النظام المالي العالمي وأنظمة الحكم العربية   
الاثنين 1432/8/17 هـ - الموافق 18/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:00 (مكة المكرمة)، 11:00 (غرينتش)

- صندوق النقد الدولي.. إدارة جديدة بتغيرات عاصفة
- الصندوق وتأثيره على نظامي مصر وتونس

- الكرامة في مفهوم السياسات الاقتصادية

- المساعدات في أيدي الفاسدين

- المرأة في تونس ودورها

عبد الرحيم فقرا
عبد الرحيم فقرا:
مشاهدينا في كل مكان، أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من واشنطن، وتأتيكم من أمام مقر صندوق النقد الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة العربية منذ عدة أشهر، سنحاول في هذه الحلقة أن نسلط الضوء على مختلف جوانب العلاقة بين النظام المالي العالمي، وأنظمة الحكم العربية، سنسلط الضوء على تلك العلاقة كما تطورت على مدى العقود القليلة الماضية ونتساءل إلى أي مدى يمكن أن تتغير في المستقبل، في عام 1949 وبينما كان العالم لا يزال يلعق جراحه من الحرب العالمية الثانية، نشر الكاتب الأميركي الشهير آرثر ميلر مسرحية البائع المتجول، بطل المسرحية ويلي لومين يقتل نفسه عمداً في حادثة سير حتى يغتني ابنه من تعويضات تأمين السيارة، مضت عدة عقود منذ نشر المسرحية فجاء موت عمد آخر حقيقي هذه المرة، وفي بلد طالما أعتقد على نطاق واسع أنه صغير وهامشي استراتيجيا، فبعد أن صادرت السلطة التونسية مصدر رزقه وأهانته، أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده ومن ثم فيما يوصف بأسس الاستبداد العربي وما يستند إليه من مختلف أنواع الفساد، جزء من ذلك الفساد إنتاج محلي عربي لكن هناك من يعتقد أيضا أن مصدر الجزء الآخر منه خارجي فرضه النظام المالي الذي أسسته القوى الاقتصادية الكبرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومارست هيمنتها عليه من خلال مؤسسات كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

[شريط مسجل]

كريستين لاغارد/ مديرة صندوق النقد الدولي: يوفر صندوق النقد الدولي الخدمات لكل الدول الـ 178 الأعضاء فيه، ويعمل على إحلال الاستقرار المالي الذي يسود انعدامه على نطاق واسع في العالم، والمساعدة على تحسين أداء اقتصاديات العالم وتوفير رفاهية أكبر لسكانه.

عبد الرحيم فقرا: هكذا قالت كريستين لاغارد المديرة الجديدة للصندوق قبل بضعة أيام في مؤتمر صحفي هو الأول لها منذ أن تولت هذا المنصب، وقد جاء تعيين لاغارد نتاج فرنسا وجناحها السياسي اليميني في عين الإعصار، إعصار الثورات العربية ولكن أيضا إعصار محاكمة مواطنها الإشتراكي دومينيك ستراوس كان الذي أجبر على الاستقالة من منصبه على رأس الصندوق بعد اعتقاله في نيويورك بتهمة الإعتداء الجنسي على سيدة أفريقية، فكيف ستختلف سياسات لاغارد عن سياسات سلفها ستراوس كان إزاء الأوضاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

[شريط مسجل]

كريستين لاغارد: لقد كان ستراوس كان قد بدأ إصلاحات ممتازة، وبالتأكيد سأجرى مشاورات بشأنها وسأدعم مواصلتها، فمثلا أتحدث عن تبني سياسات ذات الصلة بالتشغيل والقضايا الإجتماعية إضافة إلى سياسات ذات الصلة بأنماط اقتصادية أكثر تقليدية، إن الإصلاحات التي بدأها ستراوس كان عام 2010 يجب أن تنفذ في كل أصقاع الدنيا، وسيظل العالم يتغير وفي الوقت الذي يشهد فيه تغيرات عميقة يجب أن تعكس تلك التغيرات في تركيبة الحكامة وفي تسيير الصندوق، وسأوصل أنا تلك الانجازات.

عبد الرحيم فقرا: في الجزء الثاني من البرنامج سنعرض جزءا من مناظرة كان دومينيك ستراوس كان قد شارك فيها، واستضاف الجزيرة لإدارة نقاشها قبل اعتقاله، وقد تركز النقاش على دور صندوق النقد الدولي ومسؤوليته في الأوضاع التي آلت إليها دول كمصر وتونس قبل سقوط نظاميهما، وعن آفاق المستقبل في العلاقة بين الصندوق والمنطقة العربية، شارك أيضا في المناظرة كل من محافظ البنك المركزي التونسي مصطفى النابلي وناشط الإنترنت المصري وائل غنيم، ولكن قبل ذلك لقاء خاص مع المديرة الجديدة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد.

صندوق النقد الدولي.. إدارة جديدة بتغيرات عاصفة

عبد الرحيم فقرا: سيدة لاغارد في البداية شكراً على تلبيتك الدعوة، ماذا يعني لك أن تستلمي إدارة صندوق النقد الدولي في هذه الفترة من فترات التغيير والقلائل في شمال أفريقيا والشرق الأوسط؟

كريستين لاغارد: صحيح أن هناك اضطرابا لكن هناك أيضا تطلعات كبيرة لدى الشعوب هناك، التي قررت أن تستعيد التحكم في مصائرها، ومن وجهة نظر صندوق النقد الدولي فإن الأوضاع الحالية توفر لنا فرصة لتقديم المساعدة لهم، إن البلدين اللذين أشرت إليهما أي تونس ومصر وربما دولاً أخرى في المنطقة أعضاء في الصندوق، وأذكر أنني كنت أجلس إلى جانب زميلي الجزائري، فالصندوق يقدم الخدمات لكل أعضائه، وعلى الدول المعنية أن تقول للصندوق إننا نجلس إلى طاولة العضوية ونشارك في النقاشات هناك، ولم نكن نطلب الشيء الكثير آنذاك لكن حان الآوان لأن يقدم الصندوق لنا ما نحتاجه من خدمات.

عبد الرحيم فقرا: خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته في مقر الصندوق تحدثت عن مسألة المصداقية، مصداقية الصندوق لدى الدول، وكما تعرفين الصندوق يواجه مشكلة مصداقية حقيقية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كيف تعتزمين التعامل مع هذه المسألة؟

كريستين لاغارد: في رأيي يقدم الصندوق جملة من الخدمات للدول الأعضاء فيه برمتها، وتتراوح هذه الخدمات ما بين المراقبة والدعم المالي وستشمل توصيات ومشورات تحليلية ويجب أن يتم تحسين تلك الخدمات بصورة متواصلة حتى يسهل استخدامها لدى عضوية الصندوق كاملة، إن الأمر لا يتعلق بمجموعة من الدول مقابل مجموعة أخرى أو بدولة تتلقى خدمات أفضل مما تتلقاه دول أخرى، ولذلك فإن الإنفاق سيكون إحدى أولوياتنا، ويجب أن يكون جزءا لا يتجزأ من مشوراتنا التحليلية، ثانيا إن الأمر هنا بمثابة شراكة، فعندما تحتاج إحدى الدول إلى الدعم تبدأ الشراكة التي هي عبارة عن أخذ وعطاء وما يسمى برنامجاً مثلاً يشمل الجهود التي تبذلها إحدى الدول لأن سعيها للحصول على مساعدة من الصندوق يبدأ بمساعدة نفسها، وذلك سبب آخر يحملني على الإعتقاد بأن مصداقية الصندوق يمكن استعادتها في إطار شراكة جيدة، كلما جرى وضع برنامج من البرامج.

الصندوق وتأثيره على نظامي مصر وتونس

عبد الرحيم فقرا: أنت بطبيعة الحال تتحدثين في الوقت الذي يشعر فيه العديد من الناس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأن صندوق النقد الدولي كان حقيقة جزءا من المشكلة التي أدت إلى انهيار النظام في بلدان كتونس ومصر وبالتالي هؤلاء قد لا يتقبلوا كثيرا هذا الكلام وهذه الأفكار التي تفصحين عنها الآن؟

كريستين لاغارد: كما نعمل بروح من الانفتاح فإننا أيضا نشعر بالإرتياح في ظل الإنجازات الحاصلة، وأعتقد أنه فيما يتعلق بالشراكة أيضا يجب أن تسود نفس الروح بشأن ما يمكن أن نقدمه، وأن الصندوق جزء من الحل وليس جزءاً من المشكلة.

عبد الرحيم فقرا: عفواً، على موضوع القروض في الآونة الأخيرة طبعاً كانت هناك مسألة أو مشكلة مطروحة بين الصندوق ودولة هي مصر فيما يتعلق بهذا الجانب والرأي العام في مصر يدفع باتجاه أن لا تلجأ الحكومة المصرية إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي في الوقت الذي يرى الشعب هناك بأن الصندوق يدفع باتجاه ارغام الحكومة على اللجوء إلى تلك القروض، كيف تنظرين أنت إلى هذه المعضلة؟

كريستين لاغارد: كما تعرف فإن صندوق النقد الدولي لا يفرض أبداً أي برامج على أي جهة من الجهات، بل نقدم الخدمات عندما يطلب منا ذلك، ونحن نقدمها كما قلت انفتاح وإنفاق، لقد كنت في مصر في نفس اليوم الذي كان فيه وزير المالية المصري يستكمل برنامجه المالي والميزانية أيضا، وإذا قامت البلاد بترتيب أوضاعها الاقتصادية واستعادة النمو والاستقرار والاستجابة لإحتياجات الشعب دون مساعدة خارجية، فسيكون ذلك أمراً جيداً، أما إذا لم يكن الأمر كذلك وكانوا بحاجة إلى مساعدة خارجية وتمويل فعلى الحكومة المصرية في هذه الحالة أن تفكر في صندوق النقد الدولي كمؤسسة كانت مصر ولا تزال عضواً فيها، ويحق لها أن تطلب الدعم منها.

عبد الرحيم فقرا: عندما سئلت في المؤتمر الصحفي عن الفرق بين مدير اشتراكي وبينك أنت كمديرة من اليمين الفرنسي قلت أن مسألة النعوت والأوصاف السياسية لا تُعرب أو لا تعكس الحقيقة بدقة هل نفهم من ذلك أنك تعتقدين أنه في عالم اليوم لم يعد هناك أي فرق بين اليمين واليسار خاصة فيما يتعلق بإدارة الصندوق؟

كريستين لاغارد: إن أهداف الصندوق تتمثل في المساعدة على تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية والتشغيل والتجارة حول العالم، كوسيلة لدعم النمو وتوفير رعاية أفضل للشعوب، تلك هي الأهداف التي يصبو الصندوق إلى تحقيقها في نهاية المطاف، ولا أعتقد أن هناك طريقة يمينية وأخرى يسارية لتحقيق تلك الأهداف بل هناك سبلٌ عملية للوصول إليها، ما اعتبره تحولاً هاماً خلال السنوات القليلة الماضية هو قدرة الصندوق بقيادة مديره السابق دومينيك ستراوس كان على التعامل مع القضايا المطروحة للتشغيل أو البطالة، يجب النظر إلى النسيج الإجتماعي للدول بدل التعامل مع قضاياها بطريقة حسابية ذات صلة بتوازن حساباتها ورأسمالها إلى غير ذلك من الجوانب.

عبد الرحيم فقرا: إذن ما هو الفرق الجوهري بينك أنت كمديرة جديدة للصندوق وبين المدير السابق دومينيك ستراوس كان فيما يتعلق بسياسات الصندوق إزاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

كريستين لاغارد: لست متأكدة من أنه سيكون هناك فرق كبير في هذا الشأن لكن ما أنا متأكدة منه بعد أن زرت مصر والمغرب وتونس والجزائر ودولاً أخرى في المنطقة بما فيها تلك التي تشهد اضطرابات في الوقت الراهن هو أنني أدرك بقوة إحتياجات الشعوب في تلك الدول ورغبتها في أن تتحكم في مصائرها بطريقة معقولة وعملية من شأنها أن تجعل التنمية مستدامة ومن أجل أن يكون صوتها صوت العقل، ولكن أيضا صوت الشراكة وأنه يجب تقديم دعم قوي لتلك المنطقة من العالم.

عبد الرحيم فقرا: المديرة الجديدة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد في لقاء خاص مع الجزيرة قبل بضعة أيام، بعد الإستراحة إلى أي مدى ساهم صندوق النقد الدولي وأخواته من المؤسسات المالية العالمية في انتحار محمد البوعزيزي..

[فاصل إعلاني]

عبد الرحيم فقرا: أهلا ومرحبا بكم في الجزء الثاني من برنامج من واشنطن، دوام الحال من المحال كما يُقال، فبعد أن أوصل أوج العز والنفوذ على رأس صندوق النقد الدولي نزلت أسهم دومينيك ستراوس كان أسفل السافلين عقب اعتقاله بتهمة الإعتداء الجنسي على عاملة في أحد فنادق نيويورك مما أرغمه على الاستقالة من منصبه، بعد عسر الإعتقال والمهانة جاء يُسر التشكيك في صدقية التهمة وإحياء فرص نجاح كان في حملة انتخابات الرئاسة الفرنسية القادمة على الأقل في أعين بعض أنصاره، قبل بضعة أسابيع من اعتقاله وفي محاولة منه لتلميع مصداقية وشفافية الصندوق، شارك ستراوس كان في مناظرة أدارتها الجزيرة حول علاقة صندوق النقد الدولي بالأسباب التي أدت إلى سقوط النظام في كل من مصر وتونس، شارك في المناظرة أيضا كل من رشيد خالد من جامعة كولومبيا، وندى الناشف من منظمة العمل الدولي، إضافة إلى مصطفى النابلي محافظ البنك المركزي التونسي، ووائل غنيم ناشط الإنترنت المصري، يشير إلى أن المناظرة كانت قد بُثت بالكامل على قناة الجزيرة مباشر، وسنركز في إعادة هذا الجزء المختصر منها على مداخلات كل من غنيم والنابلي وبطبيعة الحال ستراوس كان الذي سألته في البداية إن كان صندوق النقد الدولي بحكم سياساته إزاء تونس قد ساهم في انتحار محمد البوعزيزي؟

دومينيك ستراوس كان: ما من شك أننا نعيش في عالم مترابط ببعضه البعض أكثر من ذي قبل بالتالي على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولية كل ما يجري، وأعتقد أن عمل هذه المنظمة هو نشر الوعي بهذا الأمر من حيث أنه ما من أحد يتوصل إلى حل مشكلاته بشكل منفرد ودون الإعتماد على المجتمع الدولي وذلك في السراء والضراء، وربما كانت الصياغة التي تفضلت بها فيها بعض الإفراط في الرد المباشر، ولكن علينا أن نقول إنه إذا أردنا أن نتقدم بالاقتصاد العالمي بشكل يكون فيه مصلحة الجميع وفيه مصلحة الشعوب في كافة البلدان فإذن.. ما اختل أمرٌ ما يكون أيضا من مسؤولية المجتمع الدولي، أنا أتفق معك من هذه الناحية، أما ما يهمني الآن هو التطلع إلى المستقبل وأن ننظر إلى الطرق الكفيلة بمساعدة هذه الدول، لقد كان انطلاق هذه الدفعة الديمقراطية في العالم العربي من دواعي ابتهاج العالم بأسره وفكرة أن المجتمع الدولي عليه أن يقدم الدعم الآن هي الفكرة التي أريد أن أركز عليها هنا. صندوق النقد الدولي هو جزء صغير من المجتمع الدولي، وعلينا ألا نبالغ في تصور حجم قوتنا، ولكن على كل حال نحن هنا لنساعد تونس ومصر وهي دول أعضاء في الصندوق، ونحن سنكون في مقدمة كل من يقدمون المساعدة، لن يكون هذا الأمر الهيّن، وأنا لا أريد أن ارسم صورة وردية للوضع، ستكون هناك مصاعب لأن الوضع الاقتصادي لن يكون سهلاً، ولأن مطالب الشعوب ستكون مرتفعة، وهذا أمر مفهوم ويجب الاستجابة له، لأن هناك بعض أنواع المداخيل مثل السياحة مثلاً ستتقلص خلال هذا العام لسبب أو لآخر بالتالي لن يكون الأمر هيّناً، ولهذا السبب بالذات نحن هنا لتقديم المساعدة.

مصطفى النابلي: قراءتي لما حصل في تونس وفي مصر لا يدور حول التفاوت، ولا السياسات، ولا غيرها، بل أعتقد أنه يتعلق بفكرة الإنصاف. لقد حدثت الثورة لأن الناس شعروا بأن ما كان يجري كان غير منصفاً، والكثير مما كان يحدث لم يكن فيه إنصاف، فالتفاوت في حد ذاته لم يكن المشكلة، بل كانت طريقة اكتساب الثروة من بعض الناس، وطريقة تكديس تلك الثروة التي كان الناس ينظرون إليها على أنها غير عادلة، ويدخل في ذلك الفساد، واستعمال السلطة.

عبد الرحيم فقرا: هل الفساد ظاهرة سياسية أم ظاهرة اقتصادية بالمناسبة؟

مصطفى النابلي: هي ظاهرة سياسية في نهاية المطاف، نعم هي سياسية وهنا أعود إلى المؤسسات المالية الدولية التي لديها مشكلات كبيرة، وهي أنها إذا أرادت أن تعالج مسألة الإنصاف والحوكمة عليها أن تتجاوز النطاق الاقتصادي البحت الذي تحجز نفسها فيه، ولأنها لا يُسمح لها بتجاوز الأرقام والبيانات الاقتصادية الكبرى كالنمو وغير ذلك، وليس لها الحق في الدخول في مواضيع الحوكمة المتعلقة بالإدارة الاقتصادية، ناهيك عن المسائل السياسية ومن يحكم..إلخ. والمدير العام يعرف أن لديهم هذه المشكلة، ولكن دعني أقول أن ما رأيته في هذه الثورة هي أن الناس يتحدثون عن الكرامة، والمسائلة، والشفافية، لقد أحرق الناس البيوت، ولكنهم لم يحرقوا بيوت الأثرياء، بل أحرقوا بيوت اولئك الذين يعتبرونهم قد أثروا بشكل غير شرعي. وتلك هي الرسالة التي علينا ألا ننساها. إذن فالأمر لم يكن يتعلق بالتجارة الخارجية والصادرات إلى غير ذلك من الأمور، لأن الناس يحتاجون للوظائف والعمل.

الكرامة في مفهوم السياسات الاقتصادية

عبد الرحيم فقرا: دون شك نود النظر إلى الماضي، ولكن دعنا الآن ننظر إلى المستقبل، أنت تتحدث عن مسألة الكرامة مثلاً في الوقت الذي انطلقت فيه كل من تونس ومصر في مسارات جديدة. السؤال هو كيف يُترجم مفهوم الكرامة إلى سياسات اقتصادية ملموسة في مستقبل هذه البلدان في شمال أفريقيا، والشرق الأوسط؟

مصطفى النابلي: هذا هو التحدي الأكبر، بداية الكرامة تتجلى في قدرة الناس على المشاركة في صنع قرار الحكومة التي تسيّر أمورهم، وهنا تكون أهمية الانتقال الديمقراطي، حيث يتمكن الناس من الإدلاء بآرائهم في تسيير أمورهم وفي تحديد النظام السياسي الذي يحكمهم، والنظام الاقتصادي، وتحديد السياسات تلك هي الخطوة الأولى. أما الخطوة الثانية فهي تمكين الناس من العيش الكريم والوظائف الجيدة والكريمة.

عبد الرحيم فقرا: دعني اسألك أنت وائل غنيم، ما رأيك فيما سمعت حتى الآن؟

وائل غنيم: أنا حاصل على شهادة الماجستير في المالية، ولكنني لا أشارك في مثل هذه النقاشات عادة، أنا أحب ما تفضلت به، وهذا جيد حيث أنك تقترب من الخطاب، الخطاب الذي يُعبّر عن حالتنا، ولكن دعني أقول أن وسط ما كان يحدث بالخطأ لا يرتقي إلى الحقيقة، ما كان يحدث كان جريمة وليس خطأً.

عبد الرحيم فقرا: ماذا تقصد؟

وائل غنيم: مثل الطريقة التي كان المجتمع الدولي يتعامل بها مع الظلم، والديكتاتوريات في المنطقة، تلك جريمة يجعلونهم مشاركين في الجريمة، حيث أن جيلاً بأكمله وأنا لا أتحدث هنا عن نفسي بما أن عمري 30 عاماً ولا يزال أمامي بعض الوقت، لكن هناك الكثير من الناس..

عبد الرحيم فقرا: أنت لست شاباً إذن..

وائل غنيم: الكثير من الناس ذهبت حياتهم هدراً، لم يتمتعوا بشيء في حياتهم. لقد صُدمت عندما قرأت في إحدى الدراسات أنه عام 2000 لم يكن هناك أي مصري يملك أكثر من 500 مليون دولارمن اولئك الذين يُصرّحون بالثروات بالطبع لأن هنالك من كان يمتلك أكثر من ذلك دون شك، ولكن بالنظر إلى أرقام عام 2010 تجد أن مئات من المصريين جمّعوا مليارات الدولارات، ولأني أحب دائماً أن أكون مشاكساً، اقرأ هنا من تقرير لصندوق النقد الدولي يقول أن الاقتصاد المصري شهد عاماً إضافياً من الأداء الباهر حققته الإصلاحات الدائمة، والسياسات الاقتصادية الحكيمة، والبيئة الخارجية الملائمة، وكان النمو قوياً وواسع النطاق حيث تم خرق أرقام قياسية في فرص العمل، وتبقى ثقة المستقبلين عالية. عندما كنت اقرأ تقرير الاستهلاك الذي يقول أن التضخم انخفض إلى 10%، ثم يقول لي جاري أن سعر اللحوم مثلاً تضاعف، ففي هذه الحالة من سأصدق؟

عبد الرحيم فقرا: لكن من جهة أخرى يمكن القول أيضاً من لم يخطيء؟ لقد كان الجميع مخطئين في توقع ما حدث، لم يكن بوسع أحد أن يتوقع أو بأي نوع من الدقة لا في مصر ولا في تونس، على الأقل صندوق النقد الدولي أصدر هذا التقرير الذي قرأت منه، ويُصدر هذه التقارير وبكل شفافية.

وائل غنيم: نعم، أنا أختلف بعض الشيء معك، كثير من الناس كانوا يعرفون الأمور لم تكن تسير على ما يرام، لكن كان هناك الأمل أن تحدث إصلاحات بالتدريج، لكن كيف يمكن أن تأتمن تلك الأطراف التي هي جزءٌ من المشكلة لتقديم الحلول فجأة. هذا يشبه المعادلة التالية: وزارة الداخلية المصرية تستخدم التعذيب بشكل منهجي، وفي الوقت ذاته تجري مناقصات حول برامج التوعية بحقوق الإنسان. هذا لا يستقيم، عليك أن تغير الناس، عليك أن تتحلى بشجاعة أكثر وجرأة في التواصل مع الناس. عندم قلت إني قادم مثلاً إلى هذا المؤتمر بالذات إنتقدني الكثيرون ممن يرون أن صندوق النقد الدولي هو اسوأ جزء من المشكلة، حيث أنه ساهم في دعم هذه الأنظمة، وادخل الدول في دوامة الديون.

عبد الرحيم فقرا: ستراوس كان سترد بعد قليل.

وائل غنيم: لكن ما يهمني هنا بشكل كبير هو أنني أُمثل شريحة من الشباب تشبهني، ربما لا يفهمون الأمور الاقتصادية والتضخم، وممن يقرأون ربما عن خلق فرص العمل ويتساءلون هل المقصود من ذلك هو ذلك الشخص الذي يعمل بأجرة 100 دولار في شركة تكسب مليارات الدولارات ربحاً لحفنة صغيرة من الناس. أعتقد أن العالم الآن يستيقظ بعد ما فعله الناس، وبعد أن ضحوا بحياتهم من أجل إبلاغ تلك الرسالة. نريد أن نرى تغييراً حقيقياً في السياسات ونظرة مختلفة تماماً، وتعاملاً مختلفاً مع الطغاة.

عبد الرحيم فقرا: مفهوم، دعني أتوقف عند نقطة خلق مناصب عمل، وهي النقطة التي يتحدث عنها مصطفى النابلي،أنت أمام هذه المشكلة قامت الثورة في مصر، لديك هذا الحجم الهائل من البطالة، ولديك هذا الضغط من أجل التغيير ومن أجل حلول سريعة، هل هناك نقطة التقاء حل وسط بين انعدام قدرتك على خلق الوظائف بشكل سريع، وقدرتك على الحفاظ على نسق الثورة وزخمها في بلد كمصر.

وائل غنيم: أعتقد أنا أكره البنادول وأعتقد أن مصر كانت مصابة بالسرطان، بينما كان المجتمع الدولي يعطينا البنادول باستمرار لكن في هذه المرحلة بالتحديد نحن بحاجة للبنادول وأعتقد أن كلاً من المجتمع الدولي والمصريين عليهم أن ينتبهوا إلى مغبة حدوث ثورة مضادة وذلك سيحدث إذا ما لم يتمكن الناس من تغطية حاجاتهم الأساسية. هناك أمور يجب أن تحصل الآن وبسرعة، قد أكون حالماً هنا لكن أن يُجسد البعض ببعض الاستثمارات المغامرة. ثم الأمر الثاني هو البدء في تغيير القوانين، علماً أن المصريين مقاومون مثل ذلك الشخص الذي واجه بجسده العاري سيارات الشرطة، هو مقاوم إن روح المقاومة هي من الشجاعة، لقد نجح المصريون حول العالم وعلى الحكومة أن تسرع الآن في تغيير القوانين لتستقطب المستثمرين كي يأتوا ويفتحوا شركاتهم هنا في مصر.

دومينيك ستراوس كان: دعني أقول بداية أنك تفهم أكثر مما تصرح به، وكم كنت أتمنى أن يفهم المصريون هذه الأمور بالقدر الذي تفهمه أنت، ولكن أريد أن أُصحح أمراً ما، أنت تقول أن صندوق النقد الدولي هو جزء من المشكلة أكثر مما هو جزء من الحل، وترمي علينا جُل المسؤولية، ما هو دورنا؟ دورنا هو توفير الموارد للدول التي تجد نفسها عاجزة لسبب من الأسباب أن تذهب إلى السوق وتقترض من السوق، بالتالي نحن الخيار الأخير، عندما يرفض كل المقرضين أن يقرضوك الأموال لانعدام الثقة عندها ندخل نحن في الصورة ذاك هو دورنا وبديهي أن ذلك يخلق الديون لأننا نستخدم أموال المجتمع الدولي ويجب تسديد تلك الديون، انظر ما الذي سيحدث خلال السنة القادمة أو السنوات القادمة، تقديراتنا لإحتياجات المنطقة وخصوصاً الدول غير المصدرة للنفط سيكون هذا العام حوالي 40 بليون دولار، وسيرتفع إلى 100 بليون خلال سنتين، من سيوفر تلك الأموال؟ نتمنى أن تكون البنوك والأسواق أطرافاً أخرى تريد أن تستثمر في مصر، هذا جيد، ولكن سيكون هناك نقص ونحن سنسدده، ذلك النقص نحن بطبيعة الحال نغطي ذلك العجز وأنت تقول أننا نثقل البلد بالديون ولكن أنت تطلب منا ذلك لهذا عليك أن تكون منصفاً فإذا يطلب منا التعامل مع أي بلد فإن الديون تتكون لأن الأموال التي سنوفرها هي أموال المجتمع الدولي ويجب تسديدها، ومن جهة أخرى نحن نقوم بذلك كما تفضل السيد محافظ البنك المركزي فقط عند طلب الدولة المعينة ما دمت لا تتقدم إلينا بالطلب فنحن لا نأتي إليك، نحن لسنا مثل البنوك التي تطرق الأبواب وتبحث عن عملاء لماذا لم نتمكن من الوصول إلى نسبة 6% أو 7% وباقين في حدود الـ 5% ذلك هو السؤال الكبير، وذلك يعود بنا إلى مسألة الحكم الرشيد والأمر السياسي، فانعدام الحكم الرشيد وانعدام المساءلة وانعدام سيادة القانون وبيئة العمل المتردية هي الحلقة الغائبة لتحقيق النقطتين المئويتين الناقصتين، فلم يكن عندنا حكم رشيد، وهذا ما أدى إلى الانفجار بغياب الحقوق والحريات في المستوى السياسي وعدم تحقيق كل القدرة الاقتصادية الكامنة وهذا ما أطلق الثورة.

عبد الرحيم فقرا: من موقعك الآن كمحافظ للبنك المركزي التونسي، ما مدى تخوف أي حكومة تونسية قادمة من التدخل الأجنبي حين تحاول أن تطبق ما تقوله أنت إن عليها أن تطبقه؟

مصطفى النابلي: بداية أنا في البنك المركزي ليس عندي مشكلة وإن كان هناك تدخل فأنا لم أره، أما على المستوى السياسي فاحتمالية التدخل قائمة دائماً وتلك التدخلات تأتي من كل أنواع المصادر.

عبد الرحيم فقرا: صندوق النقد؟

مصطفى النابلي: ليس فقط صندوق النقد الدولي بل الاتحاد الأوروبي.

عبد الرحيم فقرا: الإتحاد الأوروبي الولايات المتحدة]ضحك[ ودول عربية أخرى في الجوار؟

مصطفى النابلي: من هنا أهمية أن تكون لك مؤسسات سياسية وطنية جيدة، فالأنظمة الداخلية سواء كانت مؤسسات سياسية أو منظماتٍ غير حكومية أو إعلام، يجب أن تكون هناك للمراقبة ولتتأكد أن التدخل لا يصبح العامل الأقوى، التدخل قائم بشكلٍ دائم في العالم والجيران دائماً يتابعون ما يحصل لجيرانهم وهذا أمر لن يختفي، ولكن علينا أن نتأكد أن هذا التدخل لا يتحول إلى القوة الطاغية هو أن الدينامكية الداخلية هي التي تسيطر.

عبد الرحيم فقرا: وائل كنت هناك على الأرض في ميدان التحرير خلال الثورة المصرية، ما حجم أو طبيعة النقاش المتعلق بهذه الأمور الذي كان يدور خلال مناقشاتكم حول مستقبل مصر من ناحية الاستقلال الاقتصادي أو التدخل الخارجي في السياسية والاقتصاد المصريين وأن حجم النقاش الذي دار من حيث معالجة هذه المسألة في مستقبل مصر آنذاك؟

وائل غنيم: صراحة كنا في تلك اللحظة نفكر في كيفية التخلص من الكابوس لم نكن بدأنا نحلم بعد، أنا شخصياً خرجت إلى الشارع من أجل أمرين، الأول أني كنت أكره أن أرى رؤية الناس يقتاتون من المزابل خاصةً أنني أعمل شخصياً لدى شركة كبرى وأتقاضى أجراً جيداً، وكنت أتعاطف مع الفقراء، كنت على استعدادٍ لدفع الثمن من أجل مساعدتهم، مثلي أيضاً كثيرون وهم بالآلاف من المصريين، أحد أصدقائي خسر عيناً من عينيه لديه سيارة فيراري وخرج إلى التظاهر في الخامس والعشرين، أما الدافع الثاني هو الكرامة، كنا نريد استرداد كرامتنا والكرامة هنا فيها جانب اقتصادي وهي تعني أن الجميع يجب أن يكون لديه فرصة عادلة، كنت أكره أن أعيش في مصر أن أرى الشخص الغني يتمتع بمعاملة جيدة ويمكنه أن يقضي الأمور بسلاسة له معاش جيد وتعليم رفيع، ولكن إذا كنت فقيراً تعامل وكأنك شخص سيء وكشخص يمكن تجاهله.

عبد الرحيم فقرا: بالعودة إلى مسألة الكرامة، بالطبع مصر لها تاريخ ضارب في القدم ستة آلاف عام تاريخ.

وائل غنيم: سبعة آلاف.

عبد الرحيم فقرا: سبعة آلاف عام، يبلغ تعداد مصر حوالي ثمانين مليون أو هذه هي التقديرات على الأقل، هذه دولة محورية ليس فقط بالنسبة للشرق الأوسط، بل لمنطقة أوسع من ذلك، رغم ذلك تأتي مصر إلى الولايات المتحدة من أجل الحصول على بليون وأكثر بقليل من المساعدات، هل يستقيم ذلك مع ما تقوله عن مسألة الكرامة وإن كان ذلك لا يستقيم، ما الذي يمكن أن يفعله المصريون مع صندوق النقد الدولي وغيره لأن لا يجدوا أنفسهم في حاجةٍ إلى مثل تلك المساعدات الخارجية؟

المساعدات في أيدي الفاسدين

وائل غنيم: بكل صراحة المساعدات لم تخدم مصلحتنا خلال الأعوام الماضية، من خلال تجربتي كرجل عادي علمت كيف أن مساعدة مثلاً قدرها 50 مليون دولار كانت منحة بجامعتي، بمعنى أن كل النظام كان فاسداً، رأيت الجميع يفكر في كيفية اختلاس المال، لن أقول من كان مسؤولاً لكن في نهاية المطاف نحن لا نريد المساعدة عبر الهبات النقدية التي تودع بين أيدي فاسدين، ما نحتاجه هو استثمارات وتحسين للإطار القانوني لتسيير الأعمال في مصر، إضافةً إلى المعرفة والدعم من المجتمع الدولي، لدي هنا قناعة شخصية عن أسباب الفساد المتفشي في المنظمات غير الحكومية في مصر وهي أن كثيراً من الأموال كانت تقع بين أيدي هذه المنظمات ما جعل الناس يبدعون مشاريع لكسب مثل تلك الأموال، وأصبح الناشط الذي يحلم بإحداث تغيير يفكر في شراء سيارة جديدة أو شقة جديدة، أعتقد الآن أن الحل ليس المال، أعتقد وأعتذر من صندوق النقد.

دومينيك ستراوس كان: طيب حسناً

عبد الرحيم فقرا: لماذا تقول أنك لا تمانع، هل تعتقد أن مصر يمكنها أن تعيش بلا مساعدات؟

دومينيك ستراوس كان: كلا، أنا قلت ذلك من باب الممازحة فقط، ولكن كما قلت من قبل نحن لسنا مثل البنوك التي تسعى لجلب الزبائن، كلما قلت حاجة الناس لأموالنا، كلما كان ذلك أفضل، نحن أشبه بالأطباء نتدخل فقط عندما يكون بلد ما يعاني من مرض، أما إذا كان متعافٍ ولا يحتاج إلينا، دوائنا هو الأموال وهذا أمر جيد.

عبد الرحيم فقرا: هل تقول أنه عندما جاء إليكم البرازيليون مثلاً وقالوا نحن لا نريد أموالكم ولا قروضكم، هذه أموالكم خذوها، نعم الأرجنتينيين، هل أسعدكم ذلك؟

دومينيك ستراوس كان: نحن نكون دائماً سعداء عندما لا تحتاجنا البلدان، يمكن أن يلجأوا إلينا بشكلين مختلفين من أجل المشورة والنصيحة للتقنية، نحن نسعد بتقديم تلك المشورة، قد نكون مخطئين ولكن لدينا خبرة كبيرة والقرار يعود إلى الدولة ذاتها فيما إذا كانت تريد الأخذ بالمشورة أم لا، الطريقة الثانية عندما تحتاج تلك البلاد أن تقترب منا فنحن نوفر هذه الموارد ولكننا لا نسعى إلى ذلك لهذا أنا أقول حسناً، فإذا تمكن البلد من المضي قدماً دون الحاجة إلينا فهذا أفضل، ولكن عندما تكون هناك الحاجة فنحن نحاول المساعدة بشكل لا يؤذي ذلك البلد.

وائل غنيم: فقط للمتابعة أنا لست في موقع يسمح لي بتقييم الحاجة الاقتصادية لمصر في هذه الأثناء الآن، لكن مع الحكومة الجديدة في مصر والتي تحظى بثقة الشعب بسبب تحقيق أهداف الثورة، بما أن الحكومة تمثل الشعب وتستمع لمطالبه وتحدد أن البلد بحاجة إلى قروض فذلك هو الاتجاه صحيح.

دومينيك ستراوس كان: عليك أن تعدني إذن، إذا تقدمت الحكومة بطلب قرض من الصندوق أنك لن تحملني المسؤولية.

وائل غنيم: لست متأكداً، أنا ثوري ولمعارضتك هذا طبيعي.

دومينيك ستراوس كان: لا تكن ثورياً من قبيل الشكل، كن ثورياً من قبيل المعتقد.

وائل غنيم: كنت أمازحك ولكن اعتبر أن ما يحصل الآن في العالم أمر جيد، أقول ببعض الخشونة أن ما يحدث هو صفحة في وجه الذين يؤمنون بالإصلاحات التدريجية وعلى وجه الأنظمة الفاسدة، أعتقد أنه علينا المضي قدماً ونصحح الأخطاء بعد الاعتراف بها وبعضها يتعدى مستوى الخطأ ليصل إلى حد الجريمة.

مصطفى النابلي: أنا أتفق مع ما يقوله وائل لأن هذه هي المسألة الجوهرية، فالمسألة ليست ما إذا كنت بحاجةٍ إلى المساعدة من عدمها، المساعدات يمكن أن تكون جيدة ويمكن أن تكون سيئة وكذلك التمويل، المهم هو كيفية استخدامها وطريقة إدارتها وهذا ما يجعل من العملية الديمقراطية عملية هامة فطالما كان لديك نظام داخلي قادر على التأكد من أن الموارد تستخدم بأفضل وجهٍ ممكن تكون المساعدات مجدية والدول لن تقول أنها ليست بحاجةٍ لها، أكانت من الصندوق أو المؤسسات الدولية أو من السوق المالية، من هنا أهمية المؤسسات الديمقراطية وهو ما تنادي به الشعوب.

المرأة في تونس ودورها

عبد الرحيم فقرا: أنت تونسي، وفي تونس كانت المرأة أيام الرئيس بن علي وقبله تحظى بموقع خاص يجعله مختلفاً عن موقع النساء في العديد من البلدان الأخرى في المنطقة، ما هو ارتباط مسألة وضع المرأة بمسألة النمو الاقتصادي وبفكرة المساءلة وببقية المبادئ الديمقراطية التي تتحدث عنها؟

مصطفى النابلي: من البديهي أنه إذا كان 50% من سكان البلاد لا يساهمون في الحياة الاقتصادية ولا يساهمون في العملية السياسية والاجتماعية لا يمكننا أن نتحدث عن الديمقراطية ولا المساءلة.

عبد الرحيم فقرا: ومع ذلك كانت المرأة تساهم وكان لها وضع خاص أيام بن علي، لكن ذلك لم يمنع الديكتاتورية ولم يمنع وقوع مشكلة في النمو الاقتصادي ولم يمنع البطالة فكيف تربط بين هذه الأمور؟

مصطفى النابلي: بدايةً دعني أغير شيئاً هنا، حقوق المرأة في المجال الاقتصادي لم تتطور بشكلٍ ملحوظ خلال حكم بن علي، فنسبة مشاركة المرأة في القوة العاملة اتسمت بالركود على مدى العشرين سنة الماضية ولم تتحسن، يعني أن شيئاً لم يحقق في هذا المجال عدا الكلام والخطابات، بالتالي لايزال أمام المرأة ما تكتسبه في هذا الإطار، ولكن نحن نعرف أن المساءلة والفساد وغيرهما كانت مشكلاتٍ هامة في نظام بن علي وبقطع النظر عن مدى تمتع المرأة بحقوقها فهي كانت ضحية لهذا النظام كالمجتمع كله، الشباب والنساء والجميع كان ضحية.

عبد الرحيم فقرا: أعتقد أننا وصلنا إلى آخر سؤال وبما أن صندوق النقد الدولي يستضيفنا سأوجه سؤالي الأخير إليك دومينيك ستراوس كان وأعرف أنك مدافع موهوب عن الصندوق وقادر على تفسير العديد من الأمور المعقدة، وصلتنا العديد من الأسئلة و التعليقات عبر facebook وtwitter من فادي قبلاوي، جو دايبس، شادي حكيم، ولدينا تعليق كذلك من هشام سلام الذي كتب يقول عن هذا الحوار أمر لا يصدق ويتحدث بسخرية طبعاً، منبر في صندوق النقد الدولي حول سبل توسيع نطاق التنمية ليشمل كل فئات المجتمعات وكأن القذافي ينظم منبراً حول حقوق الإنسان وبل أحسن كأن سيف الإسلام كتب دوكتوراة عن دور المجتمع المدني، هل تأخذ هذا على محمل الجد؟

دومينيك ستراوس كان: كلا، لن أعلق على القذافي وحقوق الإنسان فهذا ليس دوري، عملي هو السهر على أن تضطلع هذه المؤسسة بالدور المنوط بها وهذا الدور هو حمل المجتمع الدولي على القيام بالأمور بأفضل وجهٍ ممكن في خصوص الاستقرار الاقتصادي، وكما تفضل المحافظ النابلي فلا مجال لأي ثورة ديمقراطية في أي مكانٍ كانت شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية أن تنجح ما لم تسترجع الاستقرار الاقتصادي بأسرع وقتٍ ممكن، من السهل بعد الثورة التي بحد ذاتها ليست أمراً سهلاً، ولكن من السهل أن يقال طيب نحن سننفق الكثير من الأموال وسندعم الكثير من الأمور ولكن الأمر الصعب هو أن يتم ذلك بشكلٍ لا ينتج عنه مطبات وعثرات خطيرة بعد سنة أو سنتين، إذا ما كان للثورات العربية أن تكون حجر أساسٍ تاريخي، وأنا أعتقد أن هذا ممكن، عليها أن تنجح، وكي تنجح عليها بناء مؤسساتٍ ديمقراطية ومنظماتٍ نقابية، وتوفير الدعم والمساعدة لهذه المؤسسات لفرض المساءلة ولكن أيضاً للعودة إلى استقرار الاقتصاد الكلي الذي بدونه سيكون هناك عدم استقرارٍ اجتماعي الذي يتبعه بالضرورة موجة جديدة من عدم الاستقرار السياسي، بالتالي علينا أن نكون متواضعين ودورنا ليس هو أن ننظم كل شيء بل هو مساعدتكم على الرجوع للنمو والاستقرار، وسنفعل ما بوسعنا ولكن علينا أن نفعل ذلك من خلال الحوار، فنحن لا نأتي من الخارج لنملي عليكم كالديكتاتور الاقتصادي أي هذا هو ما يجب عليكم أن تفعلوه فافعلوه، كلا أبداً يعتقد البعض أن الأمر كذلك لهذا وصلك هذا التعليق في twitter أنت تعلم أن twit يسمح فقط بمئة وأربعين حرفاً لذلك لم يستطع المرسل أن يوضح ذلك.

عبد الرحيم فقرا: ولكن أنت تقدر على ذلك.

دومينيك ستراوس كان: ولكن نحن هنا لتقديم المساعدة، أنا لا أقول أننا دائماً نفعل ذلك على الوجه الصحيح، لا أحد معصوم عن الخطأ ولكن باستخلاص الدروس مما قد تحقق، وبالإعتماد بالخبرة التي لدينا بالإضافة إلى خبرات منظمات أخرى في مجالاتٍ أخرى وبإشراك الباحثين والأكاديميين وغيرهم من أفراد المجتمع، بوسعنا مجتمعين أن نبني مستقبلاً أفضل لهذه البلدان وهذا ليس مهماً فقط بالنسبة إلى مصر أو تونس بل هذا هو مهم للعالم بأسره لأن هذا قد يصبح مثالاً يحتذى بسائر بلدان العالم.

عبد الرحيم فقرا: دومينيك ستراوس كان المدير السابق لصندوق النقد الدولي في نهاية هذه الحلقة من برنامج من واشنطن، عنواننا الالكتروني من واشنطن minwashington@aljazeera.net إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة