العلاقات العربية الأوروبية في ظل الربيع العربي   
السبت 12/4/1434 هـ - الموافق 23/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:19 (مكة المكرمة)، 10:19 (غرينتش)

- الرؤية الفرنسية للثورات العربية
- الثورات العربية.. التحديات والآفاق

- الغرب وصعود الإسلاميين إلى سدة الحكم

- الاستخبارات الغربية وإشاعة الفوضى بمصر وتونس

- الأسباب الحقيقية للتدخل الفرنسي في مالي

- الأزمة السورية ومرحلة الحل السياسي

- مستقبل دول الربيع العربي في ظل الأوضاع الراهنة


أحمد منصور
هوبير فيدرين

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييكم على الهواء مباشرة من العاصمة الفرنسية باريس وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود، في العام 2005 التقيت مع ضيف حلقة اليوم وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين في الدوحة وأجريت معه لقاء بلا حدود، جرى بيني وبينه خلال الحوار أخذ ورد وبعض الحدة في الحوار، وبعد انتهاء الحلقة وضع فيدرين يده على كتفي وقال لي: أشكرك على حوارك الحاد ولكن أين درست فن الحوار؟ فقلت له: في قناة الجزيرة، قال: أنا متعجباً ألم تدرس في دولة غربية أو أوروبية؟ قلت له: لا، قال: ولكن طريقتك في الحوار تشبه طريقة المحاورين الغربيين عندنا، قلت له: إنها قناة الجزيرة منحتنا الحرية وعلمتنا المهنية فصرنا نصنع الأخبار ونجيد الحوارات مع السياسيين في العالم العربي والعالم بالأداء المهني وبمواصفات العالمية الراقية، استمع إلي فيدرين بتقدير وإعجاب ثم قال لي: رغم قسوتك في الحوار إلا أني سأكون سعيداً لو دعوتني للحوار معك في أي وقت، مضى ما يقرب من ثماني سنوات على هذا الحوار وقد استجاب الوزير هوبير فيدرين الذي ينظر إليه على انه أحد أبرز مفكري الحزب الاشتراكي الفرنسي حتى الآن في أوروبا لدعوتي حينما دعوته أن نتحاور في حلقة اليوم عن رؤية فرنسا وأوروبا وسياستها تجاه العالم العربي بعد الثورات التي قامت في عدة عربية والتغيرات السياسية التي جرت في دول أخرى، ولد هوبير فيدرين في فرنسا عام 1947 حصل على دبلوم الدراسات السياسية من معهد باريس للدراسات السياسية وعلى دبلوم عال في التاريخ، تولى مناصب عديدة في وزارة الثقافة الفرنسية بين عامي 1977 و1979 ثم انتقل إلى وزارة الخارجية الفرنسية حتى العام 1981، انتقل بعد ذلك إلى قصر الإليزيه حيث عمل بين عامين 1981 و 1986 مستشاراً دبلوماسياً لرئيس الجمهورية الفرنسية ثم أصبح ناطقاً رسمياً باسم رئاسة الجمهورية في فرنسا بين عامين 1988 و1991، أصبح بعد ذلك أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية الفرنسية بين عامي 1991 و1995 ثم قاد دورة تدريبية عن طرق صناعة القرار بالسياسة الخارجية بمدرسة الدراسات والعلوم الاشتراكية، أصبح وزيراً للخارجية الفرنسية وأحد صناع السياسة الخارجية الأوروبية بين عامي 1997 و2003 عرف بمواقفه المنتقدة للسياسة الأميركية والهيمنة الأميركية على العالم، قام في العام 2003 بتأسيس مجلس هوبير فيدرين للاستشارات والخدمات في المجالات الاقتصادية والجيوسياسية والعلاقات الخارجية بمعهد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، ألف عدة كتب منها حقبة فرانسوا ميتران، إحياء فرنسا في زمن المواجهة، وكتابه في مواجهة القوى العظمى، معالي الوزير مرحباً بك.

هوبير فيدرين: bonsoir أهلاً وسهلاً.

الرؤية الفرنسية للثورات العربية

أحمد منصور: ما نظرة فرنسا والدول الأوروبية للدول العربية لاسيما مصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن بعد قيام الثورات بها؟

هوبير فيدرين: أعتقد أنه بمقدورنا أن نقول بأن الدول الأوروبية مثلها مثل غيرها من الدول لديها نفس الموقف فهي في معظمها لم تكن تنتظر الأحداث التي جرت في الدول العربية على وجه الخصوص، أكثر حالها حال سكان تلك المنطقة وبالتالي لم يكن هناك موقف أوروبي استثنائي وفريد من شأنه مثلما حدث مثلاً في الهند والصين وأميركا وتركيا كلها العالم تفاجئ بهذه الأحداث التي جرت بالعالم العربي وبالتالي فإن الثورات العربية يمكن لي أن أقارنها بشبه ثوران بركاني حيث أن الشعوب هناك أصبحت فاعلة في صناعة تاريخها ودخلت في عمليات تختلف من بلد إلى بلد لكن لا نعرف الشكل الذي تأخذه ولأي فترة تستمر، إذاً الدول الأوروبية تراقب الوضع وتفكر فيه وهي لم تخلق هذه الظروف في السابق لكنها تألفت معها، الدول الأوروبية بشكل عام تحاول أن تتكيف مع الوضع الجديد في العالم العربي، يمكننا أن نقول أن الدول الأوروبية في معظمها تأمل بصدق بأن كل هذه العمليات أن تؤدي إلى ديمقراطية حديثة ومستقرة في وقت ما في المستقبل، وفي نفس الوقت التاريخ الأوروبي يظهر أن الأمر لم يكن سهلاً وإنما كان معقداً وكذلك التاريخ الفرنسي وهو كذلك، فلقد مررنا بمراحل صعبة الأمر الآن أصبحت يسير بشكل أسرع لكن كان أسهل بشكل كبير أن أطيح بدكتاتوري لكنه من الصعب أن نصيغ دستوراً وبالتالي فهذه عمليات تأخذ وقتا وتأسيس الديمقراطية لا يتعلق فقط بإجراء الانتخابات وإنما يتعلق أيضاً بتأسيس العدالة المستقلة والحرية في المعلومات واحترام الأغلبية لحريات الأقلية، وبالتالي الأوروبيون يودون أن تسير الأمور بشكل جيد بالنسبة للدول العربية المختلفة، لكنها تلاحظ أنه في بعض الأحيان تكون الأمور مأساوية كما هو الحال في سوريا فبعد أن قلت هذا الأمر أود أن أقول بأن الأوروبيين مثل غيرهم من دول العالم لا يمكنها أن تتدخل في هذه العملية لأن ذلك ليس دورها فليست لديها الشرعية لئن تتدخل، لدي انطباع بأنه من بلد عربي إلى آخر ليس هناك تدخل بين هذه الدول العربية لمساعدة حتى تلك القريبة منها، وبالتالي نحن نتحدث عن ظاهرة في غاية الأهمية ظاهرة هي تحدث في عالم يصعب عليه أن يحللها، فهذا عالم يكون فيه الغربيون الذين سيطروا على هذا العالم لعقود فقدوا هذه السيطرة حالياً، هذا الغرب لا يزال قوياً صحيح ولا يزال ثرياً بالإضافة بالتأكيد لدول الخليج لكنه لم يعد وحيداً في هذه اللعبة لأن هناك دول صاعدة، وبالتالي فهناك سياقاً عالمياً في تغير لا يمر بأزمة ولكنه يمر في تحول وبالتأكيد دول الثورات العربية يمر في هذا السياق إذا هناك إرادة طيبة ونية طيبة من الناحية الأوروبية وتطلعات طيبة لكن يجب أن نحلل كل دولة حالة بحالة.

أحمد منصور: قبل الحوار جلسنا وتحدثنا وتحدثت معي بصراحة في أشياء كثيرة، أما تعتبر هذه الثورات التي قامت في العالم العربي هي ثورات على حكام كانوا ينفذون السياسة الأوروبية وتابعين للدول الغربية فكانت ثورة ثانية عليكم بعد ثورات التحرر الأولى؟

هوبير فيدرين: لا أعتقد أن هذا حقيقي، ذلك لأن العلاقات الدولية قائمة على مبدأ الواقع وبالتالي فروسيا والصين أيضاً كانتا لديهما علاقات أيضاً مع حكومات تلك المنطقة وبالتالي الأمر لم يتعلق بأنظمة وضعتها دول غربية وإنما صارت هذه الثورات شأناً داخلياً في تونس وفي مصر وفي ليبيا وبعد؛ على هذه الدول الأجنبية أن تتكيف مع هذا الوضع وأعتقد عندما ننظر إلى شعارات المتظاهرين في هذه الدول فموضوع الغرب لم يكن جزءاً منها على الأقل في بداية هذه الثورات فقد كانوا هؤلاء هم شباب حديثون ومتصلون بالعالم يتظاهرون من أجل أن تحترم حقوقهم وكذلك كانوا يودون بأن تكون مؤسسات مختلفة لا يوجد فيها فساد وغيره من المآسي وبالتالي لا أعتقد أن هذه ثورات ضد الغرب ولصالح الغرب وإنما هي لها علاقة بآليات التحول الداخلية في هذه البلدان وكل بلد من هذه الدول وكل شعب من هذه الشعوب لديه طاقته الخاصة به.

أحمد منصور: بصفتك، بصفتك أحد قيادات الحزب الاشتراكي التي لا زالت تلعب دوراً مؤثراً في صناعة القرار لا زلت تستشار من قبل الرئيس الفرنسي وتدلي بآرائك هل أنتم في فرنسا وفي أوروبا بشكل عام لديكم استعداد حقيقي للتعامل مع هذه الثورات ومع رغبة الشعوب العربية في صناعة شراكة حقيقية مع أوروبا والغرب؟

هوبير فيدرين: أنا لست قائداً للحزب الاشتراكي وإنما أنا مقرب منه وكافه قادتهم أصدقائي لفترة طويلة، كنت في النظام لفترة 19 سنة لكنني لا أمثل النظام والحزب الاشتراكي إنما أتحدث باسمي ولا أتحدث باسم الرئيس وحكومته بالرغم من علاقتي الطيبة معهم القائمة على الثقة لكنني أتحدث باسمي الشخصي وأنا شخص مستقل، وبالتالي عودة إلى سؤالك وللإجابة عليه صحيح الدول الأوروبية وفرنسا على وجه الخصوص ستكون سعيدة إذا كانت هذه الثورات ستوفق في أن تؤدي إلى حكومات مستقرة وحديثة وديمقراطية قادرة بأن تضمن التقدم الاقتصادي والسياسي لدولها، بالتأكيد هذا هو أملنا وهذه هي مصلحتنا وهو مصلحة تلك الشعوب، الأمر ليس بديهياً فهذه الدول تواجه مشاكل فكلما كانت هناك حكومات جديدة هناك مشاكل جديدة هذه نشاهدها في المغرب وفي تونس وفي مصر بدون أن نتحدث عن الوضع في ليبيا وهو وضع ملتبس وبالتالي الأوروبيون إذن سيكونون فرحين بالمساعدة لكن ماذا عساهم أن يفعلوا عدا تشجيع السياحة في تونس مثلاً أو في مصر الأمر ليس بديهياً على الإطلاق، مجدداً أعتقد أنه علينا أن نقدم وصفاً صريحاً لموقف الأوروبيين فهم لديهم موقف إيجابي ويأملون الخير لتلك البلدان ويأملون أن تجري فيها الأمور بشكل جيد وعندما ينظرون إلى الإسلام مثلاً إلى الحراك الإسلامي هناك يشاهدون أن هناك إسلاماً سياسيا براغماتيا لكن فيه توجهات أيضاً قاسية يمكنها أن تشكك ببعض الحقوق والحريات اللي كانت موجودة، وبالتالي هناك كفاح في هذه الدول العربية من أجل السلطة السياسية ومن أجل أيضاً السيطرة على المجتمع، فدول الغرب هي بالتأكيد تتعاطف مع هذا الوضع لأننا نتحدث عن دول وشعوب ديمقراطية لكن وجود تعاطف لا يعني أن هذه الدول الأوروبية لديها المقدرة لئن تتصرف ولديها  الشرعية لتتصرف لكن الأميركيين أيضا هم لا يجدون أنفسهم في وضع سهل وبالتأكيد دول أخرى إذا هذا مشكل صعب ومعقد ليس فقط بالنسبة للأوروبيين، الآن السؤال هو كيف نصاحب هذه التحولات الجارية حالياً بذكاء؟ هذا مشكل مطروح للجميع.

أحمد منصور: هذا سؤالي الآن؛ كيف تتعاملون مع هذه التغيرات التي حدثت في أنك ذكرت أنكم فوجئتم بهذه الثورات هل بكل ما تملكه أوروبا من إمكانات استخبارية فوجئت فعلاً بهذه الثورات؟

هوبير فيدرين: أعتقد أن العالم كله تفاجئ بما حدث تفاجئ بهذه الأحداث نقول بشكل نظري هذه الأنظمة أصبحت هشة وأنه لم تكن هناك حرية سياسية وكان هناك فساد وكان هناك في هذه الدول شباب مثقف ويعاني من البطالة على الأقل في الحالة التونسية، وبالتالي بشكل نظري تماماً وبشكل مجرد يمكننا أن نقول بأن هذه الأحداث يمكن أن تؤدي إلى هذه الثورات لكن ما من أحد يتوقع ما حدث الإسلاميون أيضا لم يتوقعوا، في تونس السيد الغنوشي لم يكن ينتظر ما حدث ولا ندري كيف يمكن للفرنسيين والأوروبيين أنه كان بمقدورهم أن يتنبؤا بالأحداث أكثر من التونسيين، إذن الموضوع لا يطرح لفرنسا على وجه الخصوص إنما هو مشكلة وتحليل تطرحه للعالم بأسره، وهذا أمر بطبيعيته القضايا الجيوسياسية فالأمور تحدث من وقت إلى آخر مثلاً يمكن أن نقول أنه في مرحلة ما الحزب الشيوعي في الشرق قد يتغير فهناك الملايين من يستخدمون الإنترنت في الصين وهناك حراك باتجاه الديمقراطية، بالتأكيد الأمور تتغير لكن لا نعرف ما يحدث لكن عندما نقول هذا هل هذا يعني أن التغير سيحدث غداً أم خلال 20  وبالتالي هذا كان مفاجئاً بالنسبة للكثيرين بما فيهم الأجهزة المعنية مباشرة وهي مفاجأة أيضاً بالنسبة لكافة الدول، السؤال الآن هو ما عسانا أن نفعله بشكل ذكي بما يفيد تلك الشعوب.

الثورات العربية.. التحديات والآفاق

أحمد منصور: ما هي أهم التحديات التي تقف أمام هذه الثورات حتى يكتمل نجاحها؟

هوبير فيدرين: الأمر يتعلق بوصفكم وتعريفكم للنجاح، لأن مشاريع الفاعلين مختلفة، في تونس مثلاً، لدينا قوى سياسية تود أن تحافظ على المنجزات الديمقراطية والتي لها علاقة بالحداثة في تونس منذ عهد بورقيبة والتي احترمها بن علي لدرجة ما، لكن آخرون يقولون لا هدفنا أن نجعل المجتمع التونسي يتماشى مع الإسلام والشريعة وهلم جرا، إذن الأمر يتعلق بالأهداف، أنتم كيف تقيسون هذا النجاح قولوا لي بالنسبة للأوروبيين، النجاح يتعلق بأن هذه التحولات تحدث بشكل سلمي وأن نتمكن من صناعة الديمقراطية، هذا بكل بساطة عندما يفوز الإسلاميون سيصلون إلى السلطة وسيتزعمون وبالتالي هذه ديمقراطية عادية ومسالمة وهو مقبول من وجهة النظر الأوروبية، لكن بالتأكيد لا هذا قد لا يكون نفس وجهات النظر بالنسبة لبعض المسؤولين السياسيين مثلا في تونس ومصر والمغرب، يمكن أن نقول في جميع الأحوال أنه بالنسبة للجميع يجب أن تكون هذه التحولات تجري دون أن تمر الشعوب بالمعاناة، هذا أمر بديهي للغاية.

أحمد منصور: هل سيقبل الغرب، ستقبل أوروبا، ستقبل فرنسا، بدلاً من أن تتعامل مع حسني مبارك وزين العابدين بن علي ومعمر القذافي، أن تتعامل مع الإخوان المسلمين أو مع السلفيين في هذه البلاد؟

هوبير فيدرين: الغرب لم يختر أن يتعامل مع بن علي ومبارك على وجه التحديد، فهؤلاء الحكام كانوا على رأس هذه الدول، ولا نعرف كيف أن الغرب إن كانوا سيرفضون أن هؤلاء الرؤساء الذين كانوا على حكم كيف يرفضونهم، هؤلاء الحكام العرب يعرفون بعضهم البعض ولديهم اتفاقات بين بعضهم وبالتالي ليس هناك أي بلد في السابق كان يقول بأنه لا يحب مبارك وبالتالي لا يتعاملون معه، أقول هذا لأذكركم بأنه في العلاقات الدولية بين النظرة الواقعية هي التي تنتصر دائماً، بعد ذلك كان هناك تغيير، فالمصريون أطلقوا تغييراً، وحدد هذا التغيير، بالتالي لم تقطع الدول الأوروبية علاقاتها مع مصر، فلقد كان هذا الوضع جديد بالتالي العالم بأسره كان مستعدا بأن يتعامل مع مصر الجديدة، شكل مصر الجديدة لا نعرفها حتى الساعة، ذلك أن الوضع ليس مستقرا في هذا البلد، حتى من ناحية السياسة الخارجية، لا ندري ما الذي تريده مصر، وذلك أمر ننتظره، لكن دون شك، دول العالم مهما كانت تقديراتها ووجهة نظرها وخياراتها، فهذه الدول ستعمل مع الأنظمة الموجودة في هذه الدول، هذه الأنظمة الجديدة مثلاً إذا كانت إسلامية هذه هي النظرة الإسلامية لم تقل أنها لن تعمل مع الغرب، ليس هناك نظام إسلامي واحد قال ذلك، وإنما قالت بأنها مستعدة أن تعمل مع الغرب وتناقش معه، إذاً ليست هناك مشكلة في المبدأ لأن الأمر يتعلق بالواقع، وبعد ذلك علينا أن ننظر في الملفات بأكثر واقعية.

الغرب وصعود الإسلاميين إلى سدة الحكم

أحمد منصور: ليس هناك قلق غربي من صعود الإسلاميين إلى الحكم في هذه البلاد؟

هوبير فيدرين: هنا أجيب باسم الحكومات، الحكومات يجب أن تكون واقعية فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، أما فيما يتعلق بالرأي العام فهناك بالتأكيد قلق لكافة الدول الغربية، هناك قلق، من الواضح أنه بالنسبة للغربيين هناك انطباع انه داخل الإسلام هناك مواجهة كبيرة تاريخية بين جناح مسلم حديث وحداثي يود أن يتكيف ويؤقلم الإسلام مع حقائق الحداثة، مثلما هو حادث في الكنيسة الكاثوليكية في الغرب التي تكيفت، لكن هناك قوى أخرى وجناح آخر لديه رؤيا أكثر تقليدية وأكثر راديكالية للإسلام، نراها والجميع يراها أيضاً وهذا بديهي، وبالتأكيد فإنه بالنسبة للغربيين هناك وجه للإسلام يتعاطفون معه، لكن هناك وجه آخر يثير قلقهم، هذه وجهات النظر داخل الغرب، والحكومات الغربية عليها أن تكون واقعية.

أحمد منصور: هل معنى ذلك أن هناك أنه يمكن مثلاً على سبيل المثال، يمكن للحكومات الغربية والمجتمعات الغربية أن تقبل بالإخوان المسلمين ولكن ترفض حكم السلفيين أو الجهاديين إذا تم اختيارهم في هذه البلاد؟

هوبير فيدرين: هذه فرضيات نظرية، لكن في البداية، في العالم الحكومات تتعامل مع الحكومات القائمة، حتى ولو كانت لا تحبها وحتى أن كانت مثار قلقها، بعد الثورة التي حدثت في الاتحاد السوفيتي، في المرحلة الأولى كانت هناك قطيعة كبيرة، أكثر عنفاً من تلك التي نتحدث عنها حالياً في الغرب ولفترات عديدة، قطع الغرب علاقتهم مع الاتحاد السوفيتي، وبشكل متدرج فكر الغرب بأنه بالرغم من أن ضد الثورة البلشفية وفي وقت كان يكرهها، ووجد نفسه مجبر على التعامل معها، ذلك أن العلاقة الدبلوماسية لا تعبر عنها من خلال كراهة وتعاطف وإنما هي علاقات قائمة على الواقع بكل بساطة، وبالتالي لا اعتقد أن الفرضية التي تثيرونها هي فرضية واقعية ولا أدري ما إذا كانت هناك ستكون أنظمة سلفية كما قلتم، لكن أعتقد بأن العالم الغربي، وليس العالم بأسره وليس العالم الغربي الذين تركزون عليه، وإنما عندما نتحدث عن الصين والروس والأتراك والبرازيل، كل هؤلاء يواجهون الأمر ويطرح مشكلة لهم، إذن إذا كانت هناك في لحظة ظهرت بعض الأنظمة العنيفة والمتطرفة لا ندري ما الذي يحدث بالتأكيد ستكون هناك مشاكل، لكن في نهاية المطاف علينا أن ننتظر فالعلاقة الدولية دائماً قائمة كما قلت على الواقع.

الاستخبارات الغربية وإشاعة الفوضى بمصر وتونس

أحمد منصور: هناك مخاوف من أن الغرب لن يترك هذه الأنظمة تستقر، سيدفع بالأجهزة الاستخباراتية لدفع القلاقل في هذه البلاد، وهناك اتهامات لاستخبارات غربية بأنها هي التي تقف وراء القلاقل في مصر وفي تونس ولا تريد لهذه البلاد أن تستقر؟

هوبير فيدرين: صحيح سؤالكم مختلف عن السؤال الذي سبقه، لقد قلت بأن الرأي العام مقسم بين التعاطف ومستعد لئن يقدم ثقته لإسلام منفتح وحديث، ولكن جزء آخر من الرأي العام مقلق، لكنني أتحدث عن الحكومة، انتم الآن تتحدثون عن شيء آخر في العالم العربي، في العالم العربي هناك دائماً توجه إلى أن يقرأ الأحداث بأنها تحرك من طرف الآخرين، وهذه مشكلة في الثقة في النفس لدى العرب، عادةً ما أتفاجأ بهذا التوجه الذي يشرح كل شيء من خلال المؤامرة، بالتأكيد المؤامرات كانت موجودة في الماضي، لكن لا يمكن أن نشرح كافة الأحداث والظواهر من خلال نظرية المؤامرة ولا يمكن بأن نعتقد أن الدول الغربية لديها وسائل استخباراتية خارقة للعادة، ولا نعتقد أن المخابرات الغربية قادرة على أن تتلاعب بالوضع وأن تحرك، اعتقد الأمر لا ينطبق على الحالة الراهنة، فالواقع انه في هذه الدول العربية هناك شعوب قامت بالسيطرة على مستقبلها وعلى تاريخها، وأعتقد أنه سيكون خطأ كبير أن نفكر في هذا الأمر من خلال نظرية المؤامرة، وبالتالي فنحن نتحدث عن ديناميكيات داخل تونس ومصر، ونرى أن في كل واحدة من هذه الدول، وهناك تأثير للإخوان المسلمين الذين لديهم فرع عديدة وكذلك السلفيين، السلفيون الذين هم يتطورون في المجتمع ويجتمعون على أطرافهم ولكن هناك أحزاب سياسية، وبالتالي هناك طيف سياسي متنوع متعدد وليس هناك حاجة لئن نذهب ونبحث عن تأويلات تدخل في نظرية المؤامرة أو تتعلق بالغرب، أنا لا أؤمن بهذه النظرية.

أحمد منصور: ما هي قراءتك الحقيقية أو للأسباب الحقيقية للتدخل الفرنسي في مالي، وأسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين، فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الأسباب الحقيقية للتدخل الفرنسي في مالي

أحمد منصور: أهلاً بكم من جديد، بلا حدود من العاصمة الفرنسية باريس، ضيفي وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين، كان سؤالي لك حول الأسباب الحقيقية للتدخل العسكري الفرنسي في مالي؟

هوبير فيدرين: أعتقد أنه يجب أن لا نبحث عن سبب خفي وراء التدخل الفرنسي في مالي، وذلك أن الأسباب الكامنة وراء هذا التدخل واضحة بديهية وبسيطة للغاية، فقبل الهجمات التي قام بها الجهاديون وكتائبهم ولا أدري تسمياتهم لأنهم مجموعات عديدة، إذن مهاجمة موبتي في شمال مالي وعلى الطريق إلى باماكو كان هناك قرار تبناه مجلس الأمن الدولي، صّوت عليه كافة دول الأعضاء بما فيها روسيا والصين، وبالتالي نحن نعرف أن هاتان الدولتان ليستا متفقتان مع البقية فيما يتعلق بسوريا وهذا القرار يتعلق بأن ما يحدث في الساحل حتى قبل سقوط القذافي كان ما يمثل تهديدا للسلم العالمي والأمن العالمي، ذلك أنه القرار في مجلس الأمن تم تبنيه حسب الفصل السابع الذي يتم تبنيه عندما يتم تهديد الأمن العالمي وبالتالي الأمر ليس فرنسي وإنما هو جماعي، بعد ذلك كافة دول منظمة الدول الاقتصادية، دول غرب إفريقيا، دعت هذه الدول إلى تدخل من اجل استعادة سيادة مالي على أراضيها في الشمال، وبعد ذلك كانت هناك دعوة مساعدة من طرف رئيس مالي، وبالتالي القوات الإفريقية المحددة في قرار مجلس الأمن لم يتم تنظيمها في ذلك الوقت، لكنها وأيضا لم تكن مستعدة، وبالتالي الدولة الوحيدة التي كانت قادرة لئن تتدخل بشكل مباشر لتجنب أن يكون هناك فراغ في كافة مالي، كانت فرنسا، إذن القرار لم يكن فرنسي، واعتقد بأنه فيما يتعلق عليكم أن تتصوروا أنه في الواقع الذي تحدث عنه حيث انه مجلس الأمن وهناك دعوة من طرف المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، ودعوة من طرف الرئيس المالي، في ظل هذه الظروف فرنسا قادرة عسكرياً لأنها من الدول الأوروبية القليلة التي لديها قوة عسكرية مثل ألمانيا وبريطانيا، لو لم تكن فرنسا قادرة لئن تجيب على هذه الدعوة ما عسى مجلس الأمن وقتها أن يفعل، ما الذي بمقدوره أن يفعل إذا لم يكن قادراً بأن يفي بمسؤوليته في هذه الحالة البديهية تماماً، الأمر لا يتعلق بما يحدث بهذا الأمر في إفريقيا وفي مكان آخر وإنما هي مسؤولية دولية، وبالتالي مصلحة فرنسا من الدول التي صوتت على هذا القرار هو أنه لا يكن هناك في قلب الصحراء دولة خارجة عن القانون تمثل خطراً على أمن دول إفريقيا والدول العربية وأوروبا، صحيح الفرق هو أن الصين وروسيا قررتا بأن موضوع الساحل مهم وبالتالي صوتا عليه، وفرنسا أيضا تبنت المسؤولية بناء على ذلك، أما في الحالة السورية هناك اختلاف وأنتم تعرفون أنتم بأن السوريين مقسمين تماماً، وأنه بالرغم من القمع الوحشي انتم تعرفون أن الكثير من السوريين يخافون من النظام الذي سيأتي بعد الأسد، ولهذا السبب فإن هذه الحرب تستمر فهذا واقع لكن انتم تفهمون أن هذا الفرق ليس له علاقة بالموقف الفرنسي وإنما له على قدر الاتفاق داخل الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

أحمد منصور: كثير من المراقبين يقولون بأن مالي ستتحول إلى أفغانستان أخرى، أفغانستان جديدة بالنسبة للفرنسيين، وسوف يغرق الفرنسيين في وحل حرب عصابات طاحنة ستؤدي في النهاية إلى هزيمة ساحقة ولو بعد سنوات.

هوبير فيدرين: هذه مقارنة بسيطة جدا فالأمر كما قلت لا يتعلق بفرنسا لوحدها كما تعرفون الأوروبيين الذين لم يتدخلوا بشكل مباشر، عدا أنهم تدخلوا من ناحية لوجستية والإمدادات حيث أنهم قدموا بعض الطائرات أو بعض المساعدات الاستخباراتية تماما مثل أميركا، الدول الأوروبية تتدخل لتشكل وتدعم وتقدم التدريب للجيش المالي، وهي بالمئات، من ناحية أخرى القوة الإفريقية الآن هي في طورها للتشكل وهي تشكل تقريبا 3000 فرد بالتالي فرنسا ليست وحيدة في هذا السياق،  لقد كانت وحيدة في البداية لأنها كانت الإطفائية الوحيدة الموجودة في حالة الطوارئ، فالآن لم تعد وحيدة، بعد ذلك بكل صراحة المقارنة بين المئات من المقاتلين الموجودين في هذه الكتائب الموجودة في بعض المناطق الجبلية في الصحراء مقارنة بالمقاتلين في أفغانستان هذا البلد الكبير والذي في جنبه وبجواره باكستان، أين هي باكستان في منطقة ساحل ليس هناك باكستان في الساحل وقد شاهدنا الجزائر عندما تم إجراء عملية الاختطاف هذه على أرضها قامت الجزائر بتحمل مسؤوليتها بالسيطرة على حدودها، وبالتالي لا أقول بأن الأمر سهل لكنني لا أعتقد بأن الحالة المالية مثلت فخا لفرنسا وإنما هو تحد للمجتمع الدولي، المجتمع الدولي صوت على قرار مجلس الأمن بأن يتحرك ليمكن لشعوب المنطقة من أن تعيش في ظروف طبيعية وأن لا يكون هناك مجرمون يحصلون على الأموال من خلال الاختطاف ومن خلال تجارة المخدرات ويأخذون الإسلام كعلة من خلال قراءة غريبة من اجل قطع أيدي اللصوص في تمبكتو، هناك مسلمون، مليار مسلم في العالم العربي، لا يرون هذه الرؤية الإسلامية، هناك مجموعات صغيرة متطرفة، وهدف التدخل الفرنسي هو استعادة سيطرة مالي على أرضها ودعم التقدم الاقتصادي في المنطقة حيث أنه لم يتم التطور الزراعي ولو أن الزراعة في تلك المنطقة وفي النيجر لم تتأخر، وإذا لم يكن هناك جفاف في المنطقة وإذا لم يكن هناك المخدرات، فإذا لم تكن هذه الظروف، فإن التدخل الفرنسي لن يكون بهذه القوة في شمال مالي، كما ترون.

أحمد منصور: نصف الدول الإفريقية كانت محتلة من فرنسا لا زالت تتحدث باللغة الفرنسية لا زالت تستخدم الفرنك الإفريقي المربوط بالاقتصاد الفرنسي، حكامها كلهم على ولاء للفرنسيين أما يعتبر ما تقومون به هو نوع من استكمال الاحتلال والولاء في إفريقيا وليس من اجل أهداف إنسانية كما أشرت؟

هوبير فيدرين: لا اعتقد أن هذا صحيح فليس هناك هدف استراتيجي واقتصادي لفرنسا في مالي على وجه التحديد، من ناحية أخرى سؤالكم يجب أن تطرحوه أيضا على الصين، لماذا صّوت الصين على هذا القرار صّوتوا على هذا القرار هل هو لدعم السلطة الفرنسية والنفوذ الفرنسي كما كان بالماضي، أعتقد أن المقارنة مع الماضي ومع المجتمع الفرنسي والذي كانت تمارسه الدول الأوروبية كلها أعتقد أن هذه المقارنة غير دقيقة أنا افهمها أنكم تطرحون هذا السؤال وهذا أمر طبيعي، لكنه لا علاقة له أبدا مع الوضع وبالتالي وإلا لماذا دول إفريقيا طلبت التدخل الفرنسي؟ لماذا مالي طلبت هذا التدخل؟

أحمد منصور: لأنهم على ولاء لكم.

هوبير فيدرين: لا لا لا ليس هناك أي شخص طلب من الشعب في تمبكتو بأن يشكر هولاند بأنه حرره، لقد شاهدنا الناس يتحدثون هناك، الناس العاديون ويأتون على هولاند نساء ورجال وأطفال، مجدداً فرنسا تدخلت هناك لأن هناك قرار من مجلس الأمن صوتت عليه روسيا والصين، هاتان الدولتان ليسا لديهما أي نية في دعم فرنسا وبريطانيا وأوروبا في مشاريع عمل استعمارية كما تقولون، وفرنسا ليس لديها أية نية في أن تبقى لفترة أطول مما يلزمه الوضع، وربما فرنسا عليها أن تراقب لفترة معينة لكن عليها في نهاية المطاف الأوروبيون بما فيهم الألمان الذين هم موجودون هناك، لا تقولون بأن الألمان ليس لديهم أو بالأحرى لديهم أهداف استعمارية، بالأحرى هي القوى الأوروبية هي التي ستدرب القوات المالية وبعدها ستكون هناك خطط اقتصادية لتطوير شمال المالي وأعتقد أنه علينا أن نحترم الماليين في هذا الشأن وأن نستمع لما يقولوه بكافة أطيافهم، وليس القادة وإنما الناس العاديين، الشعب المالي، وبالتالي أعتقد أنكم إذا أخذتم كافة الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والتاريخية تعرفون أنه لا علاقة للأمر بالتاريخ وبالماضي وبالممارسات الأوروبية في وقتها.

أحمد منصور: لماذا الموقف مختلف بالنسبة لسوريا؟

هوبير فيدرين: في سوريا وهو لأمرين أولاً: على مستوى مجلس الأمن دولتان وهما الصين وروسيا اللتان صوتا على قرار مالي لم يكونا متفقتين فيما يتعلق بسوريا لأن لديهم مصالح، فبالنسبة لروسيا سوريا هي سوق لبيع السلاح ولديها قاعدة بحرية هناك وهي القاعدة الوحيدة لها في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك هنالك فرضية لدى سوريا تقول بأنه إذا سقط نظام الأسد سيكون هناك نظام إسلامي متطرف يأتي بعده وهو يمكنه أن يؤدي إلى حرب أهلية في منطقة القوقاز هذه رؤية بوتين، وأعتقد أن وزارة الداخلية في روسيا لديها تحليل مختلف لكن هذه وجهة نظر بوتين، وهذا السؤال يجب أن أطرحه على روسيا أنتم في برنامج في المستقبل، لماذا لم تكونوا متفقين في مالي في حين أنكم لا تتفقون فيما يتعلق في سوريا؟ بما أن فرنسا والدول الأوروبية الأخرى وأوباما حتى أوباما تحديداً يودون أن يتصرفوا ضمن الشرعية الدولية فمن الواضح أن ذلك يغير المعطيات بشكل كبير.

الأزمة السورية ومرحلة الحل السياسي

أحمد منصور: كيف تنظر إلى مستقبل سوريا في ظل هذا الوضع المعقد؟

هوبير فيدرين: أود أن أقول بأن هناك، أود أن أقول أن هناك حلاً جيداً لكن بشكل مثالي وفي المطلق يجب على مجموعة الأسد ودائرته أن تخرج عن السلطة هذه وجهة نظري الشخصية وأنا أتحدث باسمي وأن تكون هناك انتخابات تنظم بإشراف ومراقبة دولية وبمشاركة عربية وأن ينظموا مرحلة انتقالية بوجود حكومة انتقالية يكون فيها أيضاً علويون وممثلين هؤلاء العلويين الذين يودون أن يكون لهم طرفاً في جانب المعادلة الأمنية مثل غيرهم من المكونات السورية وبالتالي من أجل أن تنجح الأمور يجب أن يكون هناك اتفاق بين كافة القوى الأوروبية والأميركية والأتراك أيضاً وقطر أيضاً والمملكة العربية السعودية وروسيا هل هذا الأمر ممكن؟ لا فكرة لدي على الإطلاق وإلا فإن هذه الحرب المريعة يمكن أن تستمر يمكن أن تستمر وحتى هناك سيناريوهات قد تتمثل في انقسام في البلد ذلك أن شمال سوريا الآن بدأ يخرج من سيطرة دمشق أي المنطقة القريبة من تركيا فقد نشهد توجهاً إلى تجمع أيضاً للعلويين وبالتالي قد نشهد سيناريو يهدد ويعرض الاستعمار في سوريا وفي لبنان تحديداً للخطر، ونحن الآن وصلنا إلى مئة ألف قتيل في هذه إلى حرب قرابة 98 ألف بالتالي هناك حالاتٌ يكون فيها المجتمع الدولي الكبير الذي نتحدث عنه كثيراً لا يتحرك وليس له قوى لأن هذا المجتمع الدولي مكون من قوى غير متفاهمة مع بعضها البعض.

أحمد منصور: أنا أشكرك على هذه الرؤية التي فيها صراحة وفيها وضوح بالنسبة لسوريا وقليل من الدبلوماسيين الغربيين من يتكلم بهذه الصراحة.

هوبير فيدرين: نعم لكنني أنا الآن ليست لدية وظيفة في الحكومة وأتحدث باسمي فقط عندما أعبر عن هذا اللقاء وأنا أسف لقول هذا، آسف فأنا أعرف سوريا وزرتها مرات بل هي بلد أحبه، وأنا آسف تماماً أنا أقول هذه الأمور المريعة في ظل هذه الظروف، في المستقبل قد تظهر سوريا مختلفة فسوريا بلد لديه قدرات كبيرة وإمكانات كبيرة وشعب رائع وبالتأكيد سيلعب دوراً مهماً في المستقبل لكنني حالياً ليست لدي صيغة سحرية لأحل الأمر والسر والحل الوحيد هو أن يتفق الجميع على سيناريو لحل الأزمة.

مستقبل دول الربيع العربي في ظل الأوضاع الراهنة

أحمد منصور: من خلال ما ذكرته لي بصراحة واضح أن هناك ضبابية شديدة في المشهد في المنطقة العربية سوريا، مصر، ليبيا، تونس، هناك ضبابية لا يعلم أحد ماذا سيحدث غداً؟

هوبير فيدرين: لا نعرف، لا نعرف، أعتقد أنه لا يمكن أن نعمم فهناك دولٌ جرت فيها حروبٌ أهلية، بعض منها انتهت فيها الحروب الأهلية مثل اليمن، بعض تجري فيها الحرب، الحرب حالياً مثل سوريا، وقد تكون هناك حرباً في دول أخرى، ولا نأمل في ذلك، هناك دول أخرى فيها تحولاتٌ فوضوية لكن قد تسري الأمور بشكل جيد في هذه الدول مثلاً في الحالة المصرية والحالة التونسية وهناك أيضاً الحالة المغربية حيث أن هناك ملكية قام فيها الملك بتحول سياسي يرأسه الإسلاميون وهنا تغيير من نوع ما، هناك أيضاً ليبيا التي لم تجد حتى الساعة حلاً بأن تكون دولةٌ فيدرالية وتنتهي إلى الفراغ، وهناك أيضاً منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية التي هي مختلفة هناك أيضاً موضوع سوريا وهناك أيضاً الموضوع اللبناني وموضوع فلسطين وبالتالي الوضع مختلف تماماً من بلد إلى آخر، وجهة نظري يجب أن لا نقدم شرحاً طويلاً ونعممه على الجميع فهناك حالات قد تجري فيها الأمور بشكل جيد.

أحمد منصور: ماذا عن مصر؟

هوبير فيدرين: وحالات قد تجري فيها الأمور بشكل سيء، بالنسبة لمصر على الأمد المتوسط وفي مصر أنتم تعرفون الوضع أفضل مني، في مصر هناك كفاحٌ يجري حالياً من أجل السيطرة على السلطة والسيطرة على المجتمع، وهناك سؤال يتعلق أنه عندما نواجه مسائل الحكم لا ندري ما إذا كان الإخوان سيبقون منسجمين بتشكيلاتهم المختلفة، لأننا سنرى جناحا في الحكم براغماتياً بينما نرى جناحاً آخر راديكاليا، هل سينقسم الإخوان إلى جناحين؟ أما أن الإخوان سيتوجهون إلى اتجاه سلفي أم أنهم على العكس سيتوجهون إلى وجهةً تعتمد على المجتمع المدني والأحزاب السياسية؟ لا أدري وأنتم لا تدرون أيضاً ولا نعرف ذلك بشكل مسبق، ولكن في جميع الأحوال علينا أن نأمل أن الشعب المصري أن لا يعاني بشكل كبير نتيجة لذلك، كذلك يجب أيضاً أن نتفاعل مع الاقتصاد المصري وكذلك ندعم السياحة وغيرها من القطاعات، أعتقد أن أحد الأجوبة على سؤالك هو ما الذي سيحدث للإخوان والإخوان الذين هم لديهم حركةٌ سياسية ودينية ولديها ضرب من التاريخ لكنها حركة ليست ربما مستعدة لئن تقود البلاد وأن تمارس السياسية في اللحظة الراهنة، فممارسة السياسية والحكم هي أمرٌ صعب للغاية.

أحمد منصور: بحاجة إلى براغماتية عالية.

هوبير فيدرين: صحيح لكن لا ندري ما إذا كانت البراغماتية ستنجح هي الأخرى لأن هناك دائماً أناس لديهم رؤية نظرية للغاية ومثالية تماماً لما يجب أن يكون عليه شكل مصر في المستقبل، مصر أيضاً هي بلد قديمٌ ولديه ثقافة وحضارة كبيرتين وهو بلدٌ ضاربٌ في الأعماق ومنذ فترة سابقة حتى قبل جمال عبد الناصر لديه تجربة في البرلمان، وهذه ديمقراطية في مصر ليست ديمقراطية على النحو الغربي وإنما هو بلد كان يعيش حياة سياسية وبرلمانية وبالتالي ليس بلد عليه أن يبتكر الأمور بشكل جديد.

أحمد منصور: هل الوضع في تونس مختلف؟

هوبير فيدرين: الأمر أيضا يتعلق بما نتحدث عنه، في تونس هناك مجتمعٌ بالنسبة لنا نحن الأوروبيين نعتبره مجتمعاً حديثاً فهناك مجتمع مدني وهناك قضاةٌ ومحامون ورجال أعمال ومنظمات نسائية وكذلك منظمات نقابات وهؤلاء أقوياء في تونس، إذن هناك هذا المجتمع المدني نحن نتحدث عن تونس بورقيبة، لكن هناك الإسلاميون في تونس الذين هم تصدروا الانتخابات، هل يودوا هؤلاء أن يقضوا على كل ما جرى منذ الاستقلال في عهد بورقيبة، منهم سيكونون واقعيين ويقولون لن نستطيع أن نقضي على كل هذا الأمر، نود أن يكون هناك تغييرٌ إسلامي لكن علينا أن نأخذ الحقائق التونسية في الحسبان لا أدري عليكم أن تطرحوا هذا السؤال على السيد الغنوشي بشأن نواياه بهذا الخصوص.

أحمد منصور: هناك محور هام يعني لك باع كبير فيه وهو محور مستقبل العالم الآن في ظل انكماش الولايات المتحدة، الخروج الأميركي من أفغانستان من العراق، أعتقد أنها بحاجة إلى وقت أطول وللأسف وقت الحلقة انتهى وعندك فيها كلام كثير وكتابات أيضاً متعددة وفلسفة متميزة في فهم مستقبل العالم في الفترة القادمة، أتمنى أن تتاح الفرصة لحوار خاص في هذا الموضوع تحديداً في حلقة أخرى، لكن في الختام كيف تنظر إلى مستقبل علاقة فرنسا وأوروبا بالدول العربية لاسيما دول الربيع العربي أو الثورات العربية؟

هوبير فيدرين: أعتقد أن الدول الأوروبية ستحاول بأن توفر الدعم، ربما هذه الدول تشعر بصدمة وذهول نتيجة لبعض هذه الأحداث في الدول العربية، لكنها ستكون موجودة وستكون صديقة للدول العربية وستتعامل مع هذه الدول ليس فقط مع دول الربيع العربي وإنما مع كافة الدول العربية، كافة الدول العربية، إذن الدول الأوروبية ستحاول أن تفكر وتقول ما الذي عسانا أن نقوم به بشكل ذكي بما يفيد التجربة العربية، أعتقد أن الأوروبيين يجب أن لا  يفرضوا تصورهم للأمور وإنما يأخذوا في الحسبان حاجيات هذه الدول، نحن دائماً موجودون وفي الجوار ولسنا بعيدين، فالدول العربية هي جيران لنا مثلاً في الحالة الفرنسية فإن العلاقة الفرنسية، الشعب الفرنسي مع الشعب التونسي والمغربي والجزائري، هذه علاقات مهمة وقديمة وتاريخية، بجميع الأحوال نحن نعرف أنه علينا أن نبني علاقات للمستقبل، لكن يجب أن نعيد التفكير بهذه الأمور في سياق الأحداث الأخيرة.

أحمد منصور: وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين شكراً جزيلاً لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم ويمكنكم التواصل معنا على توتير @amansouraja أو @AJbelhodood في الختام أنقل لكم تحيات فريقي البرنامج من باريس والدوحة، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من العاصمة الفرنسية باريس، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة