استخدام أميركا لقاذفات إستراتيجية في العراق   
الثلاثاء 1429/1/15 هـ - الموافق 22/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:37 (مكة المكرمة)، 12:37 (غرينتش)

- دلالات استخدام القاذفات
-الانعكاس المتوقَّع على الوضع الأمني

جمانة نمور
: أهلاً بكم. نتوقف في حلقة اليوم عند استعمال الجيش الأميركي قاذفات إستراتيجية من طراز B1 وطائرات F16  لقصف مواقع قال إنها تابعة للقاعدة في جنوبي بغداد. نطرح في الحلقة تساؤلين محوريين، هل يدخل استخدام هذه القاذفات ضمن إستراتيجية أميركية جديدة لمحاربة القاعدة في العراق؟ وماهي انعكاسات اللجوء لمثل هذه القاذفات الثقيلة على مُجمل الوضع الأمني في العراق؟... في تحوّل جديد على ما يبدو في الإستراتيجية الأميركية لمحاربة القاعدة في العراق، لجأ سلاح الجو الأميركي إلى استخدام قاذفتين من طراز B1  وأربع مقاتلات F16 ، الطائرات الحربية العملاقة ألقت أربعين ألف رطل، على ما قال الجيش الأميركي، إنها أهداف تابعة لتنظيم القاعدة في الضواحي الجنوبية لبغداد. لكن اللجوء إلى مثل هذه الأسلحة الإستراتيجية يثير علامات استفهام كبيرة حول أسباب استخدامها وطبيعة الأهداف التي قصفتها.

[تقرير مسجل]

 بيبة ولد إمهادي: مسرح العملية كان منطقة عرب الجبور في الضاحية الجنوبية لبغداد، واستناداً إلى القوات الأميركية فإن أربعين ألف رطل من المتفجرات، أي ثمانية عشر طناً أُلقيت على مواقع تقول إنها للقاعدة، وإن قاذفتين من طراز B1  وأربع مقاتلات من نوع F16  استهدفت أربعين موقعاً في أقل من عشر دقائق. وتوصف قاذفات B1 بأنها العمود الفقري لسلاح الجو الأميركي، فهي متعددة المهمات وقادرة على عبور القارات دون حاجة إلى التزود بالوقود، وقد استُخدمت في قصف مواقع عسكرية عراقية في بداية الغزو الأميركي ولم تستخدم منذ ذلك الحين، إلا في صيف العام الماضي في ضرب مواقع للقاعدة. وهناك من يتساءلون عن الغاية من استخدام هذا النوع من الطائرات في منطقة صغيرة على مستوى المساحة، وقريبة جداً من الأحياء السكنية. وقد جاء استخدام هذه الوسائل إثر مقتل تسعة جنود أميركيين وجرح ستة آخرين خلال اليومين الماضيين، في الوقت الذي تقوم فيه قوات أميركية وعراقية بعملية ضخمة في محافظة ديالى منذ الثلاثاء الماضي. فيما تحدث جنرال أميركي في العراق عن ارتفاع عدد ما سمّاه الهجمات الكبيرة التي تقوم بها القاعدة، علماً بأن ثلاثة وعشرين جندياً أميركياً لقوا مصرعهم في الشهر الماضي. ويُخشى أن يؤدي تدخل هذه القاذفات الإستراتيجية الثقيلة إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف المدنيين، تعمِّق جراح السنوات الماضية، حيث تقول منظمة الصحة العالمية أن 151 ألف شخص قد قُتلوا، بين غزو العراق في مارس 2003 ويونيو/ حزيران من عام 2006، بينما كانت أرقام نشرتها مجلة LNCET البريطانية قد أشارت إلى مقتل ما لا يقل عن 655 ألف شخص.

 عبد القادر دعميش: استخدام القوات الأميركية لواحدة من أكبر القاذفات في العالم الـ B1 لقصف مناطق عرب الجبور يوحي وكأن الحرب الأميركية بدأت لتوها، ومع غياب صور عن العملية العسكرية الأميركية وبالتالي عدم معرفة حجم الآثار المترتبة، فإن مجرد استخدام هذه القاذفة يعني قصفاً شاملاً ماسحاً لمناطق واسعة، كما حدث في تورا بورا الأفغانية. إلا أن قصفاً أميركياً بهذه الضخامة، ويأتي بعد نحو خمس سنوات على غزو العراق، يطرح أسئلة شتى عن جدوى سياسة الإدارة الأميركية في بلاد الرافدين، في عراقٍ ما زال الموت يصنع يومياته، على خلفية تصريحات بسلاسة عملية سياسية وإعادة إعمار. فاستخدام الـ B1 الذي عادة ما يكون في المواقع الصعبة على القوات البرية، جاء أيضاً عقب بيانات نُسبت للقاعدة تقول بإسقاط مروحيتين ومقاتلة من طراز F16 زيادة على سقوط عدة جنود أميركيين في مناطق متفرقة. فلماذا تُقصف منطقة عرب الجبور إذاً؟ عرب الجبور منطقة ملاصقة لبغداد وتابعة لها إدارياً، تقع جنوبها على طريق الموت، كما كان الأمركيون يصفونه، نظراً لتحصّن الفصائل المسلحة العراقية وتنظيم القاعدة في بساتين النخيل، إلا أن البيئة الحاضنة للمقاتلين هي أيضاً بعض السكان الرافضين للإحتلال الأميركي، وهكذا تبدو أطنان القنابل بالقصف السجّادي ترويعاً إضافياً ومسحاً للبيئة الحاضنة، وإخراجاً للسمكة من الماء، فهل ستختنق السمكة نهائياً في بساتين عرب الجبور؟.. قبل بضعة أشهر أعلن الرئيس جورج بوش عن عزمه تغيير الإستراتيجية في العراق بإرسال مزيد من القوات، غير أن عزماً آخر على التغيير لحق فيما بعد، يعتمد على تشجيع العراقيين في وضع حلول عراقية. ولكن الصياغة بمفردات عراقية، كما يعتقد السفير الأميركي في العراق، ليست سوى تهكم لغوي للتغطية على أخطاء الماضي، وفق ما يعتقده ضابط بريطاني متقاعد. الصحوات مثلاً، جاءت في هذا السياق لتقاتل ما حُدد على أنه القاعدة في بلاد الرافدين، ولكن اغتيال قائد صحوة الأعظمية العقيد رياض السامرائي، في ابتسامة انتحارية أثار لدى البعض مشاعر اليأس. فلمن تبتسم بغداد، وسائر بلاد الرافدين؟

[نهاية التقرير المسجل]

دلالات استخدام القاذفات

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة، من عمان الكاتب الصحفي العراقي الدكتور وليد الزبيدي، ومن دبي رياض قهوجي مدير مركز الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري، وينضم إلينا عبر الهاتف من عمان العميد الركن وليد الراوي المحلل العسكري والضابط في الجيش العراقي السابق، أهلاً بكم. السيد العميد دعنا نسألك أسئلة عسكرية قبل أن نغوص في التحليل الإستراتيجي، كيف نفهم استخدام هذه الطائرات على هذه المنطقة؟

وليد الراوي: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، تُعتبر القاذفات B1 LANCER  العمود الفقري للقاذفات الأميركية الإستراتيجية، وهذه الطائرة تطير على ارتفاعات مختلفة، وتحمل أسلحة متنوعة، وحتى الأسلحة النووية. إن استخدام هذه الطائرات لهكذا أهداف يأتي عادة ضمن السياقات الأكاديمية، بعد أن تقوم القوة الجوية الأميركية بحسابات الجهد لغرض تحديد الهدف قبل الضربة، وذلك بمعرفة حجم الهدف ثم ما هي الأسلحة اللازمة لتدميره. عندما يُصاغ من هذا السياق، نلاحظ أن الهدف الذي استُخدمت به طائرتي B1 لا يتناسب أساساً مع حجم الجهد المخصّص لتدميره، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني، أن المنطقة هي طبيعتها منطقة بساتين، وأساساً من المعلوم أنه بعد نجاح مشروع الصحوات لم يعد يتواجد تنظيم قوى الإرهاب والقاعدة في هذه المنطقة. لذلك هذا الموضوع يعطينا ثلاثة تحليلات، الأول، هو أنه تذكير العراقيين أننا لا زلنا موجودين على الأرض وبقوة مهما تطور الأمر، سواء عملية سياسية أو نجاح ما يدّعون أنه إستراتيجيتهم العسكرية. الأمر الثاني، هو استمرارهم في ممارسة سياسة الرعب والترويع ضد العراقيين. والأمر الثالث، هذه الطائرات عادة، متواجدة أساساً في مكانين، الأول في عُمان في قاعدة التيب، وثانياً في قاعدة الحديد، فطيرانها من هذا المكان، وضربها في هذه الأهداف، هو جزء من تدريب - احتمال- لعمليات مستقبلية، تعرف الآن مستوى تأجيج الصراع بين إيران والولايات المتحدة وصل إلى مراحل متقدمة، لتذكيرهم كذلك بأن لهم قدرتهم، وأن ذراعهم الطويلة في القصف موجودة في المنطقة.

جمانة نمور: شكراً لك العميد الركن وليد الراوي، كان معنا في هذا اللقاء الموجز من عمان. سيد رياض قهوجي، إذاً هي عملية عسكرية، برأي العميد الركن، ذات أهداف ورسائل ربما أبعد من ذلك، رسائل إستراتيجية. كيف تنظر أنت إلى استخدام هذه الطائرات تحديداً؟

رياض قهوجي: على المستوى الإستراتيجي - أنا أتكلم كلام عسكري- الهدف الإستراتيجي لم يتغير، هو القضاء على القاعدة في العراق. ما نراه اليوم هو تغيير في التكتيك، التكتيك هو استخدام قاذفة إستراتيجية لأغراض المفاجأة التامة. هذه الطائرة تنطلق من خارج العراق، أي أنه إن كان هناك .. يعني أثبتت القاعدة في العراق أن لديها قدرة استخباراتية كبيرة، أنها تعلم بالهجمات في العديد من الأمور قبل حدوثها، عند انطلاق طائرات من قواعد داخل العراق أو من قرب العراق، تعلم هذه القوات أن هناك غارة على وشك الحدوث فهي تتحصن لها. عندما تأتي الطائرة، قاذفة إستراتيجية تُلقي قنابل من ارتفاعات شاهقة جداً، لا يسمعونها، ولا يدركون أن هناك غارة على وشك الحدوث، تكون هناك مفاجأة تامة. القنابل التي تحملها هذه الطائرات هي نفسها القنابل التي تحملها القاذفات الخفيفة في الF16  أو الـF18 ، ولكن الفرق، والأمر الذي جرى تحديثه، هو أن القنابل الصغيرة.. تم تطوير قنابل أصغر حجماً، 250 كيلو 300 كيلو، وجُهزت بأنظمة توجيه عبر الأقمار الصناعية أو عبر الليزر، وبالتالي أصبحت هذه القاذفات الإستراتيجية تلقي حمولتها من القنابل من ارتفاعات شاهقة، وتُحدث إصابات بنسبة 99% أو 98%، يعني نسبة الإصابة أصبحت دقيقة جداً، وبالتالي تطور دور هذه القاذفة من قاذفة إستراتيجية، إلى حد نوع قاذفة قادرة على أداء مهام تكتيكية في إحداث إصابات دقيقة على الأرض. ودور الـF16  في هذا الأمر هو تأمين حماية للطائرات، وأيضاً دعم أرضي لضرب أهداف تحتاج إصابتها من ارتفاعات أقل ارتفاعاً، لسبب وجودها بين أحياء سكنية في بعض الأحيان. هذا برأيي سبب استخدام الـ B1 وهو بشكل أساسي لإحداث نقلة تكتيكية، يأتي معها عنصر مفاجأة بهذا الشكل الكبير، ولا تحتاج إلى هذه التفسيرات التي تأخذ إيران في عين الاعتبار، كون أن إيران تعلم أن أميركا تملك هذه الطائرات. وعلى فكرة، هذه الطائرات دخلت الخدمة في سلاح الجو الأميركي منذ الثمانينات، أي عمرها فوق الخمسة وعشرين عاماً، وهي على وشك إخراجها من الخدمة اليوم..

جمانة نمور(مقاطعةً): قبل أن نناقش هذه النقطة، دكتور وليد، من معرفتك بالمنطقة التي تم استهدافها، إذاً السيد رياض يقول الآن، الأهداف يمكن إصابتها بطريقة أكثر دقة، ربما، مع هذه الطائرات. هل فعلاً برأيك، تستطيع مثلاً هذه الطائرات التمييز بين من هم ينتمون إلى القاعدة ومن لا ينتمي إلى القاعدة، في مناطق من هذا النوع؟ وهل ماشهدناه هو بداية لإستراتيجية عسكرية أميركية جديدة في العراق؟

وليد الزبيدي: طبعاً أنا أختلف مع الضيفين الكريمين فيما توصلا إليه، وهذا الاختلاف مبني على شواهد من أرض الواقع، ومن أرض المعركة التي تدور بين قوات الاحتلال وفصائل المقاومة، وهذه المنطقة معروفة من بين المناطق الكثيرة المحيطة في بغداد، والتي تعرضت لهجمات عسكرية كبيرة منذ أواخر عام 2003، واستمرت عام 2004 وعام 2005، ولكن لم تتمكن القوات الأميركية من تحقيق أيّ من أهدافها، حيث كانت تتعرض للكثير من الهجمات النوعية، ويسقط الكثير من الجنود الأميركيين وآلياتهم. وفي مطلع عام 2007 بدأت القوات الأميركية بمرحلة أخرى، وهي الاعتماد على القوات الأمنية والحكومية والجيش، فيما سُمي بفرض القانون، واستهدفت هذه المنطقة عرب الجبور خمس مرات بحملات عسكرية كبيرة مشتركة بين قوات الاحتلال والقوات الحكومية، وفي جميع المرات كانت هذه القوات تُمنى بخسائر وتُهزم في الميدان. بعد ذلك انتقلت الإدارة الأميركية إلى مرحلة استخدام الصحوات أو الإسناد، مجاميع الإسناد، التي تقدم الخدمة لقوات الاحتلال لحمايتها من قوى المقاومة في هذه المنطقة، ولكن أيضاً نلاحظ خلال الثلاث أسابيع الأخيرة أسقطت فصائل المقاومة وكمائن تنظيم القاعدة ثلاث طائرات في هذه المنطقة، اثنين من نوع F16  وواحدة نوع أباتشي، وأعتقد أن..

جمانة نمور(مقاطعةً): ولكن باليوم الأول من العمليات، بحسب المسؤولين العسكريين الأميركيين، سقط ما بين عشرين إلى ثلاثين عنصر من عناصر القاعدة في عملية واحدة، في المقابل أيضاً.

وليد الزبيدي: عموماً الذي يقاوم المحتل يتوقع كل شيء، ومن بين ذلك هو الاستشهاد على أرض المعركة. ولكن أريد أن أقول إن التحوّل إلى استخدام B1 التي دخلت في الميدان مطلع هذ العام ،وقبل تطبيق خطة فرض القانون، هذا الاستخدام جاء لأن الأميركيين بعد أن أُسقطت طائراتهم بدؤوا يشعرون بأنهم في مرحلة اليأس، لأن سلاح المدرعات والهامر وغير ذلك، باستهداف العبوات والـ RBG أصبح خارج المعركة بالقياسات العسكرية، والأباتشي عندما تسقط بالأسلحة المحمولة على الكتف أيضاً خارج المعركة تقريباً، وعندما يصل الأمر إلى  F16 فإن هذا يثير الرعب لدى القادة في البنتاغون، وفي الحكومة العراقية، والأجهزة العسكرية العراقية الآن، لأن الـ F16 كانت أو سلاح الطيران الجوي المعروف بأنه هو الذي يوفر الحماية للمنطقة الخضراء وغير ذلك. وبالتأكيد بعد أن فشلت في عدم المحافظة على هذه القوات، بما في ذلك الأباتشي والـ F16، لجأت مضطرّة إلى استخدام الـB1  التي تقصف من مناطق بعيدة جداً وتضرب أهداف، ولا يمكن أن تميز بين هدف وآخر في الدقة، وهذه مناطق زراعية وعوائل، وبالنتيجة سنعرف أن هناك الكثير من الضحايا بين المدنيين في هذه المنطقة..

جمانة نمور(مقاطعةً): دكتور وليد على كل هي لم تقصف فقط من فوق وتترك، هناك قوات بريّة دخلت المنطقة، قيل إنه أيضاً تم اعتقال عناصر من القاعدة، وأنه تم العثور على منزلين كانا يُستخدمان للتعذيب. هل كل هذه مؤشرات على تعاطي أمني جديد في العراق؟ وكيف سينعكس هذا على الوضع الأمني بمجمله؟ نتابع النقاش بعد وقفة قصيرة، فكونوا معنا.


[فاصل إعلاني]

الانعكاس المتوقَّع على الوضع الأمني

جمانة نمور: أهلاً بكم من جديد في هذه الحلقة، والتي نناقش فيها الأبعاد الإستراتيجية لاستخدام قاذفاتB1  الأميركية في الحرب على القاعدة في العراق. سيد رياض، الدكتور وليد الزبيدي كما فهمنا من كلامه قبل لحظات، رأى في استخدام هذه الطائرات دلالة وعلامة ضعف من القوات الأميركية أكثر منها قوة، لأنه هو باعتقاده هذا مؤشر على فشل الأباتشي والـ F16 في عمليات سابقة، مع الاضطرار إلى اللجوء إلى هذه الطائرات. ماهو تعليقك؟

رياض قهوجي: لا أعتقد أن هناك فشل، إنما هناك دليل على وجود حجم كبير من المقاومة من داخل عناصر ما يُسمى بالقاعدة في العراق. هذه الطائرات، يعني خاصة طائرات الـ F16 لا تزال هي في الخدمة، وقد شاركت اليوم في عمليات الهجوم. ما نراه اليوم هو، يعني التعديل التكتيكي الذي تحدثتُ عنه، هو لتعزير عنصر المفاجأة، وإعطاء نوع ما يسمى ..

جمانة نمور(مقاطعةً): المفاجأة، يعني تحدثت كثيراً السيد رياض عن عنصر المفاجأة منذ بداية الحلقة، لكن المفاجأة تكون في أول مرة، البيانات العسكرية الأميركية تقول إن هذه العمليات سوف يتم تكرارها. إذاً أين ستكون حينها فعالية المفاجأة؟

رياض قهوجي: يعني فعالية المفاجأة هي أن الشخص المُستهدف لا يعلم أن هناك غارة على وشك الحدوث، إذ أن هذه الطائرات تُلقي حمولتها من ارتفاعات شاهقة، لا يسمع بها ولا يدري بها. وهذه القوات لا تملك أجهزة رادار تنبئها بحدوث غارة، إنما الطائرات الأخرى مثل الـF16  التي تغير من ارتفاعات منخفضة، يسمعها ويشعر بوجودها قبل حدوث الغارة. على مستوى آخر، لا يستطيع جهاز الاستخبارات التابعة له من رصد انطلاق طائرات من مطارات داخل الأراضي العراقية، هذه الطائرات تأتي من الخارج. أيضاً سقوط كمية من القنابل في وقت واحد على أهداف متعددة في منطقة محصورة، هذا بحد ذاته يُحدث صدمة نيران قوية، تجعل الطرف المُستهدف في حالة ذهول، وتعطي الطرف المهاجِم، خاصةً إن كان هذا الأمر سيعقبه هجوم بري، تعطي فعالية أكبر للهجوم البرّي عبر عنصر المفاجأة الذي تحدثت عنه.

جمانة نمور: ولكن كيف سينعكس هذا على مجمل الوضع الأمني في العراق بشكل عام؟ نعلم أن هذا الاستخدام، وهذه العمليات تأتي رغم الحديث عن تقدُّم على الناحية الأمنية في العراق. في الأشهر الماضية كان التراجع فقط في هذه المناطق، هل هذا مؤشر على أنه يمكن فعلاً الحسم عن هذه الطريقة، برأيك؟

"
التعامل مع حرب ضد قوات في أسلوب حرب العصابات أمر في غاية الصعوبة،  القوات الأميركية تواجه مقاومة تتطور في أساليب القتال، تتطور في نوع أسلحتها، وبالتالي تحاول القوات الأميركية أيضاً أن تتطور في أساليبها وتكتيكاتها وأسلحتها لحسم الموقف
"
           رياض قهوجي
رياض قهوجي
: التعامل مع حرب ضد قوات في أسلوب حرب العصابات أمر في غاية الصعوبة. الحرب اليوم، بما يجري في العراق، تجري ضمن عقيدة أو مبدأ التجربة والخطأ، يعني القوات الأميركية تواجه مقاومة تتطور في أساليب القتال، تتطور في نوع أسلحتها، وبالتالي تحاول القوات الأميركية أيضاً أن تتطور في أساليبها وتكتيكاتها وأسلحتها لحسم الموقف. اليوم هم في مرحلة تجربة جديدة، إدخال سلاح جديد في المواجهة، وعليهم أن يشاهدوا اليوم كيف أن الخصم إن كان سيتأقلم مع هذا التكتيك الجديد لمواجهة الأمر. الحرب.. دائماً هناك ضبابية في الحرب، ولا يمكن التنبؤ في نتائج استخدام تكتيك جديد أو سلاح جديد، علينا الانتظار ونرى مدى نجاح هذا الأسلوب الجديد في الحرب.

جمانة نمور: فكرة أن تكون مرحلة تجريبية، وهذه مرحلة جديدة نجرّب فيها ملفتة جداً للنظر. دكتور وليد، مصنّعو الأسلحة عادة يجدون ربما فرص في تجارب معينة، حسب ما فهمنا أيضاً من العميد الركن في بداية الحلقة، أنه ربما كان يعتقد أن هناك أكثر من هدف، ليس فقط أمني لاستخدام هذه الطائرات، قد يكون موضوع التجارب، وقد يكون رسالة لإيران. ما تعليقك على هاتين النقطتين؟

وليد الزبيدي: في الواقع، المناطق العراقية التي يحصل فيها القتال بين فصائل المقاومة وقوات الاحتلال مناطق غالبيتها زراعية، وللأسف الشديد، تقصير وسائل الإعلام، وعدم بث النشاطات والعمليات البطولية للمقاومة، يجعل الكثير من المتابعين، بما فيهم السيد المتحدِّث، غير عارف بما يحصل على أرض الواقع. وعلى سبيل المثال، أُتيحت لي فرصة أن أشاهد قبل أيام نشاط جيش الراشدين في فيلم طويل لمدة ساعة، في المئات من العمليات في الأراضي الزراعية، التي أرغمت قوات الاحتلال على الخوف والتراجع، بما في ذلك الإعلان عن مقتل قائد المنطقة الشمالية والمنطقة الجنوبية. والسيد العميد أشار إلى الجهد الاستخباري، نعم، هذا موجود، وبالتالي أفشلوا حركتهم، وجعلوا حالة الرعب واليأس لدى قوات الاحتلال والهلع أيضاً تصل إلى أعلى درجاتها، وسجل عام 2007 أعلى درجات الانتحار بين قوات الاحتلال. هذه الأمور كلها تجعل من القوات الأميركية أن تضع فصائل المقاومة وقواتها وكأنها الاتحاد السوفيتي في الزمن السابق، فتلجأ إلى استخدام أعلى مراحل القوة لديها، وهو طائرة الـ B1. أما التداعيات السياسية، فأنا أعتقد أنها تنحصر في الرؤية الخاصة الآن بالبيت الأبيض والبنتاغون، وهو إدراكهم أنهم انهزموا هزيمة كاملة في العراق، وهم في المرحلة الأخيرة، أمام الجهد الكبير لفصائل المقاومة. وكما قلت، إن التقصير الإعلامي كبير، بما في ذلك قناة الجزيرة، التي للأسف أهملت كثيراً حتى اللقطات البسيطة للعمليات الكبرى للفصائل التي تُصدر، مثل كتائب ثورة العشرين، وجيش المجاهدين، وغير ذلك، وتذهب باتجاه عرض لقطات أخرى ربما لا تجد حتى صدى في الشارع العراقي. كل ذلك أنا أعتقد أن له دلالات كثيرة، خاصة فيما يتعلق بالنتائج التي تحققت خلال الأربع سنوات ونصف من جهد المقاومة في العراق، والذي يدلل ويعلن بصورة كاملة نجاح المقاومة...

جمانة نمور(مقاطعةً): من الملفت أن العميد الركن، وهو الخبير العسكري، تحدث عن أهداف إستراتيجية، تحدث عن أهداف إستراتيجية رسائل سياسية، في حين أن الدكتور وليد والسيد رياض يصرّان على موضوع الزاوية العسكرية فقط. ولكن سيد رياض، الولايات المتحدة تعيش سنة انتخابية، وكل المحللين يُجمعون على أن ما يجري في العراق الآن هو أحد هذه الأوراق الانتخابية. هل استخدام الـ B1 يمكن أن يكون أحد أهدافه رسالة داخلية، نحن ما زلنا أقوياء، نستطيع أن ندافع عن أمننا القومي من البوابة العراقية أمام الإرهاب، وما إلى ذلك، هذا الخطاب الجمهوري؟

رياض قهوجي: يعني فقط وبسرعة قبل أن أجيب على سؤالك الآن، أريد أن أشير إلى الأمر، أنني أجبت..

جمانة نمور(مقاطعةً):و ليكن الجواب بسرعة لو سمحت، تفضل.

رياض قهوجي(متابعاً): بس بالنسبة لموضوع الأسئلة التي سألتِني إياها عن الموضو ع العسكري، أنا كنت أجيب عليك بشكل مجرد، كخبير في الشؤون العسكرية فقط، وليس لي.. يعني آخذ موقف حيادي مع هذا الطرف أو الطرف الآخر. بالنسبة لسؤالك، طبعاً هناك يعني مرشحين مثل جون ماكين وغيرهم، من الذين أيدوا الزيادة في عدد القوات، والحسم العسكري، من أجل أهداف حسم عسكري داخل العراق قبل سحب القوات، وهناك مرشحين عارضوا هذا الأمر. الجمهوريون هم كانوا أقرب لدعم  وزيادة عدد القوات، وإدخال الـ B1 لتحسين فرص الحسم العسكري. وحسم الوضع في العراق، طبعاً سيكون في صالح المرشحين الجمهوريين في الانتخابات الأميركية.

جمانة نمور: شكراً لك السيد رياض قهوجي مدير مركز الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري، ونشكر الكاتب والصحفي العراقي الدكتور وليد الزبيدي، ونشكركم مشاهدينا على متايعة حلقة اليوم من ما رواء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم. اقتراحاتكم ننتظرها على موقعنا الإلكتروني

indepth@aljazeera.net

إلى اللقاء.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة