محاضر محمد .. ماليزيا بين التقدم والتشويه العالمي   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة

فيصل القاسم

ضيف الحلقة

محاضر محمد - رئيس وزراء ماليزيا

تاريخ الحلقة

27/07/2001

- سر تقدم المسلمين في ماليزيا
- النظرة الماليزية إلى الشرق والغرب
- الديمقراطية ودورها في ماليزيا

محاضر محمد
فيصل القاسم

د. فيصل القاسم: تحية طيبة مشاهدي الكرام ما أن تذكر النمور الاقتصادية الآسيوية حتى يقفز إلى الذهن اسم ماليزيا ذلك البلد المسلم، الذي ضرب مثالاً يحتذى في التطور الاقتصادي والتكنولوجي على حد سواء، فآلاف المنتوجات التكنولوجية والاستهلاكية التي تملأ أسواق العالم تُصنَّع في ماليزيا، ما سر هذه النهضة الكبرى؟ ما هو مستقبلها؟ لماذا نجحت ماليزيا حيث فشل الآخرون؟ هذه الأسئلة وغيرها أطرحها هنا في كوالالمبور، على سيادة رئيس الوزراء الماليزي محاضير محمد في لقاء خاص، سيادتكم الكثير من العرب والمسلمين ينظرون إلى التجربة الماليزية بكثير من الدهشة والإعجاب، هل لي أن أعرف لماذا تقدم المسلمون في ماليزيا.. أو لنقل في جنوب شرق آسيا وتأخروا في الوطن العربي مثلاً، ما هو السر في ذلك؟ هل هو في الجينات في المورثات؟ هل هو في العقلية؟ هل هو في القيادة؟ بماذا؟

سر تقدم المسلمين في ماليزيا

محاضير محمد: أعتقد أن الأمر من حيث الأساس يرجع إلى الرغبة في التعلم من تجارب الآخرين، في الماضي بالطبع تطلعت معظم البلدان نحو أوروبا باعتبارها النموذج الذي يجب أن يُحتذى للبلدان المتطورة ولكننا لاحظنا أنه في مرحلة ما بعد الحرب ورغم هزيمتهم استطاع اليابانيون أن يستعيدوا عافيتهم بسرعة كبيرة جداً وواضح أن ما عملوه كان شيئاً صحيحاً، لذلك قررنا أن علينا وعد عن النظر إلى تجربة الغرب أن ننظر شرقاً أيضاً وتعلمنا من تجربتهم وكيف طوروا بلدهم، وما هي نظرتهم إلى العمل وما هي سياستهم وفلسفتهم، ومن ذلك بالطبع وضعنا نهجاً خاصاً بنا، وهو أسلوب متأثر بما قام به اليابانيون وما تعلمناه من أوروبا.
د. فيصل القاسم: لا شك أنني سآتي على موضوع –يعني– التأثر بالشرق واليابان بشكل خاص.. لكن.. لكن من المعروف في الوقت نفسه أن النظام التربوي والتعليمي في ماليزيا خضع للكثير من التعديلات والتغيرات، يعني ماذا فعلتم بالضبط؟ وكيف كان نظامكم التعليمي من قبل وكيف أصبح؟
محاضير محمد: لقد وجدنا نظامنا التعليمي من البريطانيين من فترة خضوعنا لهم، ولكننا شعرنا أن ذلك لا يبلى حاجاتنا، وأننا بحاجة إلى ذوي تعليم أعلى، لذا أنفقنا 20% من ميزانيتنا القومية على التعليم، وهي نسبة أعلى مما تنفقه على الدفاع مثلاً وشجعنا التعليم لدرجة أنه كان لدينا 50 ألف طالب يدرسون في الخارج في أي وقت من الأوقات ونفس العدد يدرسون في معاهد البلاد العليا، ولكن التأكيد كان على دراسة العلوم والتكنولوجيا والتنمية وليس على مواضيع أدبية من التاريخ وما شابه ذلك، التأكيد دوماً كان على بناء القوة العاملة التي نحتاجها لتطوير البلد.
د. فيصل القاسم: يعني سيادتكم في تركيا –مثلاً- ارتأى الأتراك أن الطريقة الأمثل للتقدم والازدهار الاقتصادي والاجتماعي هو بالعلمانية، أو بعبارة أخرى بالتخلي عن الإسلام، هل توافقون على مثل هذا الشيء؟
محاضير محمد: كلا، أبداً الإسلام ليس عقبة في طريق التنمية أبداً، وإذا ما درسنا القرآن والحديث لوجدنا أننا مطالبون بطلب العلم وأن نتعلم القراءة والكتابة، ونمعن النظر في كيفية خلق الجبال الإبل والإنسان وكل شيء حولنا، وأن علينا أن نكسب العلم، وليس المقصود بالعلم علوم الدين، والخطأ الذي نقع فيه هو قصر العلم على علوم الدين.. الدين مهم بالطبع، وعلينا أن نفهم ديننا، وهناك الكثير من التفسيرات السلبية للدين والتي تشكل عقبة كئداء في طريق التطور، ولكن ذلك ليس سببه الإسلام نفسه، بل التفسيرات الخاطئة له، إذا درست القرآن والحديث، فأنا واثق من أنك ستجد أن الإسلام يريد للمسلمين أن يكونوا على ثقافة عالية وأن يكونوا أقوياء اقتصادياً وحتى عسكرياً، وإذا كنا سنكون كذلك فعلينا اكتساب الكثير من العلم علوم التكنولوجيا والفيزياء والكيمياء كيف ندبر أمرنا إذا كنا لا نفهم العلوم والتكنولوجيا؟ وكل ذلك يأتي من تعاليم الإسلام، وأنا لا أؤمن أن الإسلام عقبة في طريق التطور أبداً، ولكن بعض الناس يظن أن الإسلام عبارة عن أداء طقوس وشعائر معينة فقط وليس عليك أن تكسب أية علوم سوى الفقه وأصول الدين وما شابه ذلك، وإن الحاجة لاكتساب العلوم الدنيوية قد طُرحت جانباً، رغم أن المسلمين كانوا العلماء الأوائل الذين أعطوا العالم علوماً ومعارف عظيمة في الطب والفيزياء والجبر وغيرها والتي ساعدتنا في تطورنا .
د. فيصل القاسم: إذن يمكن القول: إن العقيدة الإسلامية في صلب تقدمكم وازدهاركم الاقتصادي.
محاضير محمد: نعم، وهناك آيه تحثنا على إعداد العدة للدفاع عن أنفسنا وكيف ندافع عن أنفسنا ونحن لا نفهم العلوم والتكنولوجيا، بالطبع في أيام الرسول كان مفهوم الدفاع يعني امتلاك السيوف والرماح والخيل، أما اليوم فالدفاع عن أنفسنا يجعلنا بحاجة إلى صنع الطائرات والسفن الحربية، وقيامنا بذلك يعني حاجتنا إلى المعارف الهندسية والعلوم الأخرى والخواص الفيزيائية والكيميائية للعناصر وما شاكل ذلك، وكل هذه الأمور يجب أن نتعلمها وندرسها إذا ما أردنا تطبيق مفهوم الإسلام في إعداد العدة للدفاع عن أنفسنا حتى ولو كان الأمر للدفاع عن أنفسنا فقط وليس لأي غرض آخر، فعلينا أن نتعلم كل هذه الأمور.
د. فيصل القاسم: سيادتكم إلى أي حد ساهم الموازيك العرقي متمثلاً طبعاً بالصينيين والهنود والملاويين في نهضة ماليزيا الاقتصادية؟
محاضير محمد: نعم، يمكنني الاتفاق مع هذا القول، ولو نظرنا إلى البلدان التي سمحت بهجرة الأجانب، لوجدنا أنها حققت نجاحات عظيمة فالولايات المتحدة على سبيل المثال تعتمد على الخبرات والمعارف وحتى على رأس المال الذي يجلبه المهاجرون معهم لتطوير قدراتها، والشيء نفسه ينطبق على ماليزيا، فلدينا الصينيون والهنود والملاويون سكان البلاد الأصليون مثلي، تعلمنا الكثير منهم، ومن قيمهم في العلوم، وخبرتهم ومهاراتهم أسهمت في تطوير هذا البلد.
د. فيصل القاسم: ماذا تقول في هذه الحالة أو كيف ترد إذا صح التعبير على الذين يزعمون بأنه لولا الصينيون مثلاً، لبقيت ماليزيا دولة زراعية أكثر منها دولة تكنولوجية متقدمة؟
محاضير محمد: لا.. لن أقول بلداً زراعية فقط، ولا شيء غير ذلك بالتأكيد نحن مدينون بشيء للصينيين الذين استقروا في ماليزيا، فهم ماليزيون، وساهموا كثيراً في تنمية البلد وكذلك نحن ساهمنا بتغيير الكثير من مفاهيمنا نحو العمل وسبل التنمية.
د. فيصل القاسم: سعادتكم يعني في الوقت نفسه، وكما تعلمون يعني الكثير من الدول العربية والإسلامية تعاني من أزمة أو ما يسمى بأزمة الوحدة الوطنية وذلك طبعاً بسبب الاختلافات العرقية والدينية، ما هو سر تماسك الوحدة الوطنية في ماليزيا؟
محاضير محمد: حسناً، لقد عشنا مع الجاليات الأجنبية منذ وقت طويل وطويل جداً، منذ زمن يعود إلى ما قبل وصول الأوروبيين، إذن نحن متعودون على الجاليات الأجنبية وهي تستقر هنا، ويسهل علينا التعايش معهم، ولكن في مرحلة ما بعد الاستقلال كانت هناك النظرة المتشددة التي تقول بوجوب عدم منح الأجانب نفس الأهلية القانونية كالمواطنين الماليزيين الأصليين، ففي عام 69 مثلاً كانت هناك في كوالالمبور، أعمال شغب عنصرية، وتم تدمير ممتلكات، ولكننا توصلنا إلى أنه لا يمكن تحقيق شيء إيجابي يمكن الإفادة منه من خلال الاقتتال فيما بيننا، وقررنا أن أفضل وسيلة للعيش في هذا البلد هو القبول بعيش الأجانب فيه، وأن أفضل سبيل للازدهار والرخاء هو تقاسم الثروة بالتساوي، ولكن تقاسم الثروة بالتساوي لا يعني الأخذ من الغي لإعطاء الفقير، ولكن قررنا أن السبيل هو نمو الكعكة الاقتصادية، والاستفادة من الزيادة في النمو لتوزيع حصص أكبر على من لا يملك، ولهذا السبب نمونا الاقتصادي اليوم هو أكثر توازناً، والتوازن العرقي هو أفضل بكثير من بلدان أخرى، لا تتبع مثل هذا النظام.
د. فيصل القاسم: لكن –يعني– سيادتك -يعني– في الوقت نفسه هناك من يتساءل في واقع الأمر أنه طالما أن الوضع الاقتصادي جيد، وطالما أن نسبة النمو جيدة، فلا خوف على الوحدة الوطنية في ماليزيا أو في أي بلد آخر، لكن ألا يخشى أن تتأثر هذه الوحدة الوطنية كما حدث مثلاً في يوغسلافيا؟ في وقت من الأوقات كانت يوغسلافيا متماسكة، هناك الكثير من الأعراق، الكثير من الأديان طالما كان الوضع الاقتصادي لا بأس به، كل شيء على ما يرام، لكن عندما بدأ ينهار والوضع الاقتصادي شيئاً فشيئاً انظر ماذا حدث ليوغسلافيا؟ تفتت.
محاضير محمد: نعم، هناك بعض الجوهر في ذلك، ولكن – كما تعلم – في عامي 97، 98 مررنا بحالة كساد اقتصادي شديد بسبب الهجوم الذي تعرضت له عملتنا خلال أزمة العملات الآسيوية، وفي ذلك الوقت تعرض الاقتصاد لضغوط عظيمة وأصبحنا فقراء فجأة ولو كان هناك صدام كان سيقع بين الأعراق لوقع في حينه، ولكنه لم يحدث في ماليزيا، رغم أنه حدث في بلدان مجاورة، ولكن هنا كان هناك هدوء كامل ولم يكن هناك قتال بين الأعراق المختلفة، وبسبب الاستقرار وغياب النزاع بين الجاليات، استطاعت الحكومة وضع خطط لاستعادة الاقتصاد لعافيته وخلال تلك الفترة لم تكن هناك مشاكل في ماليزيا، وأعتقد أن السبب في ذلك هو أننا اتخذنا الإجراءات من البداية لتوزيع الثروة بشكل أكثر تساوياً.
د. فيصل القاسم: ماذا.. يعني ماذا تقول للذين يزعمون أن بلداً مثل ماليزيا بتركيبتها العرقية المعروفة هي في واقع الأمر بلد بلا هوية بلا هوية، هي في واقع الأمر ليست أكثر من شركة متعددة الجنسيات، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية؟
محاضير محمد: في هذا أيضاً شيء من الحقيقية ولكن الحقيقة هي أن الماليزيين بغض النظر عن انتمائهم العرقي فخورين بكونهم ماليزيين، وفي وقت من الأوقات لم نؤمن بذلك وكان ذلك بعد الاستقلال مباشرة وكان البلد فقيراً جداً ولم يشعر الناس بالفخر بالانتماء إليه واليوم يشعر الماليزيون بالفخر ببلدهم وإنجازاتهم، وبشكل عام لو سألت عن هويتهم سيقولون: إنهم ماليزيون بصرف النظر عما إذا كانوا هنوداً أو صينيين أو ملاويين، لذا هناك تماسك وبسبب هذا التماسك هناك شعور أكبر بالانتماء إلى البلد مع وجود اختلاف في الأعراف.
د. فيصل القاسم: لكن – يعني – ألا تخشون في الوقت نفسه على هذه الوحدة الوطنية المتماسكة في الوقت الحالي في ظل تصاعد المد الأصولي في ماليزيا، هناك الآن حديث –مثلاً– عن تحرك أصولي ينفذ ويحمل فكراً متطرفاً، كما تعلمون مثلاً الحزب الإسلامي مسيطر في ولايتين من أصل ثلاثة عشر.. أو ثلاث عشرة ولاية في ماليزيا، وفي الوقت نفسه يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويلجأ أحياناً إلى التكفير؟
محاضير محمد: نحن لسنا خائفين، ولكننا قلقون، وبسبب قلقنا هذا نحاول أن نضمن أن الناس يفهمون ما هي تعاليم الإسلام فيما يخص الوحدة الوطنية وتفسيرات التنمية الاقتصادية مثلاً وكيف نعيش مع غير المسلمين؟ لأن الإسلام دين متسامح، ولكن هناك البعض ممن يميل إلى عدم التسامح مع ما يخالف تعاليم الإسلام وعلينا أن نعلمهم أن الإسلام دين متسامح يعلمنا أن لكل دينه وطريقه صلاته يؤديها في بيته كيف يشاء ولكن علينا أن نعيش سوية، وهذا أمر مقبول، حتى القرآن يصرح بأن الناس شعوب وقبائل مختلفة، ولكنهم يعيشون سوياً.
د. فيصل القاسم: لكن في الوقت نفسه هناك من يتساءل يعني: كيف تواجهون معضلة المدارس الدينية في توحيد مناهج التعليم والتربية في.. في ماليزيا؟
محاضير محمد: حسناً، نعلم أنهم يحاولون إشاعة التطرف، وأنهم يحاولون تفسير الإسلام بطريقة تجعلهم غير قادرين على قبول متطلبات التحديث، ولكن في الوقت نفسه هم أيضاً عليهم أن يدركوا أن الفوز في الانتخابات يجعلهم بحاجة إلى دعم غير المسلمين أيضاً لذا نراهم الآن يسعون جاهدين لكسب دعم المسلمين، ولكنهم للأسف يتكلمون لغتين متناقضتين فعندما يتحدثون إلى المسلم يقولون شيئاً وإلى غير المسلم يقولون شيئاً مختلف تماماً ومهمتنا هي أن نوضح أنهم لا يقولون الحقيقة، وأنهم يتحدثون بلغتين مختلفتين، وأنهم في الحقيقة يحاولون خداع الطرفين.
د. فيصل القاسم: كيف تنظر إلى الحركات الأصولية والإسلامية في العالمين العربي والإسلامي هناك الكثير منها؟
محاضير محمد: هذه ظاهرة مؤسفة جداً وهي السبب الذي يحول دون تطور العديد من البلدان المسلمة فبمجرد أن تحاول حكومة تطوير هذا البلد أو ذاك فإن هذه المجموعة ستقول على الفور: إن هذا غير إسلامي، وسرعان ما يتحولون إلى العنف، وربما يغتالون أحداً أو يسببون الكثير من المشاكل، فتضطر الحكومات أن تتصرف عن التنمية لمواجهة هذه المشاكل الداخلية ونتيجة لذلك لم تستطع الدول المسلمة تحقيق التقدم، وبالطبع في ماليزيا لم تصل الأمور إلى هذا المستوى حتى الآن ولكننا نهيئ أنفسنا لمثل هذا التطور.

النظرة الماليزية إلى الشرق والغرب

د. فيصل القاسم: سيادتكم في الوقت نفسه –يعني– ظهر لديكم في أكثر من مناسبة موقف عدائي من الغرب، أولاً: في نظراتكم إلى الشرق، وهي النظرة التي تحدثت عنها قبل قليل، وفي الوقت نفسه الحديث عن مؤامرة غريبة على الاقتصاد الماليزي، السؤال: إلى أي حد يمكن العيش باستقلالية في ظل العولمة؟ وصفوكم في وقت من الأوقات –مثلاً- بأنكم كاسترو جنوب شرق آسيا.
محاضير محمد: لا، أعتقد أن هذا فهم خاطئ، إن ما نحاول تأسيسه هو أننا نشعر أن لدينا الحق في نقد كل من يخطئ أينما كان، شرقاً أو غرباً، فلو عمل أحد في الغرب خطأ فنحن نملك الحق في انتقاده بنفس القدر الذي يعطوه لأنفسهم في انتقادنا، إذن عليهم أن يتحملوا معنا، فعندما يفعلون شيئاً واضحاً ظلمه، فلنا الحق أن نقول لهم: هذا ظلم.
فمثلاً جاؤوا إلى بلدان وخفضوا قيمة عملتنا وحولونا إلى فقراء وبالتأكيد لن نقول لهم حسناً ما فعلتهم، لا بأس عليكم لأنكم غربيون فلا يمكن أن تفعلوا خطأً أرتكب علينا أن نتخذ موقفاً ونقول هذا خطأ، وأعتقد أن عليهم أن يتعلموا كيف يقبلوا بذلك، وأنه بقدر ما هناك ضرورة لحرية الكلام، فيجب أن تعطي لنا هذه الحرية لكي ننتقدهم فحرية التعبير لا تعني أنهم مسموح لهم انتقادنا، ونحن محرم علينا أن ننقدهم، وقد قاموا بارتكاب أفعال خاطئة كثيرة منها ما حدث في البوسنة، كان الغرب يعلم أن الناس يتم ذبحهم، وعرضوا صوراً توضح ذلك، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً، لأنهم لم تكن لهم مصلحة اقتصادية في ذلك ولو كانت لهم مثل تلك المصلحة، ولو كان النفط يتدفق من البوسنة.
فأنا على ثقة من أنهم كانوا تدخلوا على الفور وهذا خطأ، فعندما يتم الكلام عن حقوق الإنسان لا يمكن القول إن من هو غني يملك من الحقوق أكثر ممن هو فقير، إذن البوسنيون، لأنهم فقراء، لم يتدخل الغرب لصالحهم، وهذا أمر لا يمكننا قبوله وعلينا إظهاره ولا يعني هذا معاداة للغرب، بل معاداة للظلم.
فيصل القاسم: سيادتكم.. سمعنا فى الصحافة العربية والغربية بشكل عام أيام الأزمة الاقتصادية في ماليزيا في عام 97 أنكم أشرتم إلى وجود مؤامرة غربية صهيونية يهودية على ماليزيا كونها بلداً مسلماً، هل هذا صحيح، هل حدث فعلاً؟
محاضير محمد: لا، ليس هذا صحيحاً، ولم أوجه اللوم إلى الجالية اليهودية بل إلى (سورس) والغرب وهو أمر لم يقبله اليهود بطيب خاطر ولكنني لم أتهم الجالية اليهودية ككل، ولكن الحقيقة تبقي أن سورس هو يهودي وينتمي إلى بلاد غربي، لذا فعندما أوجه هذه الانتقادات فإنني أنطلق من منطلق انتقاد الغرب، ولكنها حقيقة كون أن الهجوم علينا لم يكن مصدره الشرق، واليابانيون قادرون تماماً على إضعاف اقتصادنا، ولكنهم لم يحاولوا ذلك أبداً والهجوم جاء من بلدان غربية، فهل من الخطأ الإشارة إلى ذلك؟ والقول إننا استهدفنا من بلد غربي وأن سورس يهودي، وهو انتقاد إلى ناس ألحقوا بنا ضرراً كبيراً.
د. فيصل القاسم: يعني، أريد أن أسأل هنا هل تعتقد أن هناك حسداً من نوع ما من تلك الأطراف الغربية ولنسمها اليهودية أيضاً، وخاصة وأن اليهود –كما تعلم سيادتكم- يسيطرون على الاقتصاد والإعلام في الغرب، في هذه الحالة يعني ألا يمكن الحديث بأي حال من الأحوال عن وجود هذا النوع من المؤامرة؟
محاضير محمد: لا أرى أننا يمكن أن نذهب في استنتاجاتنا إلى هذا البعد، ولكن ما حدث أنهم رأوا فرصة في كسب الكثير من المال من خلال تحطيم اقتصاديات دول شرقية، وهذه تبدو لي حقيقة أخرى في هذه المسألة.
د. فيصل القاسم: تحدثتم سيادتكم في الوقت نفسه في بداية هذا اللقاء عن النظر إلى الشرق.. النظر إلى الشرق والاستفادة من الشرق طبعاً متمثلاً في الدولة المتقدمة اليابان أكثر منه من النظر إلى الغرب إلى أي حد تأثرتم فعلاً بالنظر إلى الشرق كما أري يعني من خلال وجودي بماليزيا بأنكم متأثرون إلى حد كبير بالغرب في واقع الأمر، وليس بالشرق يعني ماليزيا هي نسخة طبق الأصل في بعض الأحيان عن مدن غربية بالتكنولوجيا الموجودة فيها، بالعادات إلى ما هنالك من هذا الكلام؟
محاضير محمد: ما كنا ننظر إليه هو عقليات التعامل وأخلاقيات ونظم العمل، وطرق التنظيم الإداري للشركات والأعمال والطريقة التي أعادوا بها بناء بلدانهم، ولم نكن ننظر إلى إعادة إنتاج اليابان في ماليزيا، بل ننظر إلى طرقهم وكما تعلم أصبحت اليابان بلداً غربياً جداً من حيث التنمية والتطور، وحقيقة أن كوالالمبور تشبه مدينة غربية، فمعظم مدن العالم تبدو متشابهة تقريباً، وما هو مهم هو ما هي قيم وأخلاقيات العمل التي يتبناها الناس ولو أصبت في اختيارك قيمك ونظمك الثقافية يمكنك أن تطور، ولقد كانت قيمك وثقافتك العملية خاطئة عليك أن تعمل لتغييرها وتجهد لتحسينها، وإلا فلن يكون بإمكانك أن تتطور وهذا هو ما أردنا تعلمه من اليابانيين.
د. فيصل القاسم: كان لديكم تحركات إيجابية تجاه العراق، حتى إن يعني زوجتكم الكريمة قامت بزيارة للعراق، كيف تنظرون إلى الحصار الدولي المفروض على العراق؟ وألا تخشون مثلاً من خلال مواقفكم الداعمة لرفع الحصار عن العراق ألا تخشون أنها قد تغضب أو تزعج بعض الأطراف العربية التي تريد إبقاء الحصار على العراق؟
محاضير محمد: أجل، نحن لا نأخذ جانب طرف دون آخر في حالات الحرب بين الدول الإسلامية ونسعى إلى إقامة علاقات ودية مع جميع البلدان المسلمة، وفي رأينا العقوبات تعاقب شعب العراق البرئ، لأنهم لا رأي لهم في تقرير هل تخوض بلادهم حرباً أم لا، ومعاقبة شعباً بأكمله، بأطفاله ونسائه وحرمانه من الدواء والغذاء، هذا عمل لا إنساني، ونحن معنيون برفاهية الشعب العراقي، ولو حدث ما حدث لشعب آخر، لفعلنا الشيء نفسه تجاهه، وليس السبب لأن المعنى هو العراق ولكن لأن هناك ظلماً يقع، ظلم العقوبات، العقوبات الموجهة إلى الشعوب وليس إلى حكامهم، هذا ظلم عظيم، خاصة إذا وقع من ناس يتحدثون على الدوام عن حقوق الإنسان، فهناك الكثير من الأطفال يموتون أو يولدون من دون أدوية، وكبار السن يعانون والكثير يموتون، ونحن نرى أن هذا كله ظلم كبير.

الديمقراطية ودورها في ماليزيا

د. فيصل القاسم: سيادتكم في الوقت نفسه، يعني هناك من يعزو الكثير من المصاعب والمشاكل والتخلف مثلاً –الذي- يعانيه العرب بشكل عام يعزون كل ذلك إلى انعدام الديمقراطية في الوطن العربي سؤالي هنا إلى أي حد لعبت الديمقراطية دوراً في التنمية الاقتصادية في ماليزيا وفي الازدهار الاقتصادي الذي حققته ماليزيا؟
محاضير محمد: ربما تكون الديمقراطية أفضل نظام سياسي موجود اليوم ولكنه ليس بالنظام الكامل وفيه نقاط ضعف كثيرة، والأمر المهم هو أنه يمكن الناس من تغيير الحكومات، فقط بالتصويت ضدها وليست هناك حاجة للتمرد أو الانتفاض والثورة، ومن هذا المنطلق الديمقراطية نظام جيد جداً والناس الذين يودون أو يتطلعون إلى الوصول إلى الحكم عليهم أن يرضوا الشعب، وهذا أيضاً شيء جيد، ويحدث أحياناً أن أحزاباً تؤسس فقط للوصول إلى السلطة، وهناك أنظمة ديمقراطية فيها أحزاب كثيرة جداً وليس فيها حزب واحد قوي بما فيه الكفاية ليحكم البلد، وهناك حكومة ضعيفة، وأحياناً البعض يمارس حقوقه بشكل غير بنّاء وكل مرة تنتخب حكومة جديدة تحدث الإضرابات والمظاهرات لُتسقط الحكومة، وهكذا دواليك في النهاية تصبح العملية فوضي وليست ديمقراطية، ولكي تجعل الديمقراطية ناجحة عليك أن تفهمها وعمليات التشبه بالديمقراطية لست بديمقراطية، في ماليزيا نظام ديمقراطي، ولكننا لسنا ديمقراطية ليبرالية بمعني أن بعض الحقوق مثل حق البعض في عرقلة حياة الآخرين ليست متاحة، وللأغلبية حقوقها أيضاً، كما هي الحال مع الأقليات والأفراد، وإذا ما قوض الفرض وهو يمارس حقه الديمقراطي حقوق الآخرين أو نال من استقرار البلاد، فذلك لن يُسمح به.
د. فيصل القاسم: سيادتكم –يعني– في هذا الإطار ألا يتناقض وجودكم في الحكم –يعني- لحوالي عشرين عاماً مع.. مع المبدأ الديمقراطي نفسه سمعناك -مثلاً- تقول بفترة من الفترات أنك ستسلم السلطة لغيرك في عام 2004عندما تصبح ماليزيا قلعة تكنولوجية.
محاضير محمد: حسناً إذا استمر الناس في انتخابي، فأظن أن مسئوليتي تُملي على البقاء في الحكم والعمل من أجل الشعب، وإذا لم يريدونني يمكنهم التخلص مني، وحتى حزبي بإمكانه أن يصوت ضدي ويقرر انتخاب زعيم آخر غيري لذا فإن من الممكن تماماً أن تنتهي وظيفتي كرئيس للبلاد، وفي الحقيقة فقد قررت الاستقالة عام 98، ولكن في الحقيقة لم يكن نائبي قادراً على تسلم موقعي لأسباب مختلفة، فاضطرت للبقاء وقيادة الحزب في انتخابات عام 99والتي فزنا بها اليوم هناك تحرك من أجل تغيير القيادة، وعليّ القبول بذلك كجزء من الممارسة الديمقراطية..
د. فيصل القاسم: لكن كيف ترد على الذين يقولون: أنك تدير الأمور مثلاً بطريقة ديكتاتورية؟
محاضير محمد: لا أدري ما هو أسس مثل هذا الاتهام، فنواب وأعضاء حزبي يعلمون جيداً أنني لست بديكتاتور، ويحدث أحياناً أنهم يتخطون قراراتي، ونحن حزب ديمقراطي، ولدينا مجلس وزراء ديمقراطي حيث يحق لكل عضو أن يدلي برأيه، بالطبع لكوني رئيساً للوزراء أستأثر برأيي أحياناً ولكن في أحيان أخرى يشعرون أنني لست على حق ولهم الحرية في رفض وجهات نظري، ولا أدري إن كنت رأيت اجتماعات مجلس وزرائنا أو حزبنا فهي لقاءات ودية جداً تلتقي فيها كل الآراء، ولا يحجم أحد عن الإدلاء برأيه مخافة أن يطلق النار عليه مثلاً، وهذا هراء لأنه في ماليزيا الكل يتحدث بحرية كبيرة وفي الحقيقة أحزاب المعارضة تصفني بأوصاف سيئة كثيرة مثله! الدجال والكلب وغير ذلك، ولكنني لم ألقي عليهم القبض أو أطلق النار عليهم حتى الآن.
د. فيصل القاسم: في الوقت نفسه ألا تخشى –سيادتكم- أن تكون قضية أنور إبراهيم قد أضرت بسمعتكم الدولية الكبيرة كباني لماليزيا الحديثة؟ يعني ألا تخشى أن تدخل التاريخ مقروناً بهذا الفعل الذي ينظر إليه الكثيرون بنوع من..من يعني عدم الرضا –إذا صح التعبير- خاصة وأن المؤرخين عادة يركزون على الأمور السيئة أكثر منه على الأمور الإيجابية؟
محاضير محمد: لا يقلقني هذا، وطبعاً لا أهتم كثيراً بماذا سيذكرني التاريخ وما هو مهم بالنسبة لي هو العمل بإخلاص ونزاهة من أجل بلدي، وعندما أنطلق لعمل أشياء معينة، السؤال هو: هل حققت ذلك أم لا؟ أما بالنسبة للذين هم ضدي فيستمرون بالطبع بقول أشياء سيئة ضدي، والأمر الذي يؤسف له هو أن البعض لا يكلف نفسه عناء استقصاء وجهة نظر الطرف الآخر، ويسمعون طرفاً واحداً ويقررون رأيهم، ولم يسألوني أبداً لماذا حدث هذا لأنور إبراهيم، ولماذا قررت فجأة وجوب عدم بقائه في الحكم حيث كنت دوماً أرعاه في الحزب وأرقيه وأعلنت أمام الملأ أنه سيكون خليفتي، وفجأة أقرر أنه يجب ألا يبقي في الحكومة، إذن شيء ما خطير جداً قد حدث لقرر قراراً كهذه ويجب على الناس على الأقل أن يعطونني الفرصة لأشرح الموقف وأن يسمعوا الحقائق، ثم يتخذوا قرارهم وسماع طرف واحد واتخاذ القرار هو شيء غير عادل تماماً.
د. فيصل القاسم: يعني يمكن القول إنك مرتاح وراضٍ عما فعلته بخصوص ما يسمي بقضية أنور إبراهيم؟
محاضير محمد: إذا كان قصد سؤالك عن ضميري فهو مرتاح وإنني قررت ما اعتقده الأفضل لبلدي، فهذا رجل له صفات أخلاقية متدنية تماماً والتي لم اكتشفها إلا مؤخراً، واكتشفنا فيما بعد أنه كان يخطط للإطاحة بي ولكن هذا لم يكن السبب الذي جعلني أطلب منه الاستقالة، لقد قبلت بأن يكون خليفتي، ولكن عندما اكتشفت أن أخلاقياته متدنية وهذا أمر سيئ جداً ويجعله غير مناسب لتولي منصب رئيس وزراء ماليزيا وقبولي به سيعني أنني قصرت في أداء واجباتي ومسؤولياتي نحو بلدي وأنني لم أتخذ القرار الصعب طمعاً في حياة خالية من المتاعب بالطبع القضية خلقت مشاكل، ولكنها ليست المرة الأولي التي يتم فيها إقالة أعضاء في حكومتي أو محاكمتهم وكان أحد وزرائي قد حكم عليه بالموت ولم تكن في ذلك مشكلة، ولكن أنور له أجندته الخاصة وهو ذو عزم شديد، ويريد الانتقام لإحباط طموحاته بالطبع له أصدقاء كثيرون في الخارج وهؤلاء الأصدقاء لم يكلفوا أنفسهم أبداً عناء سؤالي وتفحصي هل أن هناك أي حقيقة في الاتهامات الموجهة إليه؟ فهو ليس محتجزاً من دون محاكمة، فقد تمت محاكمته ودافع عنه تسعة محامين، واستمرت محاكمته حوالي السنة، وقرر القاضي أنه مذنب، لذا إنه القضاء، وليس أنا الذي أريد أن يبقي في السجن.
د. فيصل القاسم: في هذه الحالة هل يمكن القول إن الإعلام الغربي بالتحديد حول وضخم كثيراً من قضية أنور إبراهيم وجعلها يعني القضية الأولى في ماليزيا، القضية التي تطغى على الكثير من الجوانب الإيجابية في هذا البلد.
محاضير محمد: حسناً الإعلام الغربي لم يحبني أبداً، ولكن أنور عندما كان في الحكومة حاول كسب ود الإعلام الغربي الذي يود رؤيته وقد حل محلي، وأعتقد أنهم يشعرون بالإحباط الآن لأن مرشحهم ضاعت فرصة في الحلول محلي، لأنهم يعتقدون أنه عندما يصبح رئيساً للوزراء ستتغير سياسات هذا البلد، وأن هذا البلد سيكون ودياً تجاه الإعلام الغربي، لذا أنا لست متعجباً أبداً، وأنا لست من النوع الذي يحاول كسب ود الآخرين ولا أقول سوى الحقيقة، وحين يقول الإعلام الغربي الأكاذيب ما أقول هذا كذب وهم لا يحبون ذلك، لذا أنا لست مستغرباً أو غاضباً من الأشياء القاسية التي يقولونها عني وسيستمرون في ذلك.
د. فيصل القاسم: ما دمنا في موضوع، يعني موضوع الديمقراطية وموضوع أنور إبراهيم طبعاً يعني ليس بعيداً عن الديمقراطية، أخذ عليكم يعني سيادة رئيس الوزراء خلال محاضرة لكم في دبي قبل فترة كانت عن واضع المسلمين أعتقد في القرن الحادي والعشرين أخذ عليكم كلامكم بأن الديمقراطية قد لا تكون مناسبة للدول العربية أو بعض دول الخليج، وأنه مثلاً من الأفضل أن تكون هناك أنظمة ديكتاتورية في بعض الأحيان على أن تكون هناك أنظمة ديمقراطية على النمط الغربي، مثل هذه التصريحات أثارت يعني الكثير من الغضب والاستياء في أوساط بعض العرب الذين يدعون ويحاولون تحقيق الديمقراطية بطريقة من الطرق.
محاضير محمد: الديمقراطية لا تضمن أبداً أن بلداً ما سيحكم بالطريقة المثلي، والديمقراطية يمكن أن تؤدي إلى الفساد وإساءة استخدام السلطة كغيرها من الأنظمة، والشيء الوحيد الجيد حول الديمقراطية –كما أسلفت- هو إمكانية تغيير الحكومة عن طريق الاقتراع فقط، ويمكن أن نبرهن كيف أن الديمقراطية خلقت الفوضي ومنعت حدوث التطور وهناك بلد في هذه المنطقة كان نامياً وتطور، ولكنه عندما أصبح ديمقراطياً –كما هو الآن- تراجع، وأنظر كيف حاله، إذن لا تصدق أن الديمقراطية هي شفاء لكل داء، ومن جهة أخرى الديمقراطية توفر حكاماً يراعون شعوبهم، مثال هارون الرشيد الذي كان يزور الأسواق متخفياً ليطلع على أحوال الرعية، ونظام ملكي حميد أو ديكتاتورية.
د. فيصل القاسم: المستبد العادل.
محاضير محمد: نعم، كما كان وضع البرتغال مع سيلزر ليس نظاماً سيئاً، ولكن المشكلة أننا نعتقد أن الوسائل هي المهمة، وأن النتائج ليست مهمة، ولأن الوسائل ديمقراطية إذن النتيجة جيدة، وإذا حدث أن بلداً ما كان يعيش حالة سلم، ثم يتحول إلى الديمقراطية ويُقتل الآلاف من البشر يقُال لا بأس أن يموتوا، هذه هي الديمقراطية، عندما يموت الإنسان يموت الإنسان ولا فرق في أن يكون ذلك في ظل نظام ديمقراطي أم لا، لذا أنا لا أفكر في الوسائل، بل في النتائج، وأحياناً الوسائل ديمقراطية في بلدان عديدة لا تفهم أن الديمقراطية تؤدي إلى الكثير من الضرر.
فيصل القاسم: سيادتكم من محاسن ماليزيا أو النظام الماليزي أنه خال من المحسوبية والعائلية والجهوية والقبلية والطائفية، هذا على المستوى السياسي وهي أمراض يعج بها وطننا العربي مثلاً هل يمكن القول في هذه الحالة بأنه بالإمكان لأي إنسان عادل أن يصعد إلى مرتبة رئيس.. رئيس الوزراء مثلاً؟
محاضير محمد: نعم أظن ذك، والسبب أن أول ثلاثة رؤساء حكومات كانوا من الطبقة العليا للمجتمع، وأنا شخصياً من عائلة فقيرة وقُبلت كزعيم للحزب وكنتيجة لذلك أصبحت رئيساً للحكومة، وأحسب أنه لو توفرت الخصال القيادية والكفاءات لأي شخص كان واستطاع إقناع الناس أنه سيكون زعيماً جيداً بغض النظر عن أصوله وما إذا كان منحدراً عن الطبقة العليا أو الوسطي أو الدنيا فسيكون زعيماً.
د. فيصل القاسم: على الصعيد الإقليمي، إذا خرجنا من موضوع الديمقراطية ألا تخشى على منطقة جنوب شرق آسيا وعلى ماليزيا بالتحديد مما يحدث في محيطكم وخاصة في.. في بلد كبير ومهم مثل.. مثل إندونيسيا؟
محاضير محمد: نعم نقلق من ذلك ونحن خائفون قليلاً لأن إندونيسيا بحجم ماليزيا 10مرات، ومن حيث الأعراق فهم من نفس أعراق ماليزيا، وربما سيحاول الكثير من الإندونيسيين الهجرة إذا ما ساءت الأمور كثيراً، وحتى الآن هناك أكثر من مليون إندونيسي هاجروا إلينا بسبب سوء الأوضاع في بلدهم وأنا متأكد أن الأوضاع لو ساءت أكثر لهاجر كثيرون غيرهم أيضاً..
د. فيصل القاسم: سؤالي الأخير في واقع الأمر يعني وهو عبارة عن ملاحظة، يعني على عكس ما يقال عنكم في الصحافة الغربية بشكل خاص على أنكم يعني تحكمون بطريقة ديكتاتورية فقد لمست، أو لمست العكس تماماً هنا في.. في ماليزيا، فلم أجدكم مثلاً محاطين بالفخامة والأبهة يعني والحراسة الكبيرة والمطبلين والمزمرين كما هو الحال عندنا في الوطن العربي الموظف من الدرجة العشرين يصنع لنفسه أبهة وفخامة يعني عز نطيرها، ناهيك عن الزعماء العرب الذين يبددون الكثير من الملايين على أبهتهم وفخامتهم، كل ذلك لم أجده هنا في.. في ماليزيا، وخاصة في سيادتكم رئيس الوزراء، يعني هل يمكن أن نقول: أنك تعمل بمبدأ سيدنا عمر في هذه الحالة "حكمت فعدلت فأمنت فنمت"؟
محاضير محمد: حسناً لقد درست التاريخ كثيراً وأنا معجب بسيرة الرسول والخلفاء الأربعة، وكمسلم علينا واجب التعلم من هؤلاء القادة في الإسلام، ولكن في ماليزيا على وجه التحديد الزعماء لا يشعرون أنهم مهددون وأنا شخصياً أقود سيارتي بنفسي وأذهب للتبضع محاطاً بالحد الأدنى من الحراسة، وربما يعود ذلك إلى أن الناس في هذا البلد ليسوا ميالين للعنف بشكل خاص، وأنا أشعر بالأمان لذا لا أشعر بالحاجة إلى إحاطة نفسي بمظاهر الأبهة والعظمة والحراس حولي، وربما هذا ليس ممكناً في بلدان أخرى خاصة عندما يميل الناس إلى أن يكونوا عنيفين جداً بطبيعتهم، وحتى الآن الناس في هذا البلد مسالمون جداً سوءً كانوا هنوداً أو صينيين، أو ملوييين، وأصبحوا متعودين على العيش سويّة، وليس لدينا هذا الشعور بالتهديد رغم أن هذا البلد شهد أيضاً حالات من التمرد والعصيان، ولكن في النهاية استطعنا كسب قلوب وعقول الناس، وأعتقد أن القادة يتعين عليهم أن يكرسوا أنفسهم لخدمة شعوبهم وبلدانهم، ورغم أنه سيكون هناك من لا يحبني أرجو ألا يكون ذلك لدرجة تجعلهم يلحقون الأذى بي.
د. فيصل القاسم: شكراً جزيلاً، ويعطيك الألف عافية، شكراً جزيلاً سيدي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة