دعوة العراق لبيلكس وموضوعات أخرى   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:29 (مكة المكرمة)، 23:29 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

03/08/2002

- دعوة العراق لبيلكس بين التحول الإيجابي والمناورة
- الإصلاحات الدستورية في تركيا ومحاولة اللحاق بالاتحاد الأوروبي

- تداعيات تفجير مطعم الجامعة العبرية على المسرحين الفلسطيني والإسرائيلي

- تحول رابطة آسيان إلى تنظيم لمكافحة الإرهاب

- روسيا الاتحادية ومحو آخر رموز الشيوعية

جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

العراق والأمم المتحدة، دعوة (بيلكس) إلى بغداد تحول إيجابي في الموقف العراقي، أم مجرد مناورة مؤرقة لواشنطن؟

تركيا تقرر تبني إصلاحات دستورية ولكن هل ستؤدي إلى مخرج من العواصف، وهل تضمن فرصة الانضمام إلى أوروبا؟

والمقاومة الفلسطينية والجامعة العبرية والاجتياحات الإسرائيلية، من يزايد على من بأعمال العنف؟

دعوة العراق لبيلكس بين التحول الإيجابي والمناورة

ربما تكون الدعوة التي وجهتها القيادة السياسية العراقية إلى (هانز بيلكس) رئيس لجنة مفتشي الأسلحة الدوليين لزيارة العراق خطوة محسوبة المضاعفات وهذا تطور إيجابي، وربما يجد العراقيون ارتياحاً في حقيقة أن هذا التطور سيتسبب من دون شك في انقسام على الأقل بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولكن المشكلة هي أنه إذا كانت بغداد تريد من وراء ذلك تفادي ضربة أميركية فإن إعلان واشنطن أن الإطاحة بالرئيس العراقي وهو المستهدف بالضربة ليست مرتبطة بقبول أو رفض عودة مفتشي الأسلحة سيجرد هذه الخطوة العراقية من أهميتها ما لم يتمكن المجتمع الدولي من حمل واشنطن ومعها لندن على الالتزام بالقانون الدولي والإحجام عن العبث في الشؤون الداخلية لدولة عضو في الأمم المتحدة.

تقرير/سمير خضر: اثني عشرة عاماً مرت ولم يتغير شيء في حياة الإنسان العراقي العادي، اثنا عشرة عاماً من الحصار الذي يخنق كل مناحي الحياة ناهيك عن التهديدات شبه اليومية بعمل عسكري ومنذ اليوم الأول وضعت الأمم المتحدة شرطاً أساسياً لإنهاء هذا الوضع تخلص العراق من مخزونه من أسلحة الدمار الشامل ومصادقة لجان التفتيش على ذلك، لكن عمل هذه اللجان مرَّ في مراحل اتسم معظمها بالتشكيك في نزاهتها بل وفي أهدافها، ومنذ نحو أربع سنوات خرجت هذه الفرق من العراق ولم تعود إليه وأصبحت مسألة عودة مفتشي الأسلحة الدولية حجر عثرة أمام كل محاولات ما يسمى بإعادة تأهيل العراق، وتزايدت في الآونة الأخيرة التصريحات الأميركية المتعلقة بعمل عسكري ما ضد العراق لأسباب لا تخفى على أحد، فجورج بوش جاء إلى البيت الأبيض وفي نيته إكمال المهمة التي بدأها والده في حرب الخليج وهي مهمة لا يستطيع الرئيس الابن التنصل منها خاصة وأن معظم مساعديه وأقرب مستشاريه أشرفوا شخصياً على تلك الحرب ويريدون الآن إنهاءها بإسقاط النظام الحاكم في بغداد وقد شكلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر فرصة تاريخية للإدارة الأميركية للمضي قدماً في هذا المشروع من خلال وصف العراق بإحدى دول محور الشر التي تهدد المنطقة بأسرها وتهدد أيضاً أمن الولايات المتحدة.. واشنطن لم تعد إذن تخفي رغبتها في قلب النظام في العراق وبدأ الحديث يكثر عن عملية عسكرية ضخمة تتضمن اجتياح الأراضي العراقية من عدة جبهات، لكن بغداد فاجأت الجميع بطلبها من رئيس فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة زيارة العراق للتباحث في أمور تسهِّل عودة المفتشين الدوليين، هذه الدعوة شكلت أول إشارة واضحة على نية تقديم تنازل في هذا المجال، لكن رد الأمم المتحدة لم يكن كما كان متوقعاً، إذ تحدث الناطق باسمها عن عدم توافق بين بنود هذه الدعوة والقرارات الدولية المتعلقة بالعراق دون أن يحدد طبيعة هذا التعارض، وقد فسر البعض هذا الموقف بأنه خضوع كامل للإدارة الأميركية، إذا انبرى العديد من المسؤولين الأميركيين ليعبروا عن تشككهم في الموقف العراقي الجديد، بل وأعلنوا أن مسألة ضرب العراق ليست مرتبطة بقبول أو رفض عودة المفتشين، وبذلك أصبحت الإطاحة بالنظام العمود الفقري للسياسة الأميركية تجاه العراق وربما المنطقة كلها واعتماداً على مدى جدية المبادرة العراقية سيجد البيت الأبيض ومعه لندن أيضاً أن من الصعب إقناع أي كان بأن ضرب العراق ضروري لتطبيق القرارات الدولية وليس لأغراض استراتيجية أميركية بحتة، أما أعضاء مجلس الأمن الآخرين وعلى رأسهم روسيا والصين وربما فرنسا كذلك، فإن المبادرة العراقية ستضعهم في مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

الإصلاحات الدستورية في تركيا ومحاولة اللحاق بالاتحاد الأوروبي

جميل عازر: أقر البرلمان التركي رسمياً جملة من الإصلاحات التي إذا تم تنفيذها ستنطلق بجمهورية أتاتورك على طريق الديمقراطية بالمعايير الأوروبية، ويبدو أن الأتراك قرروا أن الانتماء إلى أوروبا يعلو على كل اعتبار آخر، فأذعنوا لمطالب (بروكسل) وألغوا عقوبة الإعدام وسمحوا لأكثر من اثني عشر مليون كردي في تركيا بممارسة نواحٍ من ثقافتهم ظلوا حتى الآن ممنوعين منها.

ولكن بينما تريد تركيا من الاتحاد الأوروبي تحديد موعد للبدء بمحادثات الانضمام إليه ترد بروكسل بالقول إن ذلك لن يحدث إلا بعد إقرار الإصلاحات وتنفيذها، وهكذا يبدو أن الكرة الأوروبية باقية في ملعب أنقرة دون حراك ربما إلى ما بعد الانتخابات التي ستُجرى في الثالث من نوفمبر تشرين الثاني القادم.

تقرير/جيان اليعقوبي: كثيراً ما اشتكى الأتراك من أن الأوروبيين ينظرون إليهم نظرة المستعمر الأوروبي إلى الرجل المريض، ويشتكي الأوربيون في المقابل أن الأتراك كثيراً ما يتصرفون معهم بعقلية السلاطين العثمانيين الذي أصبح عنادهم مثلاً في أوروبا بوصف الرجل العنيد أنه يحمل رأساً تركياً، ولكن ما حدث في أنقرة ربما يوحي بأن القطار التركي سيصل أخيراً إلى محطته المأمولة في بروكسل فقد أقر النواب سلسلة قوانين تدخل في إطار الإصلاحات المطلوبة للاقتراب من المعايير الأوروبية، وقد حظي بند إلغاء عقوبة الإعدام بحماسة غير متوقعة من لدن النواب مع أنه البند الكفيل بإبعاد حبل المشنقة عن رقبة (أوجلان) العدو الأول لأنقرة، لا بل مضى الأتراك خطوة أبعد من ذلك وأجازوا تعديلات تسمح بالبث الإذاعي والتليفزيوني باللغة الكردية وكذلك تدريس الكردية في المدارس الخاصة في هذه المرحلة على الأقل وقد وصف المراقبون الأتراك هذه الخطوة بأنها يوم تاريخي، فالعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي لا تزال تمثل مطمح غالبية الأتراك الذين حاولوا طويلاً الموازنة بين متطلبات الدخول إلى الفردوس الأوروبي وخصوصيات مجتمعهم المسلم ولكنهم ومنذ أن وافقت قمة (هلسنكي) في ديسمبر عام 99 على ترشيح أنقرة رسمياً للحصول على العضوية الكاملة للاتحاد وهم يحثون الخطى للوفاء بالمعايير المطلوبة منهم.

وقد فوجئ الأتراك منذ ذلك الحين بتصاعد النبرة الأوروبية المتسمة بالجدية والخشونة، فقعد صوَّت البرلمان الفرنسي ومن بعده الإيطالي لصالح قرارات تؤيد الآراء التي تُدين تركيا فيما تعرض له الأرمن من مذبحة أودت بحياة نحو مليون أرمني إبَّان الحرب العالمية الأولى، ثم عقب ذلك نجاح اليونان في إدراج موضوع حل قضية قبرص ضمن المطالب التي على الأتراك الإيفاء بها، وهذا خط أحمر آخر، ربما سيتحول إلى الأخضر إذا كان سيقرِّب الأتراك خطوة أخرى نحو حلمهم الأوروبي الذي زرع بذوره في أذهانهم الزعيم مصطفى كمال الذي رأى ألا خلاص لوطنه من التركة العثمانية غير التطلع غرباً، وهكذا بدأت رحلة الألف ميل بخطوة إقرار التعددية الحزبية في منتصف أربعينات القرن الماضي، ثم تأمين حريات إعلامية واسعة وتبني اقتصاد السوق، ولكن الأتراك ظلوا يتعاملون مع مواطنيهم الأكراد بنفس القسوة التي كان يتعامل بها الجنود الانكشارييون مع المتمردين على السلطنة وبقي الجرح الكردي مفتوحاً حتى أجبرت الظروف الدولية والإقليمية الأتراك على تضميده، مهما كانت الأسباب التي دفعت تركيا إلى القبول بالمعايير الأوروبية وسواء في هذا البلد الذي لا يزال حائراً بين قلب المسلم وعقله الذي يحاول أن يكون أوروبياً، فينجح مرة ويفشل مرة.

جميل عازر: ونتابع هذا الموضوع تحليلاً، وينضم إلينا من إسطنبول كمال البياتلي (رئيس القسم العربي في وكالة الأناضول التركية للأنباء). أستاذ كمال، بدايةً كيف تصنف هذه التعديلات التي أقرها البرلمان التركي؟ هل هي بمثابة انقلاب، بمثابة ثورة، مجرد إصلاحات أو حتى انتصار لتيار سياسي على آخر؟

كمال بياتلي: لا أعتقد أنه انتصار جبهة على جبهة أخرى، بل إنه إصلاح جذري عميق جداً في تركياً، لأنه كما نعرف أن تركيا لم تكن تسمح حتى اليوم البث بلغات أخرى غير التركية أو بالتعليم بلغات أخرى في مدارسها، وهذا الإقرار قوانين الانسجام مع المعايير الأوروبية جاءت -كما ذكرت- ثورة أو إصلاح جذري في هذا المجال هو مجال لم تطأه تركيا لحد اليوم.

جميل عازر: طيب ما هي في نظرك أهم التعديلات التي يمكن أن تؤثر على ائتلاف الحاكم حالياً وبقائه ضمن حكومة؟

كمال البياتي: الحقيقة إن الائتلاف الحكومي الحالي يعيش آخر أيامه حتى موعد الانتخابات المبكرة، لأن جميع استطلاعات الرأي الجارية في تركيا بشكل متواصل وأسبوعي تقريباً تشير إلى أن هناك حزب رئيسي حزب (بولنت أجاويد)، الذي فاز بالمرتبة الأولى في الانتخابات السابقة، هذا الحزب سيزول من الوجود، أي أن بولنت أجاويد سينسحب من الساحة السياسية رغم جميع محاولته البقاء ومواصلة الحياة السياسية، هناك بعض الأحزاب الأخرى ستمحى أيضاً من الساحة السياسية من الميدان السياسي في تركيا، هذا الشيء ليس مرتبطاً كثيراً بقوانين الانسجام الأوروبية، لأن هذه الأحزاب فشلت لعدة أسباب، مثلاً حزب أجاويد فشل بسبب سياسته الاقتصادية الفاشلة، التي أدت إلى ظهور أزمات اقتصادية حادة جداً لم تشهدها تركيا طيلة تاريخها، هناك حزب السعادة الامتداد الطبيعي لحركة الرفاه، سيزول أيضاً من المعترك السياسي، هناك أحزاب أخرى ستظهر في تركيا في الحياة السياسية في تركيا مثل حزب العدالة والنهضة الذي انشق من حزب الرفاه، الذي يقوده ويتزعمه رئيس بلدية اسطنبول السابق (رجب طيب أردوغان، هناك حزب الشعب الجمهوري الذي أخفق لأول مرة في حياته في دخول البرلمان في الانتخابات الماضية.

جميل عازر: أستاذ كمال.

كمال البياتي: هو أول وأقدم حزب في تركيا.

جميل عازر [مقاطعاً]: عفواً للمقاطعة، ولكن كل هذه يعني التطورات إذا حصلت واختفت أحزاب وغير ذلك، ربما نجد فراغاً في المسرح السياسي التركي، هل معنى ذلك أن تركيا الآن مرشحة لاضطرابات عندما تبدأ القوى المختلفة في التدافع لملء هذا الفراغ؟

كمال بياتلي: لا أعتقد ذلك، لأن جميع المجالات أو أي مجال معين يمثله حالياً عدة حركات.. عدة أحزاب، مثلاً اليمين الوسط يتمثل في تركيا بشكل أحزاب متعددة، اليسار نفس الشيء، لهذا فإن ما سيحدث هو انسحاب حزب وظهور حزب آخر محله، هذا اللي أعتقد أنه سيؤدي إلى فوضى، غير أن الفوضى التي يمكن أن نتحدث عنها هي فوضى الاستقرار السياسي، الانتخابات المبكرة القادمة هل ستجلب إلى تركيا هذا الاستقرار السياسي أم لا؟ لأن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 4 أو 5 أحزاب سياسية ستحتل مقاعدها داخل البرلمان التركي، لهذا فإنه..

جميل عازر [مقاطعاً]: هل تعتقد.. هل تعتقد أن تركيا قد ألقت بآخر بطاقاتها التفاوضية مع الاتحاد الأوروبي عبر قبولها لإملاءات بروكسل؟

كمال بياتلي: ألقت أكبر خطوة في هذا المجال، لأن هناك قضايا أخرى لم يتم التوصل إلى حل بصددها، مثل قضية قبرص الذي يقول الاتحاد الأوروبي أنه ليس شرطاً لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي غير أنه يقول بإيماءات وإشارات متعددة خاصةً خلال الأيام الأخيرة حول ضرورة حل هذه القضية لسبب آخر هو أن القطاع الرومي من قبرص سيدخل إلى العضوية في نهاية العام إذا حُلت القضية القبرصية أم لا، غير أن الاتحاد الأوروبي يفضل أن يستقبل جزيرة قبرص أو دولة قبرص موحدة حتى يتخلص من مشاكل يمكن أن تنجم في المستقبل.

جميل عازر: طيب، كيف ترى تأثير كل هذا على دور تركيا الجيوسياسي -إذا صح التعبير- في المنطقة، لأنها ستكون بمثابة حلقة وصل بين أوروبا وبين الشرق الأوسط في نطاقه الأوسع؟ مثلاً هل ستكون تركيا مرتاحة عندما تجد أوروبا أصبحت جارة لها بكل ما لدى أوروبا من مطامع؟

كمال البياتي: الحقيقة إن علاقات تركيا مع أوروبا ليست جديدة، لأن هناك قرابة أربع ملايين مواطن تركي يعيشون حالياً في عدة دول أوروبية وخاصةً في ألمانيا التي يقطن فيها حسب ما تقول الاحصائيات ثلاثة ملايين تركي لهذا فإن هناك روابط وعلاقات مختلفة بين الجانبين، غير أن خوف الاتحاد أوروبا من تركيا يعود إلى أنه هناك جيل شاب كبير في تركيا، وكما نعمل أن نسبة السن عالية في الدول الأوروبية لأن نسبة الشباب ضئيلة ومنخفضة، لهذا فإن خوف الاتحاد الأوروبي هو أن يجتاح الشباب التركي بعد ضم تركيا إلى العضوية أن يجتاح الدول الأوروبية خاصة أن لديه سكانه يقرب من 70 مليون في حين أن هناك بريطانيا وألمانيا وفرنسا ففي هذا المستوى فقط.

جميل عازر: كمال بياتلي في إسطنبول شكراً جزيلاً لك.

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

رابطة دول جنوب شرقي آسيا تجمع اقتصادي الأسس يتحول إلى تنظيم لمكافحة الإرهاب، فهل سيحالفه النجاح؟

[فاصل إعلاني]

تداعيات تفجير مطعم الجامعة العبرية على المسرحين الفلسطيني والإسرائيلي

جميل عازر: وإلى فلسطين حيث لا تزال تداعيات تفجير مطعم في الجامعة العبرية تلقي بظلالها على المسرحين الفلسطيني والإسرائيلي، وإذ وقع التفجير يوم أفرجت إسرائيل عن جزء من أموال السلطة الوطنية فإنه كرد أو جزء من رد على المجزرة التي ارتكبتها طائرات (شارون) الأميركية الصنع في غزة إنما يدل على الحلقة المفرغة التي دخل فيها الصراع بين الجانبين، ومع صدور تقرير دولي يعفي الإسرائيليين من ارتكاب مجزرة في جنين سيظل الجانب الفلسطيني يشعر بالغبن، بينما تقتحم أرتال الدبابات الإسرائيلية مدينة نابلس لتمعن تدميراً واعتقالاً، وتمارس أسلوب العقاب الجماعي.

رجل إنقاذ يساعد إحدى المصابات في انفجار مطعم الجامعة العبرية
تقرير/سمير خضر: لم يكن من المستغرب أن تنهال الدبابات الإسرائيلية من جديد بهذا الكم على وسط مدينة نابلس، فقد أعلن شارون مراراً أن عملياته ضد الفلسطينيين لم تتوقف، وهي ليست سوى حلقة في سلسلة من العمليات التي تهدف في الأساس إلى القضاء على كل ما تبقى من سلطة للفلسطينيين على أرضهم ومقدراتهم، ولا يبدو أن العمليات التي تشنها بعض الفصائل الفلسطينية في العمق الإسرائيلي كافية لردع حكومة اليمين الإسرائيلي عن المضي في خطتها هذه، فقد استغلت آلتها الادعائية العملية التي نفذتها حركة حماس في الجامعة العبرية للإمعان في تشويه صورة الفلسطينيين الذي لا يتورعون في نظرها عن مهاجمة دور العلم، تلك العملية التي يبدو أنها شكلت تحولاً في طبيعة العمليات التي تشنها حماس في العمق الإسرائيلي فبعد أن كان جل الهجمات تنفذ من قبل فدائيين يقومون بتفجير أنفسهم ثم تنفيذ عملية الجامعة العبرية بواسطة عبوة متفجرة، ولم يجد (جورج بوش) حرجاً في توجيه كل أشكال القدح والذم للعملية خاصة وأن خمسة أميركيين كانوا من بين الضحايا، وبدا الرئيس الأميركي وكأنه يهتم فقط لمصير الضحايا الأميركيين والإسرائيليين رغم أنه لم يحرك ساكناً عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية مدينة غزة لتوقع 15 قتيلاً بينهم 9 أطفال، فهؤلاء الضحايا ليسوا سوى فلسطين يدفعون ثمناً لحرب إسرائيل العادلة، الجيش الإسرائيلي لم يجد بداً مع ذلك من الاعتراف بحصول خطأ ما في الغارة على غزة، تقصير استخباراتي بحسب الناطق بجيش الاحتلال.

ومثل هذا الاعتراف لا يغير واقع الحال بشيء، ذلك الواقع الذي لا يزال يعيشه الفلسطينيون في مخيم جنين الذي لم يجدوا الإنصاف حتى الأمم المتحدة التي أصدرت تقريراً حول أحداث المخيم أكدت فيه عدم وجود مجزرة، كثير من الفلسطينيين لاموا المنظمة الدولية على هذا التقرير، واتهموها بالرضوخ للضغوط الإسرائيلية من خلال المساواة بين الضحية والجلاد وبمحاباة واشنطن راعية عملية السلام من منظور شاروني.

لكن لوم الأمم المتحدة وحدها لا يكفي، إذ لم تتوانى بعض الأصابع عن الإشارة إلى قصور السلطة الفلسطينية نفسها في هذا الصدد، فقد ساهمت السلطة عن قصد أو دون قصد في دفن لجنة التحقيق في أحداث مخيم جنين التي شكلها كوفي عنان إثر الصفقة التي تم إبرامها برعاية أميركية من أجل فك الحصار الذي كانت تضربه الدبابات الإسرائيلية على مقر القيادة الفلسطينية في رام الله.

تحول رابطة آسيان إلى تنظيم لمكافحة الإرهاب

جميل عازر: ربما تكون رابطة دول جنوب شرقي آسيا أو (آسيان) تنظيماً إقليمياً فضفاضاً ظلت قممه تتمحور حول التعاون الاقتصادي، لكن هذه المنطقة من العالم تحولت أو لنقل إن الولايات المتحدة رشحتها لتكون الجبهة التالية في الحرب ضد الإرهاب، ويبدو أن وزير الخارجية الأميركي تمكن من إقناع أعضاء هذا التجمع بالانضمام إلى تلك الحرب بدعوى أن الأمن والاستقرار مطلوبان كضمان للتنمية والازدهار الاقتصادي، وهذا الموقف لا يقل عن كونه تحولاً جذرياً يتطلب مزيداً من التعاون والتنسيق بين الدول العشر التي شاركت في قمة (بروناي)، ولكن بالنظر إلى الاختلافات المتنوعة والنزاعات الإقليمية بين بعض من هذا الدول سيكون تحقيق ذلك بأمر يسير.

قمة آسيان في بروناي
تقرير/جيان اليعقوبي: اكتسبت قمة آسيان التي استضافتها سلطنة بروناي أهميتها من أنها لأولى التي تلزم فيها دول الرابطة وهي إندونيسيا وماليزيا والفلبين نفسها علناً بالوقوف خلف واشنطن في حربها ضد تنظيم القاعدة التي يعتقد المسؤولون الأميركيون أنه نقل نشاطاته الخلفية إلى ثلاث من أهم دول الرابطة واختلفت هذه القمة عن غيرها من اللقاءات السابقة التي عقدها قادة الرابطة منذ تأسيسها عام 67 أنها ركزت في الأساس على القضايا الأمنية، بالمقارنة مع تركيزها خلال العقود الثلاثة الماضية على التنمية الاقتصادية، فقد أوعزت واشنطن بإنشاء هذه الرابطة عندما كانت الحرب الباردة في أوجها والمد الشيوعي ينتشر كالنار في هشيم الغابات الأسيوية من فيتنام إلى لاوس وكامبوديا، وفي البداية كانت آسيان تنفي عن نفسها صفة الحلف العسكري والأمني، وشددت على ترويج صورتها كضامن للتنمية الاقتصادية في المنطقة، وهكذا طرحت مبادرة إقامة منطقة للسلام والحياد والحرية عام 69، ثم معاهدة التفاهم والتعاون عام 76، واقترحت إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية عام 87، ومبدأ الدفاع الجماعي عام 92، ولكن قمة (بروناي) خرجت عن المألوف لأن تفجير البرجين في نيويورك ترد صداه في غابات (باسيلان) وجزر الملوك، وفي أرجاء جنوب شرقي آسيا، ليفتح جبهة ثانية في الحرب ضد تنظيم القاعدة، فأرسلت واشنطن قواتها العسكرية إلى الفلبين وإندونيسيا، وتستعد الآن لإعادة إحياء حلفها الأمني والعسكري مع هاتين الدولتين بعض فترة من الارتخاء في أعقاب الحرب الباردة، واستطاع الأميركيون إقناع قادة الرابطة بالترغيب أو بالترهيب بأن مصلحتهم هي مصلحتها، وأن المحافظة على الازدهار الاقتصادي يتطلب المزيد من الأمن، وأن الحركات الإسلامية المتشددة تشكل تهديداً حقيقياً لثبات ازدهارها الاقتصادي.

وبالرغم من كل الحجج الأميركية حاولت فيتنام وإندونيسيا الاعتراض على بعض الفقرات التي قد توحي بأنها تعطي ضوءاً أخضر لمزيد من التورط العسكري الأميركي في المنطقة، ولكن البيان الختامي صدر في النهاية وتعهدت الدول الأعضاء بحرمان الشبكات الإرهابية من مصادر تمويلها، وبتبادل المعلومات وتشكيل وحدات استخبارية متخصصة والكشف عن عمليات غسيل الأموال.

ولكن مؤشر الأحداث يوحي بأن الأيام الساخنة التي شهدتها المنطقة طوال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي مرشحة للعودة، ولكن تحت أسماء ورايات مختلفة.

روسيا الاتحادية ومحو آخر رموز الشيوعية

جميل عازر: خطت روسيا الاتحادية خطوة أخرى وربما الأهم في اتجاه محو آخر رمز للشيوعية كان متمثلاً في إبقاء الأراضي ملكاً للدولة، أما الآن وقد أقر مجلسا الدوما والفيدرالية قانوناً يجيز بيع الأراضي بمختلف ثرواتها والعقارات إلى الأفراد، يمكن القول إن روسيا اتخذت نهجاً جاداً على طريق اقتصاد السوق، رغم الإبقاء على ضوابط محددة في هذا الصدد وما كان لروسيا أن تمضي في الإصلاحات من دون التصدي لقضية الأرض واستثمارها، وإلا فإنها ستبدو وكأنها تتخبط، وهي تحاول الخروج من عهد لم يتمكن من توفير الاحتياجات الأساسية للأفراد إلى عصر مليء بالتحديات

تقرير/أكرم خزام: زمجرة قلة من الشيوعيين احتجاجاً على إخضاع الأرض للملكية الخاصة بعد أن كنت ملكاً للدولة والشعب منذ ثورة أكتوبر لم تفلح في إقناع الأغلبية البرلمانية في مجلسي الدوما والفيدرالية والرئيس بوتين بالعدول عن المرسوم الجديد للأرض، والذي قضى ضمنياً على أهم رمز من رمز الشيوعية.

التفاعلات الاقتصادية والسياسية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، والتي لُخصِّت بسير روسيا على نهج اقتصاد السوق، ناهيك عن ضعف الحزب الشيوعي والدعاية السحرية من قبل الرأسماليين الجدد بحلول الجنة على الأرض، عومل أدت إلى منح الحق لمن يستطيع في شراء الأراضي والعقارات في المدن، واستئجار الأراضي الزراعية في الأرياف، ووضع الاستثمارات في مناجم وحقول أراضي روسيا المليئة بالثروات الطبيعية والمعدنية.

تاريخ روسيا يشير إلى أنها تنتقل من النقيض إلى النقيض في العديد من المفاصل الأساسية في مجالات الاقتصاد والسياسة فَمْن مُنع في العهد السوفيتي من زرع البندورة والبطاطا -على سبيل المثال- لصالحه الشخصي يستطيع الآن وبموجب المرسوم الجديد للأرض أن يغرق الأراضي بالفواكه والخضروات بشكل يدر الأموال الطائلة عليه أو على شركته الخاصة.

بيد أن الترتيب الطبقي الذي تشكل في روسيا في التسعينات من القرن الماضي أمَّن وسيؤمِّن الثروات لحفنة قليلة من الرأسماليين، وفتح وسيفتح أفواه الملايين من الجائعين لتلقي الفتات من الأراضي الروسية التي لبست بموجب المرسوم الجديد حلةً جديدة.

الطبقة الوسطى التي لم تتشكل بعد بمواصفاتها التاريخية المعروفة قد تنقذ روسيا من انقسام طبقي حاد يمكن أن يعصف بالحكومات والأحزاب وذوي الياقات البيضاء على غرار ما جرى غداة ثورة أكتوبر الشهيرة، وقد يكون تشكلها الحل الوحيد لروسيا جديدة بعيدة عن الألوان الحمراء الشيوعية التي لم تستطع استثمار الأراضي لصالح رفاه الإنسان، وعن الألوان الرأسمالية المزركشة التي -وعلى الأغلب- لن تؤمن الرفاه للأكثرية الجائعة.

الشيوعيون وعدوا بجمع تواقيع مع حلول الخريف القادم تؤهل لإجراء واستفتاء عام لنقض المرسوم الخاص بملكية الأرض، ثمة من يشكك بقدرتهم على تحقيق ذلك، وثمة من يقول إنهم قادرون، وفي كلا الحالتين ستشهد ورسيا تطورات دراماتيكية بشأن مستقبل ملكية الأرض.

أكرم خزام -(الجزيرة)- برنامج الملف الأسبوعي- موسكو.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحيةً لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة