبائنا الذين تتحدث عنهم أنهم يتحدثون هذا الحديث يعني ينظرون إلى الأعراض ولا ينظرون إلى الأسباب، يروا أن الحريات مفقودة وأن الحقوق مصادرة ولم ينظروا إلى السبب الأساسي أن العدل هو الذي ارتفع فارتفع معه كل شيء.

عبد الصمد ناصر: يعني يتحدثوا عن الأعراض وليس عن الداء؟

غالب القرشي: نعم يتحدثون عن الأعراض ويتحدثون عن الداء..

عبد الصمد ناصر: الأسباب...

غالب القرشي: ولا يشخصون الداء لإيجاد الدواء، فالحقيقة أن العدل لما فقد حل محله الظلم أو الظلم لما حل في مجتمعاتنا ارتفع العدل لأنهما شيئان لا يجتمعان أبدا كالماء والنار فما بعد الظلم إلا يعني الحرمان وارتفاع العدل..

عبد الصمد ناصر: طيب حتى نكمل هذه الفكرة هناك جمعيات كثيرة الآن معروفة في كل بلد للدفاع عن حقوق الإنسان للدفاع عن الحريات بينما لا نجد تنظيمات مماثلة من أجل صون العدالة والدفاع عنها وإرسائها في هذا العالم الذي قلت قبل قليل أنه يعج بالمظالم لماذا؟

غالب القرشي: نحن أولا ليس لنا قضايا محددة حتى قضية فلسطين نسيناها، لم نتفق عليها، ثم الظلم المتتالي والمتتابع من حكامنا في العالم الثالث وأنا أقول الثالث عشر يعني ألهى الناس عن أن يطالبوا بالأساسيات وليس هناك أيضا حريات ولا ضمانات ولا أمان لإيجاد المجتمع والمنظمات المدافعة، اكتفينا بمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي عندنا أيضا والجامعة العربية وربما اكتفينا بأنها موجودة ولم ننظر ماذا تعمل ولو لم تحقق لنا شيئا فالكلام عن العدل فعلا قليل لكن الحقيقة الذين يتحدثون كثيرا هم من الدعاة الإسلاميين عن الحريات وحقوق الإنسان لأنهم أول مَن سُلبوا هذا الحق وقل الحديث عن العدل ربما من باب اليأس أو أنهم ظنوا بأن إذا توفر لنا الحريات وجاءت الحقوق وهذا هو العدل وهذا صحيح لو أن الحريات موجودة وأن الحقوق وصلت إلى أصحابها نكون قد أقمنا العدل لكنني أنا شخصيا أرى أنه لا يمكن أن تكون الحريات مكفولة ولا الحقوق موصولة أو واصلة لأصحابها إلا إذا كان هناك عدل..

عبد الصمد ناصر: نعم عادة ما يعرف العدل هو إعطاء كل حق ذي حقه.. كل ذي حق حقه وبالتالي فالعدل يتأسس على الحقوق ما العيب إذاً في التعبئة من أجل صيانة هذه الحقوق كمقدمة نحو الوصول إلى هدف أسمى وهو العدل؟

غالب القرشي: ليس عيبا ولكن يقول إن الناس غافلون لو أنهم تنبهوا منذ زمن بعيد أو منذ أن بدأ الظلم فكان العلماء على كلمة واحدة أو شكلوا جمعيات من جمعيات الحريات وحقوق الإنسان لكن قطعنا شوطا كبيرا..

عبد الصمد ناصر: طيب..

غالب القرشي: فهم لا يجهلون هذا ولكنهم فعلا..

عبد الصمد ناصر: نعم حتى نعيد البرنامج إلى أصله وطبيعته كبرنامج الشريعة والحياة شعرت كأننا في برنامج سياسي، ابن القيم يقول لا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمر إصلاحي وإلا فإذا كانت عدلا فهي من الشرع هل يمكن القول تأسيسا على هذا الكلام حيث ما وُجد العدل فتم شرع الله؟

غالب القرشي: ابن القيم رحمه الله هو القائل حيث ما كانت المصلحة وهو القائل لهذا القول يعني إذا توفر العدل وأسبابه وأماراته ذلك شرع الله وهذا هو الشرع لأن الشرع يأمر بهذا..

عبد الصمد ناصر: ربما يقصد في الدول الإسلامية..

غالب القرشي: في الدول الإسلامية نعم لكن في غير الدول الإسلامية إذا وُجد العدل ماذا نسميه؟ نسميه خلقا قويما لأن العلماء بل ابن القيم نفسه يقول إن الأخلاق الحسنة أو القويمة لها أركان أربعة العفة والشجاعة والصبر والعدل وأهمها العدل فهي من الأخلاق الحسنة كما أن الأخلاق الذي لها أركانها أيضا فهو بالحقيقة إذا كان كنا في دولة إسلامية ويحكمنا شرع إسلامي نقول إن العدل من الشريعة الإسلامية وهي سياسة شرعية عادلة.

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور أستسمحك هنا لأن نتوقف قليلا مع وقفة ثم نعود لاستئناف حلقة اليوم حول العدل لنتحدث بعد ذلك عن مجالات العدل في مختلف مناحي الحياة نعود إليكم مشاهدينا الكرام بعد هذا الفاصل فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم من جديد في حلقة اليوم حول موضوع العدل التي نستضيف فيها الدكتور غالب القرشي وزير الأوقاف اليمني الأسبق، دكتور تحدثنا قبل قليل حول مقولة ابن القيم وتساءلنا إن كان وجود العدل يعني وجود شرع الله وقلت بأن هذا يختلف بين البيئات الإسلامية وغير الإسلامية هل نفهم من ذلك بأن مفهوم العدل يختلف من ثقافة إلى أخرى؟

"
العدل مطلب لكل الأمم ولكل الشعوب، وهو بالنسبة للمسلمين ركن أساسي من أركان الأخلاق القويمة وفرض واجب على الحاكم وعلى كل مَن تولى مسؤولية
"
غالب القرشي: والله العدل هو العدل مطلب لكل الأمم ولكل الشعوب وعند جميع العلماء وعند الفلاسفة وعند العقلاء وعند الدعاة إلى الخير لكن نحن بالنسبة لنا نرى أنه ركنا أساس من أركان الأخلاق القويمة نرى أنه فرض واجب على الحاكم وعلى كل مَن تولى مسؤولية واجب على أن يحقق العدل بمفهومه الشامل غيرنا قد يرى ذلك لكنه لا يرتبط بالمسألة الربانية والأخلاقية والإنسانية..

عبد الصمد ناصر: نعم ليس لديهم المرجعية الدينية السماوية..

غالب القرشي: عندنا العدل يعني أمر رباني لأن الله تعالى هو الذي أمر به {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ} {وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} فعندنا أوامر ربانية عندنا أوامر نبوية نعتمد عليها ثم نأخذ أيضا في الحقيقة من التجربة الإنسانية فيما يؤدي إلى تحقيق هذا الأمر أو هذه الفريضة.

مجالات العدل في مختلف مناحي الحياة

عبد الصمد ناصر: من التجربة الإنسانية يعني نحاول أن نسحب هذا مفهوم العدل على مناحي الحياة لو بدأنا بالعدالة الاجتماعية {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ} العدل إذاً كمبدأ شامل يتجلى في كل مناحي وجوانب الحياة هل هناك تصور أو ما هو بالأحرى التصور الإسلامي لما يسمى بالعدالة الاجتماعية؟

غالب القرشي: العدالة الاجتماعية مفهوم شامل يعني يشمل في الحقيقة مرتكزات أساسية ثم يشمل ميادين تمارس العدالة الاجتماعية فيه، من أهم المرتكزات للعدالة الاجتماعية تحرير وجدان الإنسان لله عز وجل أولاً لابد أن يكون القائم بالعدل أو الذي يريد أن يكون قائما بالقسط بالعدل بين الناس أن يكون مرتكِزا في هذا على تحرير وجدانه عبادة لله عز وجل ثم لابد أن ينظر للوعد الاجتماعي محبة الناس ومعرفة يعني التكافل يعني التكافل الاجتماعي بين الناس الذي فرضه الإسلام جعله فرضا في باب الزكاة يؤدي التكافل الاجتماعي لحل المشكلة الاجتماعية هذه ناحية الناحية الثانية، العدالة الاجتماعية تشمل الفرد وتشمل المجتمع تشمل الأبناء وتشمل الزوجات تشمل الراعي والرعية لأن الراعي أو الحاكم إذا عدل بين رعيته هو له واجب يقابل هذا الحق الذي يؤديه الزوج الذي يعدل بين زوجاته إن كان متزوجا من أكثر من واحدة له لحق أيضا اجتماعي يراعى من الزوجات..

عبد الصمد ناصر: لا دعنا نفصّل نقطة نقطة كل هذه الجوانب تشمل الفرد تشمل المجتمع، ربما قد يقول قائل بأن العدالة وهي التي تهتم تعتني بصون الحقوق يجب أن تشمل أولا ما تشمل حقوق الله على العباد ما قولك في ذلك؟

"
العدل أول ميدان له هو العدل مع الله عز وجل، بالاعتراف له بالوحدانية والعبادة الخالصة ثم يأتي بعد ذلك حقوق العباد ثم حقوق الفرد نفسه
"
غالب القرشي: هذا في الدرجة الأولى في الحقيقة لأنه العدل في الحقيقة أول ميدان له هو العدل مع الله عز وجل، الاعتراف له بالوحدانية العبادة الخالصة له سبحانه وتعالى ثم يأتي بعد ذلك مباشرة حقوق العباد ثم حقوق الفرد نفسه، فالعدل في هذا كله مطلوب وهو أساس عندنا نحن المسلمين.

عبد الصمد ناصر: طيب حين في الحديث القدسي يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا في رواية أخرى فلا تظالموا، أين هذا من الظلم الاجتماعي الذي أصبح الآن سمة من سمات المجتمع للأسف المجتمع المسلم دون غيره من كثير من المجتمعات الأخرى؟

غالب القرشي: إن هذا الحديث القدسي صحيح علمنا إياه الرسول عليه الصلاة والسلام يرويه عن ربه عز وجل يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، أوصانا الله عز وجل بهذا لأنه يعلم بأن طبيعة الناس أن يتظالموا، مع الأسف الشديد إن المسلمين أكثر الناس تظالماً فيما بينهم اليوم في هذا العصر بل في الحقيقة قد مرت عصور والمسلمون يتظالمون فيما بينهم ولذلك أبيحت كرامتهم وأبيحت أراضيهم وأبيحت دولتهم التي كانت موحدة فأصبحنا دولا كثيرة نتيجة الظلم فيما بيننا، فلم نستشعر يعني خاصة من بيدهم الأمر والقرار الحكام القضاة أصحاب القرار الذين يملكون الثروات الهائلة هؤلاء في الحقيقة يمارسون ظلما لا يتصور ولا يُقبل ولا تقبله الشريعة ولا يقبله عقل، هذا التظالم فيما بيننا سلط علينا أو كان سببا في تسليط أعدائنا علينا..

عبد الصمد ناصر: نعم طيب قلت بأن العدالة الاجتماعية تنسحب على الفرد وعلى الجماعة كما يكون العدل في البعيد يكون أيضا في القريب والقريب له حق وأحق الناس بالعدل الزوجة والأبناء ماذا بخصوص العدل بين الزوجين؟

غالب القرشي: العدل بين الزوج والزوجة أساسا..

عبد الصمد ناصر: هذا المقصود من السؤال سنأتي إلى موضوع تعدد الزوجات..

غالب القرشي: نعم في الحقيقة للزوجة حق على زوجها وأن للزوج حق على زوجته، يبدأ العدل بين الزوجين بأداء الحقوق والحقوق متبادلة وكل حق يقابله واجب، فمن حق الزوجة على زوجها أن يكرمها، أن يوفر احتياجاتها، أن لا يظلمها لا بضرب ولا بشتم ولا بتحقير ولا بحرمان وهي هذه الحقوق معروفة في الحقيقة في الفقه الإسلامي، مقابل ذلك أيضاً تبادل الاحترام وأداء حقوق الزوج لأنه لا عيب عندنا نحن المسلمين أن يكون الزوج متحملاً مسؤولية توفير المحتاجات للبيت للأبناء وللزوجة وأن تكون المرأة قائمة بمسؤولية بالأسرة وهذا التكامل والتكافل يعني ينشئ الأسرة القويمة السلمية المتكاملة فهذا بين الزوجين الحقوق التي..

عبد الصمد ناصر: ماذا بخصوص حقوق الزوجات مصداقاً لقوله تعالى {وإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} هل هذا الحكم مرهون بالتيقن من تحقيق العدل؟

غالب القرشي: التيقن الكامل ليس هو المقصود بالحقيقة لكن الغالب..

عبد الصمد ناصر: كيف؟

غالب القرشي: أن يغلب الظن أن يبذل الجهد {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} العدل المطلوب في الأشياء الأساسية التي يستطيع الرجل أن يوفرها إن كان قد ابتلى بتعدد الزوجات استطاع أن يعدد وهذا في الحقيقة أمراً مشروعا لكن ليس مفروضاً بل ولا يستحب أو قد نقول إنه ينسحب عليه الأحكام الخمسة، فقد يكون في حق هذا واجب وقد يكون في حق هذا حرام وقد يكون في حق هذا مستحب وقد يكون في حق هذا مندوب، لكن في كل هذه الحالات يجب العدل بين الزوجات سواء كانت زوجتان أو أكثر، إذا كانت الزوجات أكثر يعني من واحدة فيجب العدل بينهن بالسكن، بالنفقة، باللباس، بالنظرة، بالتعامل، بالمعاشرة، لكن يبقى الشيء القلبي لا يستطيع الرجل أن يعدل فيه لذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام "لا طاقة لي فيما لا أملك"..

عبد الصمد ناصر: بخصوص الأبناء كيف يتجلى العدل؟

غالب القرشي: الأبناء يعني حقهم واحد والله عز وجل لم يفرق بين الأبناء سواء كانوا بنين أو بنات أو بنين وبنات {آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} يجب العدل بينهم في التعليم، في التربية، في التعامل، في التشجيع، في المحبة بحدود الإمكان لأن المحبة أيضاً القلب لا يستطيع الإنسان أن يعدل فيها، لكن الجور الظاهر هو الحرام، فيجب أن المساواة بين الأبناء ولهذا نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقر ولم يرض يشهد على يعني عطية بشير الأنصاري أبو النعمان بن بشير حينما أعطاه وهبه شيئاً فقالت أم النعمان بن بشير الأنصاري لا أرضى حتى تذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشهده على ذلك فجاء مسارعاً ويظهر أن نعمان بن بشير كان من أم غير أم أخوته الآخرين قال له الرسول عليه الصلاة والسلام "هل نحلت كل أولادك؟" قال لا قال "إذاً لا تشهدني على جور" فلم يرض أن يشهد ولم يقر ما فعله نعمان بن بشير، دليل واضح وهو حديث صحيح على أنه لا يجوز تفضيل ابن على ابن ولا ولد على بنت في العطاء وفي التربية وفي التعليم وفي إتاحة الفرص التي يحتاجها الأبناء في هذه الحياة.

عبد الصمد ناصر: نقاط كثيرة نريد أن نتحدث عنها في سياق حديثنا عن العدل وتجليته في حياتنا، تحدثنا عن العدل الأسري نريد أن نتحدث هنا على العدل بين الناس التي مررنا عليها قبل قليل يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ} أين هذا الآن من واقعنا اليوم حيث تسود المحسوبية وحيث النصرة للقبيلة والعشيرة والمقربين وغير ذلك.

غالب القرشي: نعم هذا هو الحقيقة لا نرى أثراً لهذه الآية اللهم إلا ربما بين الأسر بالتعامل فيما بينها، القيم لا تزال عندنا بحمد الله عز وجل موجودة لكن الحقيقة أن ما نراه من ظلم بعض القوات في كثير من البلدان، ظلم الحكام لشعوبهم وكأنهم أعداء وكأن هؤلاء ليسوا هؤلاء جنس آخر وكأن المواطنين في كل بلد من البلدان الإسلامية أعداء للحاكم ولهذا الحاكم يبقى حذراً فلا يوفر العدل، فنحن بعيدون في الحقيقة عن هذه الآية أو قد بعدنا كثيراً ندعو الله سبحانه وتعالى أن يعيدنا إلى أن نطبق مثل هذه الآية.

عبد الصمد ناصر: في الآية 152 في سورة الأنعام يقول الله سبحانه وتعالى {وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} والعدل هنا عدل الكلمة عدل اللفظ هل يدخل هذا في تقييمنا للناس في الشهادة عليهم أو الشهادة لهم وما المقصود بعدل الكلمة؟

غالب القرشي: عدل الكلمة يكون بالنطق باللسان في الشهادة في التذكية في النصيحة في أداء الواجب في الدعوة هذا في الحقيقة يجمله العالم كله يكون القول أيضا بالكتابة فلا يجوز للإنسان أن يكتب زور ولا يجوز أن يكتب باطل حتى في الانتخابات في البلدان التي فيها تعددية حزبية يعني الإنسان قد يذهب ويكتب ويؤشر إشارة بخطه وقد يأخذ على ذلك مبلغ محدد قيمة هذه الأمانة التي قد تستمر أربعة سنين أو خمس أو ست قد يكون القول أيضا حتى بالإشارة المفهمة..

عبد الصمد ناصر: بيع الذمم..

غالب القرشي: بالإشارة المفهمة تعتبر قول ويترتب عليها أحكام لأنه موقف الإنسان إذا كان لا ينطق ولا يكتب فتعتبر الإشارة عنده العلامة..

عبد الصمد ناصر: بالنسبة لإعلام أيضا..

غالب القرشي: {وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} في كل أقوالنا لابد أن نعلم..

عبد الصمد ناصر: بالنسبة للإعلام أيضا..

غالب القرشي: الإعلام أيضا هذا من أهم الميادين التي تحتاج إلى مصداقية وتحتاج إلى قول الحق..

عبد الصمد ناصر: طيب في الآية التي افتتحنا بها الحلقة يقول الله سبحانه وتعالى {ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} كيف يكون العدل مع المخالف مع الخصم وغير ذلك؟

غالب القرشي: العدل في الحقيقة عندنا نحن المسلمين وفي شريعتنا ليس له حدود كما يكون العدل بين الأبناء يكون مع غير الأبناء مع الآخرين وكما يكون مع الأصدقاء يكون مع الأعداء {ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} يقول عبد الله بن رباح رضي الله عنه قد أرسله الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يهود خيبر وخيبر تبعد عن المدينة المنورة بستين كيلو تقريبا شمالا، أرسله ليخلص الثمار يعني يقدرها ليأتي الحق الذي كان قد اتفق عليه بعد فتح خيبر، فلما وصل إليهم أرادوا أن يرشوه قدموا له رشوة فغضب وقال والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ ولأنتم أبغض الناس إليّ لما مارسوه من غدر ومن خيانة ومن تقليب الأحزاب ضد المسلمين، لا زالت كانت الكراهية موجودة فلا يحمل لذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لبغضه لهم على أن لا يعدل ماذا قال اليهود؟ قالوا بهذا قامت السماوات والأرض يعني بالعدل، فالعدل في القريب كما يكون العدل في البعيد مع البعيد ومع الصديق كما يكون مع العدو..

عبد الصمد ناصر: وأيضا هذا طبعا بين المسلمين وأنفسهم..

غالب القرشي: وغيرهم..

عبد الصمد ناصر: ماذا بين المسلمين وغير المسلمين؟

غالب القرشي: كما يكون العدل بين المسلمين والمسلمين يكون بينهم وبين غيرهم نعرف قصة القاضي شريح..

عبد الصمد ناصر: أي نعم القاضي شريح نعم..

غالب القرشي: نعم بين علي بن أبي طالب واليهودي حينما سقط درع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فوجده عند اليهودي وإدعى عليه لكن ما عندهوش بينة، ماذا قال شريح؟ البينة قال ليس ببينة قضى بها والدرع لليهودي ضحك علي بن أبي طالب ومضى، مضى اليهودي خطوات قال والله هذا الحكم للأنبياء..

عبد الصمد ناصر: أسلم..

غالب القرشي: والرسول هي دي أمارات المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله أسلم بسبب العدل..

عبد الصمد ناصر: يعني هناك آية يقول الله سبحانه وتعالى فيها {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} ربما لا يوجد قوانين أو أنظمة على وجه الأرض تعدل أو تنصف أو تكفل العدل للعدو وللكافر كما في الإسلام أليس كذلك؟

غالب القرشي: بلى نحن سبقنا بالحقيقة حتى وجدت قوانين أخيرا نجد أن القوانين الدولية القانون الدولي كما نجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلن في عشرة ديسمبر 1948 والناس زمّروا له وقالوا بأنه هذا أول إعلان عرف..

عبد الصمد ناصر: كأنه هو..

غالب القرشي: الإسلام قد سبق إلى هذا كثير معنى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا أغفل أشياء كثيرة، أغفل حقوق الإنسان الطفل وأغفل حقوق الإنسان الميت وأغفل حقوق الإنسان حتى المرأة ما لم تدخل في بعض النصوص العامة، لكن الذين اعتبروا بأن هذه الخطوة عظيمة هذا إعلانهم جيد في الحقيقة لكن أنا لما أستعرضه أجد أن كل مادة فيه سبق إليها التشريع الإسلامي، المشكلة أن هذا الدين ليس له حَمَلة مَن يطبقه ولهذا حينما يدرسه غير المسلمين يعجبون به لكن لأنه ليس له دولة تطبقه وتحميه بالمعنى الكامل وتدعو إلى خير من باب أولى يعني أبنائنا يمكن أن يستفيدوا منه..

عبد الصمد ناصر: هنا نتحدث أيضا عن العدل في حق الدين أن نحمله أن نوصله إلى غير المسلمين أن نعرف به؟

غالب القرشي: نعم ظلمنا أنفسنا وظلمنا ديننا، هذا الدين الحقيقة نجد أن كل الأديان السماوية يعني لا يتحرك بالحقيقة المسيحيون واليهود على أن يرصدوا مليارات للتبشير بالدين اليوم على.. بصرف النظر كان حقا أو باطلا لكننا نحن في الحقيقة لا نبذل معشار ما يبذل في نشر الأديان الأخرى فهو تفصيل ظلم وعدم عدل لا شك.

العدل في القضاء وعدل الحاكم

عبد الصمد ناصر: للأسف عادة ما نتحدث حينما نتحدث عن العدل نتحدث عن العدل في القضاء وأكثر ما يطلب العدل في القضاء بين الناس وهناك حديث كثير عن العلاقة بالنظام السياسي والقضاء حتى يقال بأن إذا دخلت السياسة إلى قصر العدالة خرج العدل منه كيف يتجلى العدل في القضاء ومتى يكون القاضي عادلا؟

غالب القرشي: القاضي لا يكون عادلا حتى يكون مؤمنا، عالما، مستشعرا هذه المسؤولية العظيمة، ثم أضيف إلى هذا استقلالية القاضي واستغناؤه عن العطاء لا يكون موظفا لأن..

عبد الصمد ناصر: لا يكون موظفا؟

غالب القرشي: أي نعم يعني..

عبد الصمد ناصر: يعني هذا لا يمكن أن يتحقق العدل في القضاء اليوم؟

غالب القرشي: ولذا رفض العلماء الكبار قديما أن يتولوا القضاء حتى ضُرب كثير منهم لا مانع في عصرنا أن يكون القاضي موظفا لكن لابد أن يكون مستقلا في الحقيقة أقل حاجة عن التحزب وعن التعصب وأن لا يدور في فلك الحزب الحاكم إذا كان هناك حزب حاكم في بلد من البلدان، طبعا كل الدساتير لن تقول باستقلالية القضاء في بلدان العالم الثالث لكن الحقيقة لا يتولى القاضي إلا أن يكون متحزبا ومنتميا وسامعا مطيعا للحاكم.

عبد الصمد ناصر: حتى ولو كان هذا القاضي يعني نيته خالصة لوجه الله أنه يعدل بين الناس ألا يظلم نفسه حينما يحكم بغير ما أنزل الله؟

غالب القرشي: لاشك في ذلك ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام قال "القضاة ثلاثة قاضيا لم يعرف الحق والقضاء بالباطل" حتى لو أصاب الحق لكنه في الحقيقة من أهل النار "وقاض عرف الحق ولم يقض به وقاضى عرف الحق وقضى به" فهذا هو الذي في الجنة هذا بصرف النظر لكل مستقلا وغير مستقل يجوب عليه وجوبا شرعيا فعلا وإنسانيا وأدبا وعملا وقضاء بأن لا يقضي إلا بالحق إذا كان قد ابتلي بهذه المهنة والرسول عليه الصلاة والسلام يقول "مَن تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين" كناية على خطورة هذا المنصب العظيم والخطير فكان أول لهذا كان العلماء الأئمة القدماء كانوا يرفضون تولي القضاء مع أن الوضع كان أحسن من اليوم ما كان الحكام يجبروهم على أن يحكموا بغير الحق.

عبد الصمد ناصر: من شروط استقلال القضاء حماية كرامة القاضي وحدة العدالة وحياد السلطة التنفيذية وغير ذلك هل هذا متحقق الآن ولو على الأقل بشكل نسبي؟

غالب القرشي: نحن نتمنى أن يكون هذا موجود ولكنه عند غيرنا أكثر وأفضل وأحسن ربما بعض الدول الإسلامية فيها قضاء جيد في الحقيقة بعض الدول الإسلامية فيها قضاء لا بأس به لكن ليس كما هو مطلوب للناس.

عبد الصمد ناصر: موضوع القضاء موضوع طويل ودقائق متبقية قليلة جدا أريد أن أنتقل أو أقفز للأسف للضرورة إلى موضوع عدل الحكام حيث كان عمر رضي الله عنه يقول والله لو أن بغلة عثرت قالها مرة بشط الفرات لكنت مسؤولا عنها أمام الله يعني لماذا لم أعَبِّد لها الطريق الآن أين نحن من خلفاء كهؤلاء أين نحن بحكام كهؤلاء يحملون هم الأمة، يعون ثقل المسؤولية على عاتقهم؟

غالب القرشي: هو مع الأسف الشديد لن نجد في غير العرب والمسلمين أمثلة تشابه أولئك من حيث العدل ومن حيث يعني عدم قدرتهم على أن يخونوا الأمة، على أن يبددوا ثرواتها، على أن على يفتتوا بكرامتها، على يفرطوا بأراضيها، على أن يبددوا قوتها وطاقتها، يوجد هذا في الحقيقة عند غيرنا الآن أفضل من ما هو عندنا، لا نطالب بمن يكون مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أنه في الحقيقة عمر ليس معصوما، نحن نعتقد أنه ليس هناك إنسان معصوما بعد الرسل عليهم السلام أولهم محمد عليه الصلاة والسلام والرسول يخاطبهم جميعا "كلكم خطاؤون وخير الخطائين التوابون" لكننا نطالب في الحقيقة بأن يقترب هؤلاء من أولئك فيحققون العدل في أمتهم ويحافظون على كرامة الأمة ويكونوا عند العهد الذي أو العقد الذي بينهم وبين الأمة.

عبد الصمد ناصر: ما حكم من جاف العدالة منهم؟ باختصار.

غالب القرشي: هو في الحقيقة إن المسلمون يختلفون بالنسبة للحكم على الحاكم حينما يجور حينما يظلم فتجد بعضهم في الحقيقة يجتاح يقول مجرد الظلم تثور الأمة فتسقطهم، لكن هؤلاء الذين يرون هذا القول أو على هذا الاتجاه يعتقدون في بعضهم أنهم معصومون هذا لا يمكن أن يثار عليه التوسط في الحقيقة هو ما عمله الصحابة والتابعون الظالم يردع عن ظلمه بقدر الإمكان بحيث لا يؤدي إلى تفكك الأمة..

عبد الصمد ناصر: دكتور..

غالب القرشي: فإذا تجاوز قد تثور عليه الأمة.

عبد الصمد ناصر: ونحن تجاوزنا وقت البرنامج لا نريد أن نظلم المخرج والزملاء في قسم برنامجنا على كل حال دكتور غالب القرشي أستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء ووزير الأوقاف الأسبق بارك الله فيك وشكرا لك وشكرا لكم مشاهدينا الكرام مع تحيات المخرج سلام الأمير والمنتج معتز الخطيب والزميلة التي رافقتنا في تنسيق هذا الأسبوع منال الهريسي وباقي الطاقم الفني ولنا لقاء في الأسبوع القادم بحول الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة