حياة بالجدول.. معاناة مع انقطاع الكهرباء بغزة   
الأربعاء 1435/9/20 هـ - الموافق 16/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 23:37 (مكة المكرمة)، 20:37 (غرينتش)

اعتاد أهالي غزة وأنا واحد منهم متابعة جدول الكهرباء التي تغيب عنا لفترات طويلة مغيبة معها الكثير من أوجه الحياة.

جدول الكهرباء المرتبط بأوقات غياب الكهرباء صنع نمطا جديدا من الحياة في قطاع غزة، فكل تفاصيل حياة السكان هنا أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بهذا الجدول، حتى مواعيد النوم والأكل وغسل الملابس وغيرها من تفاصيل الحياة الصغيرة والكبيرة يتم جدولتها تبعا لمواعيد هذا الجدول.

هذا النمط المستحدث من الحياة شكل تجربة إنسانية تختلف عن أي تجربة قد تشابهها في الشكل، حيث أن عجز الطاقة الكهربائية في غزة هو أحد أهم التحديات التي تزيد من عمق المعاناة التي يعيشها أهالي القطاع المحاصر من ويلات الاحتلال، حيث يعي جيدا المحتل أهمية هذه الأزمة في التنغيص الدائم على السكان المحاصرين من أجل تحقيق أهداف متعددة تساهم في إحكام قبضته كمحتل على هذه المنطقة وتركها منطقة تعاني جراحها المستمرة في الظلام.

الحقيقة المؤلمة أن إنهاء هذه الأزمة الإنسانية ليس صعبا، فاحتياجات قطاع غزة من الطاقة ليست كبيرة مما يجعل حل مشكلة الكهرباء فيها نظريا سهل جدا، فحاجة القطاع من الطاقة فعليا أقل من احتياجات مصنع حديد صلب واحد (تحتاج غزة تقريبا 360 ميجاوات ، بينما مصنع الحديد الصلب يحتاج تقريبا 500 ميجا وات)، وأقل من نسبة الطاقة المفقودة في أي شبكة كهرباء في العالم ، على سبيل المثال: غزة تستهلك فقط 1% من نسبة الطاقة المستهلكة في دولة مثل مصر والتي تبلغ نسبة فقد الكهرباء في شبكتها 12% (أي 12 مرة من احتياجات غزة للكهرباء.)

ومن هنا كانت الحاجة ملحة إلى إنتاج فيلم يوضح هذه الأزمة و يشرحها إنسانيا قبل كل شيء، وخاصة أن البعض قد يظن أن مطلب الكهرباء على مدار الساعة هو مطلب ترفيهي لسكان قطاع غزة وليس ضرورة من ضرورات الحياة مثلهم مثل نظرائهم في كثير من دول العالم، فالأزمة أعمق، وتتجاوز مسألة انقطاع الإنارة في المنازل ووسائل الحياة المريحة.

فعدم وجود كهرباء معناه توقف المستشفيات واحتمالات موت أكبر لضحايا العدوان والحصار الإسرائيلي و زيادة في معاناة المرضى نتيجة توقف الأجهزة الطبية أوعدم انتظام عملها بسبب توتر جدول الكهرباء، انقطاع الكهرباء يعني توقف مضخات الصرف الصحي ومزيد من المشاكل البيئية، توقف المصانع و المحلات التجارية عن العمل و مزيد من البطالة المتفشية أصلا، بل يمتد الأمر إلى أن تجد عائلات تفقد أبنائها خلال محاولاتهم تأمين وسائل بديلة للطاقة لترتفع حجم فاتورة الموت الضخمة أصلا نتاج العدوان المتكرر على سكان غزة.

كانت المحاولة في هذا الفيلم أن نجعل المشاهد يعايش أوقات جدول الكهرباء في غزة، وخاصة للمشاهدين الذين ينعمون على مدار الساعة بالكهرباء ليدركوا حجم الألم والمعاناة اليومية المستمرة، والتي يعتبر حلها أحد العناصر المهمة في دعم صمود الشعب الفلسطيني في غزة وخاصة أن حل هذه المشكلة سيساهم في حل الكثير من المشاكل الإنسانية الصعبة ويخفف من فاتورة الموت اليومية في غزة.

 المخرج: أشرف المشهراوي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة