صراع الحداثة والأصالة في الصين، جامع الزيتونة بتونس   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 12:26 (مكة المكرمة)، 9:26 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد خير البوريني

ضيف الحلقة:

قاسم عينا/ مدير المؤسسة الوطنية الفلسطينية للرعاية الاجتماعية
بوبكر خزوري/ رئيس جامعة الزيتونة

تاريخ الحلقة:

19/06/2004

- أزمة التعليم في مخيمات اللاجئين بلبنان
- الزيتونة جامع وجامعة
- صراع الأصالة والحداثة في الصين

محمد خير البوريني: أهلا بكم مشاهدينا إلى حلقة جديدة من مرسلو الجزيرة، نشاهد معاً في هذه الحلقة تقريرا من لبنان نحاول فيه إلقاء الضوء على جانب آخر من هموم تشرد اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات ونرى قطاع التعليم وما يحيط به من تعقيدات وتداخلات لا منطق فيها تماما كما لا منطق في أسباب تشريد شعب عن وطنه على مدى عقود طويلة، ونعرض من العاصمة الصينية بكين ذات الصباحات الخاصة التي يعود تاريخها إلى قرون طويلة نعرض تقريرا يتحدث عن عادات أهلها وتقاليدهم الموروثة التي يحافظون عليها بالرغم من صراع الأصالة والحداثة، كما نستعرض من المغرب تاريخ جامع الزيتونة الذي خَرَّج الأئمة وكبار الشيوخ على مدى تاريخه وحتى عام 1958 قبل أن يتحول إلى جامعة حملت نفس أسمه، أهلا بكم إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

أزمة التعليم في مخيمات اللاجئين بلبنان

مأساة فقد الوطن والتشرد في أصقاع الدنيا ليست إلا هما واحدا من هموم الفلسطينيين الكثيرة قضية التعليم في مخيمات لبنان الذي شهد تدهورا كبيرا خلال العقدين الماضيين لأسباب عديدة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التي تشرف على هذه المدارس تمنع الأساتذة من الحديث إلى وسائل الإعلام ولكنها تقر بوجود مشكلات وتعد بإجراء إصلاحات، تقرير ميا بيضون.

[تقرير مسجل]

ميا بيضون: من يدخل مخيم شتيلة للاجئين الفلسطينيين في بيروت يستطيع أن يقدر مستوى التعليم في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأنروا في المخيم وقد ظهر ذلك جليا في النسب المرعبة لمستوى النجاح في الصف الرابع متوسط العام الماضي فقد بلغت نسبة النجاح في إحدى مدارس المخيم مثلا 9% عام 2003، الأنروا سمحت لنا بالتصوير في إحدى المدارس الثانوية في المخيم التي تعد من أفضل مدارس الأنروا من حيث المبنى ومن حيث التعليم وبالتالي لم نستطع تصوير المدارس التي تعاني من مشاكل فعلية وحسب المؤسسة الوطنية للرعاية الاجتماعية للتعليم المهني فقد تراوحت نسبة النجاح في مدارس الأنروا في مخيمات الجنوب بين 15% و35% فقط.


نحن في عصر الكمبيوتر وفي مخيمات الفلسطينيين بلبنان مدرسة واحدة يوجد فيها نحو 500 طالب وجهازا كمبيوتر

قاسم عينا

قاسم عينا: لعل أكثر ما في هذه السياسة هي سياسة الترفيع الآلي في المرحلة الابتدائية حيث يستطيع الطالب الفلسطيني في المرحلة الابتدائية وخاصة في الصفوف الأولى أن يترفع بغض النظر عن مستوى تحصيله العلمي لذلك نجد في المرحلة الابتدائية هناك بعض الأطفال ممن أنهوا ثلاث أو أربع سنوات في هذه المرحلة وهو أميون لا يعرفون القراءة والكتابة لا يوجد تجهيزات تربوية ووسائل إيضاح كافية اليوم نحن في عصر الكمبيوتر يمكن في مدرسة واحدة يوجد فيها أربعمائة أو خمسمائة طالب قد تجدي جهاز أو جهازين كمبيوتر نحن في لبنان نستعمل الكتب التي تستعملها مدارس الدولة أو المركز التربوي ولكن إذا نظرنا إلى هذه الكتب ولهذا المنهاج فهو لا يشين لا من قريب ولا من بعيد إلى القضية الفلسطينية التي هي شاغل أساسي في ذهن أطفالنا وشعبنا فهناك نوع من الفجوة بين الكتاب وبين حالة الأطفال أو التلاميذ الفلسطينيين.

ميا بيضون: ويقول القيمون على القطاع التعليمي في المخيمات إن الوضع بدأ يتدهور في الثمانينيات حين كانت نسب النجاح تفوق 70% وعندما أردنا استطلاع رأي أساتذة مدارس الأنروا بالموضوع منعتنا الوكالة من القيام بذلك متذرعة بأن مدير الوكالة وحده له الحق بالتكلم مع الصحفيين.

ريتشارد كوك- مدير الأنروا في لبنان: نحن بصدد البدء في تنفيذ خطة إصلاح في القطاعات المحتاجة إلى ذلك مثل إنشاء مزيد من الصفوف وتوظيف مزيد من الأساتذة، المشكلة الأخرى هي أن علينا أتباع المنهج اللبناني الصعب والذي يتطلب كثيرا من مدارس الأنروا والتي ليست لها القدرة المالية لتنفيذ المتطلبات هذه كتوفير معدات جديدة للمختبرات وغيرها وإخضاع الأساتذة إلى مزيد من التدريبات.

ميا بيضون: الأسباب هذه ليست وحدها التي أدت إلى هذا المستوى من التدهور في التعليم، عائلة ميادة داوود مؤلفة من ثمانية أولاد أربعة منهم فقط يذهبون إلى المدرسة أما الباقي فيعمل أو يبحث عن عمل من أجل توفير لقمة العيش وميادة تعيد أسباب حالات الرسوب المدرسية هذه إلى عوامل معنوية.

ميادة داوود- ربة منزل: أنا أبني هذا لما كان بالمدرسة قد إية لما بطل بالصف الرابع يعني فيه أساتذة يعني دشوا راح يعني يقولوا له أنت شو بدك تتعلم روح اشتغل مثلا روح اشتغل زبال يعني الأستاذ ما بيقول للولد هيك لو شو ما كان الولد ساقط بس إنه تقول له كلمة حلوة إنه لا خليك تعلم علمك أحسن إحنا كفلسطينية لازم الواحد يكون متعلم يعني ما تؤاخذيني مثله هذا بطلت هلا أتعلم علمين وهلا قاعد يعني ما في له شغل لو متعلم يعني هون كان يلاقي له شغل ساعات بس لأنه ما متعلم هلا ما بيعرفش يكتب اسمه صراحة.

ميا بيضون: ولم يستطع أحمد تمالك أعصابه عندما سألناه عن سبب رسوبه في صفه والخروج من المدرسة.

أحمد داوود- ابن ميادة: أول سنة سقطت ثاني سنة سقطت إيجي المدير ضربني وقال لي يلا على بيتك..

ميا بيضون: ليش؟

أحمد داوود: عشان أكمني ساقط.

ميا بيضون: الوضع الصعب هذا لم يثنِ محمود عن التصميم عن متابعة دراسته فهو يقول إن العلم هو ما تبقى للفلسطينيين من سلاح لمحاربة إسرائيل إلا أنه يشكو بعض الشيء من المعاملة التي يلقاها الطلاب في بعض مدارس الأنروا.

محمود داوود- تلميذ في مدرسة شاتيلا: بيضايقني في المدرسة إنه ما فيه نظام وأساتذة ما يظلوا يضربوا بالأولاد واللي بيضايقني إنه ما.. بيضايقني إنه ما فيه عندنا ملاعب كبيرة ولازم يكون إنه عندنا ملاعب ومناهج عندنا صعبة.

ميا بيضون: ضيق مساحات الملاعب يؤدي في كثير من الأحيان إلى نشوب مشاجرات بين التلاميذ وجاء رامي ليضيف إلى ما قاله محمود من مشاكل يعاني منها التلاميذ.

رامي- تلميذ في مدرسة شاتيلا: إحنا عندنا طبقات بالمرة حاطين إيشي 18 طبقة على أربعين واحد ونحن في منهم بيدرسوا وفي منهم ما بيدرسوا وفي منهم بيستوعبوا وفي منهم لا وفي منهم بيشوشوا على الثاني يصير الأستاذ بيقلب وجهه على اللوح بيشوشوا علي بالمرة النظام لو الأستاذ بيقدر يضبط الولد كان ما هيك ما حدا بيعمل هيك.

ميا بيضون: اللوم في التقصير المدرسي لا يقع على عاتق الأنروا وحدها فليست هناك لجان أهلية تتعاون مع الأساتذة لمساعدة الضعفاء منهم زِد على ذلك أن الأوضاع الأمنية في بعض مخيمات الجنوب لا تيسر مهمة تحسين مستوى التعليم فالوضع المتوتر في كثير من الأحيان يؤثر سلبا على توازن الطلاب كما أن بعض التنظيمات السياسية الفلسطينية تتدخل أحيانا في عملية تعيين الأساتذة أما الأوضاع الاجتماعية فحدث ولا حرج فمخيمات الفلسطينيين في لبنان تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم لأي كائن بشري عوامل عدة تحول دون إحراز معظم مدارس الأنروا على نتائج جيدة وينذر الوضع بمزيد من التدهور في حال لم يتم استدراكه بالسرعة القصوى، ميا بيضون الجزيرة من مخيم شتيلة بيروت.

[فاصل إعلاني]

الزيتونة جامع وجامعة

محمد خير البوريني: يعود تاريخ جامع الزيتونة في تونس إلى ثلاثة عشر قرنا، بقي مكانا يخرج الأئمة وكبار الشيوخ إلى أن تم وضع تخصصات العلوم الإسلامية وغيرها تحت إشراف وزارة التعليم قبل نحو خمسين عاما تحول جامع الزيتونة إلى جامعة الزيتونة التي تشتمل على مختلف نواحي المعرفة الإنسانية فضلا عن العلوم الإسلامية، ميشيل الكيك كان في تونس وأعد التقرير التالي.

[تقرير مسجل]

ميشيل الكيك: جامع الزيتونة التاريخي في العاصمة التونسية يعود تأسيسه إلى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة وجرت العادة في المدن الكبرى أن يكون المسجد في قلب المدينة وأن تحيط به الأسواق كذلك هو الوضع بالنسبة إلى جامع الزيتونة إذ يقوم هذا المَعلَم الديني التاريخي وسط شبكة من الطرقات تخترق منطقة الأسواق القديمة المسقوفة مثل أسواق الترك والعطارين والقماش أما الجامع من داخل فكل ما فيه يشهد على تاريخه القديم المنبر يعود عمره إلى حوالي ألف عام كذلك ساد الاعتقاد لزمن طويل بأن المحراب الحالي هو المحراب الأصلي لكن تبين لاحقا أن عمر المحراب الحالي يعود إلى مائتي عام إلى أن تم قبل خمسة عشرة عاما اكتشاف المحراب الأصلي القديم الذي يعود عمره إلى عمر الجامع أي منذ ثلاثة عشر قرنا واكتشف المحراب الأصلي وراء المحراب الحالي، وفي جامع الزيتونة تلاوة مستمرة للقرآن الكريم سبعة أيام على سبعة وأربع وعشرون ساعة على أربع وعشرين من دون انقطاع وفق جدول خدمة يتناوب عليه المؤمنون يشار إلى أن حلقات تدريس العلوم الإسلامية كانت تتم في حرم الجامع على أيدي كبار الشيوخ وفي هذه الممرات وما تزال الخزائن الكبرى الموجودة هنا تحتوي على العديد من الكتب الدينية وغيرها التي كانت توضع بتصرف الطلاب ومن أشهر خريجي جامع الزيتونة الفقيه الإمام محمد بن عرفة والفيلسوف ابن خلدون والطاهر الحداد داعية تحرير المرأة، هذه هي غرف بعض الطلاب في حرم الجامع وفي الأحياء القريبة منها وهذه هي النوافذ الصغيرة المشرفة على البحر والمدينة لحراستها والدفاع عنها وفي عهد الرئيس السابق بورقيبة حلت الأوقاف الإسلامية ووضعت المساجد والكنائس والمعابد اليهودية في تونس تحت الإشراف التام لوزارة الشؤون الدينية كذلك منذ العام 1958 خرج التعليم عن نطاق الجامع ووضع بعد ذلك تحت إشراف وزارة التعليم وانتقل إلى جامعة أطلق عليها نفس أسم الجامع وأصبح التعليم الديني وسواه من اختصاصها إنها جامعة الزيتونة ومع الرئيس بن علي أعطيت الجامعة مكانة مرموقة كونها الأقدر على ترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال، جامعة الزيتونة تضم ثلاثة معاهد المعهد الأعلى لأصول الدين والمعهد الأعلى للحضارة الإسلامية ومركز الدراسات الإسلامية.

بو بكر خزوري: أنا أنظر بطبيعة الحال إلى دور هذه الزيتونة وأرجو أن يمتد هذا الدور لنراه في بقية الجامعات الإسلامية الأخرى حتى نتضامن معاً وحتى نتكاتف في سبيل بناء عقل المسلم العقل الجيد الذي لا ينغلق بل يتفتح بل يحاور بعيد عن كل تطرف عن كل انزلاق.

ميشيل الكيك: وتركز الجامعة في كل ما تقدمه من علوم على ضرورة قبول الآخر المختلف.

إقبال الغربي- أستاذة علم النفس في الجامعة: ونحن نمرر لهذا النشء يعني لأبنائنا الطلبة نمرر لهم خاصة العيش يعني كي مبادئ العيش معاً ونعلمهم احترام الاختلاف وتقديس هذا الاختلاف لأن المختلف ليس عدو ولسنا مطالبين بتصفيته لا جسديا ولا معنويا بل بالعكس نحن مطالبين بقبوله وبالتحاور والتحاور معه بالحسنى.

منجية السويحي- أستاذة علوم القرآن والتفسير: أنا كأستاذة جامعية أدرس علوم القران والتفسير لي الشرف في أن أدفع طلبتي في أن يتمسكوا بالهوية العربية الإسلامية هذا يعني رأس مال لا يمكن أن نفرط فيه نحن لا نلقي بطربوشنا إلى البحر كما يدعو إلى ذلك البعض نحن نتمسك بديننا نتمسك بحضارتنا لكن نقرأها قراءة جديدة حتى كما قلت نستطيع أن نعايش الزمن.

ميشيل الكيك: ويلتقي الطلاب هنا من تونس ومن عدة دول عربية ومن أراد من الطلاب التونسيين لاحقا أن يصبح إماما ينتقل إلى وزارة الشؤون الدينية لتكوينه وتأهيله لتولي هذه المهمة.


جامعة الزيتونة تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الأخرى، حيث إنها تخرج طالبا ذا عقل ملم ومميز

محمد هاشم

محمد هاشم الشريف- طالب بقسم الشريعة الإسلامية: بالنسبة للعلوم فجامعة الزيتونة تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الأخرى يعني علوم الفلسفة حيث أنها تطلع تخرج طالب ذا عقل ملم وطالب مميز.

ميشيل الكيك: كذلك يلتقي الطلاب في حرم الجامعة ويتبادلون الأحاديث والملاحظ أن هناك طلابا وطالبات من عدة دول أوروبية شرقية.

تيمي ماركو- طالبة من المجر قسم الحضارة الإسلامية: أولا درست في بلادي أربع سنوات اللغة العربية وعجبني الحضارة الإسلامية وطلبت دراسة في زيتونة وقبلوا هذا المطلب وجئت كما قلت قبل وأدرس الحضارة وعجبني كثيرا يعني الحضارة الإسلامية وبالنسبة أريد أن أكمل أولا الدراسة وبعد ذلك سأفكر ماذا سأعمل.

ميشيل الكيك: يشار إلى أن طلابا من حوالي خمسين جنسية مختلفة يدرسون هنا ويكتسبون الكثير من الخبرات.

أيمن عبد اللطيف- طالب بقسم مطابقة الميديا على الفنون الإسلامية: لدينا العديد من الجنسيات وكل جنسية أسالها عن الكثير من الخصائص في بلادها يعني أنا لا أعرف الكثير من البلدان أسأله ماذا يأكلون أسأله عن لهجتهم عن عاداتهم عن صحراء البلدان الخليجية التي تتواجد بها الصحراء أسألهم عن الصحراء عن ماذا فيها أسألهم عن كل شيء.

ميشيل الكيك: والملاحظ أنه في تاريخ جامعة الزيتونة لم يحدث أي تكفير.

محمد بوزغبية- أستاذ الفقه والتشريع: فنحاول أن نعلمهم لا نتسرع في إصدار الحكم بحكم مسألة التكفير أو مسألة نبذ الآخر مسألة لا تؤتي أكلها ولا تفيد في هذا العصر بل بالعكس الحوار هو الشيء المنشود الحوار الرزين المتأني وتدريجيا بدأ الطلبة يقتنعون بهذه المسألة حتى كان وبما ترجعون إلى عناوين الأطاريح الموجودة كنت تلاحظ أن أغلبها يصب في هذا الاتجاه اتجاه الحواري اتجاه الاستنتاجي الاستقرائي دون البحث عن مثال إعادة قراءة فكر المرجأة أو المعتزلة وهذه كلها تجاوزناها.

ميشيل لكيك: وهذا الوضع أدى في كثير من الأحيان إلى انتقادات وجهت إلى تونس لاعتمادها هذا النهج في التعليم الديني.

محمد الأزهر باي- أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة: طبعا تونس لا يهمها والجامعة لا يهمها ذلك ما يهمها هو السير على الطريق القويم دون اعتبار لانتقادات قد تكون أحيانا في غير محلها المهم أن تسير سيرا صادقا سيرا قويما هادئا في اتجاه دائما الأفضل.

ميشيل الكيك: وأكثر من ذلك فإن الجامعة التونسية وقعت اتفاقات شراكه وتعاون لتبادل خبرات الأساتذة والطلاب مع جامعات في الهند وباكستان ومعاهد تابعة للفاتيكان ومعاهد لاهوتية مسيحية في فرنسا وأوروبا وخصصت الدولة ستة ملايين دولار تقريبا لإنشاء معهد الحضارة الإسلامية والديانات المقارنة الذي سيفتتح في العام 2006، وبين الجامعة والجامع تاريخ طويل في حين بقي هذا المعلم الأقدم تاريخيا من الأزهر في مصر ومن القرويين في المغرب مواكبا لمراحل تطور المجتمع التونسي منذ بداية انتشار الدين الإسلامي، ويبقى جامع الزيتونة المعمور في تونس بتاريخه العريق شاهدا كبيرا على حقبة مهمة قديمة وحديثة في آن معا ورغم كل ما جرى من حروب إلا أن التفاعل بين الحضارات هو الذي انتصر في النهاية وبقيت هذه المنارة الكبيرة رمزا للتلاقي والتسامح بين ضفتي المتوسط المغاربية والأوروبية والعالم الإسلامي، ميشيل الكيك لبرنامج مراسلو الجزيرة جامع الزيتونة تونس.

صراع الأصالة والحداثة في الصين

محمد خير البوريني: صباحات بكين ذات نكهة خاصة تختلف عن صباحات مدن أخرى كثيرة يعود تاريخ الحياة فيها إلى نحو ثمانمائة عام حافظ أهلها خلالها إلى حد كبير على عادات وتقاليد توارثوها كابرا عن كابر ولا يزالون على الرغم من التغيرات العصرية المتسارعة وعلى الرغم من الصراع الشديد بين الأصيل والحديث، تقرير عزت شحرور.

[تقرير مسجل]

عزت شحرور: قبل أن يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من الفجر وقبل أن تخرج الشمس من خدرها كعادتها كل صباح يكون زوار بكين القادمون من مختلف مناطق وأقاليم الصين قد تجمعوا بالمئات في أكبر ساحات العالم ميدان كيان أمن الذي شهد ولادة جمهورية الصين الجديدة على يد مؤسسها وزعيمها مالت تونج عام 1949، ثلة من جنود جيش التحرير الشعبي الصيني يتقدمون مرفوعي الهامة بخطى ثابتة صوب المنصة الرئيسية وسط الميدان لتأدية فريضة يومية دأبوا عليها منذ أكثر من نصف قرن وباتت النغمة الذي تستيقظ عليه بكين كلما أدركها صباح، رفع العلم الصيني الأحمر ذي النجوم الخمس على إيقاع النشيد الوطني مارش المتطوعين أما أهالي بكين فموعدهم في أماكن أخرى هي حدائق المدينة الكثيرة والكبيرة للاستمتاع بموسيقى أخرى وأنغام مختلفة، تربية الطيور تقليد قديم ابتدعته الطبقة المترفة لأسرة تشين التي حكمت الصين قبل أربعمائة عام وأصبح عادة شعبية مع مرور الزمن إلا أنه حافظ على أسراره وفنونه ونوعية الأقفاص والأواني الخزفية القديمة والوجبات التي تقدم لأنواع معينة من الطيور يفاخر البعض بالاعتناء بها كفلذات أكبادهم.

مواطن صيني: أعتني به أكثر من اعتنائي بابني قد أبخل على نفسي أحيانا بشراء بعض الأطعمة لكن لا يمكن أن أبخل عليه أنا أستمتع بما أقوم به إنها رياضة أمارسها كل يوم ولا يحول بيني وبينها سوى المطر الشديد، الطير هو صديقي الحميم إنه يبادلني أيضا نفس المشاعر فعندما أداعبه لا يستجيب سوى ليدي أنا ويقترب منها حاول إن شئت أن تجرب حظك معه إنه بالتأكيد لن يكترث بك.

عزت شحرور: هذه الحميمية الرائعة تؤدي بدورها إلى ثقة متبادلة بين الطير وصاحبه فبالرغم من فتح أبواب الحرية على مصراعيها إلا أن الطير أدمن على ما يبدو قفصه الصغير حيث يجد كل ما يحتاج إليه، في ركن آخر غير بعيد يفضل البعض العزف على أوتار الزمن وما خلفه من آلات موسيقية يُصنع معظمها بأيدي أصحابها وعلى نغماتها يغيبون بعيدا عن صخب الحياة وضجيجها إلى زمن يرغبون أن يعود، الأر ذو الوترين هو الأداة المفضلة لكبار السن أما الموسيقى الحديثة التي تنبعث من آلات التسجيل فهي للفئة الأكثر شبابا يمارسون على إيقاعها رقصات تقليدية يقولون إنها تنشط الجسد وتنعش الروح فيما تتناهى إلى مسامعك من بعيد أصوات قد تبدو غريبة للوهلة الأولى ولكن إذا ما اقتربت من مصدرها وعرفت السبب بطل العجب.

مواطن صيني ثاني: أتدرب على غناء أوبرا بكين وأمرن حنجرتي وحبالها الصوتية أفعل هذا كل يوم منذ زمن طويل إنها رياضة تجعلك تقبل على العمل بنشاط ولا تقل أهمية عن رياضة الجري فأنت عندما تصيح تحرك حتى عضلات أحشائك الداخلية.

عزت شحرور: كل هذه الأصوات وبالرغم من جمالها وعذوبتها فإنها قد تزعج البعض ممن يفضلون انتباذ مكان قصي في الحدائق لممارسة رياضات تتطلب هدوءا وتركيزا أكثر كاللعب بالمروحة الصينية التقليدية بألوانها الحمراء الزاهية.


نحافظ على تقاليدنا وتراثنا القومي ونحافظ على صحتنا ونكتسب مناعة في مقاومة الأمراض، هذا تقليد يمارسه جميع الصينيين بأشكال مختلفة

مواطنة صينية

مواطنة صينية: إننا من جانب نحافظ على تقاليدنا وتراثنا القومي ومن جانب آخر نحافظ على صحتنا ونكتسب مناعة في مقاومة الأمراض هذا تقليد يمارسه الجميع بأشكال مختلفة الناس العاديون وكذلك مسؤولو الحزب والدولة فالمجتمع الصحي هو القادر على التنمية والتطور.

عزت شحرور: أما ملوك الهدوء والتركيز على الإطلاق فهم أولئك الذين رياضة التاجي أو ملاكمة الظل التي يرثها المرء فيما يرثه عن سلفه ويعتقدون أنها تحافظ على التوازن والانسجام بين الحركة البطيئة والتفكير العميق وفق مبادئ الفلسفة الصينية ولا تعتبر تدريبا للجسم فقط وإنما تهذيب للسلوك والأخلاق أيضا حيث التواضع أهم متطلباتها ويمكن تأديتها بأدوات قتالية مختلفة كالسيوف مثلا التي قد تكون خشبية أو معدنية ولكن في جميع الأحوال فإن الغرض منها ليس القتال بل الرياضة وقلما تجد من يعترف لك بمعرفة فنونها على الرغم من إجادته إياها، الووشو أو الكونغ فو الذي يتميز به الصينيون له ركنه الخاص أيضا وهو تراث يفتخرون به وقد لعب دورا مميز في تاريخهم خاصة في التصدي لقوى الاستعمار الغربي فيما عرف بثورة (Boxers) عام 1911.

مواطن صيني ثالث: إنني قلق لكون هذا التراث الذي حافظنا عليه لقرون طويلة يندثر شيئا فشيئا وعدد الذين يمارسونه يتراجع رغم تشجيع الدولة على حمايته الناس اليوم أصبح لديهم مشاغل كثيرة.

عزت شحرور: الثقافة الصينية ليست غائبة عن المشهد حيث تتحول أراضي الحدائق إلى دفاتر يمارس عليها البعض هواياتهم بفن الخط وكتابة الرموز والأشعار الصينية القديمة ولكن ليس بالحبر الصيني المعروف وإنما بالماء، رياضات كثيرة ومتنوعة منها ما هو تقليدي قديم ومنها ما هو حديث لكن اللافت هو أن معظم الذين يمارسونها هم من كبار السن قد تجاوز البعض منهم الثمانين ولم يسأموا تكاليف الحياة بل يقبلون عليها بكل ما تبقى لديهم من قوة حتى وإن كان تجاذب أطراف حديث يحفظ لهم خيوط علاقات اجتماعية موصولة ويعود بهم إلى ماضٍ جميل، أما الشباب فلم تترك لهم ظروف الحياة الصعبة متسع من الوقت للاستمتاع بهذه الصباحات المميزة تستأنف الشمس دورتها الأبدية وتعود بكين إلى نفسها كلما أدركها الصباح فتنعم حدائقها بسويعات قليلة يمارس فيها الناس هوايات أدمنوها منذ مئات السنين قبل أن يأخذهم يوم إلى صراع يتجدد بين أصالة وحداثة، عزت شحرور لبرنامج مراسلو الجزيرة بكين.

محمد خير البوريني: ونصل إلى نهاية هذه الحلقة التي يمكن لجميع المشاهدين الكرام أن يتابعوا تفاصيلها بالصوت والنص من خلال موقع الجزيرة على شبكة الإنترنت والصورة عند البث كما يمكن التواصل مع البرنامج من خلال بريده الإلكتروني Reporters@aljazeera.net أو من خلال عنوانه البريدي على صندوق بريد رقم 23123 الدوحة قطر، في الختام هذه تحية من صبري الرماحي مخرج البرنامج ومن فريق العمل وتحية دائمة مني محمد خير البوريني إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة