المعهد العربي لحقوق الإنسان   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيوف الحلقة - د. الطيب البكوش، رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان- تونس
تاريخ الحلقة 18/05/1999







الطيب البكوش
محمد كريشان
محمد كريشان:

سيد طيب البكوش، أهلاً وسهلاً.

د. الطيب البكوش:

أهلاً وسهلاً.

محمد كريشان:

عشر سنوات تمر على إنشاء المعهد العربي لحقوق الإنسان. هذا المعهد الذي ترأسونه في تونس، والمعهد كان من أهدافه الرئيسية نشر المعرفة بحقوق الإنسان، ونشر أكثر ما يمكن من الوعي بالحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية بعد العشر سنوات إلى مدى وصلتم في هذا الهدف؟

د. الطيب البكوش:

في هذه السنوات العشر يمكن أن نقول أنه قد وقع تحقيق الكثير من حيث الأهداف التي رسمت للمعهد عند إنشاءه، ومن قِبَل منشئيه، وبهذه المناسبة قد يكون من الاعتراف بالجميل لمن فكر أو لمن خطر بباله إنشاء المعهد وهو المرحوم منذر عنبتاوي الذي كان مسؤولاً في المنتظم الأممي، وخبيراً أممي، وكان أيضاً في المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وهو صاحب فكرة إنشاء المعهد لسبب -في الواقع- بسيط وهو أن المنظمات غير الحكومية التي تهتم بالساحة العربية بحقوق الإنسان هي منظمات ميدانية، لكن مشاغلها ومسؤولياتها والمشاكل اليومية التي تعترضها لا تسمح لها بأن تقوم بأعمال من قبيل نشر ثقافة حقوق الإنسان.

مثلاً هذه المنظمات الثلاثة التي أنشأت المعهد هي المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومقرها في القاهرة واتحاد محامين العرب ومقره أيضاً في القاهرة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. فالمرحوم منذر عنبتاوي اقترح إنشاء معهد تكونه هذه المنظمات، ويكون دوره نشر ثقافة حقوق الإنسان عن طريق التربية، عن طريق الدراسات والتوثيق، وأساساً عن طريق التربية والتدريب لنشر الوعي بحقوق الإنسان، ونشر ثقافة حقوق الإنسان في الوطن العربي.

وعندما أنشئ المعهد إذن اقترح هو أيضاً أن يكون مقره تونس، ولقي المعهد الترحاب من قبل السلطات التونسية، وفي مقدمتها رئيس الدولة التونسية زين العابدين بن علي الذي رحب بالفكرة، ومنح بنفسه رخصة إنشاء هذا المعهد في تونس، وشجع المعهد مادياً وأدبياً في انطلاقته، وهذا كله قد مكنه من أن يحقق عملاً كبيراً يمكن أن نرجعه إلى أربعة محاور كبرى:

المحور الرئيسي هو التربية والتدريب، التربية والتدريب مفهومان متكاملان .. فالتدريب هو تدريب نشطاء حقوق الإنسان في مختلف المنظمات العربية، وهي منظمات متنوعة ذات اختصاصات متنوعة، منها ما هو دفاعي، منها ما يتعلق .. ما يهتم بقضايا الطفولة، منها ما يهتم بقضايا المرأة، منها ما يهتم بقضايا البيئة إلى آخره .. وكذلك فروع الاتحاد، اتحاد محامين، وهي جمعيات المحامين، نقابة المحامين.

فهذه الجمعيات -بمختلف أنواعها- ساهم المعهد في تكوين الكثير من أُطرها وبلغ عدد الذين شاركوا في دورات التدريب التي نظمها المعهد العربي ما يقارب الألف في هذه السنوات العشر، وهذه الدورات التدريبية منها ما هو قومي، أي دورة يلتقي فيها ممثلون عن مختلف المنظمات من سائر البلاد العربية، ومنها ما هو جهاوي -إن شئنا- مشارقي أو مغاربي، ومنها ما هو وطني أي نشطاء في منظمات حقوق الإنسان في بلدٍ عربي ما، ويقع التدريب في نفس المكان في البلد.

محمد كريشان:

إذن المعهد -رغم أنه من بين أهدافه تطوير حقوق الإنسان وتعزيزها ودعم ومؤسسات المجتمع المدني وغيره من الأهداف- لا يهتم بحقوق الإنسان أو الدفاع عنها بمفهومها اليوم، يعني اعتقالات أو بعض تجاوزات قانونية .. يهتم فقط بنشر المعرفة ونشر الثقافة.

د. الطيب البكوش:

فعلاً، فعلاً، فالمنظمات المؤسسة، وهي التي يتكون منها أساساً مجلس الإدارة ومجلس إدارة المعهد يتكون من ثلاثة ممثلين عن كل منظمة مؤسسة، بالإضافة إلى عضوين ملاحظين: عضو يمثل المفوضية السامية للأمم المتحدة التي كانت قبل ذلك -عند تأسيس المعهد- كانت مركز الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (بجنيف) و(اليونسكو) ويوجد بالطبع عضو آخر هو منسق الهيئة العلمية.

لكن هذا هو مجلس الإدارة، فمجلس الإدارة المتكون أساساً من ممثلي المنظمات المؤسسة قد ضبط أهداف المعهد. فالمعهد لا يهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان، لا يهتم بإصدار موقف يتعلق بانتهاك من انتهاكات حقوق الإنسان، فهذا ليس من مشمولاته، وليس له أن يقوم بذلك حتى لا تختلط الأمور، بل قد حرصنا أكثر من ذلك على أن نجتنب الخلط بين المسؤوليات، من يتحمل مسؤولية المعهد لا يكون –إن شئنا– نشيطاً في منظمة دفاعية حتى لا تختلط الأشياء، وحتى يبقى دور المعهد دوراً تدريبياً تثقيفياً تربوياً علمياً، يقوم بالدراسات، بالبحث.

فهذا التدريب الذي أشرت إليه له جانب آخر، وجه آخر مكمل وهو التربية على حقوق الإنسان، وذلك بالاهتمام بحقوق الإنسان من حيث هي إما مادة تربوية بصفة مباشرة كأن تكون مثلاً مدرجة ضمن برامج تعليم، أو أن تكون قيمها متوفرة حاضرة في الكتب والبرامج المدرسية بصفة غير مباشرة...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

يعني هل تسعون لذلك بشكل خاص؟

د. الطيب البكوش:

نسعى لذلك؟

محمد كريشان:

يعني هل تكتفون بدراسة الوضع، أم تسعون لإدراج هذه المادة في البرامج التعليمية العربية؟

د. الطيب البكوش:

نقوم بالعملين معاً، أي قبل أن نقوم بشيء نَدْرس الوضع، ندرس الواقع ما هو حتى نعرف بالضبط ما الذي يجب القيام به، أو ما هي المقترحات والتوصيات التي نقدمها -إن شئنا- لمن هم أولي الأمر –إن شئنا– الذين بيدهم القرار السياسي.

فعلى سبيل المثال حتى لا يكون هذا الكلام نظرياً –مثلاً– قبل أن نقترح شيئاً يتعلق ببرامج تربية قمنا بدراسة لما يقارب 600 كتاب مدرسي في تسعة أقطار عربية من بين الأقطار المصادقة على العهدين الدوليين، أي التي صادقت على المواثيق الدولية بصفة عمل أساسية في مجال حقوق الإنسان، لكي نتبين هل إن ما يوجد في برامج وكتب هذه البلدان التربوية، هل يتناسب مع المواثيق الدولية التي صادقت عليها؟ والغاية ليس النقد إنما الغاية هي معرفة الواقع.

محمد كريشان:

وإلى ماذا توصلتم يعني؟

د. الطيب البكوش:

توصلنا إلى أنه يوجد تفاوت بين الأقطار العربية في ذلك، توجد بلدان قامت بمجهود في مراجعة البرامج والكتب جعلها تقترب أكثر من المبادئ والقيم التي صادقت عيها في المواثيق الدولية. على سبيل المثال البرامج والكتب المستعملة في المغرب وفي تونس قد تحسنت كثيراً بالنسبة إلى ما كانت عليه من قبل في أقطار عربية أخرى قد وقع الشروع في هذا العمل بتكوين لجان عندما قدمنا نتائج هذه الدراسات قدمناها في ندوة عقدناها ببيروت في شهر 11 من سنة 97.

قدمنا نتائج هذه الدراسات، ولم ندعو فقط الخبراء وممثلي المنظمات غير الحكومية، بل دعونا ممثلي جميع وزارات التربية العربية، لا فقط وزارات التربية في البلدان التي وقعت دراستها، وإنما كذلك في جميع البلدان العربية الأخرى. وحضر عدد كبير من ممثلي البلدان العربية ووزارات التربية في هذه الندوة، واستمعوا إلى نتائج هذه الدراسات، وكان لها صدىً طيب.

مثلاً اتصلت بنا بعض الوزارات لتطلب منا نتائج الدراسات الخاصة بالبلد لتكوين لجنة لمراجعة البرامج والكتب. حدث هذا في الأردن وفي اليمن، وتكونت لجان أيضاً في مصر وفي لبنان. فإذن توجد حركية في ذلك...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

يعني هناك صدى، لا يعتبر المعهد يعني يعمل بمعزل عن..

د. الطيب البكوش[مستأنفاً]:

ونحن دائماً نسعى إلى تشريك ممثلي الحكومات في جميع الأعمال التي نقوم بها هذا لأننا نعتقد الغاية هي أن نحسن أوضاع حقوق الإنسان، أن ننشر ثقافة حقوق الإنسان. وإذن ليس بالضرورة النقد فهذا ليس دورنا، وإنما هو بمعرفة واقع وتقديم مقترحات عملية، وتقديم المساعدة الفنية أيضاً عند الاقتدار لمن يطلبها منا في ذلك.

محمد كريشان:

ولكن هل تراهنون أكثر على تحسيس السلطات العربية سواء كتربية، كإعلام كغيرها من المؤسسات بثقافة حقوق الإنسان، أم تراهنون أكثر على الرأي العام، أم لا تناقض بين هذا وذاك؟

د. الطيب البكوش:

أولاً: لا تناقض بين هذا وذاك الرأي العام -إن شئنا – كيف يمكن الوصول إليه؟ نحن لا نقوم بالدعاية لما تقوم به، فعندما نقوم بنشاط وسائل الإعلام تتولى الإعلام بذلك النشاط والرأي العام يواكب ذلك النشاط أو يقوِّمه، أو يأخذ فكرةً عنه عن طريق وسائل الإعلام.

فنحن ليست لنا وسائل خاصة في ذلك، ونعطي قيمة كبرى بوسائل الإعلام في هذا المجال، وهو ما يفسر –مثلاً – أننا الآن بصدد الشروع في برنامج هام كبير يدوم –على الأقل- سنتين كمرحلة أولى، عقد أمضيناه مع اتحاد الصحفيين العرب ومقره في القاهرة، وهذا العقد ينطلق العمل به هذه السنة من أجل القيام بدراسات عن واقع حقوق الإنسان في وسائل الإعلام العربية المكتوبة والمسموعة والمرئية.

ونتائج هذه الدراسات ستمكننا من أن نضبط برامج لتكوين الصحفيين في مجال حقوق الإنسان تكويناً يمكنهم من أن يدمجوا حقوق الإنسان في ما يكتبون في الصحافة، وهذا التكوين سوف يتبع بمسابقات وجوائز سنوية لأحسن البرامج والمقالات الصحفية أو الإذاعية أو التلفزية المتعلقة بحقوق الإنسان. فهذا مثلاً مما يدل على اهتمامنا بقطاع الإعلام ولاقتناعنا أيضاً بأن قطاع الإعلام هام جداً في نشر الوعي بحقوق الإنسان وثقافة حقوق الإنسان.

الإعلام بالنسبة للرأي العام، لكن في المجال التربوي تعليم ابتدائي، أو تعليم ثانوي أو تعليم جامعي، فإن حقوق الإنسان يمكن أن تكون موضوع مادة تدرس بذاتها في مستوى من المستويات وخاصة في المستويات الجامعية، أما بالنسبة إلى المستويات الأخرى -وخاصة المستوي الأساسي، الابتدائي أو الأساسي- فإن النصوص التي تختار –مثلاً– كتب النصوص التي تشرح في القسم أو كذلك البرامج .. برامج التاريخ أو الجغرافيا أو برامج التربية الدينية أو التربية المدنية أو التربية الوطنية، كلها يمكن أن تكيف بشكل يجعل محتوى هذه البرامج لا يتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان، لأن في بعض الأحيان نجد ما يناقض ذلك.

محمد كريشان:

هو ربما -أستاذ طيب- يعني أحياناً واقع حقوق الإنسان في البلاد العربية على الأقل كما يصور في تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية ليس واقعاً مشرقاً في عديد الأقطار، رغم عدم اهتمامكم بهذا الموضوع وحرصكم على نشر ثقافة حقوق الإنسان. هل تشعرون بأن هناك معضلة ما في –ربما– إذا ما تواصلت الممارسات بشكل قد لا يتفق مع المعايير الدولية، مع حرصكم الشديد على نشر ثقافة حقوق الإنسان ربما يخلق وضع نشاز -إلى حدٍ ما – بين واقع تعليمي أو واقع ندوات أو غيرها من التحسيس بأهمية حقوق الإنسان –وهذه مسألة هامة- وبين واقع قد لا ينسجم، أم هذه المسألة لا تضير في التكوين؟

د. الطيب البكوش:

في الحقيقة القضية لا تطرح -في نظري- في مستوى انسجام أو تناقض، وإنما تطرح في إطار حركية، فنشر ثقافة حقوق الإنسان وتربية النشء وتربية الأطفال على ذلك .. هؤلاء الأطفال هم رجال المستقبل ونساء المستقبل، فتربيتهم من هذه الزاوية ستجعل منهم رجالاً ونساءً –أيضاً– يحترمون حقوق الإنسان سواء أكان الأمر في عائلاتهم أو في أوساطهم العائلة أو الاجتماعية أو الأوساط المهنية، فالأمور مترابطة.

من لم يتربَ على ذلك في المنزل وفي المدرسة فلا يمكن أن يتربى على ذلك في المجتمع فقط، يوجد ترابط ويوجد تكامل، ولهذا نعتقد أن العمل يجب أن يكون متوازياً، هذا من ناحية. من ناحية أخرى ما يوجد من انتهاكات لحقوق الإنسان في المجتمع بصفة عامة سواء أكانت مصادره سلط أو كانت قوى سياسية أو كانت قوى أخرى متنوعة فكل ذلك أولاً يجب تنسيبه، ويجب أن ننظر إليه نظرة نسبية.

أولاً: لا يوجد بلد خالية من انتهاكات حقوق الإنسان مهما كان هذا البلد، ومهما ادعى أنه يدافع عن حقوق الإنسان. مثلاً (الولايات المتحدة الأمريكية) تعتبر نفسها زعيمة حقوق الإنسان، نقرأ التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية حول حقوق الإنسان في الولايات المتحدة فتعجب أحياناً كثير من الأشكال والانتهاكات التي قد نظن أنها لا يمكن أن تحدث في بلدٍ مثل هذا البلد.

محمد كريشان:

صحيح.

د. الطيب البكوش:

إذن فتوجد انتهاكات في كل مكان، المهم ما هو؟ المهم ليس أن تقول بما أنها توجد في بلدٍ مثل أمريكا، فإذن نغض الطرف عنها في بلدان أخرى. هذا الطرح خطأ، المهم هو أنه حيث تكون وحيث تحدث هذه الانتهاكات فإن المجتمع السليم هو المجتمع الذي تتوفر فيه المؤسسات والآليات التي تمكن من الحد من تلك الانتهاكات أو من إصلاحها ووضع حدٍ لها عند الاقتضاء.

أي إن المسألة إذن تتعلق بما يتوفر في مجتمع من مؤسسات ومن قوانين ومن آليات حماية، حماية ووقاية في ذات الوقت، لأن حقوق الإنسان لا يجب أن تعالج بالحماية فحسب، يجب أن تعالج بالحماية والوقاية. وهنا يكمن التكامل بيننا .. بين المعهد العربي وبين منظماته المؤسسة، هي تقوم بالحماية، نحن نقوم بعمل وقائي.

محمد كريشان:

من ضمن الوقاية، هناك حرص شديد على الأطفال وعلى النشء وعبر برامج التربية وحتى عبر إقامة ندوات وورشات عمل، هل تراهنون أكثر على الطفل العربي أكثر من غيره؟ هل تعتبرون بأن عمل المعهد عمل ربما متوسط المدى أو حتى بعيد المدى فيما يتعلق بالرأي العام العربي والناس بشكل عام؟ هل تراهنون على الطفل بشكل واضح؟

د. الطيب البكوش:

نراهن على الطفل بشكل واضح بطبيعة الحال باعتبار أن جزءاً هاماً من عملنا يتوجه إلى التربية، يتوجه إلى الكتب المدرسية، إلى البرامج المدرسية، إلى رجال التعليم. مثلاً البرنامج الذي كنت أتحدث عنه منذ حين الذي كان منطلقه دراسة مئات من الكتب المدرسية في الأقطار العربية، وقدمنا نتائجها إلى ممثلي الوزارات، وإلى ممثلي المنظمات والخبراء.

هذا العمل سيتبع بمرحلة ثالثة بعد أسابيع في شهر خمسة بالمغرب الأقصى سوف نقوم بدورة تدريبية موجهة لرجال التربية العرب وواضعين البرامج والكتب المدرسية في وزارات التربية العربية لندربهم على كيفية إدراج مادة حقوق الإنسان أو بيان حقوق الإنسان في البرامج والكتب المدرسية، كيف يمكن أن ندرس حقوق الإنسان؟

فهذا العمل إذن يكمل العمل الذي قمنا به –التحسيس الأول– سيتلى بمرحلة رابعة هي صياغة دلائل حقوق الإنسان كتب فيها تقديم لمادة حقوق الإنسان بشكل نموذجي، حتى يستوحي منها واضعو الكتب والبرامج فيما يضعون في بلدانهم إذن –كما نرى- هو عمل مندمج...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

متواصل الحلقات.

د. الطيب البكوش:

متواصل الحلقات، ولا يقف عند حد وإنما كل مرحلة تُكمِّل الأخرى.

محمد كريشان:

هل تجدون بعض الاختلافات في ما يتعلق بتصور كل طرف لتدريس مادة حقوق الإنسان أو لقيم حقوق الإنسان؟ بالنسبة للمعهد المرجعية الأساسية هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عندما تسعون إلى غرس قيم حقوق الإنسان في المناهج التربوية أو كذا. نعلم أنه أحياناً لكل دولة عربية تصوراتها أو فهمها لحقوق الإنسان أو لطبيعة القيم الموجودة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هل هناك جدل أم تسعون لتكييف هذا الموضوع بحيث يقع الاتفاق على الحد الأدنى -على الأقل- المعروف دولياً؟

د. الطيب البكوش:

المسألة التي أثرتها مسألة هامة جداً، هذا نلاحظه في جميع الندوات والدورات التي ننظمها، وكثيراً ما نسمع بأن الذين يحضرون يشاركون عادة نحرص على أن يكونوا من مختلف البلدان العربية للتنوع، ولأننا معهد عربي موجه لجميع الأقطار العربية، بل أكثر من ذلك نحن نعمل في المنطقة العربية، ولكن أيضاً بالتعاون حتى مع المنظمات الإفريقية والمتوسطية، لكن المعهد معهد عربي إقليمي.

فنلاحظ دائماً قيام نوع من النقاش أو الجدل حول هذه النقطة، فالبعض يعتبر أن المرجعية الكونية لحقوق الإنسان التي يعتمدها المعهد، أي باعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، وخاصة المكملة للإعلان العالم كالعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدينة والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي صدرت سنة 1966م. هذه النصوص الأساسية تمثل المرجعية، الكونية لحقوق الإنسان.

بعض الناس يظنون أن هذه المرجعية تتناقض –مثلاً- والمرجعية الدينية سواء كانت بالنسبة للإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو حتى ديانات كالبوذية وغيرها. فنحن نعتقد أن هذه المرجعيات لا تتناقض جوهرياً ولا تتناقض في المقاصد، قد تختلف في بعض النقاط الجزئية، في المستوى الإجرائي أو في الأسلوب أو في طريقة تقديم الأشياء، لكن جوهرياً لا يمكن أن تتناقض في مستوى القيم.

فقيم كالحرية والكرامة واحترام الذات البشرية واحترام وحرية التفكير وحرية التعبير، هذه القيم لا يمكن أن تختلف فيها الثقافات. من ناحية أخرى فإن قيم حقوق الإنسان -كما نتصورها- ليست -كما يبدو للبعض- منتمية إلى حضارة دون أخرى أو كما يوجد الآن وهم -في تصورنا- وهم أنها غربية وأنها حصيلة الثقافة الغربية. قيم حقوق الإنسان في مرجعيتها الكونية حالياً هي في الحقيقة حصيلة ثقافات بشرية متعددة متتابعة متفاعلة متراكمة شرقية وغربية.

الحضارة الغربية نفسها –كما هو معروف- هي وريثة حضارات شرقية. فإذن لا يمكن أن نقابل بين قيم حقوق الإنسان في بعدها الكوني وبين الثقافات الخاصة فنظن أنها متناقضة، وكأنما بعض الجزئيات تُغطَّى عنا، كالشجرة التي تغطي الغابة كما يقال. فنحن نعتقد أن ثقافة حقوق الإنسان في بعدها الكوني ليست ملكاً غربياً، بل هي إرث مشترك للبشر جميعاً، وفيها آثار وعلامات وتراكمات من مختلف الثقافات والحضارات البشرية بما في ذلك الديانات جميعاً.

ولهذا فنحن ننظر إليها من هذه الزاوية، ولا نعتبرها مناقضة لقيم دينية أو لقيم حضارية خاصة.

محمد كريشان:

ولكن كمعهد عربي –يعني– هل لديكم .. لا أقول تصور عربي لحقوق الإنسان ولكن هل لديكم قضايا قد تركزون عليها أكثر من غيرها يعني باعتبار المعهد ينشط في البلاد العربية ويسمى أصلاً المعهد العربي؟ هل هناك خصوصية في التعامل مع المسألة؟

د. الطيب البكوش:

توجد بالطبع خصوصية تراعي أوضاع البلاد العربية في هذا المجال. مثلاً القطاعات والمجالات التي نهتم بها ليست القطاعات والمجالات التي يقع الاهتمام بها في أمريكا أو في السويد نراعي الأوضاع العربية، ونأخذها بعين الاعتبار ونقوم بدراستها أولاً لمعرفة واقعها، ولذلك فمن الطبيعي أن نجعل برامجنا ومناهجنا متلائمة والأوضاع العربية بحكم أننا معهد عربي.

محمد كريشان:

رغم الطابع المعرفي والتثقيفي للمعهد، هل هناك بعض الحذر الرسمي في التعامل معه؟ أنا أطرح هذا السؤال لأن يفترض بأن هذا المعهد معهد عربي، ويشارك في تمويله أكثر من جهة عربية، ولكن من يرى قائمة الدولة التي تشارك في تمويل المعهد بشكل متفاوت أيضاً تونس، الأردن، سوريا، اليمن، أربع دول فقط من بين أكثر من 20 دولة عربية لا يطرح نقطة استفهام؟

د. الطيب البكوش:

يطرح إشكالاً، وهذا الإشكال يجب تناوله بصفة موضوعية. فالمعهد عندما تأسس كان التشجيع الأول الأساسي من دولة عربية هي دولة المقر تونس، شجعته واحتضنته ودعمته مادياً وأدبياً ودولياً. كان التشجيع المادي والأدبي من مركز الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بجنيف ومن اليونسكو. هذا المنطلق -فيما بعد- تنوعت –إن شئنا- أشكال الدعم ومصادره –نسبياً– لم تتغير جوهرياً، فيما بعد تدعمت مثلاً بأن المرحوم الملك (حسين) قد ساعد أيضاً المعهد بصفة منتظمة ولم يتجاوز الأمر ذلك في مستوى -إن شئنا- المصادر العربية الرسمية، لكن يوجد أيضاً عرب قدموا مساعدات للمعهد في مناسبات...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

كأفراد؟

د. الطيب البكوش:

كأفراد .. الأمير (طلال) قدم دعماً للمعهد منذ سنوات، الأميرة (سعاد الصباح) قدمت كذلك دعماً للمعهد، أخيراً على إثر مبادرة قمت بها عندما تحملت مسؤولية رئاسة مجلس إدارة المعهد دعوت جميع السفراء العرب المعتمدين بتونس لزيارة المعهد والإطلاع -عن كثب- على برامجه وأهدافه ومنشوراته وأعماله، ودار نقاش مع السفراء العرب أو ممثليهم بحضور الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية الأستاذ مأمون حشاد رئيس مركز تونس، وبتشجيع منه وكذلك من عميد السفراء وهو سفير الأردن النقاش الذي دار مَكَّن السفراء من أن يطلعوا على حقيقة المعهد وعلى وظيفته وعلى أهدافه وبرامجه.

ونتج عن ذلك أن بدأت بعض الدول العربية تفكر في مساعدة المعهد وتشجيعه مثلاً الدولة السورية، الدولة اليمنية قررت كلتاهما تقديم مساعدة سنوية للمعهد، يوجد –أيضاً– وعد من السلط المغربية، ونأمل أن يتوسع ذلك، وأن يشمل جميع الأقطار العربية والدول العربية، وليس فقط دول بل أيضاً المؤسسات المالية العربية، البنوك العربية.

فنعتقد أن من واجبها أن تدعم المعهد العربي حتى يكون معهداً عربياً أيضاً في تمويله، فلا يعقل أن تكون المساهمة العربية فيه لا تتجاوز 5% كما هو شأنه الآن. الآن جل التمويل هو إما من أكبر نسبة من التمويل من الأمم المتحدة، بالطبع من اللجنة الأوروبية، من بعض المؤسسات الاسكندنافية مثلاً (إيكو) الهولندية. من الدول لا توجد إلا دولتان غير عربيتين هما: الدولة السويسرية والدولة الهولندية، لأن لجنة حقوق الإنسان في وزارة الخارجية لهذه الدول لها ميزانية لتشجيع –إن شئنا– لتشجيع التربية على حقوق الإنسان والقيام بأنشطة من هذا القبيل.

فقد ساهمت هذه المؤسسات -وهي لجان حقوق الإنسان في وزارات التابعة لوزارة الخارجية بدولتي سويسرا وهولندا- في بعض المشاريع .. تمويل مشاريع يعني.

محمد كريشان:

تمويل مشاريع؟

د. الطيب البكوش:

نعم.

محمد كريشان:

أشرت إلى الأمير طلال والأميرة سعاد الصباح، هل مازال هناك بعض أو هل هناك التحفظ الخليجي في التعامل مع المعهد العربي؟ يعني لم نرَ لا من ضمن الندوات ولا من ضمن النشاطات التي قام بها المعهد سواء كان كدورات تدريبية أو غيره مشاركة، أو لنقل لم تحتضن أي دولة خليجية أية نشاط المعهد، يعني هل لديكم حرص معين على..؟

د. الطيب البكوش:

نحن حريصون على أن نقوم بأنشطتنا في جميع البلدان العربية. إلى حد الآن ما قمنا به من نشاط قد تم في البلدان التالية: في موريتانيا، في المغرب، في الجزائر، في تونس، في مصر، في الأردن، في لبنان، في اليمن، هذه هي البلدان التي تمت فيها أنشطة، لكن المشاركين في هذه الدورات أو الندوات هم من جميع البلدان العربية تقريباً لا يوجد بلد عربي لم يشارك منه أحد.

محمد كريشان:

آه، ليس هناك تحفظ على مستوى المشاركة.

د. الطيب البكوش:

لا، أبداً، فنحن نُشرك جميع من يرغب في المشاركة في ندواتنا أو في دوراتنا من أي قطر عربي بدون أي تفاضل أو ميز أو شيء من هذا القبيل، بل بالعكس نشجع من يأتي من بلدان لم تشارك بصفة كافية، ونحن حريصون على أن نقوم أيضاً بنشاط في أقطار عربية أخرى لم نقوم بها، ولكن بطبيعة الحال لا يمكن أن نقوم بذلك إلا إذا ما دعينا أو إذا ما استضفنا.

والاستضافة ليس معناه بالضرورة تحمل المصاريف، فنحن –أحياناً– لا نطلب إلا مساعدات لوجستيكية من شأنه فقط تسهيل دخول البلاد، التأشيرات أو شيء من هذا القبيل، ومثلاً ندعو وزيراً للإشراف، فلا نطلب شيئاً كثيراً. بودنا أن نجد دعماً أيضاً مادياً، ولكن نستطيع أن نقوم بدورات بدون أن تقع مساعدة أكثر مما يجب -إن شئنا- أو أكثر مما هو محتمل في بعض الأحيان، بالعكس نأتي بالتمويل الذي نغطي به المصاريف في البلد المعني بالأمر.

محمد كريشان:

للمعهد العربي –أيضاً- إصدارات عديدة، سواء الندوات بعد انتهائها، أو كأعمال مستقلة كبحوث، كدراسات، ككتب، ما هو حجم انتشار هذه المواد؟ يعني هل يمكن أن تعوض لدى بعض الدول –على الأقل- وجود ندوات أو غيرها؟ هل إصدارات المعهد العربي على مستوى الرواج، تلقى حظوظاً لا بأس بها؟

د. الطيب البكوش:

الإصدارات تكاد تنفذ في كل مرة، لأن المشاركين في الدورات وفي الندوات يأخذون نسخاً من كل ما يصدره المعهد، المنظمات العربية التي تطلب منشوراتنا تتلقى هذه المنشورات كذلك، بالإضافة إلى هذا تباع في الأسواق المجلة العربية مثلاً، بالإضافة إلى الاشتراكات وما إلى ذلك، فإنها تباع في نقاط بيع متعددة في المغرب، في مصر، في لبنان، في تونس، في عدة أقطار عربية، حيث وجدنا من هو مستعد للقيام بعملية التوزيع والترويج.

فإذن هي منشورات تباع، والكثير من هذه المنشورات قد نفذت. إذن الرواج موجود، وليس ثَمَّة إشكال من هذه الناحية، المسألة هي فقط في أنه توجد بعض الأقطار العربية التي لم تعبر عن استعدادها للتعاون معنا في ذلك سواء كان بتنظيم الندوات أو بتنظيم دورات تدريبية. فنحن مستعدون –كما قلت- في تنظيم دورات تدريبية، ودوراتنا التدريبية ليست خاصة بالمنظمات غير الحكومية، بل نحن نشرك أيضاً ممثلين عن منظمات حكومية لاعتقادنا بأن التعاون بين المنظمات غير الحكومية والمنظمات والمؤسسات الحكومية ضروري لنشر ثقافة حقوق الإنسان، ولدعم حقوق الإنسان في الوطن العربي.

لا يمكن أن تبقى لنا فقط صورة صراع منظمة تدافع عن حقوق الإنسان، وتنقد السلط التي تنتهك حقوق الإنسان، ويقف الأمر عند هذا الحد. نحن نتصور الدفاع عن حقوق الإنسان يتم بالتعاون أساساً بطبيعة الحال، عندنا توجد سلطة تنتهك حقوق الإنسان وترفض التعاون، فلا نستغرب أن المنظمات عند ذلك تتخذ منها موقفاً.

ولكن ليس هذا الموقف يجب أن يؤول على أنه موقف عدائي، موقف نقد، يجب أن يؤخذ على هذا الأساس، وأن يكون أيضاً مصاغاً صياغة من هذا القبيل، أي هو نقد غايته الإصلاح.

محمد كريشان:

يعني هذا التعاون الذي أشرتم إليه، يعني مثلاً على صعيد برامج التعليم أثرنا الموضوع منذ حين، ولكن عندما تقتربون من وزارات سيادة -كما يقال- وزارات الداخلية، العدل، هل قمتم –مثلاً- بعمليات تحسيسية لدى السلطات العربية فيما يتعلق بهذا المجال موضوع السجون .. موضوع الاعتقال، موضوع.. ليس فقط القضية قضية نشء وأطفال وجيل جديد مشبع بهذه القيم، ولكن أيضاً هنا سلطات يجب أن تثقف أيضاً؟

د. الطيب البكوش:

قمنا بنشاط من هذا القبيل يتعلق بالسجون ويتعلق بظروف الاعتقال، ودعونا ممثلي وزارات العدل، وقمنا في بعض الأقطار العربية بأنشطة من هذا القبيل بالتعاون مع وزارة العدل، فلا يوجد ميدان -إن شئنا- لم نهتم به، فنحن نسعى إلى أن نهتم بجميع المجالات ونشرك في كل مجال الوزارات المقابلة المعنية به، إن كان الأمر يتعلق بالعدالة وبالسجون إلى آخره كوزارة العدل ووزارة الداخلية، إن كان ما يتعلق بالتربية فوزارة التربية، بطبعة الحال إن كان يتعلق بالطفولة فوزارة الشباب والطفولة إلى آخره، إن كان يتعلق بالمرأة إن كانت توجد وزارة مرأة أو إدارات في صلب وزارة الشؤون الاجتماعية مثلاً إلى آخره.

في كل مرة عندما نقوم بنشاط ندعو ممثلي الوزارات المقابلة المعنية بتلك القضية للتحسيس، ولكي تتطلع على ما نقوم به، ولكي نحسسها بضرورة إدخال الإصلاحات الضرورية. أحيانا لا يكون ثَمَّة وعي فقط بالقضية، فحين يحضر ممثل عن الوزارة يحصل وعي بوجود إشكال، بوجود قضية، وهذا من شأنه أن يطور الأوضاع نحو الأفضل بطبيعة الحال.

محمد كريشان:

يعني هل تلحظون بعض التجاوب؟ يعني ربما العون مع وزارات من هذا القبيل فيه بعض الحساسية بالنسبة للدول العربية، يعني ربما ترفض بعض الدول أن –بين قوسين- تلقن دروس في حقوق الإنسان، أو في كيفية التعامل مع المعارضين السياسيين، أو غيرهم، هل تشعرون بهذه النقطة؟ ربما لا يكون الأمر بتلك السهولة عندما يتعلق الأمر بالطفولة أو ندوة حول الطفولة.

د. الطيب البكوش:

نحن لانطرح القضية على أساس أنها تلقين دروس، أبداً هي قضية حوار، تشاور، نضع أيضاً خبرة على ذمة الوزارات، نعبر عن استعدادنا للمساعدة عندما تكون الوزارات المعنية لجان للغرض. مثلاً الندوة التي قمنا بها فيما يتعلق بنشر ثقافة حقوق الطفل في الوطن العربي هنا في تونس، فقد حضرها ممثلون من 14 دولة عربية من الوزارات المعنية، وهذا رقم لا بأس به في عمل -إن شئنا- المبادرة فيه لمنظمة غير حكومية.

وعندما نظمنا أيضاً الندوة في بيروت حضر ممثلون عن – تقريباً- 12 بلداً عربياً، وكنت في الرباط في ندوة نظمتها وزارة حقوق الإنسان المغربية ودعت لها جميع وزارات التربية العربية في إطار عشرية الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان، فحضر عديد الوزراء العرب، وكان ثمة حوار وتعاون وتجاوب و-إن شئنا- تلاقي آراء واحتكاك آراء بين الوزراء وممثلي الوزراء، وبين ممثلي منظمات غير حكومية مثل المعهد العربي أو المنظمة العربية أو اتحاد المحاميين العرب.

والبيان الصادر عن هذه الندوة هو بيان هام جداً، لأنه يدعو إلى تطوير البرامج والكتب المدرسية العربية في هذا الاتجاه، وإلى التعاون بين المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، ونعتقد أن هذا إيجابي جداً ومن شأنه أن يجعل الحساسيات يقع تجاوزها بسهولة بما أن غرضنا جميعاً هو التحسين وتحسين صورة العالم العربي أيضاً.

نحن لا نريد أن تكون البلاد العربية صورتها مشوهة في العالم في مجال حقوق الإنسان، أحياناً لأسباب ترجع فقط إلى عدم الوعي الكافي ببعض القضايا. فنحن نساعد على أن يتم الوعي بها ونتعاون من أجل تحسينها وإصلاحها.

محمد كريشان:

يعني ما هي قدرة المعهد العربي على المتابعة؟ يعني ربما يخشى أن تنظم ندوات ويقع النقاش وتوصيات وبعض الكتب التحسيسية والمنشورات، ثم لا نجد صدى لذلك يعني؟

د. الطيب البكوش:

لا يوجد، توجد متابعة عندما نقوم بنشاط نخطط وندمج في صلب البرنامج مراحل متابعة، وآليات متابعة، لا نقوم بنشاط بدون أن يكون ظله أيضاً أشكال متابعة. مثلاً عندما نُكِّون نشطاء حقوق الإنسان أو نُكِّون مدرسين فلا نكتفي بالتكوين، بل ارتقينا منذ سنتين إلى مستوى آخر وهو تكوين المكونين، تدريب المدربين حتى نجعل في كل بلد عربي مدربين قادرين على أن يدربوا غيرهم، حتى لا يكون المعهد فقط هو المدرب، وإنما نُكِّون مدربين أيضاً، يتعاونون معنا ونعينهم ونساعدهم ويستطيعون القيام بدورهم في هذا العمل في بلدانهم.

محمد كريشان:

بالطبع تنسقون مع المنظمات العربية للدفاع عن حقوق الإنسان سواء القطرية أو المنظمة العربية لحقوق الإنسان، يعني هذا لا يخلق لدى السلطات العربية نوع من الحرج على أساس أنكم تتعاونون مع أطراف هي بطبيعة الحال شرعية، ولكن قد لا تكون محل حفاوة كبيرة في الحياة السياسية العربية؟

د. الطيب البكوش:

كما قلت نحن نعمل مع المنظمات غير الحكومية، ولكن نشرك ممثلي الحكومات ونحن نريد أن يقع -إن شئنا- التكامل والتعاون والتلاحم بين هذا وذاك، لأننا نعتقد أنه لا هذا ولا ذاك يستطيع أن ينهض بحقوق الإنسان وحده. لا يوجد طرف قادر على أن ينهض بحقوق الإنسان وحده، وعندما يعتقد طرف أنه قادر بمفرده أن ينهض بحقوق الإنسان فإنه سيجد نفسه في وضع صدام مع الطرف الآخر بصفة لا جدوى من ورائها .. بالعكس تكون عاملاً من عوامل تشويه صورة البلد أو تشويه صورة المنطقة المعنية.

ونحن نريد أن يقتنع الجميع، وعندما أقول أن يقتنع الجميع ليس الحكومات فقط بما في ذلك بعض المنظمات التي قد تخطئ في شكل التعامل مع الطرف الحكومي فتتصرف كما لو كانت معارضة سياسية. نحن نعتقد أن منظمات حقوق الإنسان لا يجب أن تتصرف كما لو كانت معارضة سياسية، ويجب أن لا تخلط هذا بذاك. المعارضة السياسية لها مجالها وهو شيء محترم، لكن منظمة حقوق الإنسان لا تقوم بدور حزب سياسي أو بدور منظمة -إن شئنا- سياسوية، تقوم بعمل سياسوي.

فيجب عدم الخلط بين الأشياء، وعدم الخلط يسهل الحوار ويقرب وجهات النظر، لكن أيضاً من جهة أخرى لا يجب أن تتصور السلطة في بلدٍ ما أن كل نقد لسياستها في مجال حقوق الإنسان هو موقف عدائي أو موقف معارض يجب أن يؤخذ أيضاً على أنه موقف يسعى للتنبيه، يسعى إلى لفت الانتباه. فعندما تقوم منظمة بتقرير ترفعه إلى السلط للفت نظرها إلى خرق لحقوق الإنسان في مجال من المجالات فيجب أن يؤخذ على أنه لفت انتباه.

بالطبع هنا تدخل الأسلوب وطريقة التعامل، ويجب في الآخر في نهاية المطاف يجب أن تكون العلاقات قائمة على حد أدني من الثقة ومن الاحترام، وإلا فإن الحوار ينقطع، وانقطاع الحوار ليس في مصلحة أحد. فالمجتمع المدني الذي تمثله منظمات غير حكومية طرف أساسي في النهوض بحقوق الإنسان، ولكن لا يمكن النهوض بحقوق الإنسان بدون أيضاً الإرادة السياسية، وبدون أن تمد السلط يدها لهذه المنظمات حتى يحصل الحوار والتعاون بينها.

هذا هو تصورنا، وهذا ما نسعى إليه في المعهد العربي، ولذلك نشرك جميع الأطراف فيما نقوم به من أنشطة في هذا المجال.

محمد كريشان:

سيد طيب بكوش، شكراً جزيلاً.

د. الطيب البكوش:

شكراً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة