الانتفاضة في عامها الثاني   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 4:13 (مكة المكرمة)، 1:13 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيوف الحلقة:

أنيس النقاش: كاتب في الشؤون الفلسطينية
حمدين صباحي: عضو مجلس الشعب المصري
خالد مشعل: رئيس المكتب السياسي لحركة حماس
حسين الشيخ: أمين سر مرجعية حركة فتح

تاريخ الحلقة:

28/09/2002

- عسكرة الانتفاضة الثانية وعودة الاحتلال
- طبيعة موقف النظام العربي الرسمي والشارع العربي من أحداث فلسطين

- الأفق السياسي لدى حركة حماس الفلسطينية

- ضرب العراق ومدى تأثيره على الانتفاضة الفلسطينية

- حقيقة الخلافات بين الفصائل الفلسطينية على خيار الانتفاضة

- الانعكاسات الداخلية والخارجية لاستمرار ياسر عرفات في الحكم

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين، سلام الله عليكم.

عندما حلت الذكرى الأولى لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر بدت الدنيا وكأنها توقفت، أو بالأحرى هكذا أُريد للعالمين أن يشعروا ويتنفسوا يسكتوا ويتكلموا، يقفوا ويقعدوا، يناموا وينبطحوا، حتى الساعة الزمنية بتوقيت نيويورك طبعاً وليس جرينتش، ناهيك عن أية مدينة في عالمنا العربي والإسلامي تجمدت، والرئيس الأميركي تلقى من برقيات ورسائل العزاء والتأييد ما لم يتلقاه مثله، وحتى بعض زعمائنا العرب قاموا بالواجب الأخلاقي والإنساني على طريقتهم وأبرقوا، والواقع ألا عيب في ذلك، فنحن في مرحلة صافي يا لبن، لكن من حق الفلسطينيين أن يتساءلوا أيضاً بعد عامين من الانتفاضة: ألا نستحق برقية من أولي الأمر الأشقاء والأصدقاء أو لفتة من.. ممن بقي له نَفْس حر.. نَفَس حر في هذا العالم، أم أن منطق صافي يا لبن أي منطق التنصل من المسؤولية والابتعاد عن ما يمكن أن يجلب الأذية بات هو منطق أصحاب الشأن في الأبواب العلية وحتى بين الرعية؟ صافي يا لبن.

عشرون عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا البشعة تحت إشراف (أرييل شارون)، وعامان على الانتفاضة أمام آلة الدمار والحرب والاستئصال الإسرائيلية الموجهة بأوامر (أرييل شارون) ذاته، الإسرائيليون المهمومون بأمنهم الفردي والجماعي جافوا التدبر عن إرادة -على ما يبدو- ورددوا هم أيضاً: صافي يا لبن.

هلم يا شارون، أمسك بزمام القرار والمبادرة وأزرار آلة البطش العسكرية، وقالوا له: اضرب، اعفنا من التفكير، وشارون لبَّى، وأجهزته الأمنية والسياسية والإعلامية التحريضية تردد تماماً ذلك النداء الذي وُجِّه إلى المقاتلين الفلسطينيين في لبنان قبل عشرين عاماً، أيها المخرب، قف وفكر، وارفع الراية البيضاء واستسلم.
صافي يا لبن.

لكن من الواضح أن الانتفاضة الفلسطينية صامدة، والواقع يؤكد ولو بظاهر الأمر ولا يحتاج كثير عناء حتى وإن كان ذلك لدى البعض مر، والفلسطينيون العزل الذين حرمهم بعض الأشقاء ولو من ثغرة حدودية ضيقة واحدة أكانت فوق الأرض أم تحتها، يرفضون أن يقولوا لأي قائد سياسي أو تاريخي أو ميداني في فلسطين ما نقله لنا الله الصادق في قوله عمن تعلمون: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ولعل الانتفاضة تريد في عامها الثاني أن تقول للصهاينة ما قاله زعيم المقاومة الوطنية الفيتنامية (هوشميني) للأميركيين: في إمكانكم أن تقتلوا منا عشرة، ولكن في المقابل سنقتل منكم واحد فقط، وأنتم الذين ستتعبون. هي ذي صافي يا لبن.

الانتفاضة طبعاً، مشهد الانتفاضة الفلسطينية في عامها الثاني لا ينظر إليه، بل يجب ألا ينظر إليه بعين هلامية واهمة.. واهمة تواكلية ونرجسية، فالإنجازات كبرى بلا شك، لكن الانكسارات موجودة وتحتاج تقويماً، هذا صافي يا لبن.

المقاومة أثبتت حضورها وفاعليتها وجدواها وقدرتها الحقيقية على مواجهة الاحتلال، صافي يا لبن، لكنها تتطلب مراجعة دورية لآلياتها وآفاقها السياسية والبحث عن إمكانات استمرارها وصمود الشعب الفلسطيني وترسيخ الوحدة الوطنية، هذا صافي يا لبن!

فكل هذا في ظل صمت عربي، صافي يا لبن، وتلكؤ عالمي صافي يا لبن، قمع الانتفاضة الأمنية لتحركات جماهيرية صافي يا لبن، بهتة محيرة للتيارات السياسية والحركات الجماهيرية عن نصرة عملية تتنكب الشعارات الرنانة، صافي يا لبن!

عودة ما يصفه مقاومون خطاب الهزيمة والإحباط داخل الساحة الفلسطينية ذاتها، ناهيك عن بعض العربية، صافي يا لبن.

ويرد هؤلاء إن مرحلة صافي يا لبن لم تعد تحتمل مزيداً من خيارات التهلكة، أيه يا صافي يا لبن!!

الانتفاضة بعد عامها الثاني.. بعد عامين نراجعها في كلياتها بما يتيسر مع الحركي والكاتب في شؤون الثورة الفلسطينية السيد أنيس النقاش هنا في بيروت، ومن القاهرة مع النائب حمدين صباحي (رئيس حركة الكرامة)، هذا بالإضافة إلى تشريف نخبة لنا في بيروت، فإننا نتواصل مباشرة مع الصامدين في فلسطين المحتلة مع نخبة تضم فيمن تضم السيدة عبلة أحمد سعدات، إضافة إلى إخوان فلسطينيين آخرين هناك، هنا أود إلى أن أشير إلى أننا آثرنا أن تشاركنا شخصيات فلسطينية عبر الهاتف فقط تخميناً منا أن ذلك يمكن أن يمنع احتكار أي طرف للانتفاضة، كما أود أن أشير إلى أن في النقاش آثرنا أن يكون من بين الحضور الرئيسيين غير فلسطينيين حتى نقول: إن الانتفاضة الفلسطينية هي من واجب ومسؤولية كل العرب والمسلمين.

[فاصل إعلاني]

عسكرة الانتفاضة الثانية وعودة الاحتلال

غسان بن جدو: سيد أنيس نقاش، الانتفاضة الأولى دامت أو استمرت سبع سنوات، قيل إن هدفها كان إنهاء الاحتلال، أثمرت كما يقول البعض اتفاق أوسلو ومرحلة جديدة، ولكن هناك من يعتقد الآن بأن بعد عامين من الانتفاضة، هذه الانتفاضة الثانية -للأسف- أعادت الاحتلال وعاد الوضع كما كان عام 48، كيف ترى هذا الأمر؟

أنيس النقاش: اسمح لي قبل أن أجيب أن أتدخل في ديكور القاعة قليلاً.

غسان بن جدو: يعني هاي مفاجأتك الـ.. ؟

أنيس النقاش: هذه الراية التي ارتفعت اليوم في لندن وروما وفي عدة عواصم أوروبية، وبعض العواصم العربية يجب أن ترتفع دائماً على كافة شاشات التلفزة العربية، إن صدقت في التزامها في القضية المركزية، ونحن جميعاً فلسطينيون، فكلنا فلسطينيون، لسنا كلنا فلسطينيون بمعنى أننا نتضامن مع أهلنا في فلسطين فقط، ونحس معهم، بل كلنا فلسطينيون لأننا في ورطة واحدة، ونشعر بهذه الوطأة من الهجوم الإسرائيلي الصهيوني والإمبريالي على أمتنا، قد تكون الجغرافيا فاصلة بيننا، ولكن على حكامنا وزعمائنا أن يعلموا أننا في هذا الشعور متضامنين تماماً مع إخواننا الصامدين في فلسطين، وشعارنا اليوم أننا كلنا فلسطينيون، وبالتالي فكلنا في المستقبل مقاومة، هذا في البداية.

أما لأجيبك على هذا السؤال، أنا لا أعتقد أن أوسلو هو الذي أنهى الانتفاضة الأولى، هذا أكبر خطأ في التحليل السياسي وفي المسار التاريخي، الذي وضع أول حجر عثرة أمام الانتفاضة الأولى هي الحرب الكويتية العراقية التي انجرت إليها الأمة العربية بغباء أو في ارتباط بالمؤامرة الكبرى، والتي أدت إلى انهيار آخر موانع الأمن القومي العربي، كانت الانتفاضة مستمرة، وتحقق انتصارات، وتحقق نقاط على العدو الصهيوني، ثم جاءت هذه الحرب وتورطت فيها، عن قصد وعن غير قصد، كافة الجيوش تقريباً العربية المحيطة في فلسطين، و.. وعِوضاً أن تحقق انتصاراتها في دعم الانتفاضة على فلسطين، حققت انتصارها خلف الدبابات الأميركية، وقضت على جزء من الجيش العراقي، وهم الآن يستعدون للقضاء على ما تبقى من هذا الأمن القومي، فأول ضربة وجهت للانتفاضة الأولى هي كانت هذه الحرب التي تصرفت فيها الأنظمة العربية بغباء كامل أصبح مكشوفاً اليوم أمام الرأي العام العربي والإسلامي.

غسان بن جدو: هذه الانتفاضة الثانية.

أنيس النقاش: ثانياً: جاءت القيادة الفلسطينية وبذكاء من خلال مناورة أوسلو التي أؤكد عليها، من خلال مناورة أوسلو، لكي تخرج باتفاق يؤدي أساساً إلى توحيد الساحة الفلسطينية الخارجية والداخلية.

أنا أذكر عام 90 عندما توجهت إلى تونس والتقيت بالأخ أبو عمار سألته أين فلان؟ قال في اليمن، أين فلان؟ قال في الجزائر، أين فلان؟ قال في السودان، هكذا كانت أوضاع القوات الثورة الفلسطينية بعد خروجها من لبنان منتشرة في عدة بلدان عربية، ثم جاءت أوسلو التي أراد منها الفلسطيني أن يوحد الداخل والخارج، ويجبر العدو على الاعتراف بالثورة الفلسطينية وبقيادتها، ولم يتنازل عن أي نقطة من الثوابت عكس ما يقال، لأن مسألة عودة اللاجئين تبحث ومسائل أخرى لم تبحث.

غسان بن جدو: طيب، عفواً أستاذ أنيس نقاش، نحن.. الحقيقة نحن لا نريد أن ندخل في تقويم أوسلو، باختصار شديد، هناك من يقول إن المسار الذي اتخذته الانتفاضة، خاصة بعد أن انتقلت من حركة جماهيرية سلمية تناضل أو تنتفض بالحجارة إلى ما يوصف بأنها تمت عسكرتها هذا الذي أدى إلى عودة الاحتلال إلى.. تماماً كما كان عام 48.

أنيس النقاش: أنا أعتقد ذلك وأتذكر حواراً كان يجرى داخل قيادة الثورة الفلسطينية في الانتفاضة الأولى وكان الهدف منه نقل الانتفاضة من انتفاضة حجر إلى انتفاضة مسلحة، لأن من يريد أن يحرر فلسطين أو حتى يقيم دولة فلسطينية بمعنى الكلمة، لا بمعنى الدول التي تنشأ اليوم وتدار من الخارج عن طريق السفراء كان يعرف تماماً أن لهذا ثمن وثمن تدفعه الدماء، وبالتالي لم يكن هذا الطارئ، ما يسمى طارئ اليوم أنها تحولت إلى عملية عسكرية خارجة عن التصور الثوري الحقيقي لمسألة تحرير فلسطين.

غسان بن جدو: أستاذ حمدين صباحي من القاهرة، طبعاً عندما نتحدث عن الانتفاضة وخاصة عن خارج هذه الانتفاضة لاشك أننا نتحدث مباشرة عن واقع النظام العربي الرسمي وموقف النظام العربي الرسمي، هناك من يعتقد بأن بعد 11 أيلول/ سبتمبر العام الماضي النظام العربي الرسمي بشكل عام أصبح محرج مما يحصل في داخل فلسطين وأقصى ما كان يمكن أن يصل إليه هو ما حصل في قمة بيروت من خلال مشروع مبادرة السلام، الذي يبدو أنه لا يزال حبراً على ورق، هل تعتقد أن النظام العربي الرسمي محرج أم عاجز أم لأ، هو ربما يناور ولكن بطريقة ذكية وهادئة ربما تساعد الفلسطينيين أكثر بكثير من الشعارات الرنانة؟

طبيعة موقف النظام العربي الرسمي والشارع العربي من أحداث فلسطين

حمدين صباحي: أعتقد إن النظام الرسمي العربي مفلس أكثر من أي تعبير آخر، هو نظام عاجز عن توظيف إمكانيات الأمة، وعاجز عن حشد طاقات الأمة، وعاجز عن مواجهة أعداء الأمة، وعاجز عن تحقيق أشياء كثيرة من بينها وعلى رأسها عجزه عن تحقيق أمن قومي عربي أو أمن حتى قُطري لأقطار العرب أياً منها على حدة، في هذا الإطار العجز الرسمي العربي بيتجلَّى أكثر ما يكون في حالة فلسطين، والآن في حالة العراق، بينما تُدهس الأرض الفلسطينية المحتلة بالجرافات والدبابات ويُقصف الشعب الفلسطيني البطل يومياً، ويقدم نموذج فريد لبسالة المقاومة، يعجز النظام الرسمي العربي عن تقديم أي شيء للشعب الفلسطيني ذو قيمة، تلت قمم.. ثلاث مؤتمرات قمة عربية..

غسان بن جدو: ما هو السبب؟

حمدين صباحي: السبب إن هذا النظام ليس له إرادة مستقلة لمواجهة أميركا ومواجهة الدولة الصهيونية، هذا النظام اختار الراحة ومضى في طريق منذ وقع أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد ثم الملك حسين، وادي عربة، ثم الرئيس الفلسطيني بين قوسين (الرئيس الفلسطيني)، أوسلو كل هذه محطات على طريق واحد طريق اختيار سلامة ذليلة تحت ظلال القوى الغاشمة لأميركا وشروطها والقوى الغاشمة لإسرائيل وآلاتها العسكرية، وهذا طريق لا ينتزع حق ولا يقيم دولة ولا يحفظ كرامة ولا يحمي أمناً لا لفلسطين ولا لسواها من العرب، فالنظام الرسمي العربي أنا أعتقد إنه يعني منذ فترة أشهر بالفعل إفلاسه بدليل إن هو غير قادر على تقديم الحد الأدنى، حتى بمفاهيمه هو لنصرة إخواننا في فلسطين، يعني بيتكلم عن دعم مالي، عن تأييد معنوي، عن قدر من القرارات السياسية اللي ممكن أن تحفظ بعض ماء الوجه للحكام، ومع هذا لا ينفذ شيئاً مما يقول، زي ما بأقول لك عبر ثلاث قمم قرارات في الحضيض ولا تقدم شيئاً للفلسطينيين الذين يواجهون عُزَّلاً ببسالة آلة الحرب الصهيونية، والأمر دا متكرر في عراق تهدده أميركا بالغزو العسكري ولا يملك النظام الرسمي العربي إلا إنه يقول في استخزاء: نرفض الضربة الأميركية، يعني أيه نرفض الضربة الأميركية؟! وبعدين يطلع حكام يقولوا وإذا أقر مجلس الأمن فإحنا هنبقى مع مجلس الأمن، يعني مجلس الأمن تحت إيد أميركا وفارضة عليه شروطها يقرر ضرب العراق وغزو العراق، فيقوم الحكام العرب يسلموا بغزو العراق وهم مكتوفي الأيدي متفرجين متواطئين تحت حجة إن مجلس الأمن قرر؟! أعتقد إن هذا تعبير عن نظام غير قادر على استخدام إرادته لأنها ليست في يده، غير قادر على استخدام إمكانيات أمته، سواء بموقعها الجغرافي أو ثرواتها أو جيوشها التي أكل الصدأ هذه المعدات اللي دفعوا فيها مليارات دون أن يحركوها ضد أعداء الأمة على أي نحو، هذا العجز عن الاستفادة من الطاقات العربية، هذه العزلة عن الجماهير العربية، لأنها بتقدم وجه آخر نبيل للأمة مقاوم ورافض للعدوان الأميركي وللعدوان الصهيوني المتواصل، هذه العزلة ما بين الحكام وما بين الشعب العربي هذا العجز من الحكام عن توظيف الموارد العربية، هذا الخنوع من الحكام للإملاءات والشروط الأميركية وللاستخزاء أمام التغول والاجتياح الصهيوني يُفقد النظام العربي -في واقع الأمر- جملة، وكل نظام لدولة أو دويلة عربية على حدة يُفقده مشروعيته أمام الجماهير.

[موجز الأخبار]

غسان بن جدو: كما أن الانتفاضة تعيش عسراً وبعض المعاناة، ولكنها -في الوقت نفسه- أنجزت الكثير، فنحن أيضاً عشنا بعض العسر التقني، ولكننا سنحاول أن نوجز الكثير بما يتيسر لنا بطبيعة الحال، أود أن أشير إلى أن ضيوفنا الكرام في رام الله اضطروا للخروج من استوديوهاتنا هناك بسبب فرض حظر التجول، ولا يستطيعون أن يتأخروا كثيراً في هذه الأمسية، ولكن بقي معنا مشكوراً دكتور بسام الصالحي (عضو المكتب السياسي لحزب الشعب).

اليوم كنت أشاهد تقارير على قناة (الجزيرة) أعدها الزملاء الكرام وليد، أو جيفارا، أو سيف الدين، أو شيرين أبو عاقلة، لفت.. لفت انتباهي مسألتان أساسيتان، واحدة تتحدث عن استمرار المعاناة وعن استمرار ... بسبب الحصار، وكثير من المسائل الإنسانية، وربما بعد المكالمة معك سنشاهد بعض الأرقام التي تؤكد ما يسببه الحصار الإسرائيلي، ولكن في الوقت نفسه شاهدت سيدة شاركت في مظاهرة في.. في غزة، وأول ما سئلت قالت: كل عام وأنتو طيبين، وكأن هذا العام الثاني للانتفاضة وكأنه عيد وكأنها ذكرى طيبة، من فضلك أوضح لنا حقيقة إحساس الشعب الفلسطيني بين المعاناة وبين هذه المعايدة؟

بسام الصالحي: أولاً: الشعب الفلسطيني في هذا الظرف بالذات هو فعلاً يهنئ نفسه في استمرار صموده وكفاحه رغم كل آلة البطش العسكرية الإسرائيلية، واستخدامها المفرط في القوة في كافة المناطق، لم تنجح إسرائيل في ثني الشعب الفلسطيني عن مواصلة كفاحه، وبالتالي هو يهنئ شعبه بإفشال خطة شارون التي بشرت الإسرائيليين والعالم بإنهاء الانتفاضة خلال مائة يوم، لقد أنهينا المائة يوم، وأنهينا معها أوهام شارون بإفشال الانتفاضة وبكسرها، وبدأت الانتفاضة زخمها في العام الثالث بتوسيع طابعها الشعبي بصورة كبيرة جداً، الأمر الذي يبشر بإمكانيات استمرارها أكثر وأكثر ونجاحها في إنجاز مطالبها الأساسية في التحرر والاستقلال، الانتفاضة أعادت العمق الشعبي والمشاركة الجماهيرية الواسعة، الآن تستعيد وضوحها السياسي وأهدافها بصورة أكبر مما كانت عليه في السابق، أيضاً هي ترى التعاطف الدولي الشعبي المتعاظم والمتسع معها، كما رؤي اليوم أو كما شوهد في.. في العواصم الأوروبية المختلفة، وأيضاً تشاهد الانتفاضة بصورة واضحة أن منطق الاحتلال وإعادة تجديد الاحتلال نفسه يُهزم، لأن إسرائيل تستنزف منطق قوتها وبطشها، ولم يعود لديها أي إمكانيات أخرى بعد ذلك سوى أن تعود صاغرة للتفاوض مع الشعب الفلسطيني، ولكن على أسس جديدة، وهذه الأسس هي بالتحديد..

غسان بن جدو: نعم، تفضل.

بسام الصالحي: بإيجاز الحقوق المستقلة للشعب الفلسطيني.

غسان بن جدو: دكتور بسام، أنا لفت انتبهاي الآن في كلامك أنك أشرت بإيجابية إلى التظاهرات التي حصلت في.. في بعض العواصم الدولية، ولكنك لم تشر مطلقاً إلى بعض العواصم العربية، بصراحة هل أن الشارع الفلسطيني يشعر ببعض المرارة وبعض الألم من هذا الموقف العام العربي، أم.. أم لأ لا تزالون تعولون على نصرة عملية وحقيقية من قبل العالم العربي أكان نظاماً عربياً رسمياً أم.. أم شعوب وحركة جماهيرية؟

بسام الصالحي: نحن نقدر كل التقدير مشاركة الجماهير العربية الواسعة في التضامن مع الانتفاضة خلال الأعوام أو العامين الماضيين، لقد حاولت الجماهير العربية، وشاركت فعلاً في مظاهرات وتجمعات وبكل الوسائل الممكنة أمامها من أجل التضامن مع الشعب الفلسطيني، وللأسف الشديد قوبلت مشاركة الجماهير العربية بقمع العديد من الأنظمة العربية وبخذلان النظام العربي الرسمي للانتفاضة، وربما حصل شيء من الإحباط أيضاً لدى الشارع العربي نتيجة بعض الاتفاقات أو السلوكيات المختلفة التي شوهدت خلال العامين الماضيين، وخصوصاً بعد ما حصل في بيت لحم أو في غيره، هذا ربما أثر سلباً في الشارع العربي، نحن نعذر الشارع العربي في الواقع، لأن هناك ضغط كبير من الأنظمة العربية لمنع هذه المشاركة، ولكننا لا نفقد الأمل بإعادة انضمام قوى هائلة من شارعنا العربي لدعم الانتفاضة، وأيضاً نطالبها الآن بدعم الشعب العراقي الذي يتعرض معنا أيضاً إلى عملية مخططة لإنهاء أي موقف عربي مكافح وصامد في وجه العدوان الأميركي.

غسان بن جدو: دكتور بسام الصالحي يعني..

بسام الصالحي: ولذلك نحن نميز في الواقع بين الشارع العربي وبين النظام الرسمي العربي.

غسان بن جدو: دكتور بسام الصالحي، شكراً لك على هذه المشاركة. أستاذ أنيس النقاش، يعني مما سبق في هذا الكلام خاصة من قبل الأستاذ حمدين صباحي من القاهرة، يعني أشار بسلبية بالغة إلى النظام العربي الرسمي، وحتى الآن من.. من رام الله تقريباً يتحدث بالمنطق نفسه يعني بكل صراحة هل أن التقريع في النظام العربي الرسمي هل هو.. ألا يعتبر مبالغاً فيه، خاصة وأن موازين القوى مختلة مع إسرائيل، هناك واقع دولي جديد بعد 11 سبتمبر، ثم ألا.. ألا يمكن أن نلوم حتى الحركات الجماهيرية والتيارات السياسية التي لم تقدم نصرة عملية ملموسة للواقع الفلسطيني؟

أنيس النقاش: لا أعتقد أن هناك مبالغة، نحن مررنا بتجربة خاصة في لبنان، أثبتت أن هذا النظام العربي قد استقال من مسؤولياته خلال حصار بيروت، حصار بيروت لم تكن معركة جانبية مع العدو الصهيوني، كانت أول عاصمة عربية تجتاح من قبل القوات الصهيونية، ووقف النظام العربي يتفرج، والبعض أقفل هواتفه لكي لا يرد على قيادة المقاومة الفلسطينية، والبعض كان أثناء القصف يقوم باتصالات مع عدة عواصم دولية من أجل أن يرتب ما بعد خروج الفلسطينيين، وكانت المعركة لم تنته بعد، فما يحصل اليوم في فلسطين ليس غريباً على هذه الأنظمة، وفشلها ليس فقط له علاقة بالحرب، يعني أحد رؤساء الوزراء طالب بمائة مليار دولار من أجل أن يستعد لحرب مع العدو الصهيوني، ردت عليه صحيفة (هآرتس) بمقال مدعم بالأرقام يقول له: أنت لست فاشلاً فقط في الحروب، أنت فاشل في التنمية وفي الزراعة، وفي التعليم، وأعطته إحصاءات في الأمية، وسبب فشل النظام العربي أنه يستكبر على شعوبه، يعني هو لا يريد أن يكون مع شعوبه يداً في يد يعطيها الحرية وهو يعتقد أنها ممكن أن تسير في مجال تنمية وهمية بالكرباج، وبتوجيهات فقط من السفارات الخارجية يستطيع أن يبني أمم، هذه نظم فاشلة، وليس مجال فتح ملفاتها الآن، ولكن في هذا الموضوع الذي نتحدث به، أنا أنصح القوى الشعبية على مستوى الوطن العربي أجمعه، وخاصةً في فلسطين، ألا يتوقفوا ولا يصروا بتاتاً على السؤال عما سيفعله النظام العربي، لأن هذه إضاعة وقت، وهذا اتكاء على الأوهام، ونحن لدينا..

غسان بن جدو[مقاطعاً]: ولكن حتى الحركات الجماهيرية، عفواً يعني ما الذي قدمته عدا.. عدا الشعارات وبعض المظاهرات التي تبدو مناسباتية؟ يعني كنا.. كنا ربما خاصة خلال العام الأول من الانتفاضة كانت هناك حركة جماهيرية فعلية وحقيقية، وحتى هناك من تحدث على أن هذا هو بداية نهوض عربي، لكن ما لاحظناه خلال الأشهر الأخيرة من العام الثاني للانتفاضة إن هناك بهتة، شبه حيرة تقريباً مما يحصل.

أنيس النقاش: نعم، قد تكون جزء من الصورة حقيقة كما تتفضل، ولكن الصورة إذا نظرنا إليها بشمولية، هي ليست كذلك، نحن نتحدث عن انتفاضة شعبية في.. فلسطين، وهي جزء من هذه الأمة، نحن يمكن أن نتحدث عن مقاومة لبنانية إسلامية امتدت على مدة ثمانية عشر عاماً، وأدت إلى انتصار على العدو الصهيوني، وهي جزء من القوى الشعبية المنظمة، يمكن أن نعترف أن هناك فارق يعني ما بين هذا الحزب الذي يُسمي نفسه حزباً، وهذا التنظيم الذي يُسمي نفسه حزباً، فنجد أن هناك فارق في التعامل وفي مستوى الوعي وفي مستوى التحرك، نتيجة اختلاف الأجواء السياسية في هذا البلد أو ذاك، ونتيجة التجارب المختلفة، فليس كل من نجمعه في مؤتمر ونسميه أحزاباً هو في نفس المستوى، ولكن الصورة ليست باهتة، يعني الانتصار الذي حققته المقاومة في لبنان، لا يجب أن ننسى أنه تم على أيدي قوى شعبية 100% وعلى قوى شعبية من أصغر القوى الشعبية في الأمة العربية، يعني هي جزء من الشعب اللبناني، وهي جزء من الشعب العربي، وليست كل الشعب العربي، فهذه إضاءات في تاريخنا يجب أن نعممها، يعني عندما نتحدث نحنا يجب أن نحث الشعوب العربية الأخرى على أن تأخذ من هذه التجارب عبر، وتبدأ في تنظيم أنفسها بمستوى جدي، وأنا معك أن أوجه النقد لبعض الأحزاب التي تحولت إلى ظاهرة لفظية خطابية، وهي لا تدرك كيف تترجم إلى.. خطابها إلى مهمات عملية.

غسان بن جدو: على كل حال هو لدينا عديد من الأرقام التي سنذكرها وسنشاهدها لاحقاً على.. على الشاشة، ما يتعلق ببعض الأرقام الخاصة سواءً بالخسائر، خسائر الجانب الإسرائيلي، أو بعض ما يمكن اعتباره بخسائر أيضاً للجانب الفلسطيني أو بعض المعاناة، ولكن قبل ذلك أنا أتوجه بالـ.. أولاً أحيي الأستاذ خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس) الذي نتصل به هاتفياً من مكانٍ ما من العالم العربي، مساء الخير أستاذ خالد مشعل.

خالد مشعل: مساء الخير، وحياكم الله.

غسان بن جدو: شكراً يا سيدي، أستاذ خالد مشعل، يعني بوضوح هناك من يقول: إن فصائل المقاومة وخاصةً يتوجهون بالحديث إليكم أنتم في حركة حماس بشكل مباشر أنكم عندما تدافعون عن المقاومة، وكأن المقاومة هي هدف أو غاية في ذاتها، وكأن الانتفاضة هي غاية في ذاتها، ولا تملكون أفقاً سياسياً لكل هذه التحركات الميدانية، هل يمكن أن توضح لنا هذا.. هذه المسألة؟

الأفق السياسي لدى حركة حماس الفلسطينية

خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس): بسم الله الرحمن الرحيم. تحية لك أخي غسان وللمشاركين وللمستمعين والمشاهدين، وحيا الله شعبنا البطل الذي يدخل عامه الثالث في انتفاضته العملاقة.

مسألة اتهام فصائل المقاومة وبشكل خاص حماس بأن المقاومة تحولت إلى غاية، هذا ليس صحيحاً، نحن نقول صباح مساء: إن المقاومة وسيلة من أجل تخليص شعبنا من الاحتلال، ومن أجل إنجاز حقوقنا الوطنية، والمقاومة جاءت ردة فعل على الاحتلال، الاحتلال نشأ أولاً فاستلزم أن تكون هناك مقاومة من شعبنا، وأي شعب لا يتحرك دفاعاً عن نفسه وأرضه ومقدساته أعتقد أنه شعب ليس حياً، وشعبنا الفلسطيني -ولله الحمد- حي، وبالتالي المقاومة وسيلة لغاية ولهدف، وهو إنجاز التحرير والتخلص من الاحتلال.

أما مسألة الأفق السياسي، فهذه تهمة -للأسف- تلقى على قاعدة أو رؤية غير صحيحة، وكأنما الحديث عن الأفق السياسي دائماً مرتبط بالدخول في مشروع التسوية وتقديم تنازلات بدعوى الواقعية، بمعنى إذا أي حركة مقاومة مارست المقاومة وحددت لها هدفاً سياسياً، وهو التخلص من الاحتلال وعدم التعايش معه يُعتبر هذا تصلباً ومفتقراً إلى الواقعية ولا يشكِّل أفقاً سياسياً وكأنما الأفق السياسي هو فقط أن تكون مستعداً للتماهي والتجاوب مع المشروعات الأميركية أو الغربية أو المشروعات الصهيونية، أو أن تدخل في مساومات سياسية مع الكيان، باختصار هذه الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية بشكل عام التي تسهم فيها حركة حماس وإلى جانبها الكثير من الفصائل الفلسطينية حددت لها هدفاً سياسياً وأفقاً سياسياً محدداً وهو التخلص من الاحتلال، وهذا هدف مشروع وحق طبيعي، ما ينبغي أن نستحيي منه، فمن جاء ليقول إنه والله التخلص من الاحتلال بشكل واضح وحاسم أمر غير ممكن، ميزان القوى لا يسمح به، فتعالوا ندخل في كامب ديفيد أو في مشاريع على امتداد أوسلو أو تعالوا نتجاوب مع رؤية بوش التي طرحها لعلنا نظفر بدولة خلال ثلاث سنوات ونقبل بـ70% أو 60 أو ربما بعرض شارون حوالي 42% من الضفة الغربية ونقبل بأجزاء من القدس الشرقية، ونقبل بمجرد اعتراف لفظي بحق العودة، الذين يطرحون هذا ويشعرون أن هذا هو الأفق السياسي وأن هذه هي الواقعية، أعتقد هذا هي هذه ليست واقعية هذه انهزامية، وهذا تبرير للنفسية المهزومة عند أصحابها وخضوع للواقع.

ونحن نقول: الواقعية أن نتمسك بحقوق شعبك وأن تكون مدركاً لما يريده هذا الشعب وأعتقد أن إجبار العدو على الرحيل والانسحاب ليس أمراً فوضاوياً أو خيالياً، بل هو أمر واقعي وأعتقد اللي جرى في جنوب لبنان نموذج على إمكانية انتصار المقاومة وفرض الهزيمة على العدو والانسحاب على العدو، مع تقديرنا أن ظروف فلسطين تختلف عن ظروف لبنان.

غسان بن جدو: لكن ألا تعتقد معي -أستاذ خالد مشعل- بأن يعني مع كل هذه المشروعية في طموحاتكم ونبل أهدافكم ألا تعتقد بأن الواقع العربي، الواقع الدولي يعني ربما لا يساعدكم كثير.. لا أتحدث عنكم كحماس فقط، ولكن أتحدث عن معظم الجانب الفلسطيني المقاوم، ألا تعتقد الآن في ظل.. كما كان يتحدث السيد حمدين صباحي كمان كما تحدث الآن الأستاذ أنيس النقاش، يعني الواقع العربي الرسمي لا يساعد كثيراً، الواقع الدولي أنت تعلمه جيداً، الآن الإدارة الأميركية منحازة تماماً لآرييل شارون والواقع الإسرائيلي، ألا يمكن أن تصلوا إلى تسوية ما.. إلى مناورة ما كما حصل ربما كما وصفها الأستاذ أنيس النقاش بأن أوسلو كانت.. كانت مناورة ولكنها مناورة مرحلية؟

خالد مشعل: أخي الكريم، نحن ندرك جيداً ما يجري حولنا، ندرك حجم الضغوط الأميركية والدولية على الأمة العربية وعلى النظام العربي الرسمي، ندرك اختلال ميزان القوى لصالح عدونا، ندرك أن الكيان الصهيوني متفوق على شعبنا وعلى أمتنا عسكرياً ومادياً، ولكن أخي مثل هذه المقولة مرفوضة من زاويتين: من الزاوية المبدئية ومن الزاوية الواقعية، أما الزاوية المبدئية فإن أي أمة أو شعب حر لا ينبغي أن تخضعه موازين القوى بحيث يسير بعكس طموحاته وحقوقه ومصالح شعبه، لأن عجزنا اليوم أن ننتزع حقوقنا فلا يدفعنا ذلك إلى أن نساوم على هذه الحقوق أو أن نتنازل عنها، هذا من حيث المبدأ، والشعوب الحرة عبر التاريخ سواء في أمتنا أو في غيرها ظلت تقول لا للمستعمر وللمحتل وجاء الوقت الذي تترجم فيه اللا الواضحة اللفظية تترجمها إلى لا عملية وتنتزع حقوقها من أجل الدول العاتية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية كما حصل في فيتنام وفي غيرها.

أما الزاوية الواقعية -يا أخي الكريم- فهي تعالوا ننظر في رصيد التجربة لهذه الفلسفة.. فلسفة التماهي أو محاولة الانسجام مع المعطيات الدولية والإقليمية، وهذا نطبقه بمثالين مثال فلسطيني ومثال عربي، أما المثال الفلسطيني، فالواقعية الفلسطينية التي قادتنا إلى أوسلو وانتهت بنا إلى هذا.. هذا المصاب الكبير، هي بدأت بهذه الفلسفة فهل عندما انسجمت أو راعت القيادة الفلسطينية منذ عشر سنوات الظروف الواقعية ونتائج حرب الخليج الثانية وخسارة الأمة، هل هذا قادها إلى انتزاع حقوقها؟ هل عندما تخلت القيادة الفلسطينية عن ميثاقها وعن مبادئها الأولى واعترفت بإسرائيل و.. وإلى آخره، هل شفع لها ذلك عند الأميركان والغرب بحيث أجبروا إسرائيل على الانسحاب؟ بل أجبروا إسرائيل على أن تطبق اتفاق أوسلو الذي شهد العالم عليه، إذن هذا رصيد تجربة.

أما المثال الآخر في الساحة العربية: خذ النظام العربي الرسمي الذي حاول أن ينسجم مع الرغبة الأميركية بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر وكثير من الأنظمة حتى ساعدت الإدارة الأميركية في الحرب ضد القاعدة أو ما يسمى بالإرهاب، وحاول العرب أن يتكيفوا مع هذا المعطى الجديد ومع ذلك هل شفع ذلك للعرب؟ هل العرب احترموا رغبة هذه الأمة في حسم الصراع مع إسرائيل حتى بالمفهوم السلمي؟ هل حتى شفع ذلك لكي تحترم الولايات المتحدة الأميركية خصوصة.. خصوصية الدول العربية كما في مصر والسعودية وغيرها؟ إذا ثبت لدينا أن الواقعية بمعنى التكيف مع موازين القوى القائمة أو مع رغبات عدونا أو الانطلاق من.. من واقع الضعف الذي نشعر به بحيث.. ويؤدي بنا إلى تنازل وإلى أن نقدم مطالبنا وحقوقنا وقضايانا، ثبت عملياً أنه لا يقود إلى خير، وإذا أضفت لذلك الزاوية المبدئية أعتقد تكون النتيجة -إضافة إلى استحضار رصيد التاريخ ورصيد هذه الأمة ورصيد الشعوب الأخرى الحية- أعتقد أن النتيجة الطبيعية ألا طريق لنا إلاِّ أن نثق بأنفسنا ونتمسك بحقوقنا وأن نكون أقوياء ضمن القوة المتاحة لنا تبدأ شعبية وتنتهي رسمية، ونتوحد على هذا الطريق، وأعتقد أننا سنفرض احترامنا على العالم كله خاصة إذا استحضرنا أننا مع الله واستحضرنا قيمتنا كأمة لها تاريخها ولها حضارتها ولها حقوقها المشروعة، نحن نستطيع أن نقول للعالم حقوقنا ونفرض إرادتنا على العالم كما فعلت الانتفاضة العملاقة خلال عامين فرضت نفسها على الأجندة الدولية سواء كارهة أو راضية، بسبب التضحيات الجسيمة التي قدمها شعبنا.

غسان بن جدو: شكراً لك سيد خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس) على هذه المداخلة، أود أن.. يعني هناك بعض الأرقام التي أعتقد أنها مفيدة، طبعاً أنتم تستطيعون سادتي المشاهدين أن تعودوا إلى موقع (الجزيرة-نت) هناك ملف كامل عن عامين من الانتفاضة الحقيقة هو أنه ملف هام وهام جداً وثري، وهناك عدة أرقام، هناك عدة تحليلات، هناك عدة مقابلات وهناك عدة دراسات أعتقد أن.. أن بعودتكم إليها هناك إفادة جيدة، ولكن بعض الأرقام التي يمكن أن نستفيد منها، أو على مدى عامين من الانتفاضة.
نُفذت أكثر من أربعة عشر.. ألف وأربعمائة وثلاثة وستين عملية.

96 من هذه العمليات في الضفة والقطاع.

4% فقط في مناطق الـ48 على عكس كل ما.. كل ما نسمعه في السابق.

ملاحظ أنه بعد عملية السور الواقي وحدها نُفذت خمسة عشر.. خمس عشرة عملية فدائية وسقط أكثر من مائة قتيل إسرائيلي.

أما عن آثار الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين خلال عامي الانتفاضة: بشرياً:

سقط 2470 شهيداً.

37 ألف جريح.

4000 معوق.

8000 مُعتقل أو بالأحرى أو بأكثر دقة 9600 معتقل لأن 8000 معتقل هذا قبل حوالي شهرين أي إلى آخر تموز، ولكن الآن 9600 معتقل، وهناك من بين هؤلاء المعتقلين 329 طفلاً معتقلاً.
اقتصادياً، بحسب الأرقام التي استقيناها رسميا من داخل الساحة الفلسطينية:

خسائر الاقتصاد الفلسطيني نتيجة الحصار والإغلاق والحصار 11 مليار دولار و482 مليون دولار.
انخفض الناتج المحلي بـ70%

ارتفع معدل البطالة إلى 65%

ازداد عدد العاطلين عن العمل إلى 366 ألف شخص.

اتسعت دائرة الفقر إلى 75%.

أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت خط الفقر.

أما عن الخسائر الإسرائيلية، بشرياً:

أكثر من 700 قتيل.

4300 جريح، نتيجة العمليات الفدائية الاستشهادية مقتل.. يعني فقط نتيجة العمليات الفدائية هناك قُتل 307 إسرائيلي وجُرح 2235 إسرائيلي.

هناك بعض الأرقام عن المستوطنين 77% من المستوطنين لا يشعرون بالأمان، قالوا إنهم لا يشعرون بالأمان.

65% يريدون المغادرة، و25% يفكرون بالرحيل أصلاً من فلسطين المحتلة
أما اقتصادياً:

إجمالي الخسائر الإسرائيلية 25 مليار دولار.

تقلصت الموازنة بنسبة 25%

تدهور سعر الشيكل بنسبة 25%

يبدو أن الرقم 25 هو الرقم الأسود بالنسبة للإسرائيليين في عامي الانتفاضة. أتوجه مباشرة إلى السيد حمدين صباحي معنا في القاهرة، سيد حمدين صباحي، استمعت إلى كل هذا.. هذا الكلام، ألا تعتقد.. سؤال يتعلق بالخارج.. خارج الساحة الفلسطينية، أنت ذكرت قبل قليل بأن التطورات على الساحة العراقية مقبلة ربما تكون دراماتيكية من خلال هجمة أميركية حقيقية على العراق، هل تعتقد بأن أي ضربة للعراق سيؤثر سلبياً أم إيجابياً على الوضع الفلسطيني؟

ضرب العراق ومدى تأثيره على الانتفاضة الفلسطينية

حمدين صباحي: العدوان الأميركي القادم على العراق سيؤثر سلباً أو إيجاباً بحسب قدرة العراق والأمة العربية وأصحاب الضمائر في العالم على هزيمة الإرادة الأميركية التي تكمن وراء هذا العدوان، أميركا تريد أن تحتل العراق، تُسقط سلطته، تقسِّمه، تستولي على نفطه اللي يملك 11% تقريباً من احتياطي النفط العالمي، ولها هدفين واضحين جداً، نفط العراق وأمن إسرائيل، ستدخل أميركا هذه المغامرة الكبيرة في إطار فكرتها عن عسكرة العولمة، أي فرض الإرادة الأميركية على العالم، ليس بالاقتصاد والسياسة والثقافة -كما فعلت طوال المرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي -ولكن بالقوة العسكرية، باستعادة عصر دبلوماسية البوارج وبطريقة بالغة الصلف والوقاحة الأميركية، كنا نقول أن الاستعمار يستخدم منطق العصا والجزرة، أميركا الآن تستخدم العصا بدون أي جزرة، والطريقة التي تعامل بها الأمة العربية هي نفس الطريقة التي تعامل بها شعوب العالم كله، لكن أكثر ما تكون تبجحاً وصلفاً وعدوانية وانكشافاً وعرياً من أي منطق في طريقة تعاملها مع الملف العراقي، تصر على ضربة قادمة للعراق بمفتشين أو لا..

غسان بن جدو [مقاطعاً]: طيب كيف هذا سيؤثر.. كيف سيؤثر على الجانب الفلسطيني هذا الأمر؟ كيف سيؤثر على الجانب الفلسطيني؟ يعني هل يمكن أن يهمش الجانب الفلسطيني أم..

حمدين صباحي: سيؤثر إذا.. إذا صمد العراق.

غسان بن جدو: أم يمكن أن يحصل العكس، هناك من يقول أنه مكن أن تحصل مقايضة مقابل قبول ما عربي رسمي بضرب العراق أو بتغيير الوضع في العراق، توجد هناك تسوية ما، ولو ظرفية للوضع الفلسطيني.

حمدين صباحي: لا.. لا يا سيدي، أي.. أي انهيار في الوضع العراقي يساوي انهيار في الوضع الفلسطيني، أي قوة للوضع العراقي يساوي قوة للوضع الفلسطيني، لماذا؟ لأن العراق يضع نفسه على خريطة العداء للمخطط الأميركي، وإذا تمكن العراق من أن يخرج من هذا العدوان، وقد كسر الإرادة الأميركية المعلنة والأهداف الأميركية، فهذا نصر كبير لفلسطين وللعراق وللأمة العربية، وللساعين للتخلص من الهيمنة العسكرية الأميركية على العالم، وإذا انكسر العراق -لا قدر الله- فثق أن كل ما يسعى إليه شارون سيكون أقرب لأن يطوله، لأن العراق أحد أسباب الدعم المباشر اليومي والاستراتيجي لفلسطين ولانتفاضتها ولمقاوميها، وخسارة العراق هي خسارة للأمة ولفلسطين بالتأكيد، فالارتباط واضح ما بين قضية العراق وفلسطين في فكر أعدائنا وينبغي أن يكون بالنسبة لنا كعرب له نفس الدرجة من الوضوح، إن ضعفاً وإن قوة، العراق وفلسطين يمضيان في طريق واحد وفي خط بياني واحد.

غسان بن جدو: نعم، شكراً لك سيد حمدين صباحي.

[فاصل إعلاني]

غسان بن جدو: أتوجه للجمهور مباشرة السيد ناجي صفى (رئيس تحرير نشرة حقوق وهي التابعة للمنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان هنا في لبنان)، تفضل سيدي

ناجي صفى: أولاً أتوجه بالتحية لك أستاذ غسان ولضيوفك الكرام.

غسان بن جدو: أهلاً بك.

ناجي صفى: وأود أن أثني على مبادرة الزميل أستاذ أنيس النقاش بوضع شعار "كلنا فلسطينيون"، فالحقيقة كلنا فلسطينيون بالضروp=] أحرة لأنه لا يتوهمنا أحداً أننا ممكن أن نكون خارج الصراع، فكلنا مستهدفون وكلنا في الأتون.

ثانياً: أريد أن أغتنم هذه المناسبة لأتوجه بالتحية إلى الشعب الفلسطيني العظيم، الصامد والصابر والمجاهد رغم اختلال ميزان القوى، وأقول له: صبراً.. صبراً أيها الشعب العظيم، فمهما طال الليل لابد أن ينجلي.
هذا الشعب الذي قدم -حسب الإحصاءات- التي أوردتها والتي ألتقي في كثير معها، منذ بدء الانتفاضة وحتى ذكراها الثانية التي نحتفل بها اليوم، أكثر من 3 آلاف شهيد، وحوالي 35 ألف جريح وحوالي 9600 أسير، بينهم أكثر من 300.

غسان بن جدو: 29 طفل.

ناجي صفى: و29 طفل.

غسان بن جدو: نعم.

ناجي صفى: وبينهم حوالي 30 فتاة قاصرات يتعرضن للتعذيب والتنكيل خلافاً للقانون الدولي الإنساني، وخلافاً لاتفاقية جنيف الرابعة، وخلافاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يعطي الشعوب حق مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل، هذا الشعب العظيم هو شعب جدير بالحياة الحرة الكريمة التي يستحقها.

ثانياً: أريد أن أتكلم في القانون كوني أنتمي إلى منظمة لحقوق الإنسان، أولاً هناك قانون عام مفاده إن الاحتلال والأمن لا يلتقيان، فطالما هناك احتلال ستكون مقاومة، وهذا حق كفلته القوانين الدولية والشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة.

ثانياً: أن إسرائيل دولة ملوثة بالجرائم، وبالدم، بل هي قامت -ومازالت- على ارتكاب الجرائم منذ تأسيسها وحتى آخر مجزرة ارتكبتها أول أمس في غزة، ولم تدع إسرائيل نوعاً من أنواع الجرائم تقع تحت طائلة القانون الدولي الجنائي إلا وارتكبته من جرائم الإبادة الجماعية، إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وقتل المدنيين، والأسر غير القانوني، والتعذيب، وترك الجرحى ينزفون حتى الموت، وتدمير المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية وحتى الصحية، حيث استشهد برصاص جيش الاحتلال 18 طبيباً وممرضاً وممرضة ومسعف، وجرح أكثر من 200 شخص من الجسم الطبي.

غسان بن جدو: يعني عفواً يعني إضافة إلى كل هذه الأرقام التي تتفضل بها، يعني قانونياً هل يمكن أن.. أن.. أن يفعل شيء؟ يعني قانونياً جنائياً، لأنه أنا أعلم إنه أنتم ربما شاركتم في الدعوة إلى محاكمة شارون الأخيرة، هل يمكن أن يفعل شيء؟

ناجي صفى: الحقيقة نحن سعينا ومازلنا نسعى وقُدِّم استئناف لمحكمة التمييز البلجيكية، وبانتظار البت في هذا التمييز، وهناك محاولات الحقيقة محاولة تحويل الموضوع إلى موضوع سياسي من خلال الضغط الإسرائيلي والضغط الأميركي ونزع الصلة الجنائية عنه لكونه إنه رئيس حكومة لا يخضع لصلاحيات المحكمة، علماً أن القانون الذي أنشأ.. أنشأ في بلجيكا القانون البلجيكي الذي صدر عام 1993 وأقره الكونجرس البلجيكي 1992 يتيح محاكمة أي إنسان ارتكب جرائم ضد الإنسانية في أي مكان وزمان حتى.. رغم أن المحكمة ادعت أنه أثناء تقديمنا أنه كان خارج الأراضي البلجيكية وقدمنا الطعن بذلك، الكونجرس البلجيكي شعر أن هناك مهانة لهذا القانون، أن هناك استباحة لهذا القانون، لذلك قدم عدد من أعضاء الكونجرس البلجيكي طلب من الكونجرس نفسه لاستيضاح هذا القانون، وتثبيت أن الجرم الذي قام به آرييل شارون الملوث بالدماء منذ.. ليس منذ العام 1982 بل أساساً شارون ملوث بالدماء منذ الأسرى المصريين الذين كان يصطادهم في طائرة الهليوكوبتر بالقناصة كالعصافير، 49 أسير مصري قتله إسرائيل بدم بارد من.. من طائرة هليوكوبتر، فيحاول الكونجرس الآن أن يعطي الفاعلية لهذا القانون، وقد شكلنا نحن في بلجيكا منظمة خاصة ونحن أعضاء فيها، لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، والحقيقة أن زملاءنا في بلجيكا يتعرضون لتهديد.. لتهديد وملاحقة.. أريد أن أشير إلى نقطة يعني ما بأعرف إذا الوقت..

غسان بن جدو: أرجوك الوقت يعني مختصر جداً معلش، شكراً، أنا لأنه معنا على الهاتف السيد حسين الشيخ من رام الله، سيد حسين الشيخ، أولاً مساء الخير، (القيادي في حركة فتح المعروف).

حسين الشيخ: مساء الخير.

غسان بن جدو: وأنا سمعت سيد حسين الشيخ إنك أصبحت مطلوباً إسرائيلياً، هل هذا صحيح أو لأ؟

حسين الشيخ (أمين سر مرجعية حركة فتح): يعني أولاً: أنا برأيي أن كل الشعب الفلسطيني مطلوب للاحتلال الإسرائيلي.

غسان بن جدو: هذا صحيح، ولكن أمنياً هل أنت مطلوب الآن؟

حسين الشيخ: يعني أولاً كما قلت لك المسألة ليست شخصية، ولا أحب الحديث في الموضوع الشخصي، ولكن مرة أخرى أؤكد أن كل الشعب الفلسطيني أضحى مطلوباً للاحتلال، صحيح أنهم داهموا بيتي 5 مرات في هذا الاجتياح.

حقيقة الخلافات بين الفصائل الفلسطينية على خيار الانتفاضة

غسان بن جدو: سيد حسين الشيخ، مع كل ربما الملاحظات التي يمكن أن تساق في الخارج عن بعض.. تفرد بعض الفصائل الفلسطينية، ولكن يمكن القول بجزم في الحقيقة إن ما حصل خلال العامين الماضيين أثبت أن ثمة هامش كبير من الوحدة الوطنية، وربما هناك بعض الكُتَّاب الذين قالوا إن ما حصل من انشقاقات وحتى تقاتل بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية خارج فلسطين، كذبته الوقائع في الداخل، حيث إن.. رغم أنكم مسلحون في الداخل ولكن لم تطلق رصاصة واحدة فيما بينكم، هل نستطيع أن.. أن نؤكد أو أستطيع أن نقول أن الانتفاضة في بداية عامها الثالث، الوحدة الفلسطينية ستكون أكثر رسوخاً في الداخل أم بكل صراحة بما أن هناك فروقاً في الأفق السياسي والمشاريع السياسية من فصيل لآخر، ربما هذا الأمر يهتز.. ربما حتى في داخل فتح، هذا الأمر يهتز أيضاً؟

حسين الشيخ: يعني أولاً بدون أدنى شك بإنه هذه الانتفاضة الفلسطينية ومع دخول العام الثالث عام الغضب الفلسطيني، كان من أهم إنجازات هذه الانتفاضة هو ما رسَّخته الانتفاضة وما كرَّسته من وحدة وطنية عميقة بين كل فئات وقطاعات شعبنا الفلسطيني وقواه وتنظيماته وأحزابه السياسية، وأقصد بالذات يعني الوحدة ما بين التيارات الوطنية والإسلامية، من خلال هذه الوحدة التي تعمَّدت بالدم على أرض.. على أرضية المقاومة والانتفاضة، هذه الوحدة التي لم تكن إطلاقاً كما هي عليه الآن، في المرحلة السابقة وأقصد بذلك مرحلة المفاوضات مع.. مع الحكومة الإسرائيلية، بمعنى أن المقاومة شكلت قاعدة أساسية لتوحيد القوى والتنظيمات الفلسطينية التي هناك العديد من البرامج السياسية المختلفة فيما بينها، ولكن في ظل هذه الانتفاضة توافقت كل القوى.. القوى الوطنية والإسلامية على برنامج حد أدنى يشكل -حقيقة- مقوِّم أساسي لانصهار كافة قطاعات وشرائح شعبنا من حول هذا البرنامج وتمسكها به واعتبار أن المقاومة والانتفاضة هي طريق للخلاص من الاحتلال، ولكن يعني المهم في هذا الموضوع أنا برأيي أنه هناك البعض الذي اعتقد -بقصر نظره أنا برأيي- أن الانتفاضة عبارة عن موضة موسمية أو هبة عابرة سرعان ما ينطفئ لهيبها وتهدأ وتيرتها ولم يلتقطوا أو يفهموا أن الانتفاضة تأتي في سياق الاستحقاق الطبيعي لشعب يكافح من أجل الحرية والاستقلال، لذلك الانتصار الكبير يأتي من خلال التراكم، فلذلك ترى أنت أنه هناك.. وأقصد يعني.. أقصد أنا -حقيقة- أنه هناك بعض التيارات أو الفئات التي تحاول الآن أن تحاكم الانتفاضة أو أن تتحدث عن الانتفاضة بمنطق التقاط الظواهر السلبية التي عَلِقت بالانتفاضة، دون أن ينظروا إلى الجوانب العظيمة التي حملتها رسالة الانتفاضة، وأنا برأيي بإنه أهم الرسائل العظيمة التي حملتها هذه الانتفاضة إلى جانب موضوع الوحدة الوطنية هو موضوع العودة إلى خيار الانتفاضة والمقاومة كخيار حي، لم يمت حقيقة في المشاريع السياسية الكفاحية الفلسطينية من أجل الوصول إلى الحرية والاستقلال وتحديداً بعد أن جرَّب الشعب الفلسطيني خيار التفاوض مع الاحتلال ووصوله إلى طريق مسدود نتيجة للصلف والعنجهية الإسرائيلية، وإصرار إسرائيل على تمرير فهمها للسلام الذي يعني استسلام، وتكريس الاحتلال وتأبيده على الأرض الفلسطينية، من هنا جاءت الانتفاضة لتؤكد أن خيار المقاومة هو خيار حي، ومازال ينبض في عروق الشعب الفلسطيني، وأنه لم يعد إرثاً من الماضي كما قال البعض، وكما حاول أن يصور البعض، وأن يسقط هذا الخيار من قاموس الفلسطينيين، لذلك أنا أقول بوضوح...

غسان بن جدو [مقاطعاً]: لكن يا سيدي حسن الشيخ عفواً، معذرة سيدي حسين الشيخ، يعني الذين يحاولون إسقاط المقاومة ليسوا من الخارج، يعني حتى من الداخل، ومن قيادة حركة فتح، ومن السلطة الوطنية الفلسطينية ذاتها، الذين يعتبرون بأن ما حصل خاصة بعد هذا التآكل، وهذه الهجمة الشارونية البشعة ينبغي أن ينظر بواقعية أكثر، وربما مهادنة أكثر، وحتى وقف عملية المقاومة، لأنها استنزفت الشعب الفلسطيني ولم تؤتِ ثمارها، نحن نسمع هذا الكلام بوضوح من.. من.. داخل فلسطين.

حسين الشيخ: يؤسفني أن أقول بأنه هذه -للأسف الشديد- النظرة الدونية التي يتبناها البعض تحت شعار البطش والقمع والإسرائيلي والدمار الذي خلفه. صحيح نحن نقول بأن الشعب الفلسطيني دفع في هذه الانتفاضة أكثر من 50 ألف شهيد وجريح، وأكثر من 10 آلاف معتقل، ودُمرت مئات البيوت، وحرقت عشرات الآلاف من الدونمات، ولكن هذا يأتي في إطار الاستحقاق الطبيعي للتحرر والاستقلال، طريق الحرية والاستقلال ليست مفروشة بالورود، لذلك أصحاب النظرية هذه، أصحاب النظرية الدونية التي يحاولوا الآن استغلال ما أحدثه الاحتلال من بطش وقمع وتدمير على الشعب الفلسطيني لتمرير وجهات نظرهم، التي كانت منذ اليوم الأول تعارض الانتفاضة، يحاولوا أن يتسلحوا الآن بما يحدثه الاحتلال من دمار وقتل وتنكيل على.. في الشارع الفلسطيني، من هنا أنا أكرر وأقول: الشعب الفلسطيني الآن يرفع شعار واضح وعلني وصريح بأنه لا قيادة من خارج صف المقاومة، ماذا يعني هذا الشعار؟ يعني أن القيادة يجب أن تكون ملتصقة مع هذا الخيار الاستراتيجي للشعب الفلسطيني، يجب أن تتفق مع معاناة الشعب الفلسطيني، ونحن لسنا بحاجة إلى قيادة مرفهة، نحن بحاجة إلى قيادة مكافحة مقاتلة، تلتزم بالمشروع الوطني الفلسطيني، وتلتزم بالانتفاضة خيار للخلاص من هذا الاحتلال، وتحديداً بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية رفضها بالكامل لكل الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وأنا أتساءل: إذا كان هذا هو خيار الحكومة الإسرائيلية بفتح الحرب على مصراعيها مع الشعب الفلسطيني، إذن ما هو خيار أصحاب هذا التيار؟ ليعطونا خيار بديل عن الانتفاضة والمقاومة، وليكن خياراً مقنعاً للشارع الفلسطيني حتى نلتزم بهذا الخيار، هم لا يمتلكوا أي خيار إطلاقاً.

الانعكاسات الداخلية والخارجية لاستمرار ياسر عرفات في الحكم

غسان بن جدو: شكراً لك يا سيد حسين الشيخ على هذه المداخلة، وقبل أن نعود إلى الأستاذ أنيس النقاش أتوجه مباشرة إلى القاهرة، لأن البث سينقطع مع الأستاذ حمدين صباحي، سيد حمدين صباحي، بصراحة وبوضوح، هل تعتقد أن هناك حرج رسمي من استمرار وجود الرئيس ياسر عرفات في.. في.. في قيادته الحالية، خاصة بعد أن أعلنت الإدارة الأميركية بوضوح بأنها لا تريد أن تتعامل مع الرئيس ياسر عرفات، وشارون أصبح واضحاً أنه يريد أن ينحي ياسر عرفات جانباً، ويتعامل مع قيادة فلسطينية جديدة، ربما تؤتي له بتسوية ما؟

حمدين صباحي: يعني في اعتقادي الشخصي أن ياسر عرفات لم يكن مشكلة حقيقية في مواجهة الإدارة الأميركية، ولا مخططات الدولة الصهيونية، قد يكون مشكلة بطريقة نسبية، وأعتقد إن هو بعد موافقته على أوسلو أصبح جزءاً أصيلاً من النظام الرسمي العربي، أن علاقته بالنظام الرسمي العربي أصبحت أكثر وثوقاً من علاقته بالفكرة الرئيسية التي تبناها النضال الفلسطيني، وهي فكرة المقاومة من أجل التحرير، ودي صلب الفكرة التي تعبر عنها الانتفاضة فكرة المقاومة من أجل التحرير، بما فيها تطوير الانتفاضة إلى مقاومة مسلحة، السيد ياسر عرفات قبل الكثير جداً من تصورات الحلول السياسية، وقد تلقى في مقابل ذلك كثيراً من الانتقادات التي أثرت كثيراً على مصداقيته ووزنه التاريخي على الساحة الفلسطينية والعربية، وأعتقد أن كثير من الحكام العرب الضالعين تماماً في خط التسوية، والمرتبطين تماما بالتصور الأميركي، والمتوائمين تماماً مع الرؤية الإسرائيلية أو الذين يخشون مواجهتها هم من أكثر الحكام رضىً عن السيد عرفات وحماية له، وتسويقاً له الآن، القضية الفلسطينية أكبر من ياسر عرفات بكثير، وأعتقد أن إزاحته ليس شرطاً جوهرياً على الإطلاق، الشرط الجوهري هو إخماد الانتفاضة، إيقاف العمل الجهادي الاستشهادي، وتركيع الشعب الفلسطيني ليقبل بالفتات المطروح عليه باسم السلام الزائف الذي تعرضه أميركا، أو تعرضه الحكومة الصهيونية أياً كانت هذه الحكومة.

غسان بن جدو: سيد أنيس النقاش، هل توافق هذا الرأي؟ أنت يعني كنت ملتصقاً جداً بالسيد ياسر عرفات في فترة أي أنه جزءاً من المخطط الآن.

أنيس النقاش: لا.. لا.. لا أوافق، أنا لا أوافق بتاتاً، يعني الإخوان يتحدثون أحياناً البعض عن حركة الرئيس ياسر عرفات وكأنه بمعزل عن المحيط العربي، وما يؤثر من نظام ومن قوى شعبية، منذ بداية الثورة الفلسطينية كانت تسير دائماً على خطين، خط القوى الجماهيرية، ولم تهمل بتاتاً خط النظم العربية على أمل أن لا تصطدم معها، لا على أمل أن تجرها إلى معركة في ذلك، وهي بسبب أنها تريد أن تتفادى الصدام مع النظم العربية، ورغم ذلك حصلت صدامات عديدة مع.. مع عدة نظم القول بأن ياسر عرفات هو بعيداً عن هذا النضال، وأن الحديث عن الانتفاضة بدون ياسر عرفات هو مغالطة للأمور، وبما يقوله العدو الصهيوني.
غسان بن جدو: لكنه لا يشكل مشكالية -كما يقول- للمخطط الأميركي ولا يشكل إشكالية وعقبة...

أنيس النقاش: لا نحن.. نحن في الشكل الكلي لحركة التاريخ، التاريخ لا يتوقف عند أشخاص، يعني كان قبل أبو عمار فيه أبو جهاد، وأبو يوسف النجار، وقيادات سقطوا والشعب الفلسطيني يعني، الحمد لله هذه حقيقة يجب أن نكون متفقين عليها جميعاً، هو يولِّد الأبطال، والرئيس ياسر عرفات عندما يقول أن قائدنا هو فارس عودة، الشهيد الطفل الذي يمثل مستقبل الشعب الفلسطيني فهو يؤكد على هذه الحقيقة أن الشعب الفلسطيني يولد القيادات وليس هناك مشكلة ولكن لا يجب أن نزور التاريخ، يعني لا يجب أن ننسى من الذي أطلق الرصاص، من الذي أطلق الانطلاقة في 65، من الذي خاض كل المعارك ضد العدو الصهيوني، من الذي صمد في بيروت، من الذي قاد انتفاضة الحجر الأولى، انتفاضة الحجر الأولى لم تأتِ من فراغ، كانت من خلال عمل تنظيمي يقوم في الداخل، ودعم للأطر التنظيمية في الداخل التي شكلت شبيبة حركة فتح، وشبيبة الجبهة الشعبية، وشبيبة التنظيمات الأخرى، وكل هذا كان من دعم من القيادة.

غسان بن جدو: لأ، هذا لا نقاش، يعني الآن معروف بأن ياسر عرفات يتمتع بشرعية تاريخية، بشرعية ثورية، وأيضاً بشرعية تمثيلية، ولكنه ربما هناك من يقول أنه يبالغوا في وقت يعني..

أنيس النقاش: نحن.. نحن.. نحن يعني يجب أن نحكم على حركة الشخص في الحركة التاريخية كما تفضلت، الحصار الذي تعرض له ياسر عرفات لم يكن هذا الحصار الأول في رام الله، ولم يكن الحصار ما قبله في رام الله، تعرض ياسر عرفات إلى حصار في (كامب ديفيد)، هذه أهم من كل هذه الحصارات، كان في كامب ديفيد مع (كلينتون) ومع (باراك)، وكان المطلوب منه فقط أن يقبل بما يتهم به أنه هو يسلم به، يعني حق العودة، التنازل عن كثير من مسائل القدس، ومساحة الدولة الفلسطينية ومشروعيتها وسيادتها، لو كان يريد أن يُسلم في ذلك الوقت كان سلم، وهذا كان جزء من الحصار، لأنه منعوا مستشارينه أن يدخلوا إليه، ومنعوا معاونينه أن يدخلوا إليه، وقاموا بكل الضغوطات، ياسر عرفات سمع في كامب ديفيد تهديدات مباشرة من السلطة الأميركية لم تكن سرية، خرج بها كلينتون وقال: "بعد هذه الفشل في كامب ديفيد سيتعرض الشعب الفلسطيني إلى أزمات، وسيمر في أيام سوداء"، ولكن عرفات سمع في داخل كامب ديفيد تهديدات أكثر من ذلك، لو كان أراد هذا الشخص أن يتخلى عن موقعيته التاريخية ويسلم كانت هذه هي الفرصة بأن يأتي ويقول هذا هو ما استطعت أن أحصل عليه.

غسان بن جدو: طيب لكن.. نعم.

أنيس النقاش: صموده في كامب ديفيد هو الذي أدى إلى انفجار الانتفاضة الثانية، وليس كما يقال زيارة شارون إلى القدس، ودخوله إلى المسجد هو الذي فجر الانتفاضة، هذه كانت الحجة لتفجير الانتفاضة، ولكن الانتفاضة كانت تستعد بسبب أن الوضع وصل في أوسلو إلى طريق الافتراق، لا يريد الفلسطيني أن يتنازل من.. من خلال قيادته، وباراك قال ليس لدينا إلا أن ندفع شارون لمواجهة شعبه.

غسان بن جدو: طيب.. طيب بكل صراحة سيد أنيس النقاش، الآن هناك صراع حقيقي حتى داخل فتح، هناك من يقول هناك صراع بين الحرس القديم والجيل الجديد، وهناك حتى من يهيئ نفسه لخلافة.. لخلافة عرفات، بدعم.. بدعم.. بدعم خارجي، هل.. هل تعتقد بأنه في نهاية المطاف ذهب الرئيس ياسر عرفات إلى هناك وسيبقى هناك كما هو يقول؟ ولكن الواقع الآن الإقليمي والعربي والدولي بشكل أساسي ربما سيضطر ياسر عرفات إلى التنحي، أو يعني بشكل من.. من الأشكال، خاصة وهناك نخبة الآن قيادية داخل حركة فتح يقال أنها تنسق مع.. مع.. مع أطراف معينة من أجل إيجاد أفق جديد للواقع الفلسطيني من خلال إزاحة ياسر عرفات، حتى وإن كان بقي رئيساً شكلياً؟ بكل صراحة.

أنيس النقاش: آه، الصراحة، نحن.. نحن تعودنا على الصراحة لم يتراجع ياسر عرفات خلال كل حركة الثورة الفلسطينية من أي موقع إلا من خلال الضغط العربي وليس من خلال الضغط الإسرائيلي أو الضغط الأميركي، هذه هي حقيقة تاريخ الثورة الفلسطينية. تراجع من بيروت عندما طُلب منه من أهل بيروت ومن لبنان أننا نحن صمدنا معك ثلاثة أشهر وكفى، ولكن لو أراد اللبنانيون أن يصمدوا أكثر لصمد ياسر عرفات، هذا ليس لوماً على اللبنانيين، بطولاتهم كانت مشهودة، الآن ياسر عرفات هو يقف على أرضه، ولذلك هو يكرر شهيداً.. شهيداً.. شهيداً، ما حصل يا إخوان في الداخل بعد أوسلو، من وحدة في الداخل والخارج غيَّر كل معطيات القضية الفلسطينية، وهذا ما لا يريد أن يفهمه بعض المسؤولين في حركة فتح، الذين الآن قد يطالبون عرفات بالتنازلات، عرفات يعرف أنه وجوده أو عدم وجوده لم يعد هو المهم، لأن أبطال من أمثال فارس عودة قد خرجوا من الشعب الفلسطيني، ووحدة الشعب الفلسطيني التي وصلت إلى هذا المستوى من الصراع مع العدو الصهيوني، التي تهد أركانه من الداخل، منذ متى ونحن نضرب في أراضي الـ 48، ونفجر في تل أبيب غير هذه الأيام؟ العدو يعترف أنه يقود حرب استقلال جديدة، ليس بمعنى التوسع فقط، بل بمعنى الحفاظ على وجوده، ولذلك ياسر عرفات مطمئن أنه قد أدى الرسالة، وأنه سيستمر في هذا الخط، ولا أعتقد أنه سيتراجع أو سيستسلم كما يظن البعض.

غسان بن جدو: شكراً لك يا سيد أنيس النقاش على هذه المشاركة، شكراً للسيد حمدين صباحي من القاهرة، شكراً لكل من شارك معنا، عذراً للسادة الجمهور، وخاصة الأخ حمزة البشتاوي (أمين سر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين) الوقت داهمنا كثيراً، لن نستطيع مطلقاً أن نكمل هذه الحلقة، شكراً لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة، وإلى لقاء و(حوار مفتوح) آخر بإذن الله، مع قليل من المشكلات، شكراً لكم، وإلى اللقاء، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة