الإبداع الفني والفكري في العراق   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

سامي عبد الحميد: فنان مسرحي عراقي
نداء كاظم: نحات عراقي

تاريخ الحلقة:

11/05/2003

- متابعة الفنانين والمبدعين العراقيين للأحداث في العراق
- حجم الضرر الذي لحق بالإبداع الفني والفكري في العراق

- مدى قدرة الفنانين والمبدعين العراقيين على العودة من جديد

- مستقبل المسرح العراقي في المرحلة المقبلة

محمد كريشان: السلام عليكم ورحمة الله، أهلاً بكم مرة أخرى في حلقة جديدة من (العراق ما بعد الحرب).

وهذه المرة نتناول جانباً كثيراً ما يتراجع في زمن الأزمات والحروب، وهو مجال الإبداع الفكري والفني والثقافي، فعادة ما يتراجع هذا الإبداع في زمن الحروب والأزمات وينكفئ المبدعون نظراً للأوضاع التي لا تشجع إطلاقاً على الإبداع والتألق وعلى الإنتاج الفكري والفني.

ولكن مع ذلك المبدعون في العراق قد يكونون في وضع مختلف وقادرون على التحدي رغم كل هذه الظروف.

إذن جلستنا الليلة مع ثلاثة من الأسماء اللامعة في عالم الإبداع والثقافة والفكر، ضيوفنا هم السيد نوري الراوي (وهو فنان تشكيلي وناقد وكاتب)، أيضاً معنا السيد سامي عبد الحميد (وهو مسرحي ممثلاً ومخرجاً ومن أبرز الأسماء في عالم المسرح في العراق)، ومعنا كذلك السيد نداء كاظم جواد (وهو نحات وفنان تشكيلي ومن الوجوه المعروفة في عالم الإبداع الفني في العراق).

الحقيقة قد يبدو الموضوع عن باب الترف أن نتحدث عن الإبداع الفكري والثقافي والفني في الوضع الذي يعيشه العراق الآن، ولكن هذا جانب لا يجب أن يغيب عنا، رغم كل هذه الظروف الصعبة.

نبدأ بالسيد نوري الراوي، المعروف من.. عن الفنانين دائماً حسهم المرهف، كيف تابعتم وتتابعون ما يجري في العراق الآن؟

متابعة الفنانين والمبدعين العراقيين للأحداث في العراق

نوري الراوي: بسم الله الرحمن الرحيم، بودي أن أبدأ بكلمة قالها الشهيد الحلاج "خذوني للموت ودعوا لي صوتي"، بطبيعة الحال الأخبار والإعلام العالمي يتناول موضوع العراق في الوقت الحاضر وهو شاغل الجميع، ولا يعرف عمق هذه الكارثة التي ألمت بالعراق، غير أننا ندرك تماماً ونحن الفنانون هنا في العراق بأننا واجهنا كوارث على مدى سنين طويلة وتحدينا الزمن، ووقفنا، ومارسنا أعمالنا الفنية بشكل مثابر ومستقيم ومستنير بالوطن أولاً وآخراً.

محمد كريشان: يعني سيد نوري مثلاً أثناء القصف وغيره هل كان هناك مجال للإبداع؟ هل أخذتم..؟

نوري الراوي: لأ، بطبيعة الحال هذه تتوقف وخاصة أنتم تعرفون بأن الفنان حساس وحساسيته مرهفة إلى حد لا يمكن حتى الآلة أن تكون بقدر حساسيته، ومع ذلك فهو صابر ومترقب ولديه الأمل ويعني بعيد عنه التشاؤم، لأن التشاؤم جُبن، مع كل الظروف التي ألمت بالعراق فالفنان العراقي بقي صامداً، واجتمعت الأشتات المتفرقة في جمعية الفنانين العراقيين أو التشكيليين العراقيين وفي جماعة المسرح ويعني مؤسسات أخرى.

محمد كريشان: على ذكر المسرح نرى السيد سامي عبد الحميد ما جرى ويجري في العراق يعني قد يكون أشبه بمسرحية مرعبة الآن، يعني هل.. هل تابعتموها من هذه الزاوية؟

سامي عبد الحميد: يا إما أن تكون مسرحية تراجيديا أو.. وأحياناً أتخيلها تراجيدكوميدي، يعني ما يبكي ويضحك في آن واحد، ما حدث بعد.. بعد أن سكتت المدافع والصواريخ، ما يضحك وما يبكي هو هذه الطريقة التي تمت بها الدخول إلى المؤسسات الثقافية والمؤسسات العلمية وتم نهب ما موجود فيها، يعني شيء غريب الحقيقة يعني الكل استغربوا لماذا حدث مثل هذا العمل، من.. من هم الذين قاموا بهذا العمل؟ هل هم الناس العاديون؟ أم هناك فئات معينة تترصد للقيام بهذا العمل؟ لماذا فسح المجال لمثل هذه الأعمال؟ ولكن مع ذلك أنا متفائل، بأن ما نُهب وما سُرق وما خُرِّب سيعود يوماً ما إلى مؤسساتنا الثقافية، كما قلتم حضرتكم إن الفنان العرقي مثابر ودائماً في كل الظروف كان يجابه العقبات، وكان يقف على قدميه، ويرسم بريشته، وبكلمته وبأغنيته، وبكل مجالات الفنون، يرسم الصور المعبرة عن الواقع وعن التطلع إلى مستقبل أفضل، وأنا متفائل بأن المستقبل سيكون أفضل حتماً.

محمد كريشان: نعم، سيد نداء كاظم، سبق وأن استُضفت في (الجزيرة) وكان ذلك بعد أيام قليلة فقط من نهب المتحف بكل ما يمثله من تحف نادرة، وكنت في تأثر واضح، يعني الآن هل.. هل استوعبت الصدمة يعني؟

نداء كاظم: الحقيقة الصدمة كانت بالغة جداً، لأن أنا خرجت إلى الشارع من اليوم الأول بعد أن وقفت المدافع، وكنت أرى يعني الخراب يعني بعيني كنت أراه، كان الخراب منظم مفتعل، هناك من يبرمج هذا العمل، لذلك الألم كان كُلِّش شديد علينا، بحيث أرهقت يعني ليالي ما أستطيع النوم يعني، أريد أصل إلى تفسير حقيقي..

محمد كريشان: طيب هل.. هل وصلت إليه؟

نداء كاظم: نعم، وصلنا إلى شيء أنه نبقى أقوياء من أجل أن نرد هذا الخراب، ونعمر ما انتهك، ونعيد البسمة لأبنائنا ولوطننا.

محمد كريشان: لكن هل وصلت إلى تفسير معين لما جرى، ومن قام به و..؟ يعني هل اتضحت الصورة لديك بشكل أو بآخر؟

نداء كاظم: لا يزال هناك شك بالحقيقة، وعندما تكتمل يعني الصورة واضحة سنؤشر على المخرب أو.. أو.. أو الذي كان وراء هذا الدمار.

حجم الضرر الذي لحق بالإبداع الفني والفكري في العراق

محمد كريشان: نعم، سيد نوري، عندما تم الحديث عن نهب المتحف أو عن الآثار التي سرقت تم أيضاً حديث عن لوحات قيمة في مركز صدام للفنون وفي غيره من الأماكن والمتاحف في العراق كله، اختفت وسُرقت، ما قيمة هذه اللوحات؟ ولمن هي بالتحديد؟ هل يمكن أن تعطينا فكرة عن حجم الضرر الذي ألحق في هذا المجال؟

نوري الراوي: حجم الضرر لا يمكن أن يُقاس بأي المقاييس المعتبرة لا مادياً ولا معنوياً، لأنه كبير جداً وفادح جداً، وليس هناك من عراقي، ونحن نعرف بأن العراقيين أذكياء ومدركين، وسائر المثقفين في العراق يضعون المسؤولية على أصحابها الحقيقيين ويعرفون كيف اتجهت هذه الوجهة المخربة، فيها تخطيط وبرمجة وليس هناك شيء اعتباطي، أدين الشعب العراقي في هذه المعمعة، والشعب العراقي بريء منها.

محمد كريشان: يعني إذا أردنا أن نستعرض بعض الأمثلة للوحات تعتبرها أنت كفنان تشكيلي بارز في العراق أنها لوحات نادرة وقيّمة وتستعرضها بكثير من الحسرة لو.. لو تعطي لنا أمثلة مثلاً.

نوري الراوي: والله يعني المتحف الوطني للفن الحديث أنا قمت بتأسيس هذا المتحف سنة 62، وجُمع من اللوحات العراقية لأعمال الفنانين العراقيين منذ نهاية القرن التاسع عشر، يعني من أعمال عبد القادر رسام والرواد الأوائل، حتى الوقت الحاضر جميع آثار وأعمال الفنانين العراقيين الذين تعاقبوا على العمل والإبداع وأكابر الفنانين العراقيين الذين يتميزون في ساحة الشرق عموماً، بقدرتهم الفائقة والرائعة على الإبداع، وهذا الشيء مشهود أن العراقيين يتمتعون يعني سمعة هائلة جداً في كل أنحاء العالم بقدراتهم الفنية التشكيليين.

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني لو.. يعني لو أردنا أن.. أن نسأل السيد نوري الراوي عن عدد من النفائس يعتقد بأن خسارتها تمثل خسارة فادحة، عندما نسألك ما هي الأسماء للوحات أو للأعمال الفنية التي تستحضرها على طول؟

نوري الراوي: والله في.. في هذه العجالة لا يمكن.. يمكن أعطي نظرة شاملة وتقريبية يعني، أعمال جمعتها بيدي من أعمال عبد القادر رسام، ومحمد صالح زكي، وغيرهم من الفنانين الرواد، وكذلك أعمال جواد سري وفائق حسن، وسائر الفنانين الكبار الرواد الذين أسسوا الحركة التشكيلية في العراق، لهم أعمال، وأنا جمعتها بيدي حينما تركت المتحف سنة 74، كان مجموع اللوحات تُقدَّر بثلاثة آلاف لوحة، وعدد التماثيل يربو على الألفين أو الثلاثة آلاف تمثال.

محمد كريشان: نعم، سيد سامي عبد الحميد ربما قد لا يدرك البعض أن حتى المسرح تضرر على هذا الصعيد، نحن كنا في جلسة سريعة مع السيد يوسف العاني المسرحي المعروف، وذكر لنا أمثلة عن.. مثلاً: عدد من السيناريوهات كانت له في مقر الإذاعة والتليفزيون مثلاً، ولا يعلم الآن إن كانت أُحرقت أم أُتلفت أم..، ولا يستطيع حتى أن يتثبت ما إذا كانت موجودة أو غير موجودة، هل يمكن أن نتحدث عن خسائر معينة شملت قطاع المسرح يعني؟

سامي عبد الحميد: بالتأكيد، مثلاً في دائرة السينما والمسرح كان هناك أرشيف، وأرشيف سواء للمطبوعات أو المنشورات أو أرشيف للأفلام أو التسجيلات الصوّرية، يبدو لي أنها تعرضت للتلف والحرق، وأنا أتمنى.. أتمنى أن تكون نسخ من هذه.. شيء من هذا الأرشيف وهذه التسجيلات موجودة عند الفنانين الآخرين، سواء داخل القطر أو خارج القطر، ومن هذه الجلسة أنا أناشد جميع الأصدقاء الطيبين من العرب ومن الأجانب أن يمدونا بيد المساعدة لاسترجاع أو لإعادة.. أو لتزويدنا بما خسرناه من هذه الوثائق المهمة، سواء للأفلام العراقية، للمسلسلات التليفزيونية الدرامية، للأفلام الوثائقية العراقية، لأرشيف الفنانين السينمائيين والمسرحيين.

الخسارة -الحقيقة- التي يعني تألمت لها هو الخراب الذي حل بمسرح الرشيد، وكثير من الفنانين العرب يتذكرون هذا المسرح، لأنهم أقاموا عليه عروضهم المسرحية في مناسبات..

محمد كريشان [مقاطعاً]: تضرر كثيراً..

سامي عبد الحميد: تضرر كثيراً الحقيقة، وآمل عند إعادة إعمار البلد سيعود إلى ما كان.

محمد كريشان: نعم، على ذكر النداء الذي توجهتم به، المبادرة بدأت على مستوى العراق نفسه، يعني مجموعة من المثقفين العراقيين دعوا إلى مؤتمر شامل سينعقد يوم الاثنين..

سامي عبد الحميد: بكرة.

محمد كريشان: الثاني عشر من مايو من أجل الحفاظ.. في البيان يقول: من أجل الحفاظ على ذاكرتنا الوطنية وصيانة موروثنا الثقافي، دعوة لتشكيل لجنة وطنية للحفاظ على الممتلكات الثقافية، والبيان يقول: شَكَّلت مجموعة من المثقفين العراقيين من مفكرين وكتاب وأدباء وصحفيين وآثاريين وأكاديميين ومختصين بشؤون التوثيق والمكتبات لجنة المبادرة ستنبثق عنها لجنة وطنية للحفاظ على الممتلكات الثقافية تعمل على استعادة ما نُهب وفُقد من هذه الممتلكات، وترميم ما خُرِّب منها، ورسم الخطط والمناهج، وإقامة اتصالات عربية ودولية مثلما قلت، وتوفير معلومات موثقة لتحقيق هذا الهدف، سيد نداء ما مدى ثقتك في نجاعة مثل هذه المبادرة في استعادة.. على الأقل جزء مما فُقد؟

نداء كاظم: الفنان العراقي والأديب العراقي دائماً مبادر، والحقيقة أنا شاهدت كثير من الزملاء والأصدقاء متحمسين جداً لهذه المبادرات، ومخلصين يطرحون نفسهم للعمل من أجل أن نسرع بأن نبني، ومتشوقين جداً للبناء، يعني كثير من الفنانين ألتقيهم يومياً، نكاد أن نلتقي يومياً، وأحس بالحماس من الشباب أو الأجيال الرائدة، كلهم بنفس الحماس، وبنفس الأمل أن يُعاد كل شيء إلى هذا البلد، يُعاد كل جميل وكل خيِّر، .. يجب أن يُعاد بأفضل من قبل يعني، لأنه النفوس لا تزال خيرة والفنان العراقي لا يزال مبدع، وإنسان محب لوطنه ولشعبه، لذلك كل شيء يكون سهل، وكل شيء متوقع أن يُقدَّم من هذه النخبة الخيرة من أبناء الوطن.

مدى قدرة الفنانين والمبدعين العراقيين على العودة من جديد

محمد كريشان: نعم، الآن بالطبع في العراق أغلب الموظفين لا يعملون، أغلب العمال لا يعملون، وإن بدأت الحياة تعود تدريجياً بخطى وئيدة، على الصعيد الإبداعي. وسأوجه السؤال للجميع: هل استعدتم بعض العافية؟ يعني هل عدت مثلاً أنت للورشة.. للعمل، لإنجاز أو لإتمام أشياء شرعت فيها من قبل؟

نداء كاظم: نعم، أنا كان عندي موضوع جميل جداً قبل الحرب، كنت أعمل، وعندما بدأت المأساة تركت العمل، عدت قبل أسبوع إلى (المحتَرَف) مالي في الوزيرية، إلا أن الرؤية بدأت تختلف، يعني..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني الحجارة مازالت نفسها، لكن أنت اختلفت؟

نداء كاظم: نعم، الرؤية بدأت تختلف، يعني الظلمة اللي دخلنا فيها، العُتمة اللي دخلنا فيها مزقت كثير من.. من يعني أحاسيس الفنان، يراد وقت طويل لأن ترجع، فأجّلت العمل فيه، لأنه أحس بتعب يعني، عندما أريد أعيد نفس اللمسة، أشوف هناك تراجع، وخاصة يعرف الأستاذ نوري والأستاذ سامي إنه الفنان يعني اللمسة اللي يضعها هي من.. من.. من أحاسيسه.. من داخل أحاسيسه، فلذلك المأساة يعني أنا.. أنا كنت فضولي جداً، لأنه أركض بالشوارع، أتابع المأساة، فظلّت عميقة في داخلي.

محمد كريشان: سيد نوري.

نوري الراوي: كيف سأتابع الكلام الذي بدأه صديقي وحبيبي نداء، وهو يبكي، نحن مجروحين إلى الأعماق، عندي كلمة واحدة فقط أوجهها إلى الاتحاد الأوروبي، إذا كان عندهم شرف أخلاقي، أو ذرة من الشرف الدبلوماسي والسياسي والأخلاقي: أن يحافظون على تراث العراق، هذا.. هذا الشعب لا يستحق هذه الإهانة الكبيرة الضخمة، لا يستحق هذا الدوس المستمر مدى 20 سنة، وهم يهتكون هذا الشعب بالجوع، والتخلف، وقطع التكنولوجيا، والثقافة.. فكفاية أنهم إذا استطاعوا حقاً وصدقاً أن يعيدون الإعمار إلى العراق وهم يموهون بهذه، هي بطبيعة الحال شركات، نحن لا نتكلم في حدود الشركات، وإنما في حدود الأنظمة الأوروبية الحاصلة الآن، إذا هي عندها غيرة على التراث الإنساني فلتُعد.. تُعد تراث العراق، آثار العراق، حضارة العراق لأنه لا يمكن أن يعوِّض هذه المسائل شيء آخر، البناء يُبنى ولكن الوثيقة والكتاب والتمثال واللوحة المفردة ليس لها نظير، ذهبت أو سُرقت لماذا؟ يعني هذا السؤال.. هذا الشيء اللي يحز في نفوس العراقيين والمثقفين جميعاً.

محمد كريشان: سيد نوري هل.. هل عدت إلى الريشة والرسم؟

نوري الراوي: لا أستطيع، لأن.. لأن الخنجر المسموم مازال في أعماقي، وإلى أن يُسلَّ بهدوء، لا أدري كيف سأستطيع أن أمسك الريشة، وأمسك القلم، وأكتب، وأعاود الحياة كما كنت.

محمد كريشان: سيد سامي..

سامي عبد الحميد: أنا أقول أنتم يا إخواني وغيركم من الفنانين ستشعلون الشموع لتبددون الظلمة بالتأكيد، أنا الحقيقة متفائل أكثر من الإخوة.

محمد كريشان: نحتاج إلى ذلك فعلاً.

سامي عبد الحميد: قبل أيام ذهبت إلى مسرحي - مسرح بغداد- مسرح فرقة المسرح الفني الحديث، واتفقنا مع مجموعة من المثقفين العراقيين أن نعيد تأهيل هذا المسرح، واقترحوا علينا أن يقدموا لنا هذه المساعدة في إعادة تعمير هذا المكان، والمكان الصغير، وأيضاً يعرفون كثير من الفنانين المسرحيين العرب، يعرفون هذا المكان الصغير الذي قُدِّمت فيه أعمال كبيرة جداً، لي أمل كبير في أن هذا المكان سيعاد بناءه بشكل محترم، وسيقام مهرجان في الشهر العاشر من هذا العام إن شاء الله.

محمد كريشان: إن شاء الله، على كل كان بودِّنا أيضاً أن يكون من بيننا شعراء أيضاً ليعطونا نكهتهم الخاصة لهذه الجلسة، ولكن قد يكون لنا عودة معهم أيضاً، ولكن مع ذلك الشعراء ينشطون يعني في السابع من هذا الشهر تمت دعوة للجنة.. لجلسة شعرية مفتوحة، تمت بدعوة من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، أيضاً هنا.. هناك دعوة في الهيئة الإدارية المؤقتة لاتحاد الشعراء وكُتَّاب الأغنية، لجلسة شعرية والاجتماع يوم الثاني عشر من.. من مايو، وعلى ذِكْر الشعر والشعراء، الحقيقة لدينا قصيدة من شاعر عراقي شاب أستسمحكم في.. في قراءتها، وهي.. وهي قصيدة طازجة.. لأنها في العاشر من.. من هذا الشهر، في العاشر من مايو، واسم القصيدة "الوطنية آخر ملجأٍ للنذل"، ويكتب الشاعر بين قوسين العنوان مقتبس واسم الشاعر الشاب اسمه مروان عادل يقول:

شكراً لأعداء الوطن

شكراً لكل قذيفة سقطت على أرض الوطن

ولكل طائرة معادية وصاروخ معادٍ للوطن

شكراً لحربٍ أخرجتنا عنوة من ظلمة الوطن الكفن

شكراً..

شكراً لمن كشف النقاب عن العفن

شكراً لمن دفع الثمن

ولمن على أشلائه عَبَر الزمن

قد يكره الأموات شيئاً وهو خير للوطن

لما ضُربنا الرأس بالرأس استفقنا من أكاذيب الوطن

فالكل كان يصيح من أجل الوطن

ومواطنونا الطيبون تقشمروا (وهو تعبير عراقي يدلُّ على أنهم ذُلِّلوا وضحك.. وضُحِكَ على ذقونهم)

ومواطنونا الطيبون تقشمروا

ومضوا ضحايا..

ضحايا الموت من أجل الوطن

والآن يعترف الوطن

كل القيادات الحكيمة مرغت أنف الوطن

وتلطخت بدماء أبناء الوطن

كل القيادات الحكيمة مرغت أنف الوطن

وتلطخت بدماء أبناء الوطن

والآن يظهر ما بطن

وطن بدون مواطنين

ومواطنون بلا وطن

فالموت من أجل الوطن

فالموت من أجل الوطن

هذا الشعار الزائف المحفور بالسكين في وجه الوطن

لِمَ لا يكون العيش من أجل الوطن

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: سيد نوري الراوي، الآن إذا صح أن نَصِف هذه المرحلة بمرحلة ذهول، ومازالت الصورة غير واضحة، هل تراها بتفاؤل السيد سامي عبد الحميد ولو بعد مرحلة؟ هل نتوقع مرحلة إبداع وازدهار لكل فنون العراق؟ خاصة وأن مثلاً نستحضر ما.. ما قاله الأديب التونسي المعروف محمود المسعدي الأدب مأساة أو لا يكون، قد يكون الفن أيضاً مأساة أو لا يكون، قد.. قد يخرج من رحم هذه المعاناة الكثير من الإبداع.

نوري الراوي: بيقيني أن طائر الفينيق سينفض الرماد عن جناحيه، ويبدأ لهذا العراق.. هذا العراق أبو الثورات وأبو الحروب وأبو الكوارث، استقبل الجيوش من كل أنحاء الأرض داستها، ومع ذلك بقي العراق قائماً، من (هولاكو) حتى الآن، فأنا مؤمن، ولكن حالات النفس كثيرا ما يتأجج الدمار، ويتأجج.. تتأجج الروح، وتشتعل كثير من القيم الإنسانية حينما يجد أن.. أن تراثهم ليس.. ليس للبشر فقط وإنما تراث، هذا التراث الذي تركه العراقيون منذ خمسة آلاف سنة من عهد سومر حتى الآن، يداس ويدنس ويكسر هذا.. هذا الشيء المؤلم، ومع ذلك فنحن نعود مرة أخرى، ونستذكر، ونتذكر، ونعتبر أن هذا الدرس يجب أن يكون الأخير، يجب أن يكون الأخير أمام العراقيين، وإلاَّ فسلام على الدنيا.

محمد كريشان: سيد نوري الآن فيه مرحلة فرز سياسي في الساحة، مازالت ضبابية بالطبع، هل لديك خشية من أنه في يوم من الأيام سيظهر من يتحدث عن فناني العهد السابق، ومثقفي العهد السابق، ومبدعي العهد السابق، هل هذا وارد في عالم الإبداع؟

نوري الراوي: لأ.. لأ، أنا مؤمن بأنه نهر الفرات يجري باستمرار، ليس هناك من سابقٍ ولا لاحقٍ، الفن نهر جارٍ ومستمر، وتطفو.. تطفو على السطح فقاعات، ولكن تزول، الفن الحقيقي يبقى ويبقى مع الزمان، والفنانين الحقيقيين يستمرون، وتبقى آثارهم الإبداعية، ويواصلون العمل، ويعيدون ما خرَّبه التتار، وهولاكو، والجيوش الحديثة، إلى آخره.

فأنا مؤمن بأن التفريق بين فناني الماضي وفناني الحاضر ومن مشى مع التيار ومن لا يمشي، هذه.. هذه عاطفة لا يمكن أن نتركها تجري على هواها، الشيء الأساسي هو أن نعي بدقة وبعلمية وبمنهجية ما هو المطلوب من إن.. من.. منَّا في بناء حياتنا المستقبلية، وإلاَّ.

محمد كريشان: نعم، سيد سامي عبد الحميد هل.. هل تتوقع الآن حديث البعض عن ضرورة نشأة مسرح جديد وارتباطاً بالعهد الجديد؟ أم ترى أن الإبداع -مثل ما قال السيد نوري- الإبداع هو.. هو الفيصل في النهاية سواء كان قديماً أم حديثاً؟

سامي عبد الحميد: المسرح دائماً متجدد، المسرح العراقي بالذات، عندما بدأ بنهضته المعروفة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي كان مجدِّداً، وظل مُجدِّداً في كل العهود التي مرَّت، وأنا أقول أن الإبداع هيبزغ ويزدهر في كلا الحالتين، في حالة القهر وفي حالة الحرية، يزدهر في حالة القهر لأن الفنان دائماً.. دائماً يعارض حتى وإن لم يكن بصراحة، وإنما في داخله يعارض هذا القهر، فإذا ما حلَّت الحرية فبالتأكيد سيكون هناك المجال أوسع للإبداع، ومن هنا أيضاً أنا أدعو إلى ثقافة حرة.. ثقافة حرة ولكن بشرط ألا تسيء إلى القيم الاجتماعية، إلى المعتقدات، تلتزم بالقيم النبيلة، أن لا تنحصر باتجاه معين، أن لا تنحصر بفئة معينة من الناس، وإنما تكون هناك أشبه بحديقة تتفتح بها كل الزهور، وبالتأكيد أن الزهور ستكون مريحة للنفس ولا تكون مضرة.

محمد كريشان: نعم، سيد نداء هل.. هل تتوقع فضاء حرية أوسع في المرحلة المقبلة.. علماً وأنه ربما قد يكون النحات أو الفنان التشكيلي محظوظاً أكثر من غيره من المبدعين من مسرحي أو شاعر أو قصَّاص، على أساس أنه قادر على أن.. أن يلبي ذاته في العمل الفني دون أن يكشف نواياه بالكامل؟

نداء كاظم: الحقيقة يعني الفنان التشكيلي فعلاً يعني يعمل بصمت والحرية راح تعطيه شيء كبير وعميق جداً، نحن نحب الحرية في عملنا، لأنه نجاهر أخيراً بالعمل نجاهر فيه هو جزء من حريتنا، فالحرية عظيمة جداً، ولكن أنا أذكر مقولة: "أسوأ أنواع الظلم هي الحرية المفتعلة أو العدالة المفتعلة"، يعني نأمل أن تكون الحرية حقيقية.

محمد كريشان: يعني لديك تخوفات على هذا الصعيد؟

نداء كاظم: نعم، أنا أتمنى أن تكون الحرية والعدالة حقيقية لهذا الشعب، لأنه عانينا الكثير من الوعود، وكثير آمال، وكنا نتحلى بالصبر، ونعاني من أجل أن ننتظر القادم الجديد، الذي سيُمنح.

محمد كريشان: نعم، سيد نوري الآن الأحزاب في.. في العراق يعني أصبحت كثيرة بشكل كبير، وحتى دون أن يكون للمواطن معرفة دقيقة بأطروحاتها أو حتى بتاريخها، هل لديك تخوفات من مثل هذا المناخ السياسي على عمل الإبداع؟ هل.. هل تخشى أن تفرز فناني أحزاب، أو فنانين بيافطات حزبية هنا وهناك؟

نوري الراوي: أعتقد بأن هذه الأمراض تأتي بعد كل حرب، ولكن الزمن كفيل بالتصفية، لأنه لا يصح في النهاية إلا الصحيح، ولذلك فكثير من الانتهازيين والوصوليين والمتصيدين في الماء العكر يأتون لأجل أن يعني يغتنموا في.. في فوضى أُعطيت بشكل شامل لجماهير يعني بملايينها، ومع ذلك فإن عدالة المجتمع لا يمكن أن يعني تتوفر إلا إذا توجهت توجهُّاً إنسانياً حقيقياً، وهذه المسألة مفهومة جداً لدى العراقيين، لأنه العراقي حسَّاس بشكل، وذكي بشكل يعني لا يمكن يعني أبسط إنسان في العراق بالشارع، وبالبيت، وبالمصنع، وبالمدرسة، وفي كل مكان يفهم بذكاء جداً، لأنه مارس طول 80 سنة أنظمة سياسية مختلفة، وعرف كثير من الأمور، ولذلك فالعراقي لا.. لا يعني.. يعني لا يقبل بغير الصواب والحقيقة، فهذه الأحزاب يصفيها الزمن وتذهب جفاءً.

محمد كريشان: كثير من المبدعين العراقيين، لاسيما الرسامين التشكيليين والفنانين التشكيليين يقيمون منذ سنوات في الخارج، هل تعتقد بأن لهؤلاء الآن دور معين في المرحلة المقبلة، أو في ضوء ما جرى للعراق عليهم مهام وطنية معينة، عليهم أن يقوموا بها في الخارج؟

نوري الراوي: أنا أرى كل عراقي عليه مهمات أن يعني يمد يده في عملية البناء بأي شكل من الأشكال، أو على أي صعيد من الأصعدة، بالثقافة، والعلم، والفن، والتكنولوجيا، وكل شيء، لأنه هذا الوطن للجميع، ليس ملكاً لأحد منفرداً، ويعني تبقى المسألة مرهونة بثقة الفنان بها المسألة هاي المهمة، وهو الارتباط.. الارتباط الصميمي بالوطن، الارتباط الصميمي، والعراقي من.. من المرتبطين بالوطن بشكل عجيب، لم يكن العراقي يهاجر قبل 20 أو 30 أو.. نهائياً.. لا.. لا يعرف العراقي الهجرة، مثل ما تعرفها الشعوب العربية الأخرى، الشعب العراقي الوحيد اللي يكره الهجرة، ولذلك فالعودة إلى الوطن مسألة مرهونة بالـ..

مستقبل المسرح العراقي في المرحلة المقبلة

محمد كريشان: نعم، سيد سامي عبد الحميد، معروف أعطني مسرحاً أعطيك شعباً، شعباً عظيماً، في.. في السنوات الماضية قيل بأن المسرح في العراق ساده المسرح التجاري والتهريجي، وربما لعب دوراً حتى تنفيسياً لمعاناة الناس وكبتهم، الآن ما طبيعة المسرح الذي تراه، أو ترى الشعب العراقي جديراً به في المرحلة المقبلة؟

سامي عبد الحميد: الشعب العراقي جدير بالمسرح الأصلي، بفن المسرح الحقيقي، وليس هذا أو تلك العروض الطارئة التي سادت الساحة المسرحية في السنوات الأخيرة ابتداءً من بداية الثمانينات من القرن الماضي، وجاءت الحقيقة نتيجة للكبت اللي مر به الشعب العراقي نتيجة للحروب، الحربين المعروفين، واتسعت رقعة هذا المسرح بشكل أدى إلى هبوط المستوى تدريجياً، وكنا نخشى من هذا الهبوط، وركزنا على نقطة مهمة نحن المسرحيين أنه هذا النوع من العروض التجارية المبتذلة الهابطة في مستواها سيشوِّه ذائقة الجمهور، سوف يعتقد هذا الجمهور بأن المسرح هو هذا وليس غيره، الآن مهمتنا كما أعتقد هو أن نعيد أن نصحِّح، أن نعيد المسرح إلى وجهه الحقيقي الذي بدأ -كما قلت سابقاً- منذ الخمسينيات، وممكن الأستاذ نوري كان مرتبط بذاك.. بذاك المسرح، وهو يعرف الكثير عنه.

نوري الراوي: مع فرقة المسرح..

سامي عبد الحميد: الحديث.

نوري الراوي: الفن الحديث، في الخمسينات؟

سامي عبد الحميد: الأسباب كثيرة الحقيقة دعت إلى.. إلى انتشار هذا النوع من العروض، منها أسباب اقتصادية، ومنها أسباب التنفيس على الترويح عن النفس، ويبدو لي في ذاك الوقت كانت الجهات المسؤولة تشجِّع هذا النوع حتى تمتص كثير من الأشياء، وكان هناك صراع واضح بين.. بينا إحنا اللي نؤمن بأن المسرح واجهة ثقافية..

نوري الراوي: رسالة.

سامي عبد الحميد: تُعلِّم، تُثقِّف، وبين هذه المجموعة الكبيرة، وكثير منهم كانوا طارئين على هذا الحقل جاءوا يعني جاءوا بأموال بسيطة لكي يستطيعوا إنتاج أعمال معينة، والممثلين اللي اشتغلوا معاهم، والفنانين اللي اشتغلوا، وجدوا مورداً للرزق أكثر من مجال آخر..

نداء كاظم: هذا كل الفنون أصابها هذا..

سامي عبد الحميد: كل الفنون أصابها.

نداء كاظم: كل الفنون أصابها هذا العبث يعني للأسف.

محمد كريشان: سيد نداء، ربما في.. في المرحلة المقبلة مع الضائقة الاقتصادية التي نرجو ألا تطول، لأن الشعب العراقي عانى أكثر من اللازم، كيف يمكن أن.. أن تجدوا يعني -بين قوسين- زبائن، يعني واسمح لي في هذا التعبير، للفنانين التشكيليين وللنحاتين في ظل لهث المواطن على لقمة العيش وعلى الأمن، فقد يبدو هذه الأمور تبدو يعني ترفاً من الصعب أن يقبل عليه المواطن العراقي؟

نداء كاظم: المبدعين العراقيين في الحقيقة همَّ ما يبحثون عن سوق لأعمالهم، ولكن هناك يعني بالفترة الأخيرة هناك يعني من أصدقائنا الفنانين العرب والفنانين الأجانب بدءوا يتحسسون، أو بدءوا ينظرون إلى الفنان التشكيلي العراقي بنظرة ثاقبة ونظرة جيدة، لذلك أخذوا يقتنون كثير من أعمال الفنانين، يعني أستاذ نوري أعماله في البحرين، في الإمارات، في قطر، والفنانين الآخرين، فالحقيقة إحنا هسه مشكلتنا مو إنه كيف نسوق العمل الفني، أو كيف نرتزق من وراء..، مشكلتنا كيف نبدأ ونظل بنفس المستوى الإبداعي، وبنفس الاحترام من الناس الآخرين، وهذه متوفرة لدينا الحمد لله للقوة الموجودة في داخل الفنان، ولحبه للعمل.

محمد كريشان: نعم، في الفترة الماضية أيضاً قد يكون لعب إقبال بعض المواطنين العرب على شراء لوحات الفنانين العراقيين يعني متنفس مالي معين، وهذا يعني ولو أن البعض استغل ذلك لأغراض تجارية، هذا.. هذا أكيد يعني، في كلمة لحضرتك وكلمة للأستاذ نوري في نهاية البرنامج، هل تعتقد بأن شكل التعامل مع الفنانين التشكيليين العراقيين سيتغير في المستقبل القريب؟

نداء كاظم: أكيد راح يتغير، لأنه راح تكون النظرة أكثر جدية وأكثر عمق للفن حقيقة.

محمد كريشان: نعم، سيد نوري.

نوري الراوي: بطبيعة الحال التغيُّر حاصل على أي شكل من الأشكال، ولكن إلى الأحسن، أعتقد بأن الدروس كثيرة، اللي أصابت الفنانين والوسط الثقافي برمته، لم يعد هناك متسع لدروس جديدة أخرى، ما تعلمناه كثيراً.

محمد كريشان: لابد.. لابد أن يكون الدرس الأخير.

نوري الراوي: وفهمنا كثيراً، وعرفنا كيف يعني تجري الأمور، والفنان العراقي لم يكن فنان سوق، والسوق التجارية نشأت في السنين الأخيرة، لم يكن الفنان العراقي يعرف هذه المسألة إطلاقاً إلا خلال السنين الأخيرة، كان يعني يشتغل لأجل أن يعني لرغبته، ولاندفاعه وعاطفته المتقدة المستمرة دائماً بالإبداع والإنتاج، وهذا كان.. كان هو التعويض الحقيقي.

محمد كريشان: شكراً لضيوفنا الكرام.. شكراً لك سيد نوري الراوي (الفنان التشكيلي والناقد والكاتب)، شكراً للسيد سامي عبد الحميد (المسرحي تمثيلاً وإخراجاً ومواكبة)، وللسيد نداء كاظم جواد (النحات والفنان التشكيلي) شكراً جزيلاً لكم.

في نهاية البرنامج تحية من كامل الفريق الفني في بغداد والدوحة، وفي أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة