أحمد يوسف الطسة   
الأحد 8/2/1428 هـ - الموافق 25/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)

- الحياة في البرازيل والانتقال إلى الصين
- بين الطب الغربي والطب الصيني

[تعليق صوتي]

يقول الصيني لاوتسو مؤسس العقيدة التاوية قبل 2600 سنة ليس عليك أن تفعل شيئا لكي تعيش سعيدا ومعافى فقط تصالح مع نفسك ومع المجتمع ومع الطبيعة ولا تفعل شيئا آخر، هذه الجملة القصيرة وحدها قادرة على تلخيص روح هذا البلد الشاسع العريق وهي الدرس الأول الذي يحاول ابن قرية خربت روحا في بقاع لبنان أحمد يوسف الطسة تعلمه وتمثل معناه الحقيقي منذ وطأت قدماه أرض الصين قبل خمسة عشرة عاما، مدهشة هي الصين ولكن حكايات عائلة الطسة لا تقل إدهاشا، رأى أبوه قبل حوالي نصف قرن إن الزرق في قريته قد ضاق فأخذ يدخر من أجرة عمله الشاق في كسارة ليجمع عشرة دولارات سافر بها إلى الجانب الآخر من العالم إلى البرازيل وهناك لم يكف عن العمل لحظة حتى جمع مالا يكفي لفتح محل بقالة وللزواج من ابنة خاله السورية ليولد له في برانغوا البرازيلية ابنه أحمد الذي رأى بدوره البرازيل الشاسعة أضيق من أحلامه فسافر ليطلب العلم في الصين.

الحياة في البرازيل والانتقال إلى الصين

أحمد الطسة - طبيب لبناني مقيم في الصين: ونحن عم نكبر صار مشكلة اللغة كنا شوي شوي عم ننسى العربي، الأولاد كانوا عم ينسوا العربي عشان كنا نبدأ ندرس في المدرسة البرازيلية كانوا ندرس برتغالي، صار مشكلة والعائلات كانوا يفكروا كيف بدهم أن يعملوا عشان يصلحوا المشكلة، صار قرروا يجيبوا حدا من لبنان يعلمنا العربي، صار يعني جابوا ابن عمي وبدأ يعملنا العربي على طريقة حفظ القرآن، كنا مجبورين نجتهد بالدرس أحسن ما نأكل المساطر يعني كان عيب، كنا نضحك على التلميذ اللي كان يأكل المسطرة كنا نضحك عليه يعني وكنا مجبورين ودرسنا العربي على طريقة حفظ القرآن.. ولما خلصنا الثانوية يعني كنت حابب أدرس علم الفلك بس في هذا الوقت أبي نصحني ندرس.. حابب يعني ندرس علم الفلك بس قال لي قبل ادرس الطب وبعدين لما عندك وقت بعد دراسة الطب ممكن تتعلم علم الفلك وهكذا صار عملنا امتحان على ندرس الطب الحمد لله نجحنا وبدأنا بدراسة الطب ولما كنت بالسنة الثانية في كلية الطب حضرت مؤتمر على الطب الصيني في البرازيل يعني أثّر كثير عليّ، أثّر كثير لدرجة إذا كنت عندي الإمكانية كنت تركت حتى الطب في البرازيل وجئت دوغري أدرس الطب هنا في الصين بس لا ما صار هيك كمّلت الست سنين الطب في البرازيل وبدأت دراسة وخذ الإبر في البرازيل وعملت كل شيء يعني كل شيء عملته لنحصل نجيئ على الصين، درسنا ثلاثة سنين بعد الست سنين طب درسنا ثلاثة سنين وخذ إبر في البرازيل في ريو دي جانيرو وفي نفس الوقت قدمت طلب لوزارة التربية البرازيلية لدراسات عليا في الصين بعد سنتين اختاروني، اختاروني أعتقد عشان علاماتي كانوا ممتازين الحمد لله وجئنا على الصين بسنة 1991 بشهر تسعة أنا والأسرة، أنا وزوجتي وابني جعفر جئنا على الصين وبدأنا أول شيء ندرس اللغة الصينية سنة اللغة الصينية الحديثة وسنة اللغة الصينية القديمة.

إلسا – زوجة أحمد الطسة: التقيت أنا وأحمد للمرة الأولى في الجامعة في البرازيل كان أحمد يدرس الطب في الجامعة أما أنا فقد درست الفنون آنذاك، كان يتابع درسا اختياريا وهو صف الموسيقى الذي كان إلزاميا بالنسبة إلي وكانت هناك خمسون شابة في الصف كان أحمد الشاب الوحيد فيه، كان يشغل أفكاري باستمرار وأحببت معرفة كل شيء عنه لأنه من بيئة مختلفة، كان مسلما وكان سكان مدينتي مهاجرين من أصل إيطالي لذا من الممكن تصور إلى أي مدى بدا مختلف بنظري آنذاك، بعد فترة قررت أن أطلب يده بالزواج لأنه كان الرجل الذي أردت الزواج منه، كان بحاجة إلى وقت طويل ليطلب يدي بالزواج لذا طلبت يده بالزواج أولا، مع مرور الوقت قررت اعتناق الإسلام طبعاً كنت لقلة بشأن موقف عائلتي، أولاً سألت أبي ماذا لو اعتنقت الإسلام؟ كان أبي مذهلا قال لي إن كنت تريدين عبادة الله بهذه الطريقة افعلي ذلك لأنه كان يعرف أن المسلمين يؤمنون بالله ساندتني عائلتي في اعتناق هذا الدين، بدأت أتعلم تدريجيا تعلمت قول بعض الأمور بالعربية لأنها ليست لغتي في كل مرة حاولت أن أصلي وأقول {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (2) الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)} آمين وأن أعرف معنى هذه الكلمات وألا أكتفي بتكرارها، عمل أبي طوال أعوام في بناء كنيسة في مدينتنا وبدأ الناس يقولون عمل طوال أعوام على بناء الكنيسة وستتزوج ابنته الوحيدة من مسلم ولا يمكنها أن تتزوج داخل الكنيسة الجديدة التي عمل طوال أعوام لبنائها وكان أبي مذهلا مرة أخرى، ما من مشكلة الآن سأبني مسجداً، بعد أن اعتنقت الإسلام لا أشعر بأنني مختلفة مازلت إلسا ذاتها مازلت ابنة أبي لكنني غيّرت طريقة صلاتي لله، إن الطريقة مختلفة لكن الله هو ذاته إن الأمور التي كنت أعرفها في الماضي مازالت في قلبي وفي حياتي.


[فاصل إعلاني]

بين الطب الغربي والطب الصيني

[تعليق صوتي]

الفضول هو مفتاح شخصية الدكتور الطسة، فضول طفل كان يطلب من أمه أن تريه ما لا يُرى وشاب أراد أن يدرس الفلك ورجل أدرك أن الإنسان الفرد عالم لا يقل رحابة عن الكون اللانهائي، فضول باحث ينقب في كتب عتيقة مكتوبة بإحدى أصعب لغات العالم عن حقيقة الحكمة التي لا تعد بالشفاء وحده بل بالسعادة أيضاً، فالذي يفتن الطبيب الذي تعلم الطب على الطرقة الغربية في البرازيل هي الفلسفة التي تكمن وراء الوخز بالإبر والمداواة بالأعشاب فلسفة عمرها ستة آلاف عام ترى الشفاء كاملا في عمق المريض ولا يفعل الطبيب بإبره وأعشابه إلا تحفيز الروح لتسيطر على المرض، إنه التوازن الطبيعي الدقيق بين عنصري الكائن البشري الأنوثة والذكورة البرودة والسخونة الروح والجسد، طبيبنا العربي البرازيلي يدرس منذ تسع سنوات كتابا مؤسسا لهذه الفلسفة وقد أبى بلاء حسنا لدرجة دفعت أستاذه الطبيب الصيني العجوز ليربت على كتفه قائلا أحسنت أنت الآن في بداية الطريق.

"
تكمن فوائد الطب الصيني التقليدي، في أن الأدوية تأتي مباشرة من الطبيعة، ولديها تأثيرات جانبية أقل كما انها ليست غالية الثمن، ويمكنها معالجة عدة أمراض تستعصي على الأدوية الكيميائية معالجتها
"
أحمد الطسة: نبدأ لمرحلة الماجستير وأستأذن إن نتكلم.. نغيّر ونتكلم بالإنجليزي عشان صعب علي نعبر كل شيء بالعربي، ثم بدأت بالماجستير في الجامعة الصينية للعلوم الاجتماعية في العام 1998 وما زلت أكمل بحثي، هناك عدة أسباب السبب الأول هو اللغة الصينية المميزة بحد ذاتها فهي لا تعتمد على الأبجدية بل على الحروف لكل حرف معنى محدد وهو كلمة بحد ذاتها لذا من الصعب جداً تملك اللغة الصينية للقيام بمثل هذا البحث، ثانيا إن لغة هذين الكتابين ليست باللغة الصينية الحديثة بل الصينية الكلاسيكية ما يزيد الأمر صعوبة لأن اللغة الصينية الكلاسيكية لا تستعمل علامات الفصل فهي لا تتضمن الفواصل ونقاط التوقف أو علامات الاستفهام أو التعجب ما يجعل هذا البحث أكثر صعوبة لأنه يجب أن تعتمد بتفسيرك على التوضيح العيني بحد ذاته وبرأيي هذا تفسير منحاز لأنهم ينظرون إلى النماذج الصينية من منظار مادي وهذا غريب جداً بالنسبة إلى الحضارة الصينية قبل ستة قرون، منذ ستة قرون وحتى الآن حوّلوا الحضارة الصينية إلى وجهة نظر مادية أكثر وهنا تكمن صعوبة هذا البحث، يجب مقاومة الآراء العادية القائلة إن الصينيين يفهمون ثقافتهم، هذا ما يجعلني رائدا في هذا النوع من الأبحاث، أولا أنا أول غربي يتم قبوله في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية كطالب ماجستير في الفلسفة الصينية المتعلقة بالطب لكن ما يجعلني رائدا أكثر وهو وجهة النظر التي أحاول استعمالها في هذا النوع من البحث وهي وجهة نظر روحية لا مادية وبعد أن دافعت عن وجهة النظر هذه النصوص الصينية القديمة استطعت أن أطبّق وأن أثبت وجهة نظري بطريقة عملية باستعمال الطب بحد ذاته وأنوي فعل ذلك في شهادة الدكتوراه بالمستقبل، بدأ الطب الصيني التقليدي يحوز شعبية بين المرضى في كل أرجاء العالم لكن في الوقت ذاته فإن المؤسسة الطبية لا تقبل دوما بالطب الصيني التقليدي ولهذا أسباب كثيرة نحن المؤسسة الطبية بما أنني عضو في المؤسسة الطبية لقيت تدريبا في الطب الغربي، نحن لا نستعمل اللغة ذاتها التي يستعملها الطب الصيني أنا لا أتكلم عن اللغتين الصينية أو الإنجليزية بل عن اللغة العلمية، انهما لغتان مختلفتان بالكامل لذا أتيت إلى الصين لأجد لغة مشتركة لغة تقبل بها المؤسسة الطبية، إن فوائد الطب الصيني التقليدي عديدة أولا الأدوية طبيعية 100% حيث تأتي مباشرة من الطبيعة، ثانيا لديها تأثيرات جانبية أقل وهذا ممتاز، ثالثا هي أرخص من الأدوية الأخرى ليست غالية الثمن، رابعاً يمكنها معالجة عدة أمراض تستعصي على الأدوية الكيميائية معالجتها مثلا هناك عدة أعشاب يتم استعمالها لمعالجة مثلا الإيدز والسرطان وكل الأمراض الجسدية النفسية وكل الأمراض المسببة للهزال مثل التهاب المفاصل والأمراض المزمنة والصداع النصفي، هناك عدة أمراض عادية تصيب المرضى مثل الحساسية أو الحساسيات، عادة من الصعب جدا معالجة الحساسية بالأدوية العادية بالأدوية الكيميائية التقليدية لكن معالجتها بالطب الصيني أسهل وفعالة جداً، أنا أعالج عدة مرضى أعالجهم وهم مصابون بالحساسية ومرضى آخرون أعالجهم من أمراض المعدة والأمعاء أمراض الجهاز الهضمي، أمراض مثل الإمساك أو أعراض الأمعاء الحساسة التهاب المعدة والقرحة كل هذه الأمراض المنتشرة في الشرق الأوسط يمكن معالجتها جيدا بالطب الصيني التقليدي، لكي أجد هذه اللغة المشتركة أنا هنا منذ العام 1991 وأقوم بعدة نشاطات، أولا أنا كطبيب متمرن في الغرب تمرنت في البرازيل أمارس الطب العام هنا، في هذه الممارسة الخاصة للطب خصوصا داخل الجاليات الأجنبية هنا في بكين استخدم كل التقنيات التي أعرفها في الغرب هنا في الصين، مثلا يمكنني أن أصف المضادات الحيوية وفي الوقت نفسه الوخز بالإبر أو الأعشاب الصينية أو المعالجة بتقويم العامود الفقري أو التدليك وكل وصفة تعتمد على حالة المريض، ثانياً أنا أيضا هنا كمستشار لعدة شركات أحداها هي توتو بترو كيمكالز أعمل بها كمستشار للموارد الطبية وأنا هنا أيضا في الصين (MEDEX international assistance) وهي شركة أميركية وأعمل بها كمستشار طبي إقليمي، بالإضافة إلى عملي الطبي أنا هنا كممثل لشركة (MEDEX assistance) أقدم تقارير طبية للمغتربين للأفراد عندما يمرضون في الصين سيوكلون الشركة والشركة بدورها توكلني لأكون الجسر بين الأطباء في الولايات المتحدة والأطباء هنا في الصين لذا أكون هذا الجسر ويمكنني نقل المرضى إلى بلادهم هذا يسمى بالإخلاء الطبي لذا أعالج المريض وأرافقه في الطائرة ويعالجونه على الطائرة داخل وحدة عناية فائقة في الطائرة، كل هذه النشاطات تسمح لي بالبقاء في الصين والقيام بأبحاثي في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، إن العلاج بالإبر هي إحدى الميزات المستعملة في الطب الصيني التقليدي مع الأعشاب والتدليك، في هذا العلاج نستعمل إبراً وندخلها في بعض نقاط الجسم وستحرك هذه النقاط مناطق معينة من الدماغ وسيبدأ الدماغ بإنتاج الهرمونات التي ستعالج الأمراض هذه أكثر طريقة طبيعية لمعالجة الأمراض.

[تعليق صوتي]

كثيراً ما يستخدم ابن البقاع وصف الجسر للدور الذي يحب أن يلعبه هو شخصيا بين مدرستي الطب الكبريين في العالم الغربي والصيني والرجل الذي أبوه لبناني وأمه سورية وزوجته مثله مولودة في البرازيل يصلح حقا أن يكون جسراً، الرجل الذي تأتمنه ثلاث مؤسسات عالمية كبرى تعمل في الصين على صحة موظفيها ويراه أساتذته الصينيون واحدا ممن يعملون لإزالة غبار آلاف التأويلات المتراكمة على نصوص فلسفتهم العلاجية البسيطة في جوهرها، الرجل الذي يزداد حماسه للطب الصيني كلما أدرك قلة تكاليفه وأنه طب الفقراء، الرجل الذي يزهو في سيرته الذاتية الاحترافية بأنه من أصل لبناني سوري ويحلم بنقل خبراته الثمينة إلى أهله العرب وخصوصا منهم هؤلاء الذين يحتاجون إلى المداواة روحا وجسدا هو رجل يصلح دون شك أن يكون جسراً.

أحمد الطسة: نحن نزور متحف الطب الصيني التقليدي، إن تاريخ الطب الصيني التقليدي يمتزج مع تاريخ البشرية وهو تاريخ عمره آلاف السنوات إنه تاريخ غامض، عندما أتيت إلى الصين قبل خمسة عشر عاماً كان لدي حلم وهو أن أوضح قسما من هذا التاريخ الغامض، أتيت حاملا فكرة وحلما بأن أوضح النظرية الموجودة خلف ممارسات الطب الصيني التقليدي، بصفتي طبيب تدرب في الغرب بدت لي نظرية ممارسة الطب التقليدي الصيني غامضة نوعا ما لذا كانت حاجتي إلى فهم هذا النوع من الممارسات عميقة، لم أود الاكتفاء بأن أكرر ما فعله الأطباء على مدى مئات أو آلاف الأعوام، احتجت إلى فهم النظرية الموجودة خلف هذا النوع من الطب، الآن بعد دراسات دامت خمسة عشر عاما درست خلالها الطب التقليدي الصيني بالصينية في الكتب القديمة أعتبر أنني بدأت افهم القليل، أعتبر أنني أفهم جزء منه جزء مهما أعتبر نفسي الآن جسرا بين الغرب والشرق وأتمنى يوما ما أن الشعب الذي أنحدر منه أي شعب الشرق الأوسط أتمنى أن أتمكن من تعريفه بحقيقة هذا الطب الغني والثمين أتمنى ذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة