أعمال العنف في تايلند، فطاني والإسلام   
الثلاثاء 1426/9/30 هـ - الموافق 1/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:46 (مكة المكرمة)، 11:46 (غرينتش)

- فطاني بين الإسلام والبوذية
- كارثة تكباي وأعمال العنف جنوب تايلند

 

 

جنوب تايلند أكتوبر/تشرين الأول 2004

فطاني بين الإسلام والبوذية


عثمان البتيري: غير بعيد من هنا دَفن المسلمون في مقبرة جماعية أربعة وعشرين شخصا من بين ستة وثمانين لقوا حتفهم في يوم واحد إما برصاص الجيش وإما اختناقا في شاحنات الاعتقال، المسلمون أصروا على أن تكون المقبرة بالقرب من هذا المسجد التاريخي وكأنهم يريدون المزاوجة بين التاريخ والمصير ولعل هذه المقبرة تُعَد صفحة دموية أخرى في تاريخ العلاقة بين المسلمين في جنوب تايلند وبين الحكومة المركزية في بانكوك، علاقة تراوحت على مر التاريخ مدا وجزرا بين السِلم والدم، لعل هذا المسجد التاريخي العريق بزخارفه وبديع صنعته واحد من آثار إسلامية قليلة صمدت في وجه محاولات بذلتها الحكومة المركزية في بانكوك لأكثر من مائة عام من أجل تغيير واقع تاريخي قديم للولايات المسلمة الجنوبية في مملكة تايلند، أما الآثار الأخرى من مساجد وقصور حكام ما كان يعرف بمملكة فاطاني المسلمة فقد تحولت إلى أطلال وخرابات بعد أن وضعتها الحكومية التايلندية تحت وصاية دائرة الآثار فلا هي رعتها ولا هي تركت للمسلمين أن يعمروها بالبناء والعبادة، في هذه المقبرة القديمة يرقد الملك إسماعيل شاه أول سلطان يعتنق الدين الإسلامي الذي حمله التجار العرب والفرس إلى مملكة فطاني في عام 1050 ميلادية وفق ما يؤكده المؤرخون ومع أن التاريخ يتحدث عن وجود حقيقي لمملكة مستقلة في فطاني إلا أن الحكومة التايلندية تصر على عدم صحة ذلك وكل من يزور المقبرة يشاهد لافتة وضعتها الحكومة التايلندية كُتِب عليها هنا يرقد إسماعيل شاه أول والي يعتنق الإسلام في ولاية فطاني التابعة لمملكة تايلند.

"
كان دخول الإسلام إلى مملكة فطاني على أيدي التجار من العرب والفرس، وقد بدأ الناس في اعتناق الإسلام قبل أن يعتنقه السلطان، لكن الوجود الحقيقي للإسلام كان عندما أسلم السلطان إسماعيل شاه
"
  عبد الله عبد الرحمن
عبد الله عبد الرحمن- مؤرخ وباحث في التاريخ التايلندي: كان دخول الإسلام إلى مملكة فطاني على يدي التجار من العرب والفرس وقد بدأ الناس في اعتناق الإسلام قبل أن يعتنقه السلطان لكن الوجود الحقيقي للإسلام كان عندما أسلم السلطان إسماعيل شاه، مما فتحوا الباب للدعاة الذين قدموا من بلاد العرب ومن مملكة آتشيه المسلمة التي توجد في إندونيسيا الآن وقد سَمَى السلطان إسماعيل شاه المملكة بدار السلام تعبيرا عن حبه للإسلام.

عثمان البتيري: امتدت مملكة فطاني العظمى منذ اعتناق إسماعيل شاه للإسلام على مساحة شاسعة وبلغت ذروتها في عهد السلطانة رغابيرو حيث شملت حدودها المناطق التي تعرف حاليا بالولايات الجنوبية لتايلند وهي فطاني وناريتوات ويالا وسونكلا إضافة إلى الولايات الماليزية ترنجانو وقدح وكلنتان ولعقود طويلة ظلت العلاقة بين مملكة فطاني وبين جارتها مملكة تايلند التي كانت تسمَى آنذاك بسيام علاقة توتر وحروب أدت في نهاية المطاف إلى سيطرة تايلند على مملكة فطاني بشكل كامل، لكن ضمها الحقيقي تم في عام 1901 من خلال الاتفاقية التي وقّعتها مملكة تايلند مع بريطانيا التي كانت تحتل ماليزيا آنذاك.

عبد الله عبد الرحمن: في عام 1901 وقّعت تايلند مع بريطانيا اتفاقية تقضي بإعطاء ماليزيا ثلاث ولايات من أراضي فطاني وضم الولايات الأربع الأخرى إلى تايلند بشكل رسمي، الأمر الذي أنهى كل المعالم السياسي والجغرافية لمملكة فطاني.

عثمان البتيري: ومنذ ذلك الحين سعت الحكومة التايلندية إلى تعزيز الوجود البوذي في الولايات المسلمة وذلك من خلال تهجير الآلاف من البوذيين وتوطينهم في الولايات الأربعة وكان من شأن هذه الخطوة أن تغيّر التركيبة السكانية بشكل كبير لهذه الولايات حيث تحول المسلون الذين يقدر عددهم بستة ملايين نسمة إلى أقلية وسط أغلبية بوذية تنتشر في جميع أنحاء تايلند، كما انتشرت أيضا المعابد البوذية في كل أنحاء الجنوب حتى في المناطق التي لا تُعتبر ذات كثافة بوذية. تمثال بوذا هذا يعد أضخم تمثال لبوذا في جميع أنحاء تايلاند وقد شيدته الحكومة في ولاية ناريتوات أقل الولايات المسلمة من حيث التواجد البوذي وارتبطت بالتمثال ذكرى يعُدها المسلون أليمة حيث قتل خمس طلاب مسلمين عندما رفضوا أمرا من الجنود التايلنديين بالسجود للتمثال تعبيرا عن الاحترام له وقد أدت الحادثة التي وقعت في عام 1975 من القرن الماضي إلى مظاهرات كبيرة نظمها المسلمون لأكثر من أربعين يوما مطالبين بمحاكمة الجناة إلا أن الحكومة آنذاك رفضت الاستجابة لمطالبهم كما تَعرّض المسلمون منذ خضوعهم إلى الحكم التايلندي لسياسات صارمة حرمتهم العديد من حقوقهم سيما ما يتعلق بتميزهم الديني عن باقي الشعب فقد تم منعهم من التعليم بلغتهم المالوية الأصلية وفرضت عليهم اللغة السيامية كما أغلقت جميع المدارس الدينية وحُرّم ارتداء الحجاب على النساء المسلمات وقد شهد تاريخ المسلمين العديد من الثورات ضد سياسيات الحكومة قادها لأكثر من مرة القائد تانكو عبد القادر قمر الدين لكن هذه الثورات فشلت نظرا لعدم تكافئها مع حجم القوة التي كان يواجهها بها الجيش التايلندي وفي منتصف السبعينيات من القرن الماضي تحولت احتجاجات المسلمين إلى حركات مسلحة أكثر تنظيما وبدأ مطلب الانفصال عن تايلند يأخذ بعدا في الشعارات التي يرفعها بعض المسلمين.

عبد الرحمن عبد الصمد- شيخ الإسلام في ولاية ناريتوات: منذ سقوط دولة فطاني.. يعني هنالك حركات عديدة وجبهات كثيرة وأذكر أن هنالك ثلاث جبهات، جبهة التحرير الوطني، جبهة المنظمة المتحدة لتحرير فطاني وجبهة المسلمين لتحرير فطاني، عدة جبهات يعني.. فطبعا هنالك أقسام من الشعب منهم يريدون الاستقلال التام، منهم يريدون الاستقلال الذاتي، منهم يريدون الانتماء إلى تايلند، منهم من يريد الانتماء إلى ماليزيا.

عثمان البتيري: غير أن هذه الحركات التي التجاء معظم أفرادها إلى الغابات والجبال واجهت أيضا حربا ضارية من قِبَل الحكومة المركزية وكان لتغَيّر الظروف الدولية أيضا دورا في تقليص فعاليتها ونشاطها السياسي والعسكري وأصبح وجودها يتلاشى مع هروب قادتها إلى الخارج وانفضاض عناصرها عنها.

عبد الرحمن عبد الصمد: منذ سقوط فطاني وحتى الآن هي قائمة موجودة في الداخل وفي الخارج.

عثمان البتيري: الحركات الانفصالية

عبد الرحمن عبد الصمد: الحركات الانفصالية وكأعضاء لكن مثل الأمواج أحيانا يعني عالية وأحيانا غير عالية هكذا لكن حسب الظروف والتغيرات العالمية، مثلا أيام كانت حركات العالمية تؤيد القضايا التحررية فهنالك.. يعني في افتتاح المكاتب في الخارج كثيرة في دول عربية وفي دول إسلامية وفي حتى الدول الشيوعية والدول الاشتراكية لكن بعدما تغيرت الفكرة العالمية إلى عدم مساعدة حركات التحررية فتقلصت بعض الحركات إلى إنهاء مشاكل المسلمين في تايلند عن طريق السلم أو عن طريق الاستقلال الذاتي أو ما شابه ذلك.

عثمان البتيري: وإذا كانت المقاومة المسلحة قد ضعفت أو ربما تلاشت فإن مسلمي فطاني الذين وجدوا أنفسهم وسط محيط غريب عنهم يكاد يُغرقهم بموجاته المتعاقبة لطمس هويتهم واجهوا ذلك بالنضال الاجتماعي والثقافي إضافة إلى النضال السياسي السلمي مما وفر لهم في بعض الفترات مساحات من الحرية اضطرت الحكومة في بانكوك إلى منحها لهم، فعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي دافع المسلمون عن هويتهم التاريخية من خلال التمسك بشعائرهم الإسلامية والاهتمام بدور المساجد والأئمة في تدبير شؤونهم المحلية، كما أصبح حجاب المرأة المسلمة في فطاني علامة تميزها ولم يكن الحجاب عائقا لها للمساهمة في كل مناحي الحياة وفي التعليم حرص المسلمون على انتظام أبنائها في مدارس خاصة بهم يتلقون فيها اللغة المالوية جنبا إلى جنب مع اللغة التايلندية إضافة إلى تدريس اللغة العربية والقرآن الكريم مع المواد العلمية الأخرى، بل إن المسلمين زاد إقبالهم على المدارس الدينية التي تعرف باسم فندق وهي أشبه بالكتاتيب حيث يقيم الطلاب فيها لعدة سنوات ولا يدرسون فيها سوى القرآن واللغة العربية والعلوم الشرعية وقد ظلت هذه المدارس بعيدة عن دائرة الضوء إلى أن بدأت بعض الأوساط الأميركية تشير إلى خطورتها لأنها تعتمد ما وصفته تلك الأوساط بالأسلوب الطالباني في التعليم وإذا كان البعض في الحكومة التايلندية ينظر أيضا إلى هذا النوع من التعليم بنظرة شك وريبة إلا أن الكثيرين يرون فيه جزء من أخطاء أرتكبتها الحكومة بحق المسلمين.

كريساك شونهارن- سيناتور في مجلس الشيوخ التايلندي: الدولة التايلندية لم تكن نزيهة في تعاملها مع المسلمين حيث لم تسمح لهم بدراسة منهاجهم في المدارس الحكومية وفي اعتقادي أن ذلك من الأخطاء التي ارتكبناها فقد أدى ذلك إلى انصراف المسلمين إلى مدارسهم الدينية وهي مدارس لا تهتم إلا بالتعليم الديني ومَن يتخرج من تلك المدارس لا يستطيع الالتحاق بالجامعات التايلندية وهو ما يضطرهم للسفر إلى الدول العربية أو الإسلامية حيث يدرسون العربية والدين الإسلامي وإذا ما عادوا فإنهم لا يجدون فرص للعمل في تايلاند مما يصيبهم بإحباط ويدفعهم للبحث عن عمل في ماليزيا أو إلى السفر إلى دول إسلامية مثل مصر وباكستان.

عثمان البتيري: هذه المدافع القديمة التي تنتصب في قلب العاصمة بانكوك منذ عشرات السنين هي مدافع غنمتها القوات التايلندية في حروبها الطويلة ضد مملكة فطاني، لكن هذه الذكرى لم تعد تحول دون تغيير الحكومة التايلندية لسياساتها تجاه المسلمين واعتماد مبدأ الاحتواء بديلا عن التهميش خاصة منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي، فبعد عقود طويلة من التهميش سمحت الدولة التايلندية ولأول مرة أن يشارك ممثلون عن المسلمين في وضع دستور عام 1998 الذي اعتبره المسلمون الدستور الأفضل بالنسبة لهم منذ أن ضُمّت أراضيهم إلى المملكة التايلندية.

إسماعيل علي- أستاذ العلوم الإسلامية في جامعة فطاني: هناك تطور في الأمور السياسية، لم أتصور أن هذا.. أن الوضع سينتهي إلى ما هو عليه الآن، لأن حدث تغير جوهري تقريبا في الإدارة، في الحكومة التايلندية، في الدستور الحالي الذي اشترك الشعب جميعا والمسلمين اشتركوا في هذا.. في إحداث هذا الدستور ومن خلال هذا الدستور هناك حكم محلي، الحكم المحلي هو كل قرية لها إدارة مستقلة ومن خلال هذه الإدارة المحلية يستطيع المسلمون أن يتولوا أمورهم ويديروا شؤونهم الخاصة سواء الأمور الدنيوية أو الأمور الدينية.

عثمان البتيري: المركز الإسلامي في العاصمة بانكوك ليس مكانا للعبادة فقط بل إنه يعد مركزا للالتقاء السياسيين المسلمين من النواب أو الوزراء الذين يعملون الآن من خلال الأطر الحكومية والبرلمانية للدفاع عن حقوق المسلمين ويَعتقد هؤلاء أن انفتاح الحكومات التايلندية على المسلمين سينهي معاناة المسلمين الطويلة كما أنه أيضا سيغلق الباب على فكرة الانفصال لدى المسلمين التي تقض مضجع الساسة التايلنديين.

شاران ميلاليم- مستشار رئيس الوزراء التايلندي لشؤون الجنوب: منذ نصف قرن تقريبا وفكرة الانفصال موجودة بين المسلمين وهي تزداد قوة إذا كانت هناك حكومة عسكرية دكتاتورية، أما بوجود حكومة ديمقراطية فإن الوضع يختلف حيث يتمكن المسلمون من اختيار ممثليهم في البرلمان وبالنسبة للدستور فقد تم تعديله حيث أصبح للمسلمين حقوق كاملة وبشكل أفضل مقارنة ببعض الدول الإسلامية مثل تركيا، إن بعض المناطق في الجنوب التايلندي تحتكم إلى قوانين الشريعة الإسلامية.

[فاصل إعلاني]

كارثة تكباي وأعمال العنف جنوب تايلند

عثمان البتيري: وكما كان البحر هو الطريق لدخول الإسلام إلى فطاني فإن البحر يعد المصدر الرئيسي الذي يعتمد عليه المسلمون في حياتهم الاقتصادية، فالمسلمون الذين حالت الأوضاع السياسية المتوترة لفترات طويلة دون انخراطهم في الوظائف الحكومية اعتمدوا على صيد الأسماك والتجارة البحرية إضافة إلى العمل في حقل الزراعة خاصة المطاط الذي يُعد من أهم المنتجات في هذه الولايات وعلى الرغم من الحديث الدائم عن إهمال الحكومات المركزية لمناطق المسلمين إلا أن الزائر للولايات الجنوبية يلحظ أن البنية التحتية بتقدمها من حيث شبكة الطرق الواسعة والكهرباء والماء لا تختلف كثيرا عن باقي مناطق تايلند، لكن البعض يعتقد أن الحكومة لم تولي اهتماما لتأهيل السكان المسلمين كما أولته إلى البنية التحتية إذ أن معظم المساعدات التي تقدمها الحكومة إلى الولايات المسلمة لا يصل منها إلا النزر اليسير.

إسماعيل أبو بكر- أستاذ علم الاقتصاد: بالتأكيد الحكومة حاولت تقديم المساعدات للولايات الأربعة لكن القليل منها استفاد منه المسلمون، على الحكومة أن تضمن وصول المساعدات كما على الحكومة أن تضع برنامج يمكّن المسلمين من امتلاك المصانع في مناطقهم ومنحهم أيضا قروضا ميسرة تمكنهم من إقامة أعمالهم التجارية الخاصة، صحيح أن المسلمين لديهم البنك الإسلامي الخاص بهم لكن ذلك لا يكفي والمشكلة أن معظم المشاريع الكبيرة في الولايات المسلمة يمتلكها البوذيون أما المسلمون فلا يمثلون إلا العمالة الرخيصة في هذه المشاريع، هناك الكثير من المساعدة التي تحتاجها الولايات المسلمة.

عثمان البتيري: لكن سنوات الهدوء في جنوب تايلند لم تطل حيث هزتها حادثة تكباي التي وقعت في شهر رمضان الماضي وراح ضحيتها آنذاك 86 مسلما ماتوا اختناقا أو برصاص الجيش التايلندي الذي أستخدم العنف لقمع مظاهرة قال المسلمين إنها كانت سلمية من أجل الاحتجاج على اعتقال بعض الشباب المسلمين وقبل تكباي ببضعة أشهر كان هذا المسجد التاريخي المسمى بمسجد كرساي مسرح لحادثة دموية أخرى حيث قُتِل 32 مسلما داخل المسجد برصاص الجيش التايلندي ولا تزال آثار الرصاص على الجدران شهيدة على ما أسمته لجنة التحقيق في الحادث القوة المفرطة من قِبل الجيش.

شملانج- جنرال بالجيش التايلندي في الجنوب: في هذه الحوادث لم يكن لدينا خيار آخر، ففي حادثة تكباي هاجم الآلاف من المتظاهرين المسلمين مركزا للشرطة وكنا نخشى أن يتطور الأمر لذا اضطررنا لاستخدام القوة التي قد تكون زائدة والحقيقة لم نكن نتوقع أن تكون الخسائر بهذا الحجم ونحن نسعى لاحتواء مثل هذه الحوادث حتى لا تتكرر مرة أخرى.

عثمان البتيري: الحديث عن الاحتواء قادنا إلى معسكر للجيش في ولاية سونكلا حيث أصر الجيش التايلاندي على دعوتنا لمشاهدة برنامج لتأهيل مَن قال أنهم شاركوا في أعمال عنف ضد الجيش، في المعسكر كان الود واضحا من قِبَل الجنود والضباط تجاه الشبان المسلمين الذين نجوا من حادثة تكباي وحفلات الترفيه التي يتم ترتيبها مرة كل أسبوع هي جزء من برنامج مكثف يخضع له هؤلاء الشبان، البرنامج يستمر مدة ثلاثة أشهر يتلقى فيها الشبان المسلمون محاضرات تعرفهم بدورهم في بناء بلدهم وواجباتهم وحقوقهم إضافة إلى تعليمهم مهن يدوية تعينهم على الكسب بعد الخروج من المعسكر وقد أخبرنا قائد المعسكر أن الشبان سيظلون بعد خروجهم على علاقة مع شبكة من ضباط الجيش ليساعدوهم على بناء حياتهم الجديدة كما أن الشبان سينقلون إلى الضباط أي معلومات ترد إليهم ويرون أنها قد تضر بأمن المنطقة، ليس هناك معلومات جازمة عن مَن يقف خلف دورة العنف الجديدة، الحكومة تقول أن من بدأ بها هم من الانفصاليين وتحديدا الإسلاميين والمسلمون هنا ينكرون ذلك ويؤكدون أن حرب مصالح ضروس تحتدم في بانكوك بين ساسة حكوميين ومعارضين ورجالات الجيش بل وتجار مخدرات أيضا وأن هذه الحرب اتخذت الولايات المسلمة ساحة لها وأضفت على نفسها مسحة دينية.

"
في العديد من حوادث العنف والإرهاب التي تم التحقيق فيها تبين أن من ارتكبها مجموعات تتبع أجهزة أمنية تايلندية تتصارع على مصالح سياسية وتجارية
"
كريساك شونهارن

كريساك شونهارن: في العديد من حوادث العنف والإرهاب التي تم التحقيق فيها تبين أن من ارتكبها هي مجموعات تتبع إلى أجهزة أمنية تايلاندية تتصارع على مصالح سياسية وتجارية والكثير من التحقيقات قادت في نهايتها إلى بعض الشخصيات الأمنية، لكننا لم نرى أبدا أن أحدا يحاسب على ذلك بل وجدنا أفرادا من الرتب الدنيا يتم التضحية بهم، الحقيقة هناك غموض في هذا الأمر، لكن بالنسبة لنا كسياسيين وكذلك المنظمات الحقوقية فإن الأمر واضح.

عثمان البتيري: أعمال العنف لم تقتصر على الاصطدام برجالات الجيش فقط لكنها طالت أماكن العبادة لكلا الجانبين، هذا المعبد في ولاية ناريتوات كان هدف لهجوم بقنبلة يدوية ألقاها شخص كان يقود دراجة هوائية وبالطبع لم يعرف الجاني حتى الآن، الزعماء الدينيون من المسلمين والبوذيين يحرصون مع وقوع كل هجوم يستهدف مسجدا أو معبدا على إظهار احتجاجهم ورفضهم لما يحدث خوفا من أن تتحول هذه الهجمات الفردية كما يصفونها إلى حرب وفوضى دينية بين المسلمين والبوذيين تأكل الأخضر واليابس، غموض يلف أحداث العنف التي تهز الولايات المسلمة من حين لآخر وغموض أكبر يكتنف مستقبل العلاقة بين المسلمين في جنوب تايلند والحكومة المركزية في بانكوك وإذا كان الجميع يطرح السؤال من هو المستفيد من نزيف الدم هذا ومن هي اليد الخفية التي تعلق جميع الأطراف التهم عليها فإن المسلمون هنا يطرحون سؤال أشد خطورة وأكثر تعقيدا ما هو المصير وهل سيبقى مستقبلهم كالريشة تتقاذفها رياح العنف والمصالح المتعارضة؟ سؤال بلا شك يكشف عن صورة في مجملها قاتمة لكن المسلمين لا يجدون أمامهم من خيار سوى العيش بين الخوف والأمل، السلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة