طاجيكستان.. ما بعد الأمس   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أكرم خزام

ضيوف الحلقة:

محيي الدين كبيري/ نائب رئيس حزب النهضة الإسلامية
محمد روزي إسكندروف/ رئيس الحزب الديمقراطي
وأخرون

تاريخ الحلقة:

12/08/2004

- طاجيكستان ما بعد الحرب الأهلية
- تجارة المخدرات على الحدود
- الزراعة.. التعليم.. الصحة
- الوضع السياسي والمعارضة

طاجيكستان ما بعد الحرب الأهلية

أكرم خزام: للتعبير عن لحمة ووحدة جمهورية الاتحاد السوفيتي السابق شيدت هذه النافورة، خمسة عشر من الفتيات رمزت كل واحدة منهن إلى جمهورية ويبدو أن مصمم هذه الرموز لم يتوقع أن ينهار الاتحاد السوفيتي الذي تبددت رموزه ولم يبقى منها إلا الذكرى، كتب الكثير عن أسباب الانهيار بين مؤيد لعملية أحدثت زلزالا عنيفا في العالم أجمع رحب بزوال الإمبراطورية السوفيتية وبين معارض لم يستطع فعل شيء باستثناء اللعنة على من كان السبب في زوالها الآثار الناجمة عن الانهيار على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية جمة وتختلف من جمهورية إلى أخرى، طاجكستان واحدة من الجمهوريات التي أصابها الضرر الأكبر جراء انهيار الاتحاد السوفيتي تعالوا لنرى ماذا حل في هذه الجمهورية بعد الانهيار،

كان يطلق على طاجكستان سويسرا السوفيتية فيما مضى ويفخر أبناؤها بمناخها الرائع وطبيعتها الخلابة وجبالها الساحرة الشاهقة وخاصة القمة التي سميت في العهد السوفيتي قمة الشيوعية وخلافا للصورة الرائجة عن طاجكستان بكونها الطرف الزراعي للإمبراطورية السوفيتية فقد كانت واحدة من الأراضي الاستراتيجية في الدولة سواء من الناحيتين الجيوسياسية أو الاقتصادية بيد أن هذه الطاقة الكامنة الهائلة لم يتم استغلالها إذ لم تتحقق المشاريع العملاقة بتحويل طاجكستان إلى الموقع المزدهر على غيره في القسم الأسيوي من الاتحاد السوفيتي وما أعاق هذه المشاريع انهيار الاتحاد السوفيتي أولا ثم الحرب الأهلية التي اندلعت في أعقاب ذاك الانهيار وبعد انقضاء خمس سنوات من الحرب الطاحنة نجحت الوساطة الروسية والأوزبكية في إحلال سلام في طاجكستان الأمر الذي دفع مجموعة من أساتذة جامعة دوشنبيه إلى ترشيح الرئيس إمام علي راحمونف لنيل جائزة نوبل للسلام لقاء إسهامه الشخصي في إيقاف الحرب الأهلية في البلاد كما جاء في بيان الأساتذة، بيد أن هذا السلام تحقق بثمن باهظ يفوق الوصف ذلك أن طاجكستان التي تملك كافة المقومات لكي تكون بلدا مزدهرا تحولت إلى أكثر الدول فقرا في العالم.


ما يجري اليوم في طاجيكستان هو حصيلة سياسة قصيرة النظر ينتهجها النظام الحاكم هناك، ويعم اليوم فساد فاحش واستهجان تام للقوانين والشرعية

دودو جون

دودو جون عطا الله : ما يجري اليوم في طاجكستان يمكن وصفه بفيلم رعب وما هو إلا حصيلة سياسة قصيرة النظر ينتهجها النظام الحاكم في طاجكستان ويعم اليوم فساد فاحش واستهجان تام للقوانين والشرعية ولسوء حظ السكان فان زهاء المليون ونصف المليون مواطن يعيشون ويعملون في بلدان أخرى خاصة في روسيا وكومنولث الدول المستقلة هؤلاء يعملون كالعبيد الطاجيكي اليوم أصبحوا عبيدا لسلطاتهم.

أكرم خزام: لكثرة الجبال في طاجكستان يكاد معظمها لا يحمل أسماء في حين أن وديانها وسهولها الغنية بالتربة والمحصولات تتمتع بأسماء تدل على الغنى الذي تدر به على البشر، فالسهل المحازي لنهر البانج يطلق عليه منذ قديم الزمان سهل الذهب حيث كان يقطنه الفلاحون الميسورون وهو عبارة عن أرض ضيقة تمتد بمحاذاة ضفة البانج وكانت تدر في زمن الاتحاد السوفيتي محاصيل خيالية من القطن عالي الجودة ومن البطيخ والمزروعات الأخرى، التعاونيات الزراعية المنتشرة في هذه الأرجاء كانت في عداد المليونيريين ورؤسائها من الأشخاص المحترمين على مستوى البلاد بأسرها، هكذا كانت قرية بوجرينتشي في منطقة البانج فقد كان يقطنها أكثر من ألفي شخص قبل أثني عشر عاما لم يبق منهم اليوم سوى ثمانمائة يكتشف الزائر أنه جلهم من النساء والعجزة والأطفال نتيجة الحروب التي شهدتها المنطقة ثم البطالة المتفشية وتجدر الإشارة إلى أن منطقة البانج التي اندلعت فيها الحرب الأهلية عام 1992 تعج بالذكريات سليمة ذات الثلاثين ربيعا تحتفظ في ذاكرتها بتفاصيل تلك الأحداث.

سليمة: في عام 1992 بدأت أعمال السلب والقتل آنذاك غادر معظم الرجال إلى طاجكستان وأولئك الذين لم يتمكنوا من الفرار تم قتلهم.

تجارة المخدرات على الحدود

أكرم خزام: لدى سليمة أربعة أطفال بالإضافة إلى ثلاثة آخرين هم أبناء شقيقها الأكبر والمجموع في بيتها سبع أطفال إضافة إلى والدتها العجوز أما زوجها وشقيقها الأرمل فيجنيان المال في روسيا، بيت الطوب الذي تقطنه سليمة يمثل نموذجا للمنازل في طاجكستان الراهنة غرفة واحدة للعيش لا تحتوي على أي أثاث لقد استلمت سليمة في هذا الشهر مائة دولار مرسلة من روسيا ولذا فهي تعتبر أن الفقر لا يتهددها إذ تقدر أن تصمد بهذا المبلغ لشهرين على الأقل، الرجال في قرية بوغرينتشي يمارسون عبور الحدود بقصد توفير ثمن السفر إلى روسيا ولم ينفي الناس هذا الأمر في أحاديثهم معنا فالرحلة عبر نهر البانج على إطارات مطاطية يقبضون خلالها خمسين دولار لقاء تهريب المخدرات لكن هذا العمل محفوف بالمخاطر فقوات الحدود الروسية قتلت منذ بداية العام ثلاثة عشر شخصا من أبناء القرية أضف إلى ذلك أن رحلات نقل المخدرات هذه موسمية فهي تبلغ الذروة في فصلي الصيف والخريف حين ينضج محصول الأفيون وينخفض مستوى المياه في البانج وفي مختلف أوقات السنة تعتمد طرق وأساليب أخرى لوصول الهيروين إلى طاجكستان ويكثر الحديث في هذا الصدد عن مسؤولية حرس الحدود الروس عن ازدياد تدفق المخدرات.


حراس الحدود الروس لهم صلة مباشرة بتهريب المخدرات ويشرفون على فصيل كبير من مهربي المخدرات الأفغان الذين يقيمون في طاجيكستان

تركو ديكويف

تركو ديكويف : حراس الحدود الروس لهم صلة مباشرة بالكثير من عمليات تهريب المخدرات إليكم مثال واحد عندما يسافر من موسكو إلى دوشنبا مسؤول رسمي أو نائب في البرلمان أو أي شخصية أخرى تثار في وسائل الإعلام ضجة صاخبة ويقال هنا صدامات مسلحة وهناك ضبط مخدرات وأحتجز فلان وقتل علان وعندما يخفت هذا النشاط بعد فترة زمنية وجيزة وحتى أثناء هذا النشاط أي عندما يفتعل هذا النشاط تظهر فجأة أنباء تشير إلى أن حراس الحدود الروس أحرقوا هناك طن من الأفيون ومائتي كيلوا جرام من الهيروين وكان ثمة أناس ممَن يزعمون بأن حراس الحدود الروس يشرفون على فصيل كبير من مهربي المخدرات الأفغان الذين لا يعبرون إلى أراضيهم أي إلى أفغانستان وإنما يقيمون بصفة دائمة هنا ولهم مقرهم في طاجكستان ويوجهون وينسقون أعمالهم ويقررون ماذا وإلى أي قرية يأخذون المخدرات وكيف وممَن يأخذون.

أكرم خزام: حرس الحدود الروس ينفون بالطبع هذه الاتهامات ويؤكدون أن الجيش الطاجيكي عاجز عن حماية حدود بلاده كما يجب غير أنه من الصعب تكذيب الواقع الملموس الذي يدل على أن الحدود الأفغانية الطاجيكية تحولت في الإثنى عشر عاما الأخيرة إلى واحدة من أنشط دروب المخدرات في العالم وتشير تقديرات المختصين إلى أن حوالي خمسمائة طن تعبر الحدود سنويا ويذهب معظمها إلى روسيا ومهما كان الأمر فإن الجميع في وادي البانج يتقاطعون بشكل أو بأخر مع مسألة تصدير المخدرات ويقدر حجم هذا العمل في روسيا بعشرة مليارات دولار سنويا وبالتالي إذا كان هذا هو ثمن المسألة فإن الناس القاطنين على بعد أمتار من الحدود قد غدو رهائن أرباح أمراء المخدرات بغض النظر عن جنسية هؤلاء والأخطر في هذا الوضع حيث يرخي الفقر المدقع بظلاله على الجميع والنتيجة أن الضعفاء يحرمون وفي مقدمتهم العجزة والمعاقون من أي حماية أو مساعدة من قبل الدولة، فالسيدة مريام ذات الثمانين عاما شاءت الأقدار أن تبقى بدون معيل أو قريب يهتم بأمرها.

مريام: أبيت الليل إما عند هؤلاء أو عند أولئك وأتقاضى راتبا تقاعديا ضئيلا، في عهد السوفييت كان كل شيء على ما يرام أما الحرب فكانت مخيفة والجار يقتل جاره.

أكرم خزام: عثمان يبلغ سبعة عشر عاما مقعد منذ طفولته قتل والده عام 1994 وهو لا يجيد القراءة أو الكتابة والدولة تدفع له شهريا خمسة سموني أقل من دولارين كمساعدة لذا فإنه يقطع كل يوم قرابة أربعة كيلو مترات إلى القرية المجاورة حيث تقيم جدته القريب الأوحد على وجه الدنيا.

عثمان: مسلحون مجهولون دهموا بيتنا واقتادوا أبي إلى الشارع وهناك انهالوا عليه بالضرب المبرح ومن ثم اصطحبوه معهم.

أكرم خزام: وقبيل وداعنا روى لنا عثمان أن طبيبا في البانش قال له ذات مرة أنه بالإمكان معالجة عاهته لكن ذلك يتطلب مالا ومعلوما أن الطبابة المجانية قد ألغيت في طاجكستان منذ مدة.

[فاصل إعلاني]

الزراعة.. التعليم.. الصحة

أكرم خزام: اليوم يبقى القطن الباب الوحيد والقانوني لتحصيل المال في طاجكستان حيث 80% من أبناءها يعيشون في الأرياف وهذه العائلة الأزبكية باستثناء رب الأسرة خرجت للعمل في جني المحصول علما أن نصف المحصول ينبغي إعطاءه للريس صاحب الأرض وذلك كبدل ريعه أما النصف الأخر فيبيعونه بالسعر الموضوع من قبل الدولة وهو يبلغ عشرين درهما أي ثمانية سنتات للكيلو جرام طن مجموع بجهد يدوي، سليم تلميذ الصف السابع يعتبر ماهر في جمع القطن إذ يمكنه جمع عشرة كيلوا جرامات من الذهب الأبيض في اليوم يذهب نصفها طبعا للريس وتشارك سليم في العمل شقيقته الصغرى ذات الستة أعوام، الورقة النقدية من فئة خمسة سماني التي في يد سليم هي نتيجة جهده خمسة أيام بينما كيس الطحين الذي يصل إليهم عن طريق المساعدات الإنسانية يبلغ ثمنه خمسين سماني، موسم القطن ينضج بالتدريج قرابة الشهر أو الشهرين يقضيهما جامعوا المحصول في الحقول لذا فالأطفال مرغمين على ترك المدرسة في هذه الفترة من أجل مساعدة أهلهم وتنتج طاجكستان ستمائة ألف طن من القطن الخام في السنة تذهب إلى التصدير وثلث هذه الكمية مجموعة بتعب الأطفال، غير أن العمل في الحقول ليس السبب الوحيد بأن يتغيب الأطفال عن المدرسة ففي قرية أتشوكوف في مقاطعة كلياب المجاورة لا يقصد الأطفال المدرسة أيضا ذلك أن الزجاج هنا سلعة نادرة فلا تجد النوافذ مكسوة بالزجاج في بيوت فلاحية كثيرة ناهيك عن مدرسة القرية وعندما يسوء الطقس يفضل الأهل عدم إرسال أبنائهم إلى المدرسة.

معلم طاجيكي: آمن لنا أن هذا العام عام المياه النقية الصافية ونقوم بمساعدة الشيوخ والمرضى ذلك أنهم لا يستطيعون الذهاب لإحضار الماء.


تعد طاجيكستان من الناحية النظرية في طليعة البلدان الغنية بالمياه بيد أن انعدام الاستثمارات والفقر المنتشر لا يسمحان للسلطات بتجسيد مآربها في مجال الزراعة ويبقى هذا الفقر سببا آخر في خواء المدارس القروية

تقرير مسجل
أكرم خزام: عام المياه النقية حملة أخرى تنظمها الحكومة في طاجكستان وعلى الرغم من أن القرية تقع بالقرب من رافد للماء فهي محرومة من مياه الشفة، تلاميذ رجب يتحملون مشقة جلب الماء من مسافة كيلو مترات عدة وهذا الأمر يتكرر يوميا هذا بينما طاجيكستان بالأرقام المطلقة تعتبر في طليعة البلدان الغنية بالمياه بيد أن انعدام الاستثمارات والفقر المنتشر لا يسمحان للسلطات بتجسيد مآربها في هذا المجال ويبقى هذا الفقر سببا أخر في خواء المدارس القروية من التلامذة في فصل الشتاء فالعديد من الأسر الطاجيكية لا تملك ما يكفي من المال بغرض شراء الحاجات الأساسية لأبنائها.

مواطنة طاجيكية: كل هؤلاء الأطفال قضت نحبها وبقوا هم بلا معيل الكثير من الأطفال حفاه ولا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة.

أكرم خزام: مسألة تنظيم الأسرة تبقى في طليعة أولويات السلطات والرئيس إمام على رحمونف يحرض شخصيا على استخدام وسائل الوقاية من الحمل علما أن لديه تسعة أولاد لكن هذه الدعوة قلما تساعد فلدى القرويين هموما أخرى أكثر إلحاحا.

مواطن طاجيكي:حتى مدير المدرسة في قريتنا مرض وفي المدرسة يأتون الطعام للتلاميذ الذين يدرسون فيها يقدمون وجبات للتلاميذ من الصف الأول إلى الصف الثالث بالفعل يقدمون وجبات لكن لا أحد يعرف كيف يحضرون الطعام ومن أي مواد لا أحد يشرف على المطبخ وفي البيت الذي يطهى فيه الطعام يسكن شخصان مصابان بمرض السل كم من مرة كتبنا للنيابة إلا أنه لا فائدة في ذلك لا أحد يعير اهتمام لهذا الشيء.

أكرم خزام: مشكلة مرض السل تبقى الشاغل الأكبر لأبناء هذه القرية ولا تكاد تخلو أي أسرة من أصل مائة وخمسين أسرة تقطن قرية أوتشكوف من هذه الآفة التي حصدت عزيزا بل أكثر من كل بيت، السهل الذي تقع فيه قرية أوتشكوف أصبح يتعارف عليه في الآونة الأخيرة بوصفه سهل الموت نظرا لكثرة المقابر فيه، يقال أن السل ظهر هنا منذ أيام العهد السوفيتي لكن الطبابة المجانية والرقابة الصارمة حالت دون انتشاره أما اليوم فتحول السل إلى آفة فتاكة سريعة الانتشار حيث ماتت قرى بأكملها وفرغت من أبنائها.

مواطن طاجيكي: قرأنا بالأمس أن في قريتنا تحديدا مات أربعة عشر شخصا خلال شهر واحد من العام الجاري الأطباء المحليون يقولون أن لا حق لهم في البوح أن هؤلاء كانوا مرضى بالسل الرئوي ولا تقدم شهادات تثبت أنهم ماتوا بالسل الرئوي ويكتبون عادة مات بالسكر أو أي مرض أخر يموت أساسا شباب في السن تتراوح أعمارهم من خمسة عشر إلى عشرين سنة بعض الأطباء يقولون بالسر من الأفضل مغادرة القرية إذ لا يوجد مخرج أخر.

أكرم خزام: أرغم الوهن شهراب على القعود في المنزل تلاشت همته ولم يتجاوز الستة عشر عاما يرفض الحديث عن مرضه لأنه قد فقد الأمل كذلك يعاني طفلان صغيران في هذه الأسرة من المرض ذاته وتقول والدتهم أن مصيرهم محتوم.

أم شهراب: مات زوجي وابني حاولت إنقاذ ولدي حيث بعت الدار بما فيها إلا أن المبلغ لم يكفي لشراء الدواء لا أدري إلى أين أذهب وأين أطلب العون.

أكرم خزام: وإزاء هذا الوضع تغمض السلطات أعينها نافية وجوده وتشهد على ذلك شهادات الوفيات التي يسجل فيها شتى الأسباب للوفاة سواء الالتهاب الرئوي أو مرض السكري وغيرهما دون ذكر كلمة واحدة عن السل لا بل تمنع المساعدة الطبية عن بعض المرضى بهذا الداء.

مريض بالسل: أخرجوني من المستشفي وقالوا لي أنت معافى لكنني لست معافى ولا أستطيع العمل فلو كنت معافى لبحثت عن عمل.

أكرم خزام: ولعل المساعدات الغذائية وقطعة الأرض أمام المنزل هما الإمكانية الوحيدة أمام أسرة سلطان للبقاء على قيد الحياة غير أن المساعدة الإنسانية الغذائية في هذه المنطقة الفقيرة تحولت إلى مادة للمتاجرة لذا فإن هذه الأسرة تحصل على نصف ما هو مخصص لها في اللوائح ويندرج هذا الوضع على بقية الأسر الواردة أسماؤها في لائحة مساعدات الطحين الأميركي ولدى مغادرتنا طلب منا أهالي القرية أن ننقل ما صورته الكاميرا إلى الرئيس رحمنوف لكي يقف على حقيقة الوضع المزري في وادي الموت وقد وعدناهم بذلك مع العلم أن الرئيس الطاجيكي غالبا ما يزور منطقة كلياب حيث في هذه المنطقة تقع بلدة دانجارة مسقط رأسه ولا يتخلف التليفزيون المحلي عن عرض هذه الزيارات إلى قرى المنطقة وإن كان رحمنوف لم يزر قط وادي الموت نظرا لعجزه عن تقديم المساعدات له فميزانية طاجكستان توازي 170 مليون دولار وبالتالي ليس فيها أموال مخصصة للمناطق المنكوبة مثل قرية أوتشكوف علما أنه وجد المال لإقامة النصب التذكاري لمؤسس الدولة الطاجيكية في وسط دوشامبي الملك سولومي وتقدر كلفة هذا التمثال المطلي بالذهب بثمانية عشر مليون دولار وتقول ألسنة السوء أن وجه التمثال يذكر بإمام على رحمنوف نفسه ومهما كانت الأمور فإن المعارضة المعتدلة الموجودة في البلاد اليوم تلوم رحمنوف على أنه خلال سنوات حكمه لم يطرح برنامجا للنهوض الاقتصادي قادرا على إخراج البلاد من حالة الفوضى، الصحفي دودو جون أتوفولوا قاطعا في أحكامه في هذا الخصوص وقد أعلنته سلطات طاجكستان مجرم دولة نظرا لآرائه الراديكالية في نظام رحمنوف.

الوضع السياسي والمعارضة

دودو جون عطا الله: لو استمر الوضع على ما هو عليه الآن فأعتقد أنه لا مفر من حرب أهلية جديدا في طاجيكستان وسبب استمرار العنف والفقر الذي يعتبر هو الأخر جزء من العنف كل هذا مستمر ولا أحد يستطيع إيقافه.

أكرم خزام: ومن الناحية السياسية لا تزال بدون تفسير الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1992 حيث تقاتل تجمعان ينتميان إلى ذات العرق الطاجيكي فمن جهة الإسلاميون الراديكاليون في حلفا مع الديمقراطيين ذوي النزعة الغربية ومن الجهة الأخرى اللوبي الزراعي القوي تقليديا في الجمهوريات الآسيوية متحالفا مع الشيوعيين وكما هو معروف فقد انتصر الحلف الوطني الشعبي بزعامة الرئيس رحمنوف غير أن ذاك النصر لم يكن ممكنا لولا الدعم المباشر من قبل القوات الروسية علما أنه ليس نصرا تاما فقد اضطر حزب السلطة في طاجكستان للجلوس إلى مائدة المفاوضات مع المعارضة عام 1997 وأحد أهم بنود الاتفاقات السلمية بين الأطراف المتقاتلة نص على أن تقتصر رئاسة رحمنوف على فترة واحدة من خمسة سنوات على أن تشهد البلاد بعدها انتخابات حرة وديمقراطية، غير أن السلطات عمدت إلى زيادة فترة الرئاسة إلى سبع سنوات ثم أعقبت ذلك بإجراء استفتاء عام على تعديل الدستور بما يجيز بقاء الرئيس رحمنوف في كرسي الرئاسة حتى العام 2020 ولم تعترف المعارضة بنتائج الاستفتاء واتحدت في حلف جديد يبدو غير قابل للحياة استنادا إلى التوزيع الراهن للقوى السياسية فحزب النهضة الإسلامي في طاجكستان دخل في حلف مع حزبين آخرين ديمقراطيين ذوي توجهات غربية وهذان الحزبان عاشا فترة عمل سرية طويلة لأن القانون منع نشاطهما.


إننا قادرون على الحفاظ على قيمنا الدينية والقومية وعلى نمط حياتنا في إطار دولة ديمقراطية وهذا ما أثبتته تجارب مختلفة في عالم اليوم

محي الدين كبيري: أقرب مهمات هذا الائتلاف الآن ليس إقامة حكومة أو حتى وضع برنامج المهمة الرئيسة الآن تتمثل في إجراء انتخابات في طاجيكستان تكون أكثر شفافية وديمقراطية، نحن سنشجع النزعات التطويرية لتطوير طاجكستان لأننا نعتقد بأنه لا يجوز التمييز بين هذين المفهومين، بالطبع إن الديمقراطية بمفاهيمنا تختلف بعض الشيء عن الديمقراطية المألوفة في الغرب ومع ذلك أعتقد بأننا قادرون على الحفاظ على قيمنا الدينية والقومية وعلى نمط حياتنا في إطار دولة ديمقراطية وهذا ما أثبتته التجربة اليابانية والكورية الجنوبية وجزئيا تجربة تركيا وغيرها من البلدان وأعتقد بأنه لا حاجة لاختراع شيء جديد.

أكرم خزام: والجناح الديمقراطي في هذا التحالف يبدو أكثر حسما ولا يستبعد إمكانية النزاع المسلح.

محمد روزي اسكندروف: هناك مثلا شعبي يقول إن الجائع لا يخشى حتى الوحش الكاسر أي أنه لا يخاف من النمور ولا من الأسود، إلى متى سنتحمل الجوع لا يجوز إيصال الشعب إلى الحافة التي لا شيء ورائها يجب أن نلتفت يجب أن ننظر إلى ما يحدث عندنا فالمتعارف عليه في العالم أن الحكومة منبثقة عن الشعب أليس صحيحا فالشعب يشكل الحكومة ويختار حكامه اختر من تريد وثق بمن تريد أما هؤلاء الحكام فيجب أن يخدموا الشعب.

أكرم خزام: وتجري هذه التطورات على خلفية البرودة الحادة في العلاقات الروسية الطاجيكية فالوجود الأميركي في أفغانستان المجاورة قد قضى على خطر طالبان وبالتالي فإن سياسة طاجكستان الخارجية تميل أكثر فأكثر في اتجاه القطب الجديد وتؤكد الكتابات الصحفية أن إمام علي رحمنوف قد عرض على الولايات المتحدة الأميركية استخدام المطارات الطاجيكية هذا بينما دعا قائد قوات حرس الحدود الطاجيكية علنا إلى سحب القوات الروسية من المنطقة نظرا لانتفاء الحاجة في دورها بحراسة الحدود مع أفغانستان وقد قامت روسيا بشكل استعراضي بترحيل عدد من المواطنين الطاجيك عن أراضيها صارفة النظر عن الاتفاقية الموقعة بين البلدين حول نظام التنقل بدون تأشيرات سفر، من جهتها أوقفت طاجكستان بث القنوات التليفزيونية الروسية على أراضيها، لقد فقدت طاجكستان في الحرب الأولى على مدار خمس سنوات أكثر من مائة وخمسين ألف قتيل وتفقد اليوم حوالي مائة ألف كل عام يموتون جراء أمراض التيفويد ونقص الغذاء واللوكيميا والسل، هل نجمت تلك المشاكل في طاجيكستان عن انهيار الاتحاد السوفيتي أم أن السلطة لم تستطيع تقديم مشروعا متكامل لحلها، أسئلة تبقى معلقة خاصة وأن الأبواب تظل مفتوحة أمام العديد من الاحتمالات بشأن مستقبل طاجكستان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة