الحكمة وكيف نتعلمها   
الأربعاء 1431/12/18 هـ - الموافق 24/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)

- معاني الحكمة وسبل امتلاكها
- تطبيقات الحكمة في الحياة وصفات الحكيم

- مصادر الحكمة وضوابط وموانع أخذها

عثمان عثمان
محمد بن عبد الغفار الشريف
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلا ومرحبا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً..}[البقرة:269] من معاني الحكمة أنها دهشة العقل إزاء معنى الوجود وأسرار الموجودات كما أن البحث عن الحكمة هو من الحكمة نفسها، والحكمة تفيض على الوجود والموجودات معا بألوان من المعاني والأسرار، ولا تخص بالأنبياء بل هي إحدى وظائف النبوة والله تعالى أورث الحكمة آدم وبنيه، فالرجل الكامل من له إرث كامل من أبيه. والحكمة العملية على درجات كما نقل الإمام ابن القيم، الدرجة الأولى أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تعجله عن وقته ولا تؤخره عنه، الدرجة الثانية أن تشهد نظر الله في وعده وتعرف عدله في حكمه وتلحظ بره في منعه، الدرجة الثالثة أن تبلغ في استدلالك البصيرة وفي إرشادك الحقيقة وفي إشاراتك الغاية. موضوعنا اليوم مشاهدينا الكرام من برنامج الشريعة والحياة هو الحكمة وكيف نتعلمها مع فضيلة الدكتور محمد عبد الغفار الشريف أستاذ الفقه والأصول في كلية الشريعة جامعة الكويت. مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

محمد بن عبد الغفار الشريف: أحييك.

معاني الحكمة وسبل امتلاكها

عثمان عثمان: جاءت مفردة الحكمة في مواضع عدة من كتاب الله عز وجل {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ..} {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ..}[الإسراء:39]، {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ..}[لقمان:12] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، بداية ما معنى الحكمة؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. بداية اسمح لي أستاذ عثمان أن أتقدم بالشكر لك ولمعد البرنامج ولقناة الجزيرة على هذه الاستضافة.

عثمان عثمان: مرحبا بك.

محمد بن عبد الغفار الشريف: وأيضا على اختيار هذا الموضوع الدقيق والمهم. الحكمة في الأصل في اللغة مشتقة من حكم مادة حكم والحكم في اللغة المنع، يعني المنع حتى القضاء هو منع من غشيان الظلم والحكمة هي ما تردع بها الدابة ومنها الحكمة أي هي التي تمنع العقل من الخطل ومن الوقوع في الخطأ، أو كما عرفوها قالوا هي العلم مع حسن التطبيق يعني الأخذ بالعلم والإحاطة بالعلم بحسب القدرات الإنسانية مع حسن تطبيق هذا العلم فهذه هي الحكمة في المعنى اللغوي. أما في الاستخدام القرآني فالكلمة يعني أخذت معان كثيرة علاوة على أن هنالك تعريفات اصطلاحية نعرف دائما أن العلماء نبدأ بالتعريف اللغوي لأن اللغة هي الأصل فالكتاب والسنة قد جاءا بلغة عربية ثم ننتقل إلى التعريف الاصطلاحي الشرعي أو تسمى بالحقيقة الشرعية ثم قد تكون هناك اصطلاحات عرفية فالفلاسفة لهم استعمال للمصطلح والصوفية لهم استعمال للمصطلح وعموم الناس أيضا لهم استعمال آخر.

عثمان عثمان: الحكمة في الاصطلاح الشرعي.

محمد بن عبد الغفار الشريف: طبعا الاصطلاح الشرعي أيضا هناك الاصطلاح القرآني الحكمة في بعض المواضع قد استخدمت بالمعنى اللغوي وفي مواضع أخرى استخدمت بمعنى أصولي يعني كما ورد عن الإمام الشافعي أنه إذا قرنت.. طبعا قبل الإمام الشافعي، عن قتادة التابعي الجليل أنه إذا قرنت بالكتاب فتعني السنة، فهنا يعني مثلا {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ..} يعني قمة أو نضج العلم مع حسن التطبيق، وفي مواضع تعني النبوة إذا استخدمت مع الأنبياء، مع سيدنا سليمان مع سيدنا إبراهيم عليهم الصلاة والسلام فهي النبوة، مع سيدنا لقمان تعني الحكمة يعني الرجل العالم المجرب الدقيق لكن على الخلاف أيضا بين علماء أصول الكلام هل سيدنا لقمان عليه السلام نبي أو هو رجل صالح يعني مجرب حكيم.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور يعني الحكمة يعني كما تعلمون بطبيعة الحال هي مهمة من مهمات الأنبياء يعني كما يقول الله تعالى {..وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..}[البقرة:129] ما معنى هذا؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: الحكمة هنا تفسير الكتاب وتطبيقه، أيضا حتى وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم{..وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..}، {..وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..}[البقرة:151] هنا تعني يعني تفسير الكتاب وتطبيق الكتاب، تطبيق القرآن أو تطبيق الرسالة التي بعث بها النبي كيف يطبقها في السيرة العملية التي تعني في مصطلحنا نحن أو في مصطلح الأصوليين بالسنة، تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقه للكتاب هي السنة العملية ولذلك عندما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم أي عن حياته قالت "كان خلقه القرآن" فهذا معنى عندما ترد في حق الأنبياء إذا لم تكن تعني النبوة إذا قرنت بالكتاب تعني التطبيق، العدل في تطبيق الكتاب.

عثمان عثمان: نعم ذكرتم أن الإمام الشافعي ذكر أن الحكمة في القرآن الكريم تعني السنة النبوية ولكن هناك من يقول استعمالات القرآن الكريم لا تساعد في ذلك، جاءت الحكمة وصفا للقمان وسليمان وداوود، جاءت مقرونة بالكتاب والتوراة والإنجيل، كيف يمكن تفسير ذلك؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: يعني هو الإمام الشافعي رضي الله عنه لم يحدد أن كلمة الحكمة في القرآن ولكن إذا جاءت مقرونة في الكتاب في ما يوحى أو في ما يعلم فتعني السنة ويعني لم ينفرد الإمام الشافعي بذلك بل يعني كل طبعا قبل الإمام الشافعي كما ذكرت قبل قليل قال هذا قتادة أيضا حتى تفسير ابن عباس لما قال إن يعني الحكمة هنا العدل والتأويل تعني السنة، كل من استدل لحجية السنة من القرآن الكريم استدلوا بهذه الآيات يعني من علماء السنة في مواجهة المعتزلة الذين كانوا ينكرون يعني بعضهم كان ينكر قطعا حجية السنة وبعضهم كان ينكر حجية الآحاد أحاديث الآحاد من السنة، الذين استدلوا عليهم بالحجية من القرآن كانوا يستدلون عليهم بالآيات التي استدل بها الإمام الشافعي، فإذاً يعني استنباط الشافعي لم يكن استنباطا غير دقيق أو غير صحيح إنما هو حدد في الآيات التي عطفت الحكمة على الكتاب فهي تعني غير الكتاب لأنه في آيات أخرى الحكمة في القرآن تعني القرآن، في آيات تعني القول الذي يصدر من الرجل الحكيم أو الرجل العاقل وفي آيات تعني الموعظة، لكن في هذه الآيات التي أتت في وصف النبي صلى الله عليه وسلم تعني السنة في فهم الشافعي ومن وافقه يعني حتى نكون دقيقين يعني عادة يعني هذه الاستدلالات نحن نسميها في الأصول استدلالات ظنية لأنها لو كانت قطعية لكفرنا مخالفها.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور أيضا جاء استعمال الحكمة في التراث الإسلامي بمعنى الفلسفة يعني منه جاء كتاب ابن رشد الشهير "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" كيف نوضح هذه المسألة أيضا؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: طبعا يعني الحكمة واستخدامها بمعنى الفلسفة أقدم من ابن رشد بكثير، من أيام فيثاغورث، ويختلف الفلاسفة والمتكلمون في أن فيثاغورث هل هو نبي أو حكيم، وأيضا يعني سقراط، كانوا يقولون بأن الحكمة لا تطلب أو لا يوصف بها إلا الله عز وجل لأن الحكمة هي أن يحيط الإنسان بالموجودات وبالوجود علما دقيقا وأن يحسن تطبيق هذا العلم وهذا ليس من صفات أحد إلا من صفات الله، ولذلك يعني philosophy تعني محب الحكمة، لكن مع الأيام يعني أصبحت الكلمة من محب الحكمة إلى الحكمة وعندنا كما نقول لا مشاحات في الاصطلاح لكن دائما يعني حتى تكون دقيقا حدد ما تريد باصطلاحك، فالمتأخرون من فلاسفة الإسلام يعني اقتصروا بتسمية الحكمة على الفلسفة وقالوا لأن الفلسفة هي أن تبحث عن حقيقة الوجود بحسب القدرات الإنسانية لا بمطلق العلم إنما بحسب القدرات الإنسانية فهذا ما نتوصل إليه، وهنا يجب أن ننصف ابن رشد الذي تعرض لهجوم كبير من علماء الكلام وعلماء يعني ما يسمى بعلم العقيدة وبعضهم كفره وبعضهم أخرجه من الملة، هو كان يعني يريد أن يقرب.. هو طبعا صار هجوم شديد من الإمام الغزالي رحمه الله على الفلسفة وكفر الفلسفة جراء تكفيره لبعض الفلاسفة المشائين لأن هناك فلاسفة ربانيين يعني إشراقيين وهناك المشائون وهناك الوجوديون وهذه مذاهب قديمة، فلما كفر المشائين وعلى رأسهم ابن سينا وطبعا ابن سينا قدوته أرسطوطاليس يعني أصبح قدوة الفلاسفة أرسطوطاليس حاول ابن رشد أن يرد على الغزالي ولكنه أيضا كان شديدا وانتقص الغزالي فتعرض للانتقاد.

عثمان عثمان: نعم، يعني حتى لا نخوض في هذه التفاصيل كثيرا لتبعدنا عن حقيقة الموضوع أيضا الحكمة فضيلة الدكتور جاءت بمعنى الطريقة أو الوسيلة كما جاء في قول الله عز وجل {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..}[النحل:125] ماذا نستطيع أن نضيف هنا في معنى الحكمة؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: الحكمة هنا كما قال أكثر المفسرين هي بمعنى العلم أو البصيرة {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ..} أي على بصيرة كما جاءت في آية أخرى {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ..}[يوسف:108] وقالوا البصيرة العلم والإحاطة في علم الكتاب والسنة ولذلك لا يجوز لأحد أن يدعو إلى شيء هو لا يعلمه لا يحيط به لأن ضرره يكون أكثر من نفعه ولذلك جعل الله تعالى شرطين للدعوة العلم وأيضا الموعظة الحسن، الوسيلة في الموعظة الحسنة في استخدام الأحسن ولذلك يعني الله عز وجل قال {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..}[الإسراء:53] ما قال قولوا الحسن {..الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..} أعلى مستوى من استخدام الطريقة في مخاطبة الآخرين لأن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يشعب ولذا يجب دائما الداعية يحرص في كل حالاته كما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون لطيفا {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ..}[آل عمران:159].

عثمان عثمان: {..وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ..}[آل عمران:159]

محمد بن عبد الغفار الشريف: وهذه هي الحكمة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني بعد جملة هذه المعاني للحكمة نخلص هل هي كسبية أم وهبية؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: هي يعني درجات لا يمكن أن نبت فيها كلها، الأصل الحكمة وهب وهي النفخة الروحية لأن النفخة هذه التي تسمى بالفطرة أو تسمى بالعقل وهي التي يتميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات فهو صار عاقلا بهذه النفخة وهذه وهم ثم السلوك أيضا يعني كما جاء أشج بن عبد قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة فقال هما خصلتان تطبعت بهما أو جبلني الله عليهما؟ قال بل جبلك الله عليهما، فقال الحمد لله الذي جبلني على خلق يحبه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذاً..

عثمان عثمان: هذه حالة وهبية.

محمد بن عبد الغفار الشريف: هذه وهبية، وفي كسبية تكون بالعلم وبالمران.

عثمان عثمان: "إنما العلم بالتعلم".

محمد بن عبد الغفار الشريف: "وإنما الحلم بالتحلم" فإذاً في بالكسب والتجربة يعني جزء كبير يعني تهذيب هذه المواهب تكون بالتجربة والتعلم والاستفادة من أصحاب الخبرات ثم عندنا درجة أعلى التي هي كما تفضلت ونقلت من كلام شيخ الإسلام أبي عبد الله الأنصاري الهروي الذي نقله ابن القيم في المدارج هو كلام أبي عبد الله الأنصاري، فالوصول إلى البصيرة أعلى درجات الحكمة وهذا يكون {..وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ..}[البقرة:282] عندما تتقي الله عز وجل يعلمك علم ما لا تعلمه ولا يمكن أن تتعلمه إنما هنا كما أخبر الله عز وجل عن الخضر عليه الصلاة والسلام {..وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}[الكهف:65] فهذا هو يكون بالتقوى، يعني فإذاً وهب، كسب ثم فتوحات، تسمى فتوحات وهبية.

عثمان عثمان: إذاً الحكمة ضرورية في الحياة ولا بد من استعمالها في تطبيقاتنا وفي ممارساتنا اليومية والحياتية، كيف نمارس الحكمة؟ كيف نطبقها في حياتنا في عملنا في علاقاتنا؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير. فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

تطبيقات الحكمة في الحياة وصفات الحكيم

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الحكمة وكيف نتعلمها مع فضيلة الدكتور محمد عبد الغفار الشريف أستاذ الفقه وأصوله في كلية الشريعة في جامعة الكويت. فضيلة الكويت نتحدث عن ضرورة تطبيقات الحكمة في الحياة، ربما ذكرنا الآية الكريمة {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..} أريد يعني أن نتوسع قليلا في تطبيقات الحكمة في مجال الدعوة إلى الله عز وجل خاصة وأن البعض ربما من خلال ممارسته بدل أن يحبب الناس ينفرهم من هذا الدين الحنيف.

محمد بن عبد الغفار الشريف: الحكمة وتطبيقاتها في الحياة تتعدد التطبيقات، أول تطبيق هو ألا تقحم نفسك في ما لا تحسنه، لذلك يعني "إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه" فهذه أول الحكمة، لا تضع نفسك في موضع تحرج فيه أو تسيء فيه سواء إلى نفسك أو إلى أهل بيتك أو إلى دينك. القضية الثانية أيضا هي تابعة من الحكمة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأزمة العالم المتخلف اليوم أن المناصب هي ليست للناس الأكفاء أو الناس يعني لا يكون الاختيار بالحكمة إنما بالولاء..

عثمان عثمان (مقاطعا): طيب إذا كان هذا الشخص قريبي أو صديقي لماذا لا آتي به يعني.

محمد بن عبد الغفار الشريف: هذا هو، وهذا هو سبب يعني إذا أردنا أن ننظر في التاريخ الإسلامي وأن نستفيد من التاريخ الإسلامي لا أن نجعل التاريخ شماعة للبكي والشتيمة، أول أزمة حصلت في التاريخ الإسلامي عندما سيدنا عثمان عليه رضوان الله ولى أقرباءه المناصب الإدارية والمناصب السياسية في الدولة الإسلامية، هذا الذي جعل الناس تثور عليه، نحن نقول هذا للاستفادة لا للطعن، هناك فرق بين من يطعن وبين من يستفيد من ذكر التاريخ، فهذه القضية..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن هنا يعني مثلا قد يكون هذا القريب يمتلك من المؤهلات ما يمكن أن يستلم به منصبا أو موقعا.

محمد بن عبد الغفار الشريف: نعم، إذا كان مناسبا فهذه هي الحكمة في الاختيار. خاصة هناك ظروف سياسية قد تحكم في بعض الأوضاع وفي بعض الأماكن وفي بعض، فهذه حكمة يعني يجب حتى من الأقرباء اختيار الأفضل لا الأقرب. وأيضا تنتقل القضية إلى الدعوة الإسلامية، الدعوة الإسلامية يعني تتعدد جهاتها قد تكون دعوة فردية وقد تكون دعوة تعليمية وقد تكون دعوة إعلامية وقد يكون جهدا جماعيا في الدعوة إلى الله عز وجل، كل هذه الأشياء يعني حتى من يتصدى إلى الدعوة يجب أن يتمثل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بداية حياته يوم بدأ قبل الإسلام قبل أن يبعث إليه وإلا الرسول صلى الله عليه وسلم كل الأنبياء يعني هم مسلمون من الأصل، فقبل أن يرسل إليه ثم في حياته حتى في الفترة قبل النبوة لماذا ذكر علماؤنا على ذكر حتى نرى المراحل وأثرها في الدعوة، فمن الحكمة دائما اختيار الناس الملمين في ما يدعون إليه الذين تتسع صدورهم لقبول الرأي والرأي الآخر، قبول الاختلافات قبول الحوار مع الآخرين أيضا..

عثمان عثمان (مقاطعا): مخاطبة الناس على قدر عقولهم.

محمد بن عبد الغفار الشريف: هذا يعني شيء مهم، أيضا أن تكون سيرته نظيفة وهذه أخطر ولذلك الأنبياء يعني من الصفاة الواجبة لهم العصمة، العصمة من الكفر والعصمة من الكبائر والعصمة أيضا عند جماهير العلماء من الصواغر ومن خوارم المروءة، لأنه مثلا الناس رح تنتقد وعيون النقد دائما واسعة، لذا يعني القضية المهمة أيضا التي يجب أن نركز عليها هو قبول الرأي والرأي الآخر في الصف الإسلامي نفسه لا مع أيضا غير المسلمين، هذه الآن اليوم يعني قضايا الصراعات الموجودة بين الطوائف وبين المذاهب وبين الجماعات وبين الأحزاب الإسلامية أشد مما هي بين الدين الإسلامي وغير المسلمين أيضا لماذا؟ لأنه مع الأسف لما يصير النزاع إسلامي إسلامي يفقد العقل لا الحكمة حتى العقل يفقد وتتحكم العاطفة، نحن اليوم نحن المسلمين تحكمنا العاطفة بدرجة كبيرة وأعداؤنا قد عرفوا هذا فينا، لو نطرح أي قضية مثل قضية القس ستيورات ولا قضية الذي شتم السيدة عائشة لو أردنا نحكمها بمعيار العقل هؤلاء الناس أتباعهم لا يتعدون أصابع اليدين خمسين ستين ولكن لما نعرض هذه الأشياء بحماس -واسمح لي بس أستخدم هذه الكلمة- بحماقة في أجهزة الإعلام إحنا سوينا دعاية للشتيمة.

عثمان عثمان: هي بطبيعة الحال عرضت على وسائل الإعلام.

محمد بن عبد الغفار الشريف: إيه، لما تعرض إذاً أنت تعمل دعاية للشتيمة، توسع دائرة الناس الذين يستمعون للشتيمة فالحكمة هناك كما كان يفعل السلف رضي الله عنهم كانوا يميتون البدعة في مهدها بعدم.. ولذلك سيدنا مالك كان يوصف بأنه كله عقل، عندما جاءه الرجل الذي سأله قال له هل الاستواء.. يعني {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه:5] كيف استوى؟ فأطرق..

عثمان عثمان: الاستواء معلوم والكيف مجهول.

محمد بن عبد الغفار الشريف: أطرق حتى علاه العرق ثم قال الاستواء معلوم -أي يعني من الكتاب، وإذا قيل حتى من اللغة- والكيف مجهول -أو يعني غير معقول والسؤال عنه بدعة- أخرجوا هذا فلا أراه إلا مبتدعا.

عثمان عثمان: إذاً وضع الأمور في نصابها.

محمد بن عبد الغفار الشريف: في نصابها وفي كيفية التعامل، يعني القضية المهمة اليوم التي يجب أن يعرف أو يحددها الدعاة كيفية التعامل مع المخالفين أكثر من كيفية مخاطبة الجماهير.

عثمان عثمان: هناك أيضا مفردة فضيلة الدكتور يعني ما موقف الترغيب والترهيب من الحكمة في ترغيب الدعوة؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: طبعا الترغيب والترهيب جناحان للموعظة الحسنة، لكن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يكثر من الترغيب أكثر من الترهيب، كان يكثر من الناحية الإيجابية والتركيز على الإيجابيات أكثر من الإشارة إلى السلبيات بل كان يشير إلى السلبيات على وجه العموم، ولذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال هلك الناس فهو أهلكَهم" وفي رواية فهو أهلكُهم، يعني اللي يقول دائما هلك الناس هو اللي أهلك الناس أو هو أهلك الناس، فلذلك يعني حتى الاستخدام.. يعني مع الأسف يعني اليوم نشوف الكتب اللي دائما تجد رغبة أو تنشر، ما هي جزء من عقيدتنا التي تتعلق دائما بعذاب القبر وبالأشياء وتخويف الناس واللعن وما إلى ذلك يعني تبقى ما في جانب آخر موجود يعني الجنة وصفات الجنة وسعة رحمة الله والأشياء هذه فلنركز عليها لأنه في بعض الناس من الذين لا تقودهم سياط الإرهاب قد تقودهم حلوى الترغيب.

عثمان عثمان: الموازنة بين الخوف والرجاء ربما هو من الحكمة أيضا.

محمد بن عبد الغفار الشريف: طبعا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طالما نتحدث عن الدعاة والدعوة إلى الله عز وجل والحكمة في تبليغ هذه الدعوة والموعظة الحسنة هناك بعض الدعاة ربما يتزلفون إلى حاكم إلى غني إلى سلطان إلى ذي موقع ومكانة يرون أن ذلك من باب الحكمة ليكسبوا رضاه ويمارسوا عملهم الدعوي، كيف أميز بين الحكمة وبين التزلف المقيت أو المؤاخذ شرعا عليه صاحبه؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: طبعا يعني أشكرك على هذا السؤال المهم جدا. هناك فرق كبير بين التزلف الذي يؤدي إلى التنازل عن ثوابت وارتكاب محرمات وبين التقرب للإصلاح ولذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أنه ما من حاكم إلا وله بطانتان، بطانة صالحة تدله على الخير وتأمره به وبطانة فاسدة تدله على الشر وتأمره به فإذا ما كان الحاكم حوله بطانتان دائما البطانة يعني مع الأسف أكثر الحكام والمسؤولين حوله البطانة التي تطبل وتزين له السوء، فعندما يفعل السوء نعم يعني بارك الله فيك وحسنا فعلت وهذا..

عثمان عثمان: لا يخطئ.

محمد بن عبد الغفار الشريف: لا يخطئ وحتى ولو ظلم الناس يشاركونوه بتشجيعه. لكن هناك يعني أيضا هنا في حكمة، كيفية توصيل الكلمة التي تؤثر بالحاكم دون أن تضر بمن ينصح أو تضر بالآخرين لأنه دائما يجب أن نعرف كما يقول بعض الصوفية أن كل إنسان النفخة الربانية جعلت فيه جزء من الفرعونية يعني {..أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات:24] كل إنسان، هو فرعون ليش قال أنا ربكم؟ لما وجد أن كل الناس تقول له سمعنا وأطعنا ورأى أن الأنهار تجري تحته ورأى له ملك مصر  {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} بقيت هذه النفخة فيه، فكل إنسان فيه هكذا ولكن عندما تأتي إليه بطريقة تحببه بالخير يعني مما يذكر كيف دخل التتار إلى الإسلام؟ عندما اختلط بحكام التتار شيوخ الطرق الصوفية فنصحوهم وحببوا إليهم الإسلام بحسن الخلق وبالأذكار وبالأشياء فدخلوا إلى الإسلام فأصبحوا وسيلة لفتح الهند وباكستان وما أشبه ذلك، فإذاً دائما الداعية كما يقولون متصل منفصل، متصل مع الناس ولكن منفصل بشعوره وكما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بآخر الزمن يكون كالغريب، الغريب ليس بمعنى الخاطئ أن الإنسان ينقطع عن مجتمعه ولكن هو الذي يتميز في مجتمعه.

عثمان عثمان: يصبر على أذاهم.

محمد بن عبد الغفار الشريف: إيه، يتميز بسلوكه بأخلاقه بحسن طرحه.

عثمان عثمان: كالشامة بين الناس.

محمد بن عبد الغفار الشريف: نعم. يكون كالشامة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما في العصر الأول في صدر الإسلام كان الأمراء والحكام والسلاطين يأتون على أبواب العلماء ليأخذوا منهم النصيحة ربما الآن لا نجد هذا الأمر قائما أو موجودا في حياتنا يضطر الداعي أن يذهب إلى ذاك الحاكم وهنا ربما تركزون في هذه المسألة.

محمد بن عبد الغفار الشريف: يعني ننظر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو سيد العلماء وسيد الدعاة هو ذهب إلى الناس هو كان يعرض نفسه على القبائل ويعرض نفسه على زعماء العشائر وكان يذهب إلى.. ولكن عندما قيل له نعبد إلهك عاما وتعبد إلهنا عاما قال {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}[الكافرون:1] لكن كان يذهب إليهم ويعرض.. أنت كالتاجر، الداعية كالتاجر عنده سلعة يجب أن يعرضها ويحسن عرضها على الناس، فالحاكم اليوم انشغالاته الكثيرة وظروفه السياسية وأيضا حتى ظروف الأمنية تمنعه أن يأتي إلى العلماء، حتى لو جاء إلى العلماء مرة أو مرتين يجب أن نعرف أن هذه زيارة مجاملة وزيارة سياسية لها هدف سياسي، فإذاً يجب أنت أيضا نحن يعني أخذنا بعض الكلمات كأنها أصبحت قرآنا، نقول العلم يؤتى ولا يأتي، صح يأتيه طلبة العلم بس أيضا أن تذهب إلى طلبة العلم ومنهم قد يكون الحاكم إذا رأيت فيه خيرا تذهب إليه ولكن بشرط أن تكون قويا.

مصادر الحكمة وضوابط وموانع أخذها

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني لننتقل قليلا إلى المحور الثالث كيف نتعلم الحكمة؟ ممن نتعلمها؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: طبعا أول قضية لتعلم الحكمة يجب أن نعرف أن نطلبها لله عز وجل لا للوصول إلى غرض دنيوي، حتى لو واحد طلبها للغرض الدنيوي يتعلمها لأن هذه مثل واحد زائد واحد يساوي اثنين يعني أشياء علوم فيها آلات للتطبيق لكن المسلم حتى يحصل على قضية لا يؤمن بها غير.. وهي البركة والنماء يجب أن يخلص في طلبه بكل شيء بكل عمل في عمله في.. ويطلب وجه الله رقم واحد، رقم اثنين يجب أن يأتي إلى العلم بتواضع لأنه من أتى للعلم باستكبار لا يتعلم.

عثمان عثمان: "اثنان لا يتعلمان، مستح ومتكبر".

محمد بن عبد الغفار الشريف: نعم. فإذاً يجب أن يأتي بتواضع ليتعلم ويجب أيضا أن ينظر إلى أستاذه نظر إجلال حتى و كان أنقص منه في أشياء أخرى، يعني مما يروى عن الإمام الألوسي محمود شكري الألوسي المفسر وهو طبعا يعني أبدع في قضية البلاغة في تفسير القرآن، طبعا هو أخذ من الزمخشري وأخذ من أبي السعود لكن أبدع، يقول عندما سئل من أين تعلمت؟ قال تعلمت هذا العلم من أحد الأساتذة كان بذيئا بذيئا لكن كان علامة في البلاغة فكان لا أحد يصبر عليه على آذاه لكنني أنا صبرت حتى أتعلم منه. فيجب أن تنظر أيضا إلى أستاذك نظرة إجلال لا نظرة استصغار ونقد لأن من يأتي ليتعلم بنقد لا يتعلم.

عثمان عثمان: هل الحكمة نأخذها من العلماء فقط أم تؤخذ من كل وعاء خرجت؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: من كل مجرب وأيضا من كل حتى.. "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" حتى لما الشيطان جاء إلى أبي هريرة وفي رواية إلى معاذ لما كان يسرق تمر  الصدقة -انظر كيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا- فلما سرق مسكه في ثلاث ليال وكان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأله في كل ليلة ماذا فعل لك أسيرك البارحة؟ فيقول لقد حلف ألا يرجع، قال يعني كذب سيعود، فيعود، آخر شيء فقال له يعني عندما غلبه قال أعلمك كلمات لا يقربك الشيطان إذا قلتها، اقرأ آية الكرسي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صدقك وهو كذوب، يعني معنى هذا أنك حتى لو من الشيطان في فائدة تأخذها، لا يمنعك أن تأخذ الفوائد من أحد. وهذه الخصلة هي عين الحكمة في الإسلام ولذلك يعني أنى وجدنا الحكمة نأخذها ولكن بموازيننا لا بالموازين الأخرى، يعني هناك نحن عندنا ضوابط لكل الأمور للمعاملات ضوابط للفن ضوابط للأدب ضوابط..

عثمان عثمان: ضوابط أخذ الحكمة.

محمد بن عبد الغفار الشريف: ضوابط أخذ الحكمة، فنأخذها بضوابطنا لأن هناك مثلا من الحكم البوذية أو من الحكم الهندوكية ما يتعارض مع عقيدتنا فنأخذ الجانب الذي يتناسب معنا ونترك الجانب الذي لا يتناسب.

عثمان عثمان: هل هناك علامات ما أو معالم معينة يمكن من خلالها أن ندرك الحكمة أو أن نعلم هذا حكيم أو غير حكيم؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: هو يعني كما قال سيدنا عمر عندما وجد رجلا يبيع في السوق وكان يأتي يسأل البياعين عن بعض قضايا البيع والشراء والربا، فمن لم يكن يعرف كان يعلوه بالدرة ويطرده من السوق، فقال لا يجلس في سوقنا من لا يعرف الحلال من الحرام. يعني إحنا مثلا كمسلمين من ضوابطنا أنه قبل أن يخرج الإنسان لتعلم أي علم حتى الهندسة، الهندسة حكمة والهندسة أصلا جزء من الفلسفة القديمة الطب جزء من الفلسفة القديمة ولكن قبل أن نتعلم يجب أن نتعلم الأحكام والضوابط الأحكام الشرعية المتعلقة بالعلوم هذه فيجب أن يكون عند الإنسان ميزان يعرف نفترض يعني الآن في قضايا مثل قضايا ما وراء الأفق..

عثمان عثمان: الماورائيات الغيبيات.

محمد بن عبد الغفار الشريف: لا، اللي فيها نوع من التأمل، يعني الشباب اليوم الكثير من الناس أصبحوا مفتونين بهذه العلوم لكن هذه العلوم فيها أشياء رواسب من ديانات وثنية وطقوس وثنية يمارسونها وهم لا يعلمون، نحن نقول خذوا هذه الأشياء بالطريقة الصحيحة وأخذوا كثيرا منها في التصوف الإسلامي ولكن لو قلت للناس إن التصوف فيه كذا يرفضونه لو قلت هذا علم النفس المعاصر أو التأمل الـ meditation قالوا هذا شيء كويس يعني طيب.

عثمان عثمان: هل يمكن الحديث عن موانع لهذه الحكمة؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: موانع كيف يعني؟

عثمان عثمان: تمنع الإنسان أن يكتسب هذه الحكمة.

محمد بن عبد الغفار الشريف: إذا كان ليس مؤهلا شرعا ليس محصنا كعقيدة إسلامية وكشريعة إنسانية لا يجوز أن يقتحم هذا الباب، هذه الأنواع من الحكم التي فيها رواسب وفيها ملوثات من الديانات الأخرى الوثنية خصوصا يعني، يعني هي قد تكون يعني هي موروثات النبوات السابقة ولكن دخل فيها التحريم.

عثمان عثمان: يعني في الجانب الآخر التحدث الحكمة بشكل عام وضع الأمور في نصابها هل هناك يعني موانع كارتكاب الذنب مثلا تمنع هذا الإنسان أن يكون حكيما أن يصل إلى هذا المستوى؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: أيوه، يعني ما هي الأشياء التي قد تكدر بحر الحكمة.

عثمان عثمان: نعم.

محمد بن عبد الغفار الشريف: لذلك يعني كما الإمام الشافعي كان الإمام الشافعي من صفاته رضي الله عنه كان سريع الحفظ وفي مرة من المرات وجد نفسه أنه لا يحفظ فذهب إلى شيخه وكيع بن الجراح قال له يا شيخ أصبحت.. فقال انظر ماذا فعلت. ولذلك قال أبياته المشهورة

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني أن العلم نور            

ونور الله لا يهدى لعاصي

فالمعاصي وأيضا الكبر، الكبر حاجز بين الحكمة وبين الإنسان وأيضا التهافت، الحكمة حتى الفلاسفة المتقدمون كانوا عندما يريدون الحكمة كانوا يمتنعون عن.. لا يمتنعون عن الدنيا أي لا يتعلقون بها، أيضا حب الدنيا يمنع من كسب الحكمة. فهناك موانع كثيرة ذكرها العلماء..

عثمان عثمان: باختصار.

محمد بن عبد الغفار الشريف: خصوصا يعني طبعا أولها التكبر أكبر حاجز والغرور وأيضا يعني المعاصي وأكل الحرام ضمن المعاصي هذه الأشياء هي موانع وطلب الدنيا بها.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور من الحكمة إلى الحكم، عندما نتحدث عن الحكمة أو الحكم يتصدر الحديث كتاب "الحكم العطائية" لابن عطاء الله السكندري، ماذا هذا الكتاب؟ ما هذه الحكم؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: هذه طبعا ابن عطاء الله السكندري يعني بداية هو توفي سنة 709 للهجرة يعني من علماء القرن الثامن، كان عالما في الفقه المالكي وأيضا متكلما علم الكلام وأيضا كان واعظا وكان منكرا على الصوفية كعادة علماء الظاهر كما يسمون، وفي مرة من المرات التقى بأحد التلاميذ سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه، فقال يعني ما شيخك جاهل في علوم الشريعة يعني هذا اللي دائما علماء الشريعة عندما يحتدون يلقون في الكلمات فالمسكين هذا انكسر وذهب إلى شيخه فقال يقول قبل أن أفاتحه قال هؤلاء كالحجر سيأتي الله بهم، فيقول أردت أن أذهب وأشوف الشيخ وأحرجه أريد أن أحرجه فيقول لما تكلم وجدته لا يخالف كلام الشريعة فسلك ثم بعد أن سلك يعني أنطقه الله بالحكم يعني {..وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ..} لخص في هذه الحكم وهذه الحكم هي تلخيص محتوى "إحياء علوم الدين" طبعا كتاب إحياء علوم الدين يعتبر بالنسبة للمتصوفة كدستور للسير للسلوك ولذلك نجد..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هل سبب حكم ابن عطاء الله السكندري أنه سلك؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: أي سلك فملك. سلك يعني طبعا السلوك أستاذ عثمان..

عثمان عثمان: طبعا ليس موضوعنا الآن يعني.

محمد بن عبد الغفار الشريف: إيه السلوك هو أنك يجب يعني دائما السلوك هنا يعني إحاطة بسور الشريعة، كل من يخرج عن سور الشريعة فهذا هالك، من خرج عن سور الشريعة هلك، تطبق لتصل إلى درجة الإحسان فإذا بلغ درجة الإحسان أنطقه الله بالحكم لأنه يعني مثلما سبق أن قلنا إن الحكمة منها كسب ومنها وهب ومنها آخر الدرجات {..وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ..} هو طبعا..

عثمان عثمان (مقاطعا): ويكون هذا السلوك باتباع النبي عليه الصلاة والسلام.

محمد بن عبد الغفار الشريف: لا شك، لا شك وسور الشريعة باتباع النبي، كل من لا.. يعني كما قال الجنيد البغدادي وهو يسمى بشيخ طريقة أو بأستاذ الكل، قال يعني كل من لا يأتي على نكتته يعني على كلامه بحجة من الكتاب والسنة فكلامه مردود، هذه الطريقة الصحيحة أنه يجب أن نتبع الكتاب والسنة أي علم الشريعة على المذاهب الأربعة على عقائد أيضا زيادة على ذلك يعني عندنا على عقائد أهل السنة والجماعة وإلا انحراف.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني لم يتبق إلا الوقت القليل، يعني في هذا الوقت أريد منكم يعني حكمة أو اثنتين مما يأتي مباشرة هيك على الذهن من الحكم العطائية.

محمد بن عبد الغفار الشريف: طبعا يعني الحكم العطائية كل مدارها على قضية أساسية، على الإيمان بالقضاء والقدر، أنا طبعا عندي الحكم دائما -لأنه أنا أدرسها- في جيبي. إذا ابتدأنا بأول حكمة منها والتي تدل على التسليم للقضاء، "من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عن وجود الزلل".

عثمان عثمان: كيف؟

محمد بن عبد الغفار الشريف: هناك الإنسان طبعا قضية عقدية مهمة كلامية طويلة وهي الإيمان بالقضاء والقدر التي هي الفيصل بين أهل السنة والمعتزلة، هل أفعال العباد مخلوقة لله وإلا العبد يخلقها؟ هذا ينبني عليه أمر آخر، هل الله عز وجل يعلم بها في الأزل أو لا يعلم بها إلا بعد أن تقع؟ فالعبد إذا اعتمد على نفسه وأخطأ ينقص رجاؤه ويعتقد أنه قد هلك ولكن الذي يعتمد على الله عز وجل إن وقعت في الخطأ تذكر أن الله غفور رحيم وتذكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم "أخطأ عبدي ثم علم أن له ربا -الحديث القدسي- يأخذ بالذنب ويغفر الذنب".. يعني آخر الشيء يقول: "فليعمل عبدي ما يشاء فقد غفرت له" فإذاً لما الإنسان يعرف صفات الله ويعرف أنه هو الذي يخلق العبد وعمله وأنه هو الذي يهابه وأن هذه أشياء واردات من الله في هذه الحالة يكون رجاؤه عظيما وفي هذه الحالة وإن أخطأ يرجع.

عثمان عثمان: يأخذ بالأسباب والنتائج على الله عز وجل.

محمد بن عبد الغفار الشريف: آه طبعا هذا مهم جدا.

عثمان عثمان: هناك حكمة أيضا ربما تشكل على البعض "معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزة واستكبارا".

محمد بن عبد الغفار الشريف: ما هو سبب خروج إبليس من الجنة؟ قال {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ..}[ص:76] الكبر، فإذاً وما ثبت مغفرة الله عز وجل لآدم لما أكل من الشجرة الذل والانكسار، فالذل والانكسار جعل آدم خليفة الله في الأرض والاستكبار.. وكان إبليس يسمى بطاووس الملائكة كما ورد في الإسرائيليات طرد.. كلمة واحدة طرده من رحمة الله، ولذلك إذا كانت المعصية تولد الذل والانكسار فهذه توبة ورجوع وإذا كان العمل الصالح يورد الاستكبار فكأنك أنت تنسب العمل إلى نفسك وتتفضل فيه على الله تقول يعني أنا عملت لك عملا صالحا كما عابد بني إسرائيل الذي عبد الله تسعين سنة في جزيرة ثم لما أتى به -هذا حديث صحيح في مسلم- أتى به الله عز وجل يوم القيامة فقال أدخلوا الجنة عبدي برحمتي. قال لا يا الله بعملي إيش والله أنا ومثل هذا الثانيين كلهم! قال زينوا عمل عبدي بنعمة البصر فرجحت نعمة البصر بعمله فقال أدخلوه النار، فقال لا بل برحمتك، بل برحمتك. فنسأل الله عز وجل أن يتغمدنا في رحمته.

عثمان عثمان: في دقيقة وحكمة أخيرة "اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك".

محمد بن عبد الغفار الشريف: الله سبحانه وتعالى ضمن رزقك قال {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}[الذاريات:22، 23] ثم نحن نتقاتل على الرزق، كلنا، بينما الله عز وجل أمرنا بالعبادة وبالتفكر ومع ذلك نحن نهمل في عباداتنا، كويس لو نعمل الواجبات يعني مرات الواحد إذا كسل آخر الليل ما يصلي الوتر أو كذا ويروح ينام يصليها بعدين وما يقوم، فهذا انطماس البصيرة، الذي طلب منك التعبد بل يعني {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] هذا المطلوب لكن نحن نقصر فيه ونسعى وراء الرزق وهو مضمون ولكن لا يعني هذا التواكل، ليس الصوفية من المتواكلين.

عثمان عثمان: طبعا هذه الحديث عن الحكم حديث طويل وهناك حكم كثيرة ينبغي أن يتعلمها الإنسان، فضيلة الدكتور يعني أشكركم في ختام هذه الحلقة الدكتور محمد بن عبد الغفار الشريف أستاذ الفقه وأصوله في كلية الشريعة في جامعة الكويت، كنتم معنا في هذه الحلقة كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة ولكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة