مراد غالب.. عصر العلاقات المصرية السوفياتية ج3   
الخميس 1429/3/13 هـ - الموافق 20/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)

- خلفيات قرار تأميم قناة السويس
- الموقف السوفياتي أثناء العدوان الثلاثي
- نتائج حرب 1956
- عن أسلوب عبد الناصر في إدارة الدولة
- آراء في شخصية عبد الناصر 

خلفيات قرار تأميم قناة السويس

أحمد منصور
مراد غالب
أحمد منصور
: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق. دكتور مرحبا بك.

مراد غالب: أهلا وسهلا.

أحمد منصور: في السادس والعشرين من يوليه عام 1956 أعلن جمال عبد الناصر عن تأميم قناة السويس، هل كان قرار التأميم صائبا أم كان جزءا من صناعة الزعامة التي كان يسعى إليها عبد الناصر في ذلك الوقت؟

مراد غالب: لا، الحقيقة يعني تأميم قناة السويس والخطاب بتاعه سنة 1956 ده موضوع يعني الحقيقة كبير شوية. ليه كبير شوية؟ لأنه بيضم معركة تأميم القناة وبيضم عدوان 1956..

أحمد منصور: القناة already كانت راجعة لمصر بعد سنة 1969 مش محتاجة حرب.

مراد غالب: ما هو أنا جاي للنقطة دي تمام. وبالتالي، هل كانت تساوي ولا ما كانتش تساوي؟

أحمد منصور: ده سؤال مهم.

مراد غالب: هل كانت؟ وإحنا مفروض يعني أن اتفاقية سنة 1969 تنتهي فليه يضطر يعمل الهيصة دي كلها؟ هل من أجل الزعامة؟ من أجل إيه بالضبط؟ طبعا هم لما سحبوا تمويل السد العالي..

أحمد منصور: الأميركان.

مراد غالب: الأميركان، والإنجليز والبنك الدولي حطوا جمال عبد الناصر في موضع في منتهى الحرج. يعني زي ما تقول إهانة ضخمة جدا لجمال عبد الناصر أنهم يسحبوا السد العالي ويقولوا له أنت مش حتنفع وأنت مش حتقدر تسدد الفلوس اللي عليك اللي أخذتها من الأسلحة دي وعلى ذلك إحنا بنسحب هذا. طبعا في كلام كثير على أن الأميركان طلبوا الاعتراف بإسرائيل علشان يدوا له التمويل للسد العالي. على أي الحالات، كان زي ما سيادتك بتقول، أن اتفاقية قناة السويس سنة 1969 حتنتهي، مش كده؟ لكن إيه اللي حينتهي سنة 1969؟ حتنتهي الاتفاقية..

أحمد منصور: حق الامتياز.

مراد غالب: لكن هل معناها أنه خلاص حيسلموا لنا قناة السويس سنة 1969؟

أحمد منصور: الوضع كان سيختلف بالنسبة لمصر، هذه دولة ناشئة الآن، أمامها تحديات كبيرة جدا، في تحديات داخلية، شعب يريد حاجات معينة، وفي تحديات خارجية محيطة من حوله. صناعة معركة من أجل الزعامة في ذلك الوقت، كما قال بعض المراقبين بالنسبة لهذه المرحلة، هل كانت مصر في حاجة إليها؟

مراد غالب: لا، شوف أنا أعتقد الحقيقة هو سبق التأميم ده حاجات كثيرة، أولا جاء سير لويد في أبريل 1956 وقال له، تذكر أن القناة دي جزء لا يتجزأ من المركب الكبير للبترول، البترول في الشرق الأوسط، وده في غاية الأهمية بالنسبة لنا. يعني ما بقيتش هي ممر مائي ولكنها ممر للبترول من الشرق الأوسط، فإذاً، خذ بالك من الحكاية دي، أنك لازم يعني أنك تعمل حسابك أن القناة دي لازم تبقى مفتوحة. ده السير لويد في حوالي أبريل 1956. طبعا جاء له كمان رسالة من إيدن..

أحمد منصور: حرب أعصاب، يعني السياسة أنت تعلم كيف تتم.

مراد غالب: حرب أعصاب شديدة جدا، كانت حرب أعصاب كبيرة قوي. لكن كان في حاجة برضه أساسية أني أنا طيب حأرد إزاي؟ واحد، الناس بيسحبوا تمويل السد العالي وبيقولوا إنك أنت اقتصادك مش نافع وإنك أنت مرهون بالأسلحة وإنك أنت كذا. طبعا لكن في حاجة مهمة أقول لك عليها، أن حكاية تأميم قناة السويس كانت في ذهن جمال عبد الناصر..

أحمد منصور: متى؟

مراد غالب: بدليل أنه كان في مجموعة برئاسة الأستاذ الحفناوي، وكان محاميا كبيرا جدا وكانت شغلتهم في الخفاء لم يعلم عنها أي واحد، دراسة..

أحمد منصور: الوضع القانوني لقناة السويس.

مراد غالب: الوضع القانوني لقناة السويس وتأميم القناة يعني يحصل إيه؟ ثانيا، أنه طلب أن مجموعة من المصريين يتعلموا ويمشوا مع المرشدين الأجانب لكي يتعلموا..

أحمد منصور(مقاطعا): كل ده مالوش علاقة بسؤالي..

مراد غالب: عارف..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني أنا عايز أعرف الإجابة على سؤالي.

مراد غالب: حأقول لك الآتي، اللي أنا أعرفه كويس قوي أنه 1969 ليست حيسلموه بعدها قناة السويس، ولكن أنت ستضطر وحيضطروك أنك أنت تعيد المناقشة ثاني، ويعملوا اتفاقية ثانية، ويعني إحنا ماكناش متأكدين أن 1969 دي سيكون فيها تسليم لقناة السويس بالسهولة دي. يعني يجي يقول لك خذ القناة في 1969؟

الموقف السوفياتي أثناء العدوان الثلاثي

أحمد منصور: كيف نظر السوفيات إلى قضية تأميم القناة؟

مراد غالب: هم طبعا السوفيات قالوا يعني خلينا بقى إحنا قريبين قوي من بعض لأن دي مشكلة كبيرة جدا.

أحمد منصور: يعني السوفيات بدؤوا الاهتمام المباشر والقوي بمصر بعد هذا الإعلان؟

مراد غالب: طبعا. وليه؟ حأقول لك ليه، لأنه حصل أن خروتشوف سنة 1956 في يوليه هو وبولغانين زاروا إنجلترا. أنت فاكر لما الإنجليز بعثوا الكريبمان واختفى علشان يتجسس على البارجة اللي كان عليها خروتشوف وعليها بولغانين؟

أحمد منصور: أنا مش فاكر لأني ما كنتش لسه اتولدت.

مراد غالب: لا طبعا ما كنتش اتولدت، ده أكيد يعني. بعثوا واحد قال علشان يستكشف البارجة فطبعا الروس قفشوه واختفى هذا الرجل من الوجود ولم يعد له أي ذكر. لكن على أي حال، إيدن زار آيزنهاور قبل هذه الزيارة..

أحمد منصور: إيدن رئيس وزراء بريطانيا وآيزنهاور الرئيس الأميركي.

مراد غالب: آه، واتفقوا سوا، إيدن كان رئيس الوزراء البريطاني وآيزنهاور طبعا كان رئيس الولايات المتحدة، واتفقوا سوا على أنه حيبقى شديد اللهجة جدا مع السوفيات، وحيقول لهم اسمعوا إحنا البترول ده أهم حاجة بالنسبة لنا، وأن إحنا سنحارب من أجله.

أحمد منصور: يعني نقدر نقول إن المعركة على النفط بدأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

مراد غالب: ما فيش شك.

أحمد منصور: وفي ولادة الإمبراطوريات أو القوى الاستعمارية القديمة وولادة القوى الاستعمارية الجديدة اللي كانت الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.

مراد غالب: فلما يجي ناس بهذا الشكل تقول لي إنهم حيسيبوا القناة 1969؟ يستحيل.

أحمد منصور: دي قراءة أخرى. لكن الآن أرجع للسوفيات واهتمامهم بالموضوع، قالوا لك خلينا قريبين من بعض؟

مراد غالب: آه، ليه بقى؟ لأنه حصل حاجات كثيرة جدا..

أحمد منصور: أهمها؟

مراد غالب: من ضمنها يعني هيئة المنتفعين، راحوا عاملين هيئة المنتفعين بقناة السويس، والمؤتمر كان في لندن وكان على، أنت فاكر حاجة زي كده ولا لا برضه..

أحمد منصور: ما كنتش اتولدت برضه.

مراد غالب: ما كنتش لسه اتولدت برضه. طيب يا عمي أنا أقول كلام يا أخي وأنت لسه ما اتولدتش! طيب حأقول لك إيه؟

أحمد منصور: بس في مشاهدين كانوا اتولدوا، حيفتكروا.

مراد غالب: أكيد في مشاهدين كانوا موجودين. وهيئة المنتفعين كان جاء مينزيس، كان رئيس وزراء أستراليا وقابل جمال عبد الناصر وكان المفروض أنهم يعملوا وصاية على قناة السويس. فبرضه عايز أقول لك اللي بيعمل وصاية على قناة السويس حيجي سنة 1969 ويديها لك؟ طبعا لا. يعني خلينا واقعيين، يعني طبعا لا. على أي الحالات كان فوستر دالاس بقى عمال يهاجم ويعمل ضغوط رهيبة على وزراء الخارجية. أنا حضرت هذا المؤتمر، يعني استدعيت لحضوره من موسكو..

أحمد منصور: اللي كان في لندن؟

مراد غالب: اللي كان في لندن. فوستر دالاس..

أحمد منصور: وزير الخارجية الأميركي.

مراد غالب: كان بيعمل ضغوط فظيعة لدرجة أن سوفاندريو كان وزير خارجية إندونيسيا كان صديقي وكان صاحبي، فلما رحت له كان تقريبا منهار، بعد فوستر دالاس ما قابله يعني، فكان فوستر دالاس بيعمل المستحيل..

أحمد منصور: من أجل؟

مراد غالب: من أجل أنه ينجّح هيئة المنتفعين ويعمل وصاية على قناة السويس.

أحمد منصور: ده كان طبعا قبل قرار التأميم؟

مراد غالب: طبعا، كان، لا، كان بعد قرار التأميم.

أحمد منصور: بعد 26 يوليه 1956؟

مراد غالب: آه، أمال، بعد. وكان بقى، مين اللي كان مندوب السوفيات في هذا المؤتمر؟ كان شابيروف، قلت لك عليه..

أحمد منصور: نعم، وزير الخارجية السوفياتي.

مراد غالب: وزير الخارجية، وكان أعظم خطبة قيلت في هذا المؤتمر كانت بتاعة شابيروف، لدرجة أن واحد سمى القهوة بتاعته في ميدان قصر النيل قهوة شابيروف! يعني كان واخد دور. فإذاً كانوا هم متوجسين يعني من تأميم قناة السويس والتداعيات بتاعة تأميم قناة السويس على العلاقات، وخصوصا بالنسبة لإنجلترا وفرنسا.

أحمد منصور: 29 أكتوبر 1956 هاجمت إسرائيل مصر، جاء الإنذار البريطاني الفرنسي بعدها، وفي 31 أكتوبر بدؤوا يضربون أهدافا فوق القاهرة وبدأ العدوان الثلاثي على مصر. كيف كان الموقف في موسكو بعد العدوان؟

مراد غالب: يا خبر! يعني السؤال بتاعك ده، ده بده كتاب، ده مكتوب فيه كتب، السؤال بتاعك ده بالذات يعني.

أحمد منصور: قل لي باختصار شديد.

مراد غالب: رح أقول لك باختصار شديد جدا..

أحمد منصور(مقاطعا): من خلال معايشتك أنت وما تم بينك وبين السوفيات.

"
الوضع الاقتصادي لبريطانيا كان متأزما قبل العدوان الثلاثي على مصر، والولايات المتحدة كانت تستعد لانتخابات رئاسية وأيزنهاور قدم نفسه رجل سلام، وشبهوا جمال عبد الناصر بهتلر لتحفيز الرأي العام الدولي لضرب مصر
"
مراد غالب
: شوف، أنا طبعا أسرار هذا العدوان طبعا كانت فيها حاجات كثيرة قوي، أول حاجة أن الوضع البريطاني، كان الاقتصاد البريطاني تقريبا ثلاثة أشهر بس يقدروا يشتروا عملة صعبة علشان البترول، لما قاموا بالعدوان، يعني كان تعبان جدا الاقتصاد البريطاني. كان إيدن فقد اثنين من أخوته في الحرب العالمية الأولى وابنه في الحرب العالمية الثانية واستقال لما تشامبرلين راح هو وهتلر وسلموا السوفيات لألمانيا، استقال إيدن يومها، كان وزير الخارجية. وشبهوا بقى جمال عبد الناصر بهتلر وبتاع وحاجة زي كده، وأنه ده يعني حيمسحنا وأنه لازم أن إحنا نضربه. قصة لطيفة عن غيموليه رئيس وزراء فرنسا، لما جاء الإنذار السوفياتي، ده خروتشوف اللي حكى لي الحكاية دي..

أحمد منصور: أنا لسه، الإنذار السوفياتي في 5 نوفمبر، الإنذار السوفياتي تأخر ووجه بعد ستة أيام من بداية العدوان.

مراد غالب: لا أنا حأقول لك بالضبط اللي حصل إيه..

أحمد منصور: قل لي، قل لي اللي حصل في الست أيام دول.

مراد غالب: صح، التواريخ دي صح، اللي أنت بتقولها، لكن في حاجات مهمة جدا كمان..

أحمد منصور(مقاطعا): ما الذي دفع السوفيات إلى أن يتأخروا في إدانة العدوان ستة أيام؟

مراد غالب: ما هو ده اللي أنا جاي لك له، كان هناك الثورة المجرية، كان في ثورة كبيرة قوي في المجر..

أحمد منصور: حينما دخلت الدبابات الروسية إلى هناك.

مراد غالب: طبعا دخلت الدبابات الروسية، وألهت هذه. وده كان من الأسباب اللي أخذوها الأميركان على إيدن وغيموليه أنهم كانوا هم، طبعا كانت فرصة كويسة علشان إخراج المجر من المعسكر، wishful thinking، يعني ده تمنيات. لكن على كل حال الكلام بتاع فوستر دالاس كان بيقول لا إحنا إزاي يعملوا كده؟ وإحنا كنا بنشتغل في المجر. ده الكلام اللي قاله، على كل حال..

أحمد منصور(مقاطعا): لكن في سياسات الدول العظمى لا تنشغل الدول بشيء عن شيء.

مراد غالب: شوف هو إيه، يعني..

أحمد منصور(مقاطعا): ما كانش في ارتباك روسي؟

مراد غالب: حأقول لك، السوفيات كانوا بيشتغلوا وعينيهم على الأميركان.

أحمد منصور: يعني الأميركان هم اللي شجعوا السوفيات على اتخاذ الموقف بعد ستة أيام؟

مراد غالب: تستطيع أن تقول هذا الكلام..

أحمد منصور(مقاطعا): لأن التحرك الأميركي سبق السوفياتي.

مراد غالب: ما أنا حأقول لك إزاي، بالضبط التحرك الأميركي إمتى؟ الأميركان من أولها نبهوا إيدن وغيموليه أنه مش عاوزين حرب في هذه المنطقة. عايزين القناة تفضل مفتوحة. فطبعا يعني علشان كده كان آيزنهاور كان غاضب غضبا شديدا جدا على البريطانيين وعلى الفرنسيين.

أحمد منصور: لكن ألم تكن هذه فرصة أميركا الذهبية للتخلص من فرنسا وبريطانيا ونفوذهما في المنطقة؟

مراد غالب: ما أنا جاي لك. فطبعا جاء آيزنهاور، وهم نسوا حاجة خطيرة جدا، اللي هي كان في انتخابات رئاسية في أميركا في الترم الثاني بتاع آيزنهاور، وطبعا آيزنهاور كان مقدم نفسه للشعب الأميركي والعالم على أنه رجل سلام، لأنه هو عمل السلام في كوريا ورجّع العساكر والجنود الأميركيين.. إلى آخره.

أحمد منصور: 1951.

مراد غالب: كويس؟ فكان هو مقدم نفسه على أنه رجل سلام، فمش عايز يبقى متصل بأي عدوان بريطاني فرنسي..

أحمد منصور(مقاطعا): ولو لعب دور في إنهاء هذه الحرب سيكون أيضا تدعيما لدوره.

مراد غالب (متابعا): فهو عمل إيه؟ طبعا جاء يوم 6 نوفمبر واكتسح آيزنهاور، يعني أخذ الترم الثاني، الفترة الثانية باكتساح. وبالتالي فضي بقى لمين؟ للفرنساويين و..

أحمد منصور(مقاطعا): لكنه قبلها سجل موقف معارضة بالنسبة لهم..

مراد غالب: لكن قبلها قال إيه بقى؟..

أحمد منصور: ودفع السوفيات في 5 نوفمبر إلى أن يوجهوا إنذارهم الشهير بإيقاف العدوان على مصر.

مراد غالب: شوف هو عمل إيه؟ في حاجة مهمة كمان، أن آيزنهاور قال لك، إيه ده؟ عايزين يدخلونا في مواجهة مع السوفيات؟ السوفيات مش حيسكتوا. ده تقدير آيزنهاور..

أحمد منصور: بس السوفيات ما كانوش أبدوا موقفا.

مراد غالب: لا، ما كانوش، لكن قامت مظاهرات في موسكو لتدعيم مصر وطبعا بعثوا رسائل إلى جمال عبد الناصر أنه هو يعني..

أحمد منصور(مقاطعا): كان موقف موسكو هنا دعائي ولا إستراتيجي؟

مراد غالب: لا، شوف، موقف موسكو كان مرتبطا إلى حد كبير بالموقف الأميركي.

أحمد منصور: من أي ناحية؟ من أي زاوية؟

مراد غالب: من أي زاوية إزاي؟ هم عارفين. دول super powers، عارفين.. حأقول لك كمان حاجة مهمة، كان في تشارلز بولن كان هو سفير أميركا في موسكو، فندهوه في وزارة الخارجية وقالوا له إحنا الاثنين علينا أن نوقف هذه الحرب.

أحمد منصور: يعني إذاً الآن ولادة قوتين عظميين بدؤوا من حرب السويس؟

مراد غالب: يعني..

أحمد منصور: وإنهاء أيضا إمبراطوريتين قديمتين هما فرنسا وبريطانيا.

مراد غالب: ده صحيح، إنهاء الإمبراطوريتين دول مضبوط. لكن..

أحمد منصور(مقاطعا): اللي لعب دور في إنهاء الإمبراطوريتين دول ليس جمال عبد الناصر وإنما أميركا والاتحاد السوفياتي.

مراد غالب: جمال عبد الناصر أنهاها إزاي، يعني إيه دور جمال عبد الناصر؟ حأقول لك دوره إيه. فبيقول لك قالوا للسفير الأميركي يالله بنا إحنا الاثنين نوقف هذا الهجوم. فالسفير الأميركي قال لهم، الله أنتم عاوزين إحنا نحارب معكم البريطانيين والفرنساويين؟ إزاي يعني ننضم لكم في محاربة الحلفاء؟ فطبعا قعدوا هم لغاية لما تأكدوا من الموقف الأميركي، وعملوا الإنذار بتاعهم يوم خمسة. أنا كنت يومها في حفلة للملك الظاهر خان..

أحمد منصور: ملك أفغانستان.

مراد غالب: أفغانستان. لقيت مدير الشرق الأوسط جاء ومسك يدي وقال لي، غالب إحنا حنتدخل. بعد ما شطّبوا على المجر. وبعدين بقى تدخلوا بشكل يعني صعب جدا، يعني قالوا إن إحنا مستعدين نغرق الأسطول الأميركي وبتاع من غير ما نخسر عسكري واحد، إحنا ممكن وعندنا..

أحمد منصور: كان إنذار شديد اللهجة.

مراد غالب: جدا. وعندنا صواريخ تضربكم بالقنابل الذرية. وقالوا للسفير الهندي الذي أذاع هذا الخبر، إن لدى الاتحاد السوفياتي إمكانيات لإغراق كل الأسطول البريطاني والأسطول الفرنسي.

أحمد منصور: هذا التصرف من قبل السوفيات كان مثار دهشة حتى لعبد الناصر نفسه.

مراد غالب: أيوه.

أحمد منصور: لدرجة أن عبد الناصر لم يكن مصدقا لما قام به السوفيات وحينما ذهب في زيارته الأولى للاتحاد السوفياتي في مايو 1958 قال لخروتشوف، هل كانت موسكو جادة في تهديدها؟

مراد غالب: شوف، أنا حضرت كل ده، أول جلسة لجمال عبد الناصر سنة 1958 أنا ما حضرتهاش، وكان جمال عبد الناصر طلع من هذه الجلسة في منتهى العصبية، وحأقول لك ليه بعدين.

أحمد منصور: أنا حأجي للجلسة دي لكن أنا في الموقف ده، موسكو كانت جادة فعلا في تهديدها؟

مراد غالب: لا ما تقدرش تقول هل كانت جادة؟ تجزم أنها ما كانتش جادة..

أحمد منصور: أنت كنت عايش هناك وبتقابلهم.

مراد غالب: آه طبعا كنت عايش هناك وبأقابلهم.

أحمد منصور: كنت حاسس أنه في جدية؟

مراد غالب: آه لا، في جدية..

أحمد منصور(مقاطعا): ولا صناعة موقف لما بعده؟

مراد غالب: لا، كان في يعني زي ما تقول.. هو طبعا ممكن..

أحمد منصور(مقاطعا): كان في أي خطوات عملية ستترتب على هذا الإنذار؟

مراد غالب: لا، شوف كان إيه، طبعا، جابوا متطوعين..

أحمد منصور(مقاطعا): دي حرب عالمية الآن.

مراد غالب: لا، طبعا، جابوا متطوعين من الاتحاد السوفياتي وقالوا إن إحنا حنبعثهم للسويس علشان يحاربوا، يعني شعللوا الموقف..

أحمد منصور(مقاطعا): كل ده show.. إيه هدف موسكو من وراء ده؟

مراد غالب: هل ده كان show؟ ولا أنه..

أحمد منصور(مقاطعا): قل لنا أنت كنت هناك، كنت شاهد عيان.

مراد غالب: ما أنا حأقول لك، هل ده كان show ولا كان صحيح يعملوا حاجة زي كده؟ السوفيات لا يستطيعون أن يعملوا حاجة زي كده إلا إذا كان الأميركان موقفهم بهذا الشكل.

أحمد منصور: كل ده ما جاش غير بعد الموقف الأميركي.

مراد غالب: لما تأكدوا من الموقف الأميركي أنه هو معارض. طبعا لما تأكدوا من هذا. ده خروتشوف قال لي حاجة لذيذة جدا، قال لي، لما إحنا عملنا الإنذار بتاعنا جرى غيموليه على التليفون..

أحمد منصور: وزير خارجية فرنسا.

مراد غالب: باللباس، بالملابس الداخلية بتاعته.

أحمد منصور: هو كان شافه يعني؟

مراد غالب: لا ما أنا حأقول لك بقى، فأنا ضحكت، قلت له يعني إزاي يعني ملابسه الداخلية؟ فأنا يعني طبعا ضحكت، فقال لي، لا، ما تضحكش، إحنا لنا ناس في مجلس الوزراء الفرنسي وهم اللي قالوا لنا هذا الكلام، جري بملابسه الداخلية على التليفون علشان يتأكد من هذا. يعني الغرض، الخلاصة هي الآتي، أنه مش ممكن السوفيات يعملوا كانوا هذا العمل إلا إذا ضمنوا الموقف الأميركي.


نتائج حرب 1956

أحمد منصور: من أجل من أخذ السوفيات هذا الموقف؟

مراد غالب: شوف هي أولا ضرب الإنجليز والفرنساويين، ودي طبعا عملية لا بأس بها بالنسبة للسوفيات..

أحمد منصور(مقاطعا): فرصة لإنهاء آخر شيء في قوة الإمبراطوريتين القديمتين.

مراد غالب: هو كده. و يعني إخلاء بقى العالم الثالث لأنه هم يتدخلوا فيه..

أحمد منصور(مقاطعا): هم وأميركا؟ هل ده كان ولادة أيضا لهذين القطبين الكبيرين، أميركا والاتحاد السوفياتي؟

مراد غالب: طبعا أميركا كانت بترسم لهذا وكذلك السوفيات. يعني ما أقدرش أقول لك لا.

أحمد منصور: حرب 1956 مثلت نقلة في العلاقة بين موسكو والقاهرة؟

مراد غالب: هي كانت نقلة، لكن كان قدامها موقف ما هواش مرضي من جانب موسكو.

أحمد منصور: من أي زاوية؟

مراد غالب: وما هو هذا الموقف؟ هذا الموقف كان، إحنا رحنا سنة 1958، وزي ما سيادتك عارف أنه حصلت الوحدة في فبراير 1958..

أحمد منصور: بين مصر وسوريا.

مراد غالب: فطبعا كان السوفيات ضد هذه الوحدة، وكانوا بيناوئوها علنا. وطبعا ده يعني المصريون وجمال عبد الناصر طبعا كان متضايقا منهم، طبعا بالنسبة له كانت الوحدة دي عملية كبيرة جدا، وبالتالي طبعا ما كانتش العلاقة يعني كويسة لكن في الوقت نفسه حكاية..

أحمد منصور: مشوبة بتوترات.

مراد غالب: مشوبة بتوترات كبيرة. دي حنيجي لها لما في الزيارة بتاعة..

أحمد منصور: تقييمك أنت إيه نتائج حرب 1956؟

مراد غالب: نتائج حرب 1956 أنا شفتها من جمال عبد الناصر.

أحمد منصور: إزاي؟

"
جمال عبد الناصر تحول إلى شخصية أخرى تماما بعد العدوان الثلاثي، حيث انقلب إلى شخص معتد بنفسه جدا لأنه اعتبر أن صموده هو الذي كسب معركة 1956، على عكس بعض قادة مجلس قيادة الثورة الذين اقترحوا تسليم أنفسهم للسفارة البريطانية
"
مراد غالب
: جمال عبد الناصر انقلب إلى شخصية أخرى تماما. انقلب إلى شخص معتد بنفسه قوي، لأنه اعتبر أنه هو صموده هو اللي كسب المعركة بتاعة 1956، صموده هو اللي خلى السوفيات والأميركان يوقفوا هذا الموقف، هو اعتبر كده..

أحمد منصور: لكن الواقع كان غير كده.

مراد غالب: لكن على أي الحالات صموده كان مهم برضه، يا أستاذ أحمد، ما فيش كلام. يعني إفرض هو عمل زي ما بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة وقالوا له تعال نسلم أنفسنا للسفارة البريطانية. حصل ولا ما حصلش؟ سمعت بها طبعا؟

أحمد منصور: نعم، ودي كانت حقيقة فعلا؟

مراد غالب: طبعا كانت حقيقة، وأيضا بعض كبار الأغنياء والكذا، كذا، برضه قالوا لجمال عبد الناصر، ما فيش فائدة، إحنا حنحارب فرنسا؟..

أحمد منصور: وإسرائيل وبريطانيا.

مراد غالب: لا إحنا لازم نقدم أنفسنا للسفارة. وبالتالي لا، جمال عبد الناصر كان صلبا جدا والشعب المصري كان كتلة واحدة..

أحمد منصور: هي دي المهمة.

مراد غالب: كتلة واحدة. والحقيقة الشعب كان عنده يعني روح عجيبة. تعرف كان فين، كان في نادي الجزيرة كانوا بيتدربوا فيه.

أحمد منصور: هيكل في كتابه "سنوات الغليان" صفحة 113 يقول في الهامش " إن من أكبر أخطاء جمال عبد الناصر أنه ترك عبد الحكيم عامر قائدا للجيش بعد هذه الحرب".

مراد غالب: الخلاف بين عبد الحكيم عامر وبين جمال عبد الناصر بدأ من 1956.

أحمد منصور: لماذا لم يغيره؟

مراد غالب: ما حأجي لك، جاب إيه، جاب مين؟ جاب حسين ذو الفقار صبري وخلاه رئيس أركان حرب القوات الجوية. وهاجت القوات المسلحة وهاج سلاح الجو، وقالوا أنتم جايبين لنا واحد ساب السلاح الجوي بقى له كام سنة وحيجي رئيس الأركان، إزاي يعني؟ وطبعا دول، يعني كان عبد الحكيم شخصية محبوبة بشكل لا تتخيله من القوات المسلحة.

أحمد منصور: كان كريما وسخيا على الضباط.

مراد غالب: كان سخيا على الضباط. هو شخصية يعني لا تستطيع أنك أنت ما تحبهاش. أنا بأقولها بمنتهى الأمانة..

أحمد منصور: نعم طبعا.

مراد غالب: لا تستطيع أنك أنت ما تحبهاش. شخصية بسيطة جدا، يتعامل معك زي كأنك أخ له..

أحمد منصور: لكن هذه قضية وقيادة جيش قضية أخرى.

مراد غالب: لكن شوف، أنا بقى بأقول لك أهه، كان أحسن يترك هذا المنصب تماما.


[فاصل إعلاني]

عن أسلوب عبد الناصر في إدارة الدولة

أحمد منصور: في فبراير 1957 انتهت مهمتك الأولى في موسكو وعدت إلى مصر، عينت بعد عودتك مديرا لمكتب الرئيس عبد الناصر للشؤون السياسية. كيف كانت طبيعة عملك؟

مراد غالب: طبيعة عملي أني كنت أكتب تعليقات يوميا تقريبا على الأوضاع السياسية والسياسة العملية وعلاقات القوة والسياسة الأميركية والإنجليزية ومصير هذا يعني مصيرنا إحنا في ظل وضع جديد تماما باختفاء فرنسا وإنجلترا، يعني من ضمن الحاجات يعني طبعا، علاقاتنا العربية، يعني كنت..

أحمد منصور(مقاطعا): كنت بتلتقي مع عبد الناصر؟

مراد غالب: كنت ألتقي، لكن بكل أمانة ما كانتش على فترات كبيرة، ليه بقى؟..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني معنى كده كنت مستشار ورقي أو مدير مكتب سياسي تقدم تقارير ورقية؟

مراد غالب: شوف أنت بتقول ورقي لكن أنا حأقول لك حاجة، شوف، جمال عبد الناصر كان يدير الدولة من خلال التقارير، لكن كان إيه بيحصل؟

أحمد منصور: مين اللي كان بيعمل التقارير.

مراد غالب: طبعا المختصين.

أحمد منصور: يعني عبد الناصر كان يوجّه من خلال ما يكتب إليه؟

مراد غالب: ما كانش بيوجه، يعني كان بيكتب إليه تقارير..

أحمد منصور(مقاطعا): أنا الآن ممكن أرفع لك تقرير أوجه تفكيرك.

مراد غالب: لا.

أحمد منصور: لا، إزاي؟ أنت حتعتمد في القرار اللي تأخذه على الكلام اللي حأكتبه. إذا أنت مش حتقعد معي، وتتفاهم إذا مش حتلتصق بمستشاريك، إذا مش حتعرف واقع الشعب، يبقى اللي بيعملوا التقارير حيلعبوا في دماغك.

مراد غالب: حأقول لك، التقارير، التقارير اللي هي خاصة بالسياسة العليا لا، التقارير الخاصة بالأفراد وكذا أيوه.

أحمد منصور: إيه اللي يهمه في موضوع الأفراد؟

مراد غالب: لا، ده كان يهمه جدا.

أحمد منصور: إزاي بقى قل لي؟

مراد غالب: والله هو طبيعته كده، طبيعته أنه هو يعرف مثلا أنت في موقع حساس مثلا أو نصف حساس، يبقى الأستاذ أحمد منصور لازم يتحط تحت الميكروسكوب..

أحمد منصور(مقاطعا): علشان يمسك عليه حاجة.

مراد غالب (متابعا): ما فيش هزار..

أحمد منصور(مقاطعا): علشان يمسك عليه حاجة ولا علشان يعرف بيعمل إيه؟

مراد غالب: لا، طبعا علشان يعرف بيعمل إيه. وهو برضه ما فيش مانع أنه يمسك عليه حاجة يعني.

أحمد منصور: يعني كان يريد أن كل اللي حواليه ملطوطين، ماسك على كل واحد حاجة.

مراد غالب: شوف هذه طبيعة الأنظمة اللي بهذا الشكل..

أحمد منصور: اللي أي شكل؟

مراد غالب: اللي إحنا بنقول عليه ده، شوف أنا حأفرق لك بين حاجتين، أفرق لك بين.. كان فيه لجنة في الرئاسة كانت شغلتها أنها تجتمع وكان حسين ذو الفقار بيرأسها وكان فيها محمود رياض وأمين هويدي وأنا وسامي شرف ومجموعة كده. كان جمال عبد الناصر فيه عادة لا تصدق، كمية القراءة اللي بيقرأها، تصور كان بيقرأ كل كلامنا حرف حرف. ومرة كتب، كنت بأقول إيه يعني اتكلمت على سوريا، فكتب، مراد يذهب إلى سوريا. على الورقة اللي إحنا باعتينها له، على المحضر اللي إحنا باعتينه له.

أحمد منصور: تفسيرك إيه لأسلوب إدارة الدولة بهذه الطريقة؟

مراد غالب: لا طبعا ما هواش الأسلوب العلمي يا أستاذ أحمد. يعني ما أقدرش أقول أبدا إن ده يا سلام هو الأسلوب الأمثل، بتاتا.

أحمد منصور: أي نظام كنت بتصفه أنت أسلوب إدارة الدولة في الفترة دي، 1958، 1959.

مراد غالب: يعني ماذا تقصد بأي نظام؟

أحمد منصور: أي نظام سياسي، بتحطه تحت أي نظام سياسي؟

مراد غالب: لا طبعا كان مافيهوش ديمقراطية..

أحمد منصور: اسمه ما فيهوش ديمقراطية ولا له اسم ثاني؟!

مراد غالب: والله الاسم الثاني أنا مش عايز أقوله، لكن ما فيهوش ديمقراطية طبعا، أنا عارف قصدك إيه.

أحمد منصور: أنا ما أنا قصدي شريف.

مراد غالب: لا، قصدك شريف قوي! لكن على أي الحالات يعني نظام لا أستطيع أن أصفه بأنه نظام ديمقراطي، بدون شك. لكن مثلا..

أحمد منصور(مقاطعا): رغم أنك كنت جزءا منه.

مراد غالب: لكن، ممكن قوي، وأنا مش يعني لا أنفي ذلك.

أحمد منصور: أنت كنت عضوا في اللجنة المختصة بمتابعة ومناقشة القضايا الهامة في الدولة، وكان أعضاء اللجنة هذه أنت أشرت إلى بعضهم. كان عبد الناصر بيعطي قيمة لما تكتبونه؟

مراد غالب: آه طبعا.

أحمد منصور: كنتم بتجتمعوا بشكل يومي؟

مراد غالب: لا أسبوعي.

أحمد منصور: إيه أهم القضايا اللي كنتم بتبحثوها؟

مراد غالب: جميع القضايا اللي إحنا نرى أنها يجب أن تدرس.

أحمد منصور: مين اللي كان بيشوف عبد الناصر بشكل يومي ويتناقش معه؟

مراد غالب: شوف ما فيش واحد في اللجنة كان بيشوف جمال عبد الناصر بشكل منتظم ويعرض عليه كلام..

أحمد منصور: خارج اللجنة؟

مراد غالب: خارج اللجنة طبعا عنده السيد علي صبري، وعنده وزير الخارجية الدكتور محمود فوزي كان. طبعا وعنده صحفيي العالم كله، وعنده صحفيي العالم العربي، وعنده وزراء وكانوا كلهم بيتصلوا به وكانوا كلهم بيزوروه وكانوا كلهم بيطلعوه.. يعني مثلا، حأدي لك مثل..

أحمد منصور: إديني مثل.

مراد غالب: أنا لما كتب أنه أنا أروح سوريا، فأنا رحت سوريا وقابلت كل الناس، طبعا محمود رياض زعل لأنه كان سفير هناك، فيعني إزاي محمود رياض بحاله ده، أنا أروح أنا..

أحمد منصور(مقاطعا): أنت اللي التقرير بتاعك عبد الناصر يشوفه ومحمود رياض بتاريخه الدبلوماسي...

مراد غالب: آه، يعني كانت بايخة شوية. لكن الحقيقة محمود..

أحمد منصور(مقاطعا): هي دي بس اللي كانت بايخة؟

مراد غالب: لا، لا يعني أنا بأتكلم في الحتة دي ما تقعدش تتشعب معي..

أحمد منصور: طيب أنا معاك.

مراد غالب (مقاطعا): لا أنت، خلينا هنا..

أحمد منصور: طيب ماشي.

مراد غالب: لكن الحقيقة محمود رياض الرجل سهل لي مأموريتي جدا..

أحمد منصور: رجل دولة.

مراد غالب: آه، وبأعتبر أنه كان رجل فعلا محترم. فسهل لي المأمورية بتاعتي، ورجع معي، لكن في حاجة حصلت، أني جئت لغاية المخابرات والسراج..

أحمد منصور: عبد الحميد السراج، المكتب الثاني في سوريا.

مراد غالب: وقلت وكتبت في تقريري، أما عن عبد الحميد السراج فلم أستطع أن أقابله. وليه. لأن ده بتاع جمال عبد الناصر.

أحمد منصور: أنت كتبت كده.

مراد غالب: لا، لا، أنا عرفت يعني أنه هو ده الرجل بتاع جمال عبد الناصر، فكان يعني الرجل الحقيقة بعد حرب 1956 وقلت لك أنه تغير تماما..

أحمد منصور(مقاطعا): فضل التغير ده قائم؟

مراد غالب: آه فضل قائم.

أحمد منصور: أنت الآن مدير مكتبه للشؤون السياسية في 1958..

مراد غالب (مقاطعا): لا، هو فضل، فضل قائم.

أحمد منصور: يعني عبد الناصر تحول إلى شخصية أخرى بعد حرب 1956.

مراد غالب: تحول إلى شخصية، أحس بأنه يعني..

أحمد منصور(مقاطعا): كيف كان ينظر إلى من حوله؟

مراد غالب: شوف، هو كان انتقائي إلى حد كبير، يعني ناس كان بيحترمهم وناس ما كانش بيحترمهم، وناس كان بيتريق عليهم، يعني مثلا مش عايز أقول لك بالأسماء يعني لكن كان يعني برضه بيتهاون، بيهوّن من شأنهم. ومع ذلك بيحتفظ بهم برضه شوية.

أحمد منصور: دي قصة أخرى.

مراد غالب: آه طبعا دي قصة أخرى. لكن بدون شك بأنه كان بيقرأ كثيرا لدرجة رحت أزور..

أحمد منصور: بيقرأ تقارير.

مراد غالب: تقارير و.. لا، لكن في حاجة، لما بيلاقي حاجة في التقرير تستحق فعلا المناقشة كان بيبعث يجيب القيسوني مثلا، كان يبعث يجيب أحد من القوات المسلحة، كان بيجيب يعني كان بيجيب ناس.

أحمد منصور: بعض المراقبين كانوا يرون في المكاتب اللي شكلها عبد الناصر زي مكتب الشؤون الأفريقية، مكتب الشؤون العربية، أنت كنت مدير مكتبه للشؤون السياسية، أنها مكاتب دورها الرئيسي حياكة المؤامرات وصناعة الانقلابات في الدول العربية، المسلسل، المسلسلات التي بدأت بعد ذلك.

مراد غالب: شوف طبعا ده ما كانش، يعني هم ما كانوش يقدروا يعملوا حاجة زي كده..

أحمد منصور(مقاطعا): لا هم بيرتبوا..

مراد غالب (متابعا): إلا بموافقة جمال عبد الناصر. ما فيش حاجة اسمها مكتب ده يروح عامل اللي هو عايزه.

أحمد منصور: آه طبعا، أنا بأقول لك إن الدور بتاعهم، وضعوا من أجل القيام بهذه الأدوار.

مراد غالب: لكن يعني طبعا كانوا بيقوموا بهذه العملية.


آراء في شخصية عبد الناصر

أحمد منصور: عبد الناصر كان عنده رؤية وأفق إستراتيجي؟

مراد غالب: كان عنده، بدون شك. يعني إيه؟ شوف، جمال عبد الناصر يعني إذا كنا يعني عايز بالضبط، كان يريد السلطة، والسلطة من أجل تنفيذ التخطيط بتاعه والإستراتيجية بتاعته.

أحمد منصور: لا، أيهما كان يسبق الآخر؟ توهمه للزعامة والقيادة وأنه ممكن أن يصبح زعيم العرب، أم أنه كان عنده رؤية إستراتيجية واضحة المعالم وذات قدرة على التطبيق؟

مراد غالب: شوف، هو كان عنده الاثنين سوا. يعني بدون شك أنه كان يطمع، وكان فعلا لما بيخطب خطبة العالم العربي ده كله من المحيط إلى الخليج كان بيقعد يسمع الخطبة دي فيها إيه.

أحمد منصور: كانت خطبة بتدغدغ عواطف الناس. قدراته وقدرات مصر كانت تتحمل هذه الطموحات؟

مراد غالب: شوف، هو قدر أنه يعمل طبعا حاجات كثيرة جدا من الناحية.. يعني القوة المصرية، يعني إذا كانت اقتصادية أو ثقافية أو خلافه. يعني أنا حأدي لك أمثلة، يعني لما يعمل السد العالي، خطوط الكهرباء من أسوان..

أحمد منصور: إحنا برضه مش عايزين نعمل غلطة تاريخية وإحنا بننظر لهذه الأشياء. لسبب، مؤسسة الري في مصر كانت من أقوى المؤسسات وأعرقها في تاريخ مصر من أيام الفراعنة، والسد العالي ما كانش مشروع عبد الناصر بقدر ما كان مشروع مؤسسة الري المصرية من قديم، لكنه نفذ في فترة عبد الناصر، أليس كذلك؟

مراد غالب: لا

أحمد منصور: ليه؟

مراد غالب: لا، شوف..

أحمد منصور(مقاطعا): يعني هل التفكير في السد العالي كان تفكير عبد الناصر..

مراد غالب (متابعا): لا أنا حأقول لك لا..

أحمد منصور(متابعا): ما كانش تفكير عبد الناصر.

مراد غالب: أنا بأقول لا لما ترمي إليه أنت من هذا الكلام. مش لأنه..

أحمد منصور(مقاطعا): أنا بس بأحاول أفهم التاريخ وأضعه في نصابه.

مراد غالب (متابعا): مش لأنه كلام مش صح، طبعا الكلام أنت تتعجب أن فكرة بناء السد العالي هي فكرة رجل يوناني كان عايش في مصر، وقعد يعني يحارب من أجل بناء السد العالي. هل حنقول السد العالي يعني بناه مصري يوناني؟ لا طبعا يعني اللي نفذ هذا المشروع هو اللي ليه الـ  Creditالحقيقة، يعني لما يعمل..

أحمد منصور: نحن لا نلغي هذا، بس نضع الأمور في سياقها التاريخي.

مراد غالب: ما أنا برضه يعني بأحب أقول لك يعني شوف بالنسبة إلى زعيم، وده على مر التاريخ، طموحاته وزعيم وزعيم عالم عربي موجودة، كما أنه أيضا موجودة أنه هو بيعمل حاجة.

أحمد منصور: كانت مصر والإنسان المصري فين؟

مراد غالب: شوف دي أنا أقدر أقول لك الآتي بكل أمانة، الرجل، الزعيم الوحيد اللي كان يستطيع أنه، مش بأقول يخلق، لكن يوجد إنسان مصري في مستوى المعركة الكبيرة اللي إحنا كنا فيها، المعركة العالمية والتقدم الهائل اللي إحنا كان يجب نعمله، دي يعني ما كانتش موجودة..

أحمد منصور: في جمال عبد الناصر.

مراد غالب: آه في جمال عبد الناصر. الزعيم دائما عنده، لا، دول يخشوا في الـ machinery بتاعته لكن ما يخشوش كناس هو ربى عقولهم وغيّر تفكيرهم ورفع من مستواهم الفكري، إلى آخره.

أحمد منصور: في تحليل نشره هيكل عبارة عن وثيقة بريطانية نشرها في كتابه "سنوات الغليان" نقلا عن الوثائق البريطانية رقمها 1015/97 أعده السفير البريطاني في القاهرة السير همفري تريفيليان عن شخصية عبد الناصر. مما قاله عن عبد الناصر في تلك الوثيقة إن عبد الناصر شخصية معقدة. كان شخصية معقدة، كنت ترى عبد الناصر شخصية معقدة؟ سيبك من اللي قاله هو، لكن أنا في حاجات كثيرة حأقف عندها بصفتك كنت لصيق بعبد الناصر.

مراد غالب: لا، أنا حأقول لك. شخصية جمال عبد الناصر شخصية، وشخصية الزعماء تقريبا كلهم، شخصية مليانة في تناقض بينها..

أحمد منصور: في تناقضات داخلية. أنت أشرت في كتابك إلى حاجة زي كده.

مراد غالب: أنا ما ليش دعوة، ما أنا نسيت الكتاب حتى. في تناقضات داخلية. يعني مثلا واحد زي ستالين ده، الله، ستالين ده عمل حاجات ضخمة جدا لكنه مجرم أكيد يعني، لكن عمل إيه؟ مين اللي خلا الروس يقفوا في الحرب العالمية الثانية؟ هو.

أحمد منصور: همفري..

مراد غالب (مقاطعا): همفري تريفيليان، ده جاء سفير في موسكو بعد كده، وأنا قعدت معه ثلاث سنين.

أحمد منصور: قل لي بقى، قال لك إيه عن عبد الناصر هو؟

مراد غالب: طبعا، كان يعني بيقول عليه أنه هو ديكتاتور..

أحمد منصور(مقاطعا): أيوه، حأقول لك جملة من اللي هو قالها "إن عبد الناصر كان ديكتاتورا، طموحا، مخادعا، متعطشا إلى السلطة وعلى استعداد لاستخدام أي شكل من أشكال الخداع لتحقيق أهدافه".

مراد غالب: هو جمال عبد الناصر لم ينف أمامي، لي، بصفة شخصية، عايز أقول لك، أنه عمره ما صرح لواحد بالشكل ده، لكن لأنه كان بيجي لي في موسكو وكنا في حالة استرخاء، فقال لي، أنا السلطة دي أهم حاجة عندي.

أحمد منصور(مقاطعا): ليس الشعب وليس مصر وليس الناس!

مراد غالب (متابعا): لأن السلطة هي اللي بتؤهلني وبتديني القدرة على أن أنفذ ما أراه في ذهني من أهداف معينة.

أحمد منصور: ليس الشعب وليس مصر وليس الناس!

مراد غالب: شوف ما إحنا ما جبناش سيرة..

أحمد منصور(مقاطعا): لا أنا باقرأ معاك. طيب قل لي، هو قال حاجة ثانية برضه..

مراد غالب: قل لي وأنا أقول لك..

أحمد منصور: يقول "إن عبد الناصر كان متفوقا في حبك المؤامرات، ومن أوضح خصائصه الشك والاسترابة حتى أن الشخص الوحيد الذي كان يثق فيه في وزارة الخارجية كان الدكتور فوزي".

مراد غالب: يعني..

أحمد منصور: أنت في 1956 خلي بالك.

مراد غالب: هو كان بالنسبة للدكتور فوزي بيعتقد أن الدكتور فوزي لا يصلح إلا لإعطاء النصائح، لكن ليس إداريا. أنا لما رحت وكيل وزارة الخارجية لقيت ورقة قدامي، أول ما قعدت على الكرسي، لقيت ورقة قدامي من الدكتور فوزي بيفوضني فيها في جميع أعمال الوزارة.

أحمد منصور: جميع أعمال الوزارة؟ وعمرك 37 سنة ووكيل وزارة؟!

مراد غالب: وعمري 37 سنة، إيه مش عاجبك يعني؟

أحمد منصور: لا يا أفندم، بالعكس. لا، لكن كان تفويض عجيب. حسين ذو الفقار صبري؟

مراد غالب: كان نائب الوزير.

أحمد منصور: كان نائب الوزير، لم يكن مفوض عنده هذا التفويض الكامل..

مراد غالب: لا، هو كان دائما يفوض وكيل الوزارة، الحقيقة، الدكتور فوزي كان دائما يفوض وكيل الوزارة..

أحمد منصور: وليس نائب الوزير.

مراد غالب: لكن نائب الوزير دي حاجة مستحدثة لكن وكيل الوزارة كان وكيل وزارة..

أحمد منصور: أنت كنت بتعتبر دي إيه؟ أنت حديث في الخارجية جاي ببراشوت من عبد الناصر تركب عالخارجية.

مراد غالب: بس أنا كنت قابلت الدكتور فوزي وعارف الدكتور فوزي.

أحمد منصور: لا أنا بقول هنا على الدبلوماسيين اللي في الخارجية لما يلاقوا دكتور وجاي بالبراشوت عليهم ومفوض.

مراد غالب: طبعا هذا حدث في أول أيامي في وزارة الخارجية لكن بعد كده المهم أنهم بيقيموك بعملك بعد كده.

أحمد منصور: نعم، هنا برضه، حاجة أخيرة، "إن جانب الضعف الأساسي عند عبد الناصر أنه كان لديه افتقار إلى التعليم والخبرة في العالم" خبرته بالعالم والتعليم.

مراد غالب: شوف يا باشا، دي، أنت فكرتني بحاجة مهمة، لطيفة يعني. إيدن جاء زار بعد 1954..

أحمد منصور: أنتوني إيدن.

مراد غالب: أنتوني إيدن، نعم.

أحمد منصور: وزير خارجية بريطانيا.

مراد غالب: أنتوني ناتينغ هو اللي كان بيمارس المناقشات، كان وزير دولة لشؤون الخارجية وكان هو اللي بيتولى المفاوضات. جاء أنتوني إيدن سنة 1955 وعلشان يعمل إيه؟ يقيّم جمال عبد الناصر، فبعد كده كتب إيدن وقال إني أنا حاولت يعني عرفت إنه هو يعني من ناحية العلاقة الدولية والعلاقات الدولية ماهواش يعني في مستوى هذه المهمة. فحكاية أنه هو ماهواش في مستوى العملية بتاعة العلاقات الدولية العامة..

أحمد منصور(مقاطعا): "كان لديه افتقار إلى التعليم والخبرة في العالم" نص الجملة.

مراد غالب: ما هو بأقول لك، ده إيدن بالضبط اللي قال كده. على كل حال إيدن أو همفري تريفيليان ما كلهم من وزارة الخارجية..

أحمد منصور: لكن هؤلاء كانوا يعني عندهم الآن دي تقرير لتقييم شخصية.

مراد غالب: شوف، تريفيليان وكانت مراته اسمها بيغي، أنا عارفهم كويس قوي..

أحمد منصور: طبعا.

مراد غالب: الحقيقة يذهلك، لأنه كان سفير في العراق، وكان يعلم أسماء مش بس السياسيين العراقيين ولكن كان مع القبائل العراقية ومين الرئيس هنا ومين الرئيس ده وبتاع والجنوب فيه مين و..

أحمد منصور(مقاطعا): لم تكن بريطانيا إمبراطورية فارغة.

مراد غالب (متابعا): حافظ ده، وبعدين مش بس كده، شوف بقى الجمال ده..

أحمد منصور: قل لي.

مراد غالب: لقيته بيميل لما بينسى حاجة أو بتاع بيقول "بيغي" -مراته- "بيغي، مين اللي كان؟" تقول له. بيغي دي كانت مستودع، مستودع لهذه المعلومات يعني، فتريفيليان، طبعا أنا لما أول ما قابلني أول يوم أنا كنت أقدم منه في موسكو يعني فجاي باقول له اسمع، أنت جاي بتقول عايزين علاقات كويسة. كويسة إيه؟ ده أنت بتقول إن إحنا We shall bleed him to death في اليمن، علشان راح اليمن، أن إحنا سنستنزفه حتى الموت. وأنت دلوقت جاي تقول لي علاقات كويسة! علاقات كويسة منين بس؟! طيب اتكلموا كويس قبلها. يعني..

أحمد منصور: أقول لك آخر جملة قالها وتقول لي، على عبد الناصر "إن عبد الناصر سواء كان بوعي أو بغير وعي كان يعاني من انفصام واضح في الشخصية".

مراد غالب: دي أنا ما لاحظتهاش، بكل أمانة أنا ما لاحظتهاش، يعني كون أنه هو عنده شيزوفرينيا، يعني انفصام شخصية..

أحمد منصور: بوعي أو بغير وعي..

مراد غالب: أو بغير وعي. لا دي حاجة بقى يعني زيادة شوي، لا، زيادة كثير، يعني أنا لم ألاحظ هذا. هل الأستاذ هيكل علق على هذا الكلام؟

أحمد منصور: الأستاذ هيكل رجل ذكي جدا والحقيقة كتبه مستودع لكل من أراد أن يقرأ منها وهو في أشياء كان بيقولها وفي أشياء بيدعها للتاريخ.

مراد غالب: للتاريخ.

أحمد منصور: للتاريخ، وفي حاجات كثيرة سنأتي لها لأن رحلة خروتشوف الشهيرة إلى مصر كنت أنت وهيكل مرافقيه أحدكما عن يمينه والآخر عن يساره. سآتي لها في حينها. بدأت إرهاصات الوحدة بين مصر وسوريا بعد حرب 1957 وأوفدت من قبل عبد الناصر من أجل عمل تقرير، في 18 نوفمبر 1957 أوفد إلى سوريا وفد من مجلس الشعب المصري برئاسة أنور السادات آنذاك كان رئيس المجلس، وجاء وفد من مجلس الشعب السوري، كنت أنت مدير مكتب الرئيس للشؤون السياسية وقمت بدور في عمل تقرير عن بعض هذه الأشياء. أوفد اللواء حافظ إسماعيل، أيضا عبد الناصر كان يسمع من كل واحد وكان له طريقة، أنت وصفتها، في طريقة الحصول على المعلومات. كنت تشعر أن الوحدة بين مصر وسوريا يمكن أن تنجح؟ نبدأ الحلقة القادمة بالحديث عن الوحدة، أو مشروع الوحدة بين مصر وسوريا. شكرا جزيلا لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة