نادين سونورو.. التعلق بمصر   
الاثنين 1426/8/2 هـ - الموافق 5/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 22:12 (مكة المكرمة)، 19:12 (غرينتش)

- الحياة في الإسماعيلية والزواج من عالم آثار
- ترك المركز الثقافي وقرار البقاء بمصر

الحياة في الإسماعيلية والزواج من عالم آثار

نادين سونورو: ولدتُ في مدينة الإسماعيلية بمصر لأبوين فرنسيين، ثم تزوجت من عالم مصريات فرنسي وعشنا في القاهرة، قررت قطع علاقتي بمصر التي أخذت مني زوجي وإبني في حادث سيارة فسافرت إلى فرنسا ولكن نداء مصر كان أقوى مني، اسمي نادين سونورو وكان اسمي قبل الزواج نادين زارب، ولدتُ في مصر في مدينة الإسماعيلية التي كان يُطلَقُ عليها في الماضي لؤلؤة الصحراء، لا أعرف هل مازال يطلق عليها هذا الاسم أم لا؟ ولكنها كانت مدينة صغيرة غاية في الروعة مليئة بالأزهار والأشجار والخضرة، عشتُ بالإسماعيلية حتى اندلاع الحرب بين عامي 1939 و1940 ولعدم وجود تعليم ثانوي بها انتقلت إلى الإسكندرية حيث كانت تعيش جدتي لكنني التحقت بالقسم الخارجي بمدرسة نوتر دام دوسيون وأتممت تعليمي الثانوي بالإسكندرية، عند عودتي إلى الإسماعيلية كنت أرغب في السفر إلى فرنسا لدراسة الطب ولكن والدي رفض فبقيت في مصر وانتقلت إلى القاهرة لدراسة الحقوق حيث كانت الدراسة الجامعية الوحيدة المتاحة آنذاك باللغة الفرنسية، والدي كان دقة قديمة فقد وُلِدَ في القرن التاسع عشر وظل متمسكاً بعقليته، لم يقبل أن تعيش ابنته بمفردها في باريس حيث لم تكن لنا عائلة هناك، كان يفضل أن أبقى بمنزل الأسرة لكي أصبح ربة منزل لكنها لم تكن رغبتي على الإطلاق ولذلك انتقلت إلى القاهرة لدراسة الحقوق، عشت طفولتي بالإسماعيلية وكانت طفولة ذهبية كان والدي يعمل بقناة السويس وكان لي أخ وأخت يكبرانني سناً ولمدة ستة عشر عاماً كنت آخر العنقود حتى رُزِقَ والدي بمولود رابع ليصبح بيني وبين أختي الصغرى 16 عاماً كنت وأخوتي في منتهى السعادة واعتبرناها ابنتنا نحن، كانت الحياة هادئة في تلك المدينة الصغيرة كنا نذهب إلى المدرسة بالدراجة كنا نذهب إلى الشاطئ بالدراجة، كان أخي يكبرني بعامين وكنت أفضل اللعب معه ومع أصدقائه الأولاد على اللعب مع أختي وصديقاتها اللاتي كُنَ يلعبن بالدُمى، كنت فتاة أقرب إلى الأولاد منها إلى البنات ولم يكن ذلك يضايقني وربما كان ذلك ما مكنني من الحصول على قدر من الاستقلالية عن والدي، الساعة العاشرة صباحاً في هذا التوقيت يومياً أبدأ عملي الذي يستمر حتى الساعة الثالثة ظهراً، شيء رائع أن أكون محاطة بهذا الكم الضخم من الكتب المتنوعة خاصة عن مصر القديمة كتب عن الفن وهناك أيضاً كتب الأطفال وكتب الأدب العربي المترجم إلى الفرنسية والتي تلقي إقبالاً كبيراً خاصة من قِبَلِ الأجانب المقيمين بالقاهرة.

"
زوجي سرج سونورو عالم المصريات الكبير الذي لقي مصرعه أثناء فترة رئاسته الثانية لمعهد الآثار الشرقية بالقاهرة إثر حادث سيارة أودى بحياته وبحياة ابني
"
تمت خطبتي ثم تزوجت فتركت الدراسة لأصبح فقط حرم سرج سونورو عالم المصريات الكبير الذي لقي مصرعه أثناء فترة رئاسته الثانية لمعهد الآثار الشرقية بالقاهرة إثر حادث سيارة أودى بحياته وبحياة ابني معه، أنا فخورة جداً لأن كتاب زوجي سرج سونورو يُباع هنا وهو كتاب يرصد جميع أنواع الثعابين في مصر الفرعونية ويتطرق بشكل شامل إلى طرق علاج لدغاتها إنه شيء مذهل فبخليط من البصل والثوم وجميع أنواع الخضراوات المتاحة يمكن الشفاء من لدغ الثعابين خاصةً السامة منها كما يتطرق الكتاب إلى أنواع الثعابين السامة منها والأخرى الأقل خطورة لكن بصفة عامة الشفاء وارد في جميع الحالات وفي سلسلة الكتب الأدبية نجد أيضا لسرج سونورو كتابا بعنوان كهنة مصر القديمة وهو من أفضل أعماله التي كتبها أثناء إقامتنا في باريس ما بين عامي 1962 و1964 وقد حاز هذا الكتاب على نجاح كبير وهو من أكثر الكتب مبيعا سافرنا أنا وزوجي إلى فرنسا مضطرين وولدَت ابنتي في باريس عام 1958 لماذا سافرنا؟ سافرنا في عام 1956 لقضاء العطلة هناك لكننا لم نتمكن من العودة إلى مصر بسبب العدوان الثلاثي الجبان.. كما كنا نسميه.. إلا في نوفمبر من عام 1959، عدنا لنستقر في مصر من جديد وكان زوجي لا يزال يعمل بمعهد الآثار الشرقية بالقاهرة ولكن بعد عامين طلب منا الرحيل من جديد لأسباب ملفقة، كانت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وفرنسا مقطوعة في ذلك الوقت وكان الأشخاص المنوط بهم العمل على إعادة تلك العلاقات قد تم توريطهم في مؤامرة وهمية لاغتيال جمال عبد الناصر وتم القبض عليهم والزج بهم إلى السجن فطلبت منا الحكومة الفرنسية العودة لفرنسا لإتاحة المجال أمام المفاوضات من أجل الإفراج عنهم وكان تحرير الجزائر سبباً في إنهاء تلك الأزمة والإفراج عنهم، عدنا إلى مصر في نوفمبر من عام 1963، لم نضطر للرحيل مرة أخرى لأي أسباب أمنية، في عام 1969 تم انتخاب سرج سونورو مديراً لمعهد الآثار الشرقية وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته، أردت عندئذ قطع علاقتي تماماً بمصر التي أخذت مني الكثير زوجي وإبني فسافرت إلى فرنسا ولكن نداء مصر لي كان أقوى مني فعدت حوالي عام 1981 أو 1982 وقد نويت البحث عن عمل، في شهر يونيو من كل عام نرسل في طلب الكتب الدراسية للمدارس الفرنسية، تصلنا الكتب بالطائرة مما يكلفنا الكثير لكن إذا تم الشحن عن طريق البحر فقد يتأخر استلام الكتب عن شهر سبتمبر وهو موعد بدء العام الدراسي، بصفة عامة تسير الأحوال على ما يرام ولكن أصبحت هناك صعوبات كبيرة تواجهنا فمع ارتفاع أسعار الكتب في فرنسا وبعد إضافة تكلفة الشحن والجمارك يصبح سعر الكتاب مرتفعاً للغاية، تقدمت بطلب للعمل بالسفارة الفرنسية بالقاهرة وتم تعييني مساعدة للملحق الثقافي الفرنسي في عام 1982 وبقيت أعمل بتلك الوظيفة لمدة عشرين عاماً، فكانت حياة ثالثة بالنسبة لي الطفولة الزواج والمركز الثقافي حيث عملت عشرين عاماً مع تقدمي في السن طلب مني ترك وظيفتي ففعلت وأرادت الظروف أن يعرض على إدارة مكتبة الكتاب الفرنسي حيث كانت صاحبتها قد توفيت قبل شهور فوافقت ووجدت في هذا العمل وسيلة ممتعة لقضاء جزء كبير من يومي.



[فاصل إعلاني]

ترك المركز الثقافي وقرار البقاء بمصر

نادين سونورو: أعود الآن إلى مكتبي بالمركز الثقافي الفرنسي حيث قضيت عدداً لا بأس به من سنوات عمري وأستطيع القول بأن اليوم الذي تركته فيه كان يوماً قاسياً جداً على نفسي، سيدي هل أستطيع استعادة مكتبي؟

مساعد الملحق الثقافي الفرنسي: بالطبع سيدة سونورو.

نادين سونورو: لبضع دقائق من فضلك!!

مساعد الملحق الثقافي الفرنسي: هو مكتبك وهو ملكك.

نادين سونورو: كان!! كان.

مساعد الملحق الثقافي الفرنسي: كان وسيظل كذلك.

"
تركت عملي بالمركز الثقافي وكنت في السبعين من عمري، وعملي الحالي بالمكتبة لم يحسن كثيراً من أوضاعي المالية لكنني عندما قارنت إيجابيات وسلبيات كل من الرحيل والبقاء قررت البقاء في مصر
"
نادين سونورو: سيظل كذلك هذا ممتع جدا فلنأخذ النظارة!! عندما طُلِبَ مني ترك عملي بالمركز الثقافي كنت في السبعين من عمري وكان ذلك طلباً منطقياً، كنت قد وصلت إلى سن المعاش قبل ذلك بسنوات وكانوا قد عرضوا علي البقاء لفترة أطول وكانت وسيلة ممتعة لشغل الوقت فوافقت ومنذ عامين بعد تركي لوظيفتي بدأت أتساءل هل أرحل أم أبقى في مصر؟ وكنت أخشى من عدم وجود دخل يكفل بقائي في مصر، في الواقع دخلي لم يتغير كثيراً فعملي الحالي بالمكتبة لم يحسن كثيراً من أوضاعي المالية لكنني عندما قارنت إيجابيات وسلبيات كل من الرحيل والبقاء قررت البقاء في مصر، فبقيت ولست نادمة فأنا لا أستطيع أن أحيا بدون شمس وباريس تمطر في أغلب الأوقات وهذا شيء كئيب ويجعل الناس في حالة نفسية سيئة، لماذا أحب مصر؟ لأسباب عديدة أولاً لأن المصريين طيبون ومضيافون وودودون الناس في مصر مرحون يحبون الضحك، الشيء الذي يصعب وجوده دائماً في أوروبا في أي وقت حتى في أوقات الشدة يطلقون النكات والحكايات المضحكة التي تعكس بلا شك مشاكل الحياة ولكن بشكل ساخر، من الرائع التعامل مع هذا الجانب المتفائل دائماً في الشخصية المصرية، أعرف جيداً أنني إذا وقعت في أية مشكلة أياً كانت يمكنني الاستعانة بأحد الأصدقاء المصريين أو بأي من المصريين بصفة عامة وسيقومون بمساعدتي دون أدنى شك، فحس التضامن عند المصريين قوي جداً ويستحق الإعجاب ومن الصعب مصادفته في أوروبا، ما لا أحبه في مصر!! غياب النظام هناك جهود تبذل بالفعل ولكن يجب بذل المزيد والمزيد، مثلاً هناك قوانين تمنع استخدام آلة التنبيه إلا أن الجميع تقريباً يستخدمونها وبلا داع لماذا؟ ربما استخدامها يُشعِرُهم بالأمان ولكنه أمر تافه هناك أيضاً عدم احترام إشارات المرور مما يتسبب في وقوع الحوادث وعلى الطرق السريعة السائقون متهورون للغاية حيث لا توجد إرشادات ليتبعونها وذلك أمر في منتهى الخطورة، لا أشعر بالوحدة نعم أعيش بعيدة عن أهلي ولكن لحسن الحظ أنهم يزورونني على مدار السنة ابنتي التي تعمل بوزارة التعليم الفرنسية تأتي لزيارتي في العطلات مما يهون علي، ابنتي لديها ابنتان وحتى وقت قريب لم تكن ترغب في كسر نظامها الدراسي المعتاد، لكن ابنتها الكبرى ستبدأ حياتها العملية قريباً ستعمل مدرسة، الصغرى فكانت قد بدأت حياتها العملية بالفعل ولكن للأسف الشباب في فرنسا عُرضة للبطالة في أي وقت وهي تعاني الآن من بطالة اقتصادية ولا تستطيع ابنتي التخلي عنها فهي في الثالثة والعشرين من عمرها لكنها لا تزال كالأطفال وتحتاج لوالدتها، بالطبع ابنتي لديها رغبة قوية في العودة للاستقرار في مصر وإذا كانت لا تزال تعيش في فرنسا فلذلك فقط من أجل ابنتيها وما أن تطمئن عليهما فإنه من المحتمل جداً أن تأتي وتبحث عن عمل في مصر. أصدقائي كثيرون وأنا محاطة بهم لدي أصدقاء ولا يمكنني القول بأنني وحيدة فهم دائماً يشاركونني حياتي ويحيطون بي، بدون أدنى شك طالما في قدرتي البقاء في مصر سأبقى، يجب أن تتدهور ظروفي الصحية بشدة كي أعود إلى فرنسا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة