انعكاس الأزمة المالية على الدول العربية   
الأحد 1429/11/25 هـ - الموافق 23/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:59 (مكة المكرمة)، 10:59 (غرينتش)

- مكونات الاقتصاد وتطور الأدوات المالية
- أسباب الأزمة وآلية تفاقمها
- حجم الأزمة الحالي وحدودها المستقبلية
- انعكاسات الأزمة على العالم العربي وسبل مواجهتها
- تأثير الأزمة في الريادة الأميركية وهيمنة الدولار

أحمد منصور
 حازم الببلاوي
أحمد منصور
: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. تتغير معطيات الأزمة المالية العالمية يوما بعد يوم ويبدو أن كرة الثلج التي نتجت عنها سوف تجرف في طريقها الكثير من اقتصاديات العالم، فالأمر لم يعد متعلقا بإفلاس البنوك والشركات وعجز الأفراد عن متابعة تسديد مستحقات الحياة أو قروض البنوك والعقار ولكنه وصل إلى حد عجز بعض الدول ووصولها إلى حافة الإفلاس مثل آيسلندا وباكستان، وهذا يعني أن الأزمة قد دخلت مرحلة جديدة يمكن أن تترتب عليها مضار خطيرة أكبر من قدرة الأشخاص والشركات. وفي حلقة اليوم نحاول أن نفهم بشكل مبسط إلى أين نحن ذاهبون؟ وإلى أي مدى يمكن أن تصل الأزمة التي يقول كثير من المراقبين إنها لا زالت في بدايتها ولا زال أمامها الكثير لتعصف به من بنوك وشركات ومؤسسات وكثير من الناس وربما بعض الدول. ضيفنا هو أحد أبرز الاقتصاديين المعروفين عالميا الدكتور حازم الببلاوي الخبير الاقتصادي ومستشار صندوق النقد العربي. ولد في مصر عام 1936، حصل على ليسانس الحقوق مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة عام 1957 وعلى دبلوم الدراسات العليا للاقتصاد السياسي عام 1958 وعلى دبلوم الدراسات العليا للقانون العام عام 1959 وعلى دبلوم الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية من جامعة غرينوبل في فرنسا عام 1961 وعلى دكتوراه الدولة في الاقتصاد من جامعة باريس عام 1964 حيث حصل على جائزة أفضل رسالة دكتوراه في جامعة باريس ذلك العام. عمل أستاذا للاقتصاد في جامعة الإسكندرية والجامعة الأميركية وعين شمس والقاهرة في مصر والسوربون في فرنسا وكاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية، وتولى وظائف اقتصادية مرموقة في مصر والكويت وفرنسا وبريطانيا والإمارات وحصل على الكثير من الأوسمة والجوائز وصدرت له عشرات المقالات والدراسات والكتب. ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعا على الشاشة 4888873 (974 +) أو يكتبوا إلينا عبر موقعنا على شبكة الإنترنتwww.aljazeera.net دكتور مرحبا بك.

حازم الببلاوي: مرحبا.

مكونات الاقتصاد وتطور الأدوات المالية

أحمد منصور: الأزمة تتعقد يوما بعد يوم ويصعب على الكثير من الناس حتى ربما من الاقتصاديين فهم تداعيات وأبعاد ما يحدث. ما هي حقيقة ما حدث؟

حازم الببلاوي: ده فرنكنشتاين العالم حضره وكبر وبقى مش قادرين نسيطر عليه. الأزمة، أولا الاقتصاد معروف أنه دائما يمر بأزمات يعني هذا ليس جديدا، تاريخ الاقتصاد المعاصر باستمرار هناك دورات ارتفاع وكساد، لكن هذه المرة واحدة من الأزمات الخطيرة لأنها مش مجرد تغير في مستوى النشاط الاقتصادي، لا، ده أحد أسس الاقتصاد المعاصر تبين أننا إما مش فاهمينه بشكل كافي وإما آثاره أصبحت تضغط على الوضع الاقتصادي بشكل كبير ففكرة عدم الوضوح موجودة وبالتالي من أصعب الأمور أنك تتعامل مع شيء لا تفهمه، يعني إذا كان المرض أنت تعرفه تقدر تبحث له عن علاج إنما إذا كان عندك ظواهر ولم تصل إلى تحديد طبيعة المرض دي صعوبة المشكلة. اللي بيقال حاليا -وده إلى حد كبير صحيح- إن الأزمة الحالية بالدرجة الأولى أزمة في الاقتصاد المالي، أزمة في القطاع المالي مش في الاقتصاد لكن لما أقول إنها أزمة في القطاع المالي مش معناها أن الاقتصاد منفصل..

أحمد منصور (مقاطعا): إيه الفرق بين القطاع المالي وبين الاقتصاد؟

حازم الببلاوي: أي شيء بيحصل في الواحد بيؤثر في الثاني ولذلك ينبغي أن يكون واضحا في الأساس، اللي أنت بتسأله، إيه الفرق ما بين ما يمكن أن نسميه الاقتصاد الحقيقي الاقتصاد العيني وما نسميه الاقتصاد المالي؟ الاقتصاد الحقيقي ما فيش فيه خلاف..

أحمد منصور: اللي هو؟

حازم الببلاوي: اللي هو الموارد..

أحمد منصور: اللي هي؟

حازم الببلاوي: اللي هي السلع اللي تشبع الحاجات أو التي تستخدم لإشباع الحاجات..

أحمد منصور: زي؟

حازم الببلاوي: الأرض تستخدم في إشباع الحاجات، المصانع، السلع الغذائية، السيارات، القوى البشرية لأنها بتنتج بتؤدي خدمات. هذه هي الموارد الطبيعية هي دي الاقتصاد الحقيقي، ودور الاقتصاد كيف تنمي هذه الموارد لمزيد من الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة، الهدف هو الاقتصاد العيني لكن هذا الاقتصاد العيني وحده لا يعمل، زي جسم الإنسان..

أحمد منصور (مقاطعا): ما هي حاجته؟

حازم الببلاوي: جسم الإنسان، في قلب وفي رئة وفي أرجل لكن ده مش كافي لا بد أن تحركه أدوات، الدورة الدموية، الأعصاب، الأعصاب تنقل ما نتيجة معلومات من اليد للمخ، من المعدة..

أحمد منصور: ما هي أدوات الاقتصاد؟

حازم الببلاوي: أدوات المالية التي تحرك الاقتصاد..

أحمد منصور: ودي صلة المال بالاقتصاد؟

حازم الببلاوي: ودي صلة المال. إيه بقى..

أحمد منصور: إيه الأدوات دي؟

حازم الببلاوي: إيه الأدوات المالية؟ أول ما ظهرت الأدوات المالية ظهرت بشكل بدائي، الواحد عنده حتة أرض عايز يتصرف فيها، يشيل على رأسه الأرض دي ليبيعها؟ بدأت تظهر فكرة الحق، هو يملك هذه الأرض، هذا الحق ما تقدرش تأكله ما تقدرش تقول عليه سلعة إنما هو حق على الأرض..

أحمد منصور: له حق الملكية.

حازم الببلاوي: هو مطالبة، الملكية، فأصبح الآن الأرض أقدر أتصرف فيها، أنا عارف أن أنا لي أرض ومملوكة أنا عارف والناس عارفين أنها ملكي لكن لما أجي أبيعها مش لازم أكون قاعد عليها، معروف أنني حأبيعها، فأصبح الناس.. من أصغر أنواع الأصول المالية النقود، الناس علشان يتم بينها وبين بعض تعامل يتبادلون، التبادل ده جزء أساسي من الحياة والتبادل أول ما بدأ تبادل كان يسمى تبادلا عينيا، المقايضة..

أحمد منصور: سلعة بسلعة.

حازم الببلاوي: سلعة بسلعة. لكن اكتشفت البشرية إلى أي حد المقايضة ضارة ومقيدة فظهرت النقود، النقود هل هي سلعة؟ أبدا، سلعة لا تشبع الحاجة لا تقدر تأكلها لا تلبسها..

أحمد منصور: إيه هي النقود؟

حازم الببلاوي: ولكن النقود حق، من يملك النقود من حقه أن يبادلها بأي سلعة موجودة في السوق فكأن النقود في حقيقتها هي حق مالي بس هي حق على إيه؟ على الاقتصاد العيني، من يملك النقود من حقه أن يشتري أي سلعة موجودة، يشتري خدمات أي واحد، والثاني بيقبلها ليه؟ لأنه عارف أنه لو أخذها حيستخدمها بهذا الشكل ولذلك النقود تغيرت أشكالها، كانت الأول سلعة، بقر أو أحيانا قواقع وبعدين أصبحت معدنية..

أحمد منصور (مقاطعا): لا زالت بعض القبائل أو الأماكن تستخدم هذه..

حازم الببلاوي: موجود، موجود في قبائل كثيرة. معادن، ذهب، ورق. الآن النقود لا وجود لها، الوجود مجرد حساب..

أحمد منصور: credit card..

حازم الببلاوي: حتى الكرت ده هو مش النقود ده وسيلة نقل النقود إنما النقود هي حساب لك في البنك ينتقل من أحمد منصور لحازم ببلاوي، يبقى انتقلت الفلوس، مجرد نقل الحساب مبلغ مائة دولار من فلان إلى علان انتقلت الفلوس فأصبحت النقود. لكن المسألة مش بس.. أو حقوق، أيضا البضائع في التجارة كانت بتتم.. خصوصا في التجارة زمان الشرق الأقصى بتأخذ 15 شهرا، طيب البضاعة دي اللي مولها ما يقدرش، علشان يقدر يمولها لازم يبقى له حق وهي في الطريق لو احتاج فلوس يبيعها، طيب يبيعها إزاي والبضاعة في نصف الطريق؟ أصبحت تطلع ورقة تجارية، من يملك الورقة التجارية دي هو اللي يملك البضاعة، يبقى أنا..

أحمد منصور: ما اسم هذه الورقة؟

حازم الببلاوي: سندات شحن، ورقة تجارية، اللي هي الكمبيالة..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني الآن نقول حق الملكية والنقود والسندات..

حازم الببلاوي: والسندات والأوراق. كمان أنا لو..

أحمد منصور (مقاطعا): كل هذه أصبحت هي أدوات للاقتصاد.

حازم الببلاوي: أدوات. الشركة، أهم المخترعات اللي اخترعها الاقتصاد أنه بدل واحد ما يعمل مؤسسة هي تموت لو مات، لا، تعيش بعده، وبدل ما تبقى بإمكانياته جمع إمكانيات عدد كبير ونعمل شركة مساهمة والسهم يتباع، طيب السهم ده عبارة عن إيه؟ اللي يملك السهم له حق في الشركة، الشركة نتاج هذا أصبحت المشروعات الكبرى يمكن أنها تتنقل.

أحمد منصور: طيب في ظل الصورة دي يا دكتور، الأزمة الآن هي أزمة اقتصاد ولا أزمة مالية؟

حازم الببلاوي: أزمة مالية.

أحمد منصور: فهّمنا يعني إيه أزمة مالية؟

من الإنجازات الهائلة للبشرية أنها طورت الأدوات المالية ونشأت مؤسسات وظيفتها أنها تتعامل فيها، مؤسسات وظيفتها الوحيدة إما أنها تصدر هذه الأدوات أو تروجها أو تبيعها أو تحتفظ بها وأشهرها البنوك
حازم الببلاوي:
حأفهمك أزمة مالية. فواحد من الإنجازات الهائلة للبشرية أنها طورت هذا العدد من الأدوات المالية، مش بس طورت الأدوات المالية نشأت مؤسسات وظيفتها أنها تتعامل فيها، مؤسسات وظيفتها الوحيدة إما أنها تصدر هذه الأدوات أو تروجها أو تبيعها أو تحتفظ بها وأشهرهم البنوك، فلما نتكلم على الاقتصاد..

أحمد منصور (مقاطعا): الأدوات دي بتختلف من مكان إلى آخر؟

حازم الببلاوي: بتختلف من مكان..

أحمد منصور: إيه العوامل اللي بتحكمها؟

حازم الببلاوي: حاجات المجتمع، يعني الأول المجتمع محتاج لنوع معين من الأدوات كان محتاجا لنقود، طيب نقود. بعدين عايزين شركة، بقيت أوراق مالية. عايزين دين، بقى سند. عايزين دين يتداول في الأسواق، بقى أصبح سندا له تداول.. يعني مثل هذا..

أحمد منصور: هل ده اللي عمل الأنظمة، الاشتراكية، الرأسمالية ولا دي قصة أخرى؟

حازم الببلاوي: لا، لا، انس هذا الكلام. هذا الأمر هو وليد التطور والناس اللي بيتكلموا على أنه لا، النظام حيتغير، هذا النظام لم يكن وليد فكرة لمؤلف أو مؤرخ، ليس لها كتاب مقدس، السوق نشأت نتيجة..

أحمد منصور: هو نتاج تطور..

حازم الببلاوي: وتطور..

أحمد منصور: وحاجة بشرية ومجتمعية.

حازم الببلاوي: وتتغير بحسب الحاجات والضرورات. المؤسسات المالية لعبت دورا هاما جدا..

أحمد منصور: إيه الدور ده؟

حازم الببلاوي: مش بس أنها بتطلّع هذه الأوراق المالية، هي اللي بتساعد على انتشارها، وأصبحت لها مصداقية وثقة كبيرة..

أحمد منصور: صنعتها منين؟

حازم الببلاوي: بمعنى أن الناس اللي كان زمان البنك يأخذ الذهب وبدل الناس ما تبيع الذهب وتتداول فيه وهو ثقيل وهو معرض للسرقة، يحطوا الذهب في خزينة البنك ويأخذ من البنك ورقة، وصل بأن أنا لي عند البنك وبدل ما يكون الواحد عايز يدفع الفلوس يأخذ الذهب ويدي له، لا، ينقل الوصل، فأصبح الورق ده يتداول بدل النقود. البنوك لما اكتشفت هذا بدأت تسهل الأوراق، يعني أنا رحت حطيت ذهبا 535 مش يدي لي سهما بورقة بـ 535، علشان تمشي قام إداني قال أدي لك أوراقا الواحدة بعشرة وواحدة بخمسة وواحدة بخمسين حتى يسهل التعامل، بعد كده البنك اكتشف ده لا أنا عندي ذهب يسمح بمليون وهم المليون حيجوا يطلبوهم مني بنفس اليوم ما أنا أقدر أخلي الذهب وأدي أوراقا لمليون ومائة..

أحمد منصور: غطاء للعملة..

حازم الببلاوي: مليون ومائتان. المهم، الناس بدأت تثق في البنوك، لما بدأت تثق في البنوك مجرد مديونية البنك أصبحت نقودا، بمعنى أنا رايح أستلف من البنك فالبنك مش ضروري يدي لي فلوس، يفتح لي حساب، لما أنا بقى لي حساب في البنك أروح أتعامل مع واحد وأقول له أنا أنقل لك من حسابي في البنك، بالنسبة له هو دي نقود. أدي أهمية المؤسسات المالية، بدأت تبقى مش بس بتتعامل في الأوراق المالية، تخلق أوراقا مالية وأحيانا تخلقها من الهواء، يعني يبقى عنده مليون يقوم يعمل مليون وخمسمائة، الخمسمائة دي..


أسباب الأزمة وآلية تفاقمها

أحمد منصور (مقاطعا): في ظل الصورة دي، الصورة كده الآن أعتقد أي مشاهد بسيط أو حتى مستواه عالي فهم الموضوع، في ظل الصورة دي إزاي الأزمة حصلت؟

حازم الببلاوي: الأزمة حصلت لأنه حصل مجموعة من الأخطاء..

أحمد منصور: ما هي؟

حازم الببلاوي: بشكل عام، الأوراق لم أقول لك أصول مالية، حقوق.. الحقوق نوعان، إما حق ملكية وإما حق دائنية، يعني إما أنت تملك هذه الأرض فالورقة بتقول إن أنا مالك هذه الأرض، أنا مالك هذا العقار، أنا مالك هذا الذهب، ده ملكية، أو أنا مالك هذا المصنع. لكن في دائنية، أنا دائن لك، والاثنين بيتداولوا في الأسواق. اللي حصل في الفترة الأخيرة أنه زادت حجم الأوراق والأصول المالية اللي في شكل مديونية بشكل كبير جدا بأكثر مما يتحمله الاقتصاد..

أحمد منصور: من قيمة الأصول كمان؟

حازم الببلاوي: لأن المجتمع نتيجة تجربة طويلة اكتشف أنه لا بد من هناك نسبة معقولة ما بين المديونية وما بين الأصول المملوكة بمعنى أن كل واحد علشان يستلف، يستلف على قدر ما يملك من أصول فإذا زادت السلف بتاعه أكثر من الأصول يبقى وضعه مهددا..

أحمد منصور: وده حصل بشكل كبير.

حازم الببلاوي: وده حصل بشكل كبير، وهذه التجربة..

أحمد منصور: واحد يملك مائة واستلف مليون أو ألف..

حازم الببلاوي: آه، حصل وبدأ يقنن. يعني في سنة 1974 واحد من البنوك الصغيرة في ألمانيا أفلس فاتخضت أوروبا، الله، بنك يفلس دي حاجة خطيرة، واكتشفوا أن هذا البنك بدأ يقرض أكثر بكثير من رأسماله فبدؤوا يضعون ترتيبا للبنوك اسمها لجنة (بازل)، عشر دول اجتمعت وبدأت تضع قوانين -خلي بالك اللي أنا بأقوله ده حاجة مهمة جدا-..

أحمد منصور: لأنه حيشرح لنا اللي حصل النهارده؟

حازم الببلاوي: لأن القوانين بتبين الاتجاه اللي إحنا ماشيين فيه أن كل دولة في كثير من أنواعها ستخضع لقواعد ومعايير دولية. القوانين دي اللي حطوها لجنة (بازل) قالوا إن أي بنك عايز يقرض لا يقرض أكثر من نسبة معينة من رأسماله..

أحمد منصور: يعني إذا رأسماله مائة يقرض بس ستين أو خمسين..

حازم الببلاوي: في حدود معينة في ذلك الوقت كان بيقولوا إنه لا بد أن رأس المال يمثل ما يساوي 8% مش أكثر من كده. اللي حصل، ليه خطورة المديونية خطر؟ لأن المديونية لا حدود لأنك تعملها، أي واحد يقول للثاني أنا دائن لك، أما الملكية ففي نهاية الأمر محدودة لأنك حتقول ملكية إيه؟ بعدد الأراضي، حجم الأراضي معدود، بالمصانع؟ طيب ما هو حجم المصانع.. ممكن تبالغ، المصنع اللي يساوي مائة تقول ده يساوي مائتين، تطلع مائتين، لكن ما تقدرش تخلق لا شيء، ما تقدرش تزود الأصول الملكية إلى ما لانهاية، ومن هنا لما تربط المديونية بالملكية كأنك بتحط عليها قيدا..

أحمد منصور: أنا بس علشان ما أسهبش كثيرا والمشاهد..

حازم الببلاوي (مقاطعا): لا بس أنا عايز أقول المشكلة بقى اللي حصلت..

أحمد منصور: أيوه بالضبط.

حازم الببلاوي: المشكلة اللي حصلت أن اكتشفوا أن العالم بدأ يزيد، خصوصا المؤسسات المالية، حجم المديونية بأكثر بكثير مما تملكه من رؤوس أموال.

أحمد منصور: هل ده حصل في الولايات المتحدة بس؟

حازم الببلاوي: في الولايات المتحدة وفي كثير من الدول بس بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة. لأنه صحيح كلهم خاضعون للرقابة..

أحمد منصور (مقاطعا): وإيه اللي قلل القيود اللي كانت والرقابة اللي كانت موجودة؟

حازم الببلاوي: الرقابة كانت موجودة على البنوك التجارية، أميركا عندهم اختراع اسمه بنوك الاستثمار..

أحمد منصور: آه الـ of shore..

حازم الببلاوي: بنوك الاستثمار، بنوك الاستثمار دي ما هياش خاضعة للبنك المركزي ما بتخضعش للقواعد..

أحمد منصور: والبنوك التجارية هي اللي صانعاها أصلا علشان تهرب من الرقابة.

حازم الببلاوي: فكانت بتهرب. أمر بعد كده بدأ يعني نوع من أنواع التحايل، يقول لك إحنا بنعمل دلوقت مش محاسبة عادية محاسبة خلاقة creative accounting في حاجات ما بتتحطش..

أحمد منصور (مقاطعا): زي الفوضى الخلاقة!

حازم الببلاوي (متابعا): حاجة ما بتتحطش في الميزانية اسمها of balanced يعني ده هو مش دين، ده التزام عرضي. المهم، البنوك.. المؤسسات المالية بدل ما تقرض نسبة معينة قد لا تزيد عن عشر أضعاف أو ثماني أضعاف ما عندها من رأس المال بدأت تنتج كميات ضخمة جدا، هذه الكميات بتصل مائة ضعف.. أنا عايز أدي لك كم رقما بس بعد ما أكمل على هذا الكلام. ده الخطر الأولاني، أنهم أسرفوا.. ده هو اللي بيسموه الرفعة الـ advance بمعنى أنك عندك رأسمال بس على هذا الرأسمال تقرض أو تقترض أضعافا أكثر مما ينبغي. الأمر الثاني..

أحمد منصور (مقاطعا): طيب هو إذا رأسماله مائة إزاي يقدر يقرض ألفا؟ جاب منين فلوس علشان يقرض؟

حازم الببلاوي: ما أنا قلت لك لأن البنوك دي هي بتتمتع بمصداقية فلما مجرد تقول له أنا أقرضك، على الورق كده، يبقى كل هذه..

أحمد منصور: كله نظام ورق يعني.

البنوك الأميركية ركزت على أحد القطاعات وهو القطاع العقاري أكثر مما ينبغي
حازم الببلاوي:
آه، يبقى أنت هذا الاسم أنك أنت لك حق على البنك يخلي أي واحد يتعامل معك كما لو كان فلوس ولذلك بنقول هذه ديون البنوك أو مديونية القطاع المصرفي هي نقود ما يسمى بالنقود الائتمانية. الأمر الثاني اللي هو واحد من مبادئ معالجة المخاطر، ألف باء في المخاطر، أنه يكون عندك مخاطر فتوزع المخاطر، اللي حصل أن البنوك وخصوصا البنوك الأميركية ركزت في أحد القطاعات وبالذات في القطاع العقاري بأكثر مما ينبغي مما ترتب عليه، لما زاد..

أحمد منصور (مقاطعا): النسب كم؟ يعني عندك فكرة عن النسب؟

حازم الببلاوي: ما أقدرش أقول لك بالضبط كم، بس أنا عايز أدي لك..

أحمد منصور (مقاطعا): طيب ليه القطاع العقاري بالذات مش القطاعات الأخرى؟

حازم الببلاوي: لسبب لأن القطاع العقاري أكبر سوق وده معناه كل مواطن أميركي حلمه الوحيد يبقى عنده بيت واللي يقدر يحصل على بيت يحقق حلم حياته ده اللي حيعيش فيه، فإذاً اللي تقرض للعقار يبقى معنى ذلك بتدخل في أكبر جمهور..

أحمد منصور (مقاطعا): بس هم عندهم أيضا إقراض في كل شيء، إقراض سيارات عندهم إقراض حياة أكل شرب تعليم كل شيء في شركات إقراض بس العقار هو الأساس..

حازم الببلاوي: آه، هو العقار.. وضخم، يعني مهما كان لو حتتعلم..

أحمد منصور: يعني سبعمائة مليار عندهم في العقار، عندهم في الائتمان مائة مليار، كده يعني.

حازم الببلاوي: فالعقار سوق كبير مضمون مش خاضع لرقابة كافية فتوسعوا، وبعدين توسعوا وبيقولوا عليها الـ (سبرايم) الـ (سبرايم) اللي هو الرهونات الأقل جودة بمعنى أنك أنت العقار ممكن تشتري العقار يساوي نصف مليون البنك يدي لك أربعمائة ألف بعدها بسنة تلاقي الأسعار ارتفعت بقى بدل العقار اللي كان بنصف مليون بقى بثلاثة أرباع مليون، أنت تستخسر الثلاثة أرباع مليون دي، تقول طيب ما أنا أقدر أستلف عليهم، بس القرض الثاني قرض من الدرجة الثانية نتيجة ارتفاع القيمة فقيمته ضمانه أقل من القرض الأولاني، كثرت. بس كمان البنوك..

أحمد منصور (مقاطعا): فكل شيء دخل وأصبح مركبا تركيبات..

حازم الببلاوي (متابعا): دخل بقى في بقى لعبة أخرى، البنوك والمؤسسات المالية بدأت تولد من الأصل المالي عشرات الأصول، البنك ناس تقدموا له للاقتراض لأنه عندهم عقارات، انتهى الأمر لقى عنده محفظة من الرهون بس هو سلف عليها وخلصت فلوسه، عايز يشتغل يقوم يعمل إيه؟ فقال الرهون اللي عندي محفظة الرهونات أنا حأطلع ورقة مضمونة بهذه الرهون وأطرحها على السوق وأجيب فلوس، الفلوس دي أشتغل بها زيادة. يبقى كأنه العقار إدى الأول لصاحبه الحق في الحصول على دين، انتقل العقار إلى محفظة الرهون عند البنك، البنك راح مطلع ورقة واستلف بها وبدأ يسلف، اللي سلفه بها بقى عنده مجموعة أوراق مالية، يطلع ورقة ثانية. فكأنه عقار واحد ولد عشرات المديونيات المتتابعة..

أحمد منصور: وكلها مديونيات وأوراق..

حازم الببلاوي: وكلها مديونات وأوراق ومرتبطة بإيه؟ بعقار معين، كان مفروض ثمنه نصف مليون ارتفع لثلاثة أرباع مليون، إذا انخفض نصف مليون معناها الـ (سبرايم) انهد ومعناها اللي ورقة اللي فوق انهدت والورقة اللي فوق انهدت.

أحمد منصور: كيف وصلنا إلى مرحلة الانهدام؟ واسمح لي أسمع الإجابة بعد فاصل قصير. نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور حازم الببلاوي مستشار صندوق النقد العربي حول الأزمة المالية القائمة، كيف وقعت وكيف يمكن علاجها؟ فابقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

حجم الأزمة الحالي وحدودها المستقبلية

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود في هذه الحلقة التي نحاول فيها فهم الأزمة المالية القائمة التي تعصف بالعالم كيف وقعت؟ وإلى أين يمكن أن يصل مداها؟ وكيف يمكن علاجها؟ مع الدكتور حازم الببلاوي مستشار صندوق النقد العربي. دكتور، اللحظة التي أدت فيها هذه الممارسات إلى وقوع الأزمة؟

حازم الببلاوي: في إلى جانب نقص الرقابة في أمرين ساعدا بقى على الحجم الضخم أنها تنفجر، أنه لم يكن العالم مرتبطا -اللي بنسميه العولمة- ببعضه أكثر مما هو مرتبط الآن، وهذا الارتباط موجود في حاجات كثيرة بس من أكثر الحاجات اندماجا وارتباطا هي الأسواق المالية. فأنت بتتكلم على شيء مرتبط ارتباطا شديدا لو حصل فيه أي مكان زي قناة فيها مياه بتمشي تتصل بالجميع فينعكس على الجميع، الأمر الثاني وثيق الصلة بالأموال أن الأموال لا تتحرك لأسباب موضوعية دائما، يكفي انعدام الثقة، يعني أكبر ما تتعرض له البنوك تصرفات خاطئة لكن الخطر الأكبر إذا فقد الناس ثقتهم في هذه المؤسسات وبدؤوا يسحبونها من المؤسسات المالية، الدائن بدأ يطلب دينه من المدين، المدين اللي عايز فلوس مش لاقي أحدا يسلفه لأنه ما فيش ثقة، فأكبر ضحية في مثل هذا الأمر هو الثقة، وانعدام الثقة يجعل المرض يزيد بدرجات أكبر بكثير مما كان السبب البدائي.

أحمد منصور: الآن، في سبعمائة مليار عقار، في مائة مليار بطاقات ائتمان في ثمانين مليار..

حازم الببلاوي (مقاطعا): خليني أقل لك كم رقما كنت عايز أقولهم..

أحمد منصور: طيب قل لي، قل لي الأرقام.

حازم الببلاوي: على أساس تعرف. في 2006 كان حجم الناتج الإجمالي العالمي حوالي 47 مليار.. ترليون دولار..

أحمد منصور: مليار ترليون؟

حازم الببلاوي: ترليون دولار.

أحمد منصور: 47 ترليون.

حازم الببلاوي: حجم أوراق..

أحمد منصور: يعني 47 ألف مليار.

حازم الببلاوي: 47 ألف مليار. حجم الأوراق المالية الـ capitalization بتاعة الشركات 51 يعني أكثر 10% من الناتج الإجمالي. حجم السندات 68 يعني أكثر من الناتج الإجمالي 50%، حجم ما يسمى بالمشتقات 473 ترليون، يعني عشر مرات. يعني يفرج لك مش بس أوراق.. أنا أتكلم على أصول عينية الناتج الملكية أكثر منها عشر مرات، الدائنية أكثر منها خمسين مرة، الأنواع الجديدة المعقدة اللي ما حدش فاهمها عشر مرات! ده يفهمك الأزمة..

أحمد منصور: يعني إيه؟ فهّمنا دي، يعني إيه الناتج الحقيقي 47 ترليون ويعني إيه..

حازم الببلاوي: زي ما قلت لك المثل، رجل عنده عقار بمليون، الحقيقة أنك عندك عقار أخذت عليه قرضا من البنك بثلاثة أرباع مليون، البنك طلع ورقة وباعها أخذ عليها نصف مليون، اللي أخذ الورقة دي كمان باعها وعمل عليها أربعة مليون، فحتبص تلاقي في نهاية الأمر كان عندك عقار بمليون، طلع عليه أوراق مالية عشر مرات في أشكال مختلفة..

أحمد منصور: وده اللي حدث بالضبط.

حازم الببلاوي: وده اللي حصل.

أحمد منصور: وده نتيجته إيه؟

حازم الببلاوي: نتيجته هذا الاختلال، طبعا كثرة الأصول المالية أدت إلى تضخم في الإحساس بالناس عندهم ثروة ثروة مالية لأنه اللي عنده أسهم بيقول لك أنا عندي تساوي أسهم كذا مليون زي اللي عنده عقار فاللي حصل العالم جاءت له تخمة من الثروة المالية جزء كبير منها fictitious..

أحمد منصور: فلس. يعني فالصو، جزء كبير منها فالصو..

حازم الببلاوي: أيوه.

أحمد منصور: القيمة الحقيقية لثروته عشرة وهو كاتبها في الورق أنها مائة.

حازم الببلاوي: هو مش كاتبها في الورق أنها مائة إنما..

أحمد منصور: بيتعامل بها أنها مائة.

حازم الببلاوي: تداولت هي وأولادها، ما أنا قلت لك كل واحد بقى له أولاد وأولاد الأولاد.

أحمد منصور: في جزء من هذا الموضوع كما وصف وزير المالية الألماني شتاينبروك اليوم في هجوم شديد على المؤسسات المالية والقائمين عليها أنه نوع من الجشع.

حازم الببلاوي: صحيح.

أحمد منصور: إلى أين يمكن أن يصل؟

حازم الببلاوي: شوف، كون أن المؤسسات المالية والأسواق المالية ارتكبت في حق الاقتصادالعالمي خطيئة كبيرة لا جدال، توسعوا توسعا غير محدود ومحموم ومجنون وبسبب الجشع، الجشع والخوف أنك أنت في منافسة مع الثاني إذا ما عملتهاش الثاني حيعملها فالكل كان بيجري في سباق مجانين! لكن علينا أن لا نقع في خطيئة أخرى..

أحمد منصور: ما هي؟

حازم الببلاوي: الخطيئة الأخرى الغلط مش أن الأصول المالية غلط، الغلط مش أن المؤسسات المالية ضارة، الغلط في أنها توسعت بأكثر مما ينبغي بكثير فينبغي إعادتها إلى نصابها إنما لا..

أحمد منصور (مقاطعا): إعادتها إلى نصابها؟ في ناس حتتفرم.

حازم الببلاوي: لا، معلش بس إحنا مش مسألة أنه بنحل مشاكل بس بالنسبة للمستقبل لازم توضع قواعد وضوابط لمراقبتها، كمان الحكومات تراخت كثيرا في مراقبة العديد من هذه المؤسسات.

أحمد منصور: دكتور الأزمة الآن لم تنته، الأزمة كما يقال لا زالت في بدايتها..

حازم الببلاوي: صحيح، صحيح..

أحمد منصور: إلى أي مدى يمكن أن تصل؟

حازم الببلاوي: لا، حتصل إلى أبعاد بعيدة وما حدش يقدر يقول لك لقد عرفنا كل أبعادها، كل يوم بنكتشف أبعادا أكثر.

أحمد منصور: لا أحد يستطيع أن يدرك إلى أي مدى يمكن أن تصل لكن ستصل إلى آماد وأبعاد خطيرة وصعبة؟

حازم الببلاوي: كثيرة كثيرة جدا، صحيح.


انعكاسات الأزمة على العالم العربي وسبل مواجهتها

أحمد منصور: بالنسبة لنا نحن العرب أين موقعنا مما يحدث في ظل أن كثيرا من المسؤولين العرب بيطلعوا الآن يقولوا الدنيا وردي عندنا والحياة لونها بمبي وإحنا ما لناش علاقة ومش حنتأثر؟

حازم الببلاوي: شوف، أنا قلت إن الأزمة في جوهرها انهيار في القطاع المالي، في مرض شديد، لكن هذا الانهيار لن يقتصر على القطاع المالي سينعكس وبدأ ينعكس على الاقتصاد، حيحصل كساد.

أحمد منصور: إيه أشكال انعكاسه؟

حازم الببلاوي: كساد.

أحمد منصور: يعني إيه كساد؟

حازم الببلاوي: أن شركات حتصرف عمالا فحتزيد البطالة، حتزيد البطالة يبقى شركات ثانية حتقلل، لما يقل الإنتاج حتقل الأسواق اللي كانت بتستورد، الأسواق اللي كانت بتستورد هي أسواق لبلاد ثانية كانت بتصدر يبقى حيقل التصدير، حلقة متراكمة..

أحمد منصور: إحنا الآن بنتكلم عن العالم العربي أيضا؟

حازم الببلاوي: لا، لا، كله، أنا بأتكلم على الكساد. فاللي أنا عايز أقول لك إن الأزمة لها جانبان مرتبطان ببعض بس يمكن التمييز بينهما..

أحمد منصور: ما هما؟

حازم الببلاوي: جانب مالي انهيار مالي في الأسواق المالية ثم كساد اقتصادي. تأثيرهم إيه علينا؟ البلاد العربية مش زي بعض..

أحمد منصور: عندنا بلاد بترولية نفطية..

حازم الببلاوي: البلاد البترولية سيتأثروا بدرجة أكبر..

أحمد منصور: لماذا؟

حازم الببلاوي: نتيجة الانهيار المالي ثم نتيجة الكساد الاقتصادي..

أحمد منصور: الانهيار المالي لماذا؟

حازم الببلاوي: الانهيار المالي لماذا؟ يعني إيه بلاد عندها فوائض مالية؟ يعني عندها أصول مالية في الدول الصناعية في الأسواق الخارجية فإذا كان أنت بتقول لي إن هذه الأسواق انخفضت قيمتها لا بد أنها حتتأثر ولا بد أنها تأثرت..

أحمد منصور: هناك دول خليجية كثيرة لها استثمارات حتى في بعض البنوك التي أفلست.

حازم الببلاوي: لا، يعني، لا يمكن تصور غير ذلك. البلاد العربية الأخرى حتتأثر بدرجة أكبر نتيجة الكساد..

أحمد منصور: اللي هي زي مصر والسودان واليمن..

الكساد سيؤثر في انخفاض أسعار البترول
حازم الببلاوي:
آه، بس الاثنين حيتأثروا بالأمرين يعني أنا لما أقول لك إن البلاد النفطية حتتأثر بالانهيار المالي نتيجة ثرواتها المالية مش معنى ذلك مش حيجي لها الكساد، لما يجي الكساد حيؤثر في انخفاض البترول أسعار البترول أكثر فده حيؤثر فيها. البلادالثانية لما أقول لك حتتأثر بالكساد مش معنى ذلك أنها بعيدة التأثر عن الانهيار المالي، أسواقها المالية هي كمان انهارت. بس بشكل عام التأثر الأكبر الآن في المدة القصيرة في الدول النفطية حيكون نتيجة ما حدث في الأسواق المالية والدول غير النفطية ما سيترتب على الكساد الاقتصادي.

أحمد منصور: حضرتك بتقول إنه إحنا لا نعرف إلى أي مدى يمكن أن يصل في الغرب لكن سيصل إلى آماد ربما تكون صعبة وغير متخيلة..

حازم الببلاوي: صحيح.

أحمد منصور: بالنسبة لنا نحن العرب أيضا؟

حازم الببلاوي: شوف، في حاجتين، في تقليل الخسائر بقدر الإمكان والتعايش معها..

أحمد منصور: كيف؟

حازم الببلاوي: خليني بس أقول إيه الحاجة الثانية، تقليل الخسائر وكيفية التعايش معها بس في الدرس الأكثر أهمية، أنك ما تخليش ده يحصل ثاني المرة الجاية..

أحمد منصور: كيف؟ يعني هل يستطيع الآن العرب أنهم يقولوا للدول الغربية لا ابعثوا لنا سعر النفط نقدا وإحنا..

حازم الببلاوي (مقاطعا): لا، لا، لا..

أحمد منصور: كيف؟

حازم الببلاوي: شوف، إحنا هنا حندخل في قضية في غاية الصعوبة..

أحمد منصور: ما هي؟

حازم الببلاوي: هي أن البلاد النفطية في وضع في غاية الدقة وهو أنها عليها أن تنتج نفطا لحاجة العالم..

أحمد منصور: آه. لا إحنا عايزين نحط عشر خطوط هنا..

حازم الببلاوي: حط تسعة، كفاية تسعة.

أحمد منصور: لحاجة العالم فقط؟

حازم الببلاوي: لحاجةالعالم..

أحمد منصور: وليس ما يُفرض عليها.

لا تستطيع دول صغيرة أن تتخلى عن توفير حاجة العالم للنفط، العائد من هذا النفط لا تستطيع أن تستوعبه في دولها المحلية في استثمارات عينية فالفرق سيظهر في شكل فوائض مالية، هذه الفوائض المالية لا توجد أسواق مالية متطورة وعميقة  لاستيعابها غير الأسواق الموجودة في الدول الصناعية وهذا هو المأزق الحقيقي
حازم الببلاوي:
يعني في أوضاع لا تستطيع دول صغيرة محتاجة لهذا النفط أن تتخلى عن توفير حاجة العالم للنفط، العائد من هذا النفط لا تستطيع أن تستوعبه في دولها المحلية في استثمارات عينية فالنتيجة أنه لا بد الفرق يظهر في شكل فوائض مالية، هذه الفوائض المالية لا يوجد أسواق مالية متطورة وعميقة علشان استيعابها غير الأسواق الموجودة في الدول الصناعية فهذا هو المأزق الحقيقي.

أحمد منصور: كيف نخرج من هذا المأزق؟

حازم الببلاوي: إذا كان أنت عايز، كونك تعدله النهارده ولا بعد ستة أشهر صعب ووهم، كل اللي عليك أنك بقدر الإمكان تحاول تحافظ على ثروتك المالية بقدر الإمكان. إنما لو أنت عايز تتعلم تقول طيب ده حصل وظروف إنما خلينا نفكر في العشر سنين القادمة في العشرين سنة القادمة، لا أريد.. لا تستطيع الدول دي أنها تمتنع عن إنتاج البترول بما يوفي احتياجات العالم إنما تستطيع بدل ما تحتفظ به فقط في شكل ثروات وأصول مالية تحوله بقدر الإمكان إلى ثروة إنتاجية في شكل استثمارات..

أحمد منصور (مقاطعا): كيف؟

حازم الببلاوي (متابعا): ولكن دولها محدودة، المنطقة الوحيدة اللي يقدروا يعملوها هي تنمية المنطقة العربية، يتعمل مشروع جبار لعشرين سنة..

أحمد منصور: زي مشروع مارشال مثلا؟

حازم الببلاوي: أخطر منه، لأن ده مستقبل العالم كله سيكون في هذه المنطقة. على أساس تنمية العالم العربي..

أحمد منصور (مقاطعا): لا أنا عايز برضه أقف عند دي، مستقبل العالم كله في هذه المنطقة!

حازم الببلاوي: آه لسبب، هذه المنطقة هي منطقة الحزام الصحراوي هي أفقر المناطق في العالم من حيث عدد السكان وأفقرها من حيث المياه وهي تنتظر ثورة تكنولوجية إلى اكتشاف استخدام الطاقة الشمسية وتحول هذه المناطق إلى أراض خصبة..

أحمد منصور (مقاطعا): بدأت بعض الدول الأوروبية تستخدمها في المغرب وتعمل عقودا وصفقات..

حازم الببلاوي: ماشي، يعني على كل حال، فأنا أرجع أقول لك..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني إحنا عندنا ثروات مش منتبهين لها يعني؟

حازم الببلاوي: لا، عندنا إمكانيات كامنة، فرق بين ثروة وإمكانية كامنة، إمكانية يعني فكرة..

أحمد منصور: إمكانية كامنة.

حازم الببلاوي: كامنة.

أحمد منصور: محتاج هذا الكمون من يستخرجه؟

حازم الببلاوي: آه، فاللي أنا عايز أقوله..

أحمد منصور (مقاطعا): والثروات العربية دي ممكن أن..

حازم الببلاوي (مقاطعا): لا، بس علشان أكمل. هذه ليست مسؤولية فقط الدول المنتجة للنفط أنها تحول الفوائض إلى استثمارات إنتاجية في المنطقة، هي مسؤولية الدول المستقبلة أيضا أن توفر الظروف الكافية لكي تجعلها مطمئنة، يعني أنا أعتقد المطلوب أن يتم نوع من العهد العربي تتعهد فيه الدول الفائض بوضع أكبر قدر من الاستثمارات في المنطقة العربية وتلتزم فيه الدول الأخرى مش بس بتوفير المناخ المناسب، بإعطاء حماية ومزايا لكل المواطنين العرب للاستمتاع بهذا في البلاد العربية الأخرى.


تأثير الأزمة في الريادة الأميركية وهيمنة الدولار

أحمد منصور: الآن، ما حدث هل يمكن أن يؤدي إلى أن تفقد الولايات المتحدة سطوتها وسيادتها وريادتها على العالم وأن يولد هناك نظام جديد يمكن للعرب أن يستفيدوا منه؟

حازم الببلاوي: شوف، العرب لن يستفيدوا نتيجة إنشاء نظام جديد، العرب لن يستفيدوا إلا إذا أصبحوا قوة اقتصادية سواء مع وجود دول أو غيرهم، يعني لن..

أحمد منصور: لا بد أن يصنعوا أنفسهم.

حازم الببلاوي: آه. أما أن أميركا دورها حيختفي، أنا أعتقد ده طبيعي، مش علشان الأزمة، الأزمة قد تسرع، أميركا كسبت هذا الدور بعد الحرب العالمية الثاني اللي كان فيه قوة بتدير العالم، إنجلترة على وجه الخصوص وبعض الدول الاستعمارية انكسرت تماما، خرجت أميركا من الحرب العالمية أقوى اقتصاد في العالم يمثل نصف اقتصاد العالم..

أحمد منصور: آنذاك.

حازم الببلاوي: آنذاك سنة 1945، أقوى دولة، الدول كلها محطمة بعد الحرب كلها مدينة، فكان من الضروري أن تلعب دورا رائدا. الآن بعد خمسين سنة أو ستين سنة الدور النسبي لأميركا بدأ يتراجع مش لأن أميركا بتضعف إنما لأن الدول الثانية نهضت، اليابان ظهرت، ألمانيا ظهرت، أوروبا قامت، الصين قامت، الهند بتقوم، فالدور النسبي لأميركا بدأ يتراجع وطبيعي أنه يتراجع. لكن أميركا دورها مش فقط نتيجة أن عندها نصف الإنتاج العالمي والآن حوالي الربع إنما أميركا أيضا أحد أقوى أدواتها أنه كان عندها أقوى وأعمق سوق مالي في العالم بدرجة أني أنا اقدر أقول لك إن أهم صادرات أميركا لم تكن السلع ولم تكن السينما إنما الخدمات المالية، أعظم سوق مالي تطورا وعمقا وتنوعا..

أحمد منصور: بكل الأشكال اللي حضرتك أشرت لها.

حازم الببلاوي: ده أصيب في الصميم في هذه الأزمة، الثقة فيه، فده هو الذي سيسرع بأن دور أميركا.. لا، لا، مش كده، يأخذ وقتا طويلا على بال ما يتغير، خلي بالك خرجنا من الحرب العالمية الثانية كان معظم العالم بيتعاملوا بالإسترليني، الإسترليني الآن مش موجود، لكن ماهياش بين يوم وليلة قعدت لها يجي ثلاثين سنة على بال الإسترليني ما بدأ يتراجع. هذه الأمور تتطلب..

أحمد منصور (مقاطعا): مستقبل الدولار طيب إيه؟ وليه بيقوى الدولار الآن في ظل أن أميركا ضعيفة؟

حازم الببلاوي: لأنه الآن في ظل الأزمة والحالة النفسية للعالم يبحثون عن ملاذ، الملاذ هو ما تعود الناس عليه، كان الملاذ زمان أي حادثة تحصل، جري على الذهب. المقابل للذهب في النظام الحالي هو الدولار فده هو اتجاه غريزي أمام الأزمة وفقد الثقة، الولد حتى لو كبر بقى عنده أربعين سنة أول حاجة يروح يعيط على صدر أمه، ده نوع من النظرة اللي من الماضي..

أحمد منصور: طيب إمتى العالم سيُفطم من الدولار؟

حازم الببلاوي: بالراحة، يعني الاتجاه..

أحمد منصور: لكن بدأ الآن.

حازم الببلاوي: طبعا، بدليل أن اليورو بدأ يلعب دورا. بس في مشاكل فنية معقدة مش مجرد أن الواحد يكون قويا، لازم يكون كمان مستعدا أن يلعب هذا الدور، يعني خلي بالك اللي بيلعب هذا الدور عليه أنه.. بيكسب مكاسبا هائلة بس عليه يتحمل أشياء، يعني مثلا إنجلترة واحد من الحاجات اللي أضعفتها بعد الحرب العالمية الثانية على خلاف فرنسا أنها كانت مهمومة، خائفة الإسترليني يحصل له حاجة فكان كل إصلاح..

أحمد منصور: وكان عملة العالم آنذاك.

حازم الببلاوي: كان عملة.. فكان كل إصلاح يقول لك لا ده حيؤثر على الإسترليني. فرنسا كان الفرنك ما لوش هذا الدور فعملوا إصلاحات فكانت النتيجة فرنسا أيام ديغول وما بعده عملت إعادة تجديد..

أحمد منصور (مقاطعا): نصف أفريقيا كانت مربوطة بالفرنك الفرنسي.

حازم الببلاوي: بس عملت إعادة تجديد للاقتصاد، للصناعة الفرنسية وانهار.. التضخم في فرنسا كان شديدا لكن في نهاية الأمر خرجت بهيكل اقتصادي أكثر تلاؤما مع العصر من إنجلترة لأن إنجلترة كانت في ظل وهم، لا خلي بالك من الإسترليني..

أحمد منصور: دكتور عايز أسألك سؤالا بسيطا ربما كل مشاهد الآن بيشوفنا، ناس كثير خسرت في البورصات، أشياء كثيرة في العالم العربي، المستثمر البسيط الآن يحط فلوسه فين؟

حازم الببلاوي: هو هذا السؤال يشارك فيه المستثمر البسيط وهو أنا كمان مش عارف، يعني ما هي فعلا هناك أزمة..

أحمد منصور: يعني كل واحد يخلي فلوسه معه أحسن ولا يعمل إيه؟

حازم الببلاوي: أزمة ثقة كمان يعني أن اللي سقط ما هواش مؤسسات عادية دي المؤسسات تكاد تكون هي الـ symbol بتاع الاستقرار الاقتصادي، أكبر البنوك الأميركية، ففعلا العالم في أزمة ولذلك تجد في نوعا من المفارقة الغريبة، بيقول لك، الناس بتسحب فلوسها ومش عايزة تحطها توظفها فالمفروض أن معها سيولة بتحطها في البنوك لكن في أزمة سيولة، ليه أزمة سيولة؟ لأن البنوك نفسها ما عندهاش ثقة تسلف البنك الثاني..

أحمد منصور: لكن موجودة عنده الفلوس.

حازم الببلاوي: عنده بس كل واحد خائف. فأخطر، أكبر عدو للنشاط الاقتصادي هو أزمة الثقة وعدم اليقين. في كمان نمرة الثانية، النشاط الاقتصادي قائم على المخاطرة بس فرق بين عدم اليقين والمخاطرة، المخاطرة أنت عارف أن ده خطر بس عندك نوع من التصور تقول ده 80% بيكسب، أما عدم اليقين فأنت لا، ما تعرفش..

أحمد منصور: 80% بيخسر.

حازم الببلاوي: لا، ما تعرفش، ده ممكن يبقى 80% بيكسب أو 80% بيخسر، ليس لديك أي.. يعني في واحد اقتصادي..

أحمد منصور (مقاطعا): ما فيش أي معايير الآن يمكن البناء عليها.

حازم الببلاوي (متابعا): أنه كان في نظرية الاحتمالات مثلا تيجي تقول حوادث السيارات، معروف أنه في كذا حادثة سيارة، صحيح أن مش عارف أن السيارة دي حتحصل فيها حادثة لكن شركة السيارات عارفة أن كل يوم حيحصل، هنا أنت تتعامل مع خطر لأن الأمر قد يتحقق أولا يتحقق ولكن له توزيع إحصائي معروف، إنما عدم اليقين أنت ما تعرفش ده حيحصل ولا مش حيحصل.

أحمد منصور: دكتور في دقيقتين بقوا، ما هي صورة المستقبل في ظل هذه الأزمة، وصورتنا نحن العرب لأن هذا اللي يهمنا ويهم المشاهد؟

حازم الببلاوي: شوف، التجربة بينت أن البشرية أحسن كائنات تتعلم، يعني هذه هي النعمة الوحيدة اللي ربنا إداها للإنسان، أنه بيتعلم، والتعلم لا يتم إلا من الأخطاء لكن مقابل هذه الميزة الكبيرة أنه مش ضروري بنتعلم بسرعة وبكفاءة عالية، أكيد حنتعلم وحنخرج من هذا..

أحمد منصور: بس في التعليم ده ناس كثير حتتفرم وناس حتموت وناس حتخسر..

حازم الببلاوي: ناس كثير وسنعمل أخطاء كثيرة. أما بالنسبة لنا إحنا، أتمنى أننا نعيد النظر إعادة مش شكلية لطرح القضايا الأساسية ومش عيب نقول إننا كنا غلطانين أو ما كناش فاهمين كفاية.

أحمد منصور: إيه أهم القضايا دي باختصار، واحد اثنين ثلاثة أربعة بس قل لي، إيه اللي المفروض العرب كحكومات الآن وكناس مسؤولين ينظروا فيه؟

حازم الببلاوي: شوف أنا جاي كنت على الأسهم واللي حأقوله بره الأسهم، فخلينا في الأسهم.

أحمد منصور: شكرا جزيلا يا دكتور.

حازم الببلاوي: شكرا جزيلا.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم آملا أن نكون قد قدمنا لكم رؤية شاملة ومبسطة لما حدث ويحدث في الأسواق وانعكاساته على العرب وما ينبغي على العرب أن يقوموا به لتجنب المزيد من الخسائر والخروج من هذه الأزمة. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة