مراد غالب.. عصر العلاقات المصرية السوفياتية ج5   
الأحد 1429/4/8 هـ - الموافق 13/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:30 (مكة المكرمة)، 12:30 (غرينتش)

- العمل في الكونغو
- دور الكتيبة العسكرية المصرية في الكونغو
- تهريب عائلة لومومبا إلى مصر
- أسباب الانتقال إلى موسكو وإدارة السفارة هناك
- العلاقة مع بريجنيف وخروشوف

أحمد منصور
مراد غالب
أحمد منصور
: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر. حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق. دكتور مرحبا بك.

مراد غالب: أهلا وسهلا.

العمل في الكونغو

أحمد منصور: أوفدت إلى الكونغو في العام 1960 كما ذكرت في الحلقة الماضية وبينت جانبا من الصراعات الداخلية الموجودة في الكونغو، وفي سبتمبر من العام 1960 عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا ناقشت فيه أزمة الكونغو لأنها كما قلت أنت كانت أزمة دولية وكان الصراع فيها بين الشرق والغرب وكانت جزءا من الحرب الباردة بين القوتين. حينما ذهبت إلى هناك لم تتلق أي تعليمات من عبد الناصر أو من الحكومة المصرية حول طبيعة الدور الذي كان يجب ان تقوم به وحدث لك موقف في البداية من المؤكد أنه كان له تاثير عليك حيث هددك السفير الأميركي في أول مقابلة لك معه معترضا على الدور المصري. ماذا كان يعني ذلك بالنسبة إليك؟

مراد غالب: تمبرليك أولا كان سفير أميركي غير دبلوماسي، وما كانش محبوب قوي، لدرجة لما رحت الكونغو فالسفير الأميركي في مصر قال لي يعني قلت له وصي علينا السفير بتاعك اللي هناك يعني..

أحمد منصور (مقاطعا): يوصي عليك، يأخذ باله منك يعني؟

مراد غالب: لا يعني يبقى في علاقات..

أحمد منصور: أنت طبعا رايح لساحة حرب..

مراد غالب: آه بس شوف الحقيقة أنا بحب جدا أن يكون لي علاقات مع الجميع، اللي هم مع أو ضد أو يعني.. علشان أقدر ألم الصورة لأني لو أخذت جانبا من الجوانب ما فيش يعني خلاص انتهى، يعني انتهى دوري انتهى دور أي حد أنا لازم أكون..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن مصر كانت واخدة جانب من الجوانب وهو الوقوف إلى جوار لومومبا.

مراد غالب: طبعا، أنا يعني صحيح ما أخذتش تعليمات من جمال عبد الناصر بس كنت أعرف الموضوع كويس قوي لما كنت في الوزارة، وحتى جاء لي وزير خارجية بلجيكا وقال لي أنتم طبعا مع لومومبا. يعني قبل ما أروح على طول يعني. فعارفين هم موقفنا كويس قوي وعارفين أننا مع لومومبا.

أحمد منصور: ليه مصر كانت واقفة مع لومومبا؟

مراد غالب: لومومبا الحقيقة كان أولا فكره متحرر، متحرر يعني إيه؟ يعني مع الوحدة الأفريقية، مع أفريقيا ضد الاستعمار، يعني كان موقفه وكان معه غيزينغا، غيزينغا كان تقريبا يعني شبه يساري يعني، ما كانش ماركسي..

أحمد منصور: كان نائبه؟

مراد غالب: كان نائبه. فطبعا المجموعة دي كانت مجموعة لها موقف واضح، وبالتالي كنا معه. لكن طبعا كلهم كانوا يعني جماعة مبتدئين جدا جدا في السياسة.

أحمد منصور: دول لم يخرجوا من الاستعمار وإنما من العبودية.

مراد غالب: فعلا، يعني هم مع احترامي الشديد لهم الحقيقة كانوا هم يعني السند الكبير قوي للاستقلال بتاع الكونغو يعني ولكن ومع ذلك كانوا هم إلى حد كبير ما فيش وعي كافي بالنسبة إلى إدارة دولة كبيرة زي الكونغو دي. بعدين البلجيك يعني مفصلين الكونغو ده تفصيل على الاستعمار بالضبط..

أحمد منصور: إزاي؟

مراد غالب: يعني مثلا ما فيش سكة حديد متصلة، في.. تخش في السكة الحديدية يعني تركب السكة الحديد دي وبعدين في طيارة وبعدين في سكة حديد وبعدين.. وما فيش بين المقاطعات المختلفة اتصالات، وما فيش.. يعني..

أحمد منصور: ممزقين البلد قطع.

مراد غالب: مقطعينها تماما، والاتصال عن طريق الطيران بتاعهم. يعني الاتصال الحقيقي يعني، فطبعا كانت صعبة جدا، لكن هم كانوا يعني سيادتك اتكلمت على الاجتماع بتاع..

أحمد منصور: الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر عام 1960.

مراد غالب: الجمعية العامة للأمم المتحدة وكان رؤساء دول العالم تقريبا حاضرين. فالرؤساء الأفارقة بعثوا لي.. بعث لي جواب عبد الناصر قال لي الرؤساء الأفارقة باعثين لك وبيقولوا لك، إحنا.. شوف بقى يعني بعد ما كنت طالع من مصر يعني ما هياش..

أحمد منصور: مغضوب عليك، للمنفى علشان يخلصوا منك..

مراد غالب: لا، يعني مش قوي علشان يخلصوا مني الحقيقة، كانوا يعني إبعاد، يعني نشوف، طيف حنشوف ده حيعمل إيه؟ هي دي الكلمة اللي أقدر أقول لك عليها كلمة مظبوطة. أصل أنا كنت في وزارة الخارجية دي عملت انقلاب في وزارة الخارجية..

أحمد منصور: خلال فترة وجيزة..

مراد غالب: آه خلال فترة وجيزة جدا، فقالوا طيب لما نشوف ده حيعمل إيه هناك. طبعا يعني كان لا بد..

أحمد منصور: قلت لي عبد الناصر قال إيه على الرؤساء الأفارقة؟

مراد غالب: بعث لي هو بقى قال لي الرؤساء الأفارقة كلنا مجتمعون وبنقول لك إنك أنت تقابل لومومبا وتقول له يلزمه كام مليون دولار علشان خاطر هو يدير الكونغو؟ ويدفع المرتبات بتاعة العساكر وبتاعة الموظفين؟

أحمد منصور: يعني خلاص بقى تدخل مباشر في الكونغو. لومومبا كان عنده رؤية؟

مراد غالب: لا لا، ما أنا حأحكي لك دلوقت. رحت للومومبا كان معه غيزينغا، بعدين باقول له يعني يا سيادة الرئيس حصل كذا كذا وجاء لي برقية من روؤساء أفريقيا علشان أنت تقول لي أنت عايز كام. قام بص كده لغيزينغا وقال له (كلمات أجنبية) يعني أنت إزاي يا غيزينغا أنت رأيك إيه يعني نقول له إيه؟ قام قال لي يعني خمسة مليون. قلت له إيه؟ خمسة مليون؟ خمسة مليون إيه جنيه ولا دولار؟ قال لي لا خمسة مليون جنيه..

أحمد منصور: استرليني؟

مراد غالب: آه، فقلت له خمسة مليون علشان تدفع مرتبات الجنود ومرتبات الموظفين وتدفع لإيرفرانس راكشر وتجديده وتدفع لكل يعني المرافق بتاعة الكونغو وتصرف عليه؟ خمسة مليون؟

أحمد منصور: يعني مش داري عن حاجة خالص، ما يعرفش يعني إيه إدارة دولة.

مراد غالب: قام بص لغيزينغا كده وقال له آه طيب إيه ده..

أحمد منصور: نحط صفر ولا اثنين..

مراد غالب: نحط كام؟ أنت عايز كام يعني وبتاع. قال لي عشرين مليون. يعني إذاً ما كانش عندهم أي تقدير لمعنى إدارة دولة، مافيش.


دور الكتيبة العسكرية المصرية في الكونغو

أحمد منصور: أنت كنت في الوضع ده، أنك بتدعم ناس ده وضعهم ولازم تقوم بدور في ذلك الوضع. هل كان وجود الكتيبة العسكرية المصرية التي كانت تشارك في قوات الأمم المتحدة اللي كان بيقودها الرائد سعد الدين الشاذلي في ذلك الوقت، كانت عاملة دعم أو سند لك كسفير مصر؟

مراد غالب: والله عملت الحقيقة، بصراحة.

أحمد منصور: إيه طبيعة اللي عملته؟

مراد غالب: شوف أنا حأدي لك فكرة الحقيقة يعني عملت حاجات، أولا كان عايز يقعد في ليوبولفيل ده سعد الدين الشاذلي، طبعا حصل خلاف بينه وبين أحمد إسماعيل..

أحمد منصور (مقاطعا): أنا جاي لأحمد إسماعيل لأنه حصل مفارقة تاريخية عجيبة جدا لأن عبد الناصر أوفد أحمد إسماعيل علي وكان عميدا في ذلك الوقت، اللي هو أصبح المشير أحمد إسماعيل علي واللي قاد، كان وزير الدفاع في حرب أكتوبر، وكان الشاذلي رئيس الأركان. لتدريب قوات الأمم المتحدة، أحمد إسماعيل علي كان جاي لتدريب قوات الأمم..

مراد غالب: لا، ده تدريب قوات الأمم، أيوه تمام..

أحمد منصور: آه، وكان سعد الشاذلي هو رئيس اللي هو كان مسؤول عن الكتيبة اللي في قوات حفظ السلام، وقع خلاف بين الرجلين، الفريق الشاذلي كلمني عن بعض الخلاف في هذا الموضوع في شهادته على العصر على السريع، لكن كيف رصدت أنت هذا الخلاف؟

مراد غالب: لا شوف يعني قبل الخلاف أنت سألتني سؤال..

أحمد منصور: أيوه، الكتيبة كان لها دور؟

مراد غالب: هل الكتيبة كان لها دور ولا مالهاش دور؟ الحقيقة طبعا كان لها دور مهم جدا بالنسبة لي أنا شخصيا..

أحمد منصور: إيه أهمية الدور؟

مراد غالب: أولا، وأنا قاعد في المكتب بتاعي كنت قلت لزوجتي تعالي اقعدي في الكافتريا قدام السفارة..

أحمد منصور: أنت كان معك زوجتك وأولادك؟

مراد غالب: آه، تعالي اقعدي في الكافتريا قدام السفارة علشان لما أخلص نروح نتغدى سوا. فهي لقيت جنود جايين بالجيب وبتاع وبالسنك ومش عارف إيه، فبتسأل بتقول لهم دول جايين يعملوا إيه؟ ودول جايين على السفارة يعني داخلين مبنى السفارة، طبعا إحنا كنا واخدين دور ما كناش واخدين..

أحمد منصور: في عمارة.

مراد غالب: فقال لا أبدا دول هم جايين يقتلوا السفير المصري..

(ضحك)

أحمد منصور: كده يعني.

مراد غالب: يعني عالماشي. قالت جايين يقتلوا السفير المصري! إزاي؟ طبعا لقيتهم طالعين لي في المكتب، وبالسنك، وكان معي سفير غينيا..

أحمد منصور: في المكتب..

مراد غالب: سفير غينيا خلاص انتهى..

أحمد منصور: راح فطيس..

مراد غالب: وبعدين، اترصوا كده، قلت لهم أنتم عايزين إيه؟ عايزين تقتلوني؟ اتفضلوا، يللا، اضرب أنت وهو. وعملت كده يعني. قلت لهم أنا جاي هنا علشانكم أنتم، وجمال عبد الناصر قال لي روح شوف إحنا لازم نكون مع شعب الكونغو. طبعا بالفرنساوي ده كله يعني، إحنا جايين علشان شعب الكونغو، فإحنا جايين علشانكم والله مش عايزينا، خلاص..

أحمد منصور: دول كانوا قوات تتبع لموبوتو؟

مراد غالب: اللي كانت تتبع لموبوتو. ما كانتش تتبع لموبوتو ولا حاجة يعني كانت تتبع للـ intelligence الأميركي البلجيكي الغربي كله.

أحمد منصور: يعني موبوتو كان غطاء؟

مراد غالب: طبعا، موبوتو هم اللي جايبينه. فالغرض بعد شوي لقيت الكوماندوس بتوعنا جايين والتفوا حوالين الجنود..

أحمد منصور: جوه المكتب؟

مراد غالب: جوه مكتبي. الله ده قلت أي غلطة كانت تبقى كارثة..

أحمد منصور: طبعا مذبحة..

مراد غالب: مذبحة، فلما جاؤوا وشافوهم، يعني ما عملوش حاجة طبعا، لكن أنا أشرت إلى أحد الضباط اللي فيهم قلت له روح هات بيرة ساقعة جدا وتعال..

أحمد منصور: يا الله، علشان تسقيهم بقى..

مراد غالب: فراحوا جابوا بيرة ساقعة، بس العساكر الكونغوليين شافوا البيرة الساقعة راحوا راميين البنادق ويللا عالبيرة. وهكذا أنقذت. طبعا..

أحمد منصور: أنت كنت تتوقع أنه كان ممكن تقتل فعلا؟

مراد غالب: آه طبعا كان ممكن لأنهم ضربوا البيت بتاعي بعد كده، ضربوه بالمدافع والمدافع الرشاشة. ومين اللي أنقذه؟ الكتيبة.

أحمد منصور: أيضا، لعبت دورا في إنقاذك مرتين.

مراد غالب: آه إنقاذ أولادي مش إنقاذي أنا ما كنتش موجود في البيت.

أحمد منصور: لما ضربوا على البيت كانت بعد الحادثة بتاعة اقتحام السفارة بقد إيه؟

مراد غالب: بحوالي يمكن أسبوع.

أحمد منصور: يعني أنت كنت مستهدف لا زلت؟

مراد غالب: آه طبعا. وفي سفير غانا كان مستهدف، طبعا يعني ومع ذلك أنا كنت باشتغل وكأن مافيش حاجة.

أحمد منصور: لكن القوات اللي يمكن الإنسان يديها قزازتين بيرة ويطلع منها سليم دي أكيد كانت قوات يعني شبه مرتزقة يعني.

مراد غالب: هم غلابة جدا، والله، وناس يعني أنا بمنتهى، بسطاء جدا..

أحمد منصور: يعني تستطيع أن تقول إن شعب الكونغو كان في ذلك الوقت أداة للصراع بين القوتين الاستعماريتين؟

مراد غالب: ما فيش كلام تاني، يعني هو .. شعب طيب..

أحمد منصور: لكن السوفيات كان لهم أي دعم للومومبا؟

مراد غالب: آه بس مش مادي قوي.

أحمد منصور: لكن دعم سياسي تقدر تقول بالدرجة الأولى؟ لكن أنتم كقوة وطنية أفريقية كنتم أنتم حريصين على دعم لومومبا.

مراد غالب: ما فيش شك, وبعدين كان طبعا لومومبا طلب أن أولاده يروحوا مصر..

أحمد منصور (مقاطعا): دي حأجي لها بعد كده، بس قبل ما أجي لموضوع نقل لومومبا لأولاده، عايز أفهم إيه طبيعة الصراع اللي كان قام بين سعد الدين الشاذلي وأحمد إسماعيل علي في الكونغو؟

مراد غالب: شوف، أحمد إسماعيل كان بكل صراحة كان قريب مني، لأن أحمد رجل يعني كبير ومتوازن كده ورجل يعني.. الشاذلي كان يمثل رجل المظلات يعني حركي وبتاع..

أحمد منصور: القوات الخاصة نعم.

مراد غالب: فطبعا حصل الخلاف الآتي، أحمد إسماعيل اعتقد أنه بما أنه عميد..

أحمد منصور: أيوه والشاذلي رائد..

مراد غالب: والشاذلي رائد فيجب على الشاذلي أن هو to report يعني يدي له تمام ويدي له كل تقرير..

أحمد منصور: رغم أن مهمة الرجلين مختلفتان..

مراد غالب: ومعرفته، وكل حاجة، يديها للعميد أحمد إسماعيل. طبعا رفض، يعني تململ في الموضوع ده سعد الدين الشاذلي، ولكن سعد أخلاقه وعمله ووجوده في المظلات قدام واحد يعني في جيش جيش، وعسكري عسكري، كان فيه.. ما فيش نقاط التقاء كثيرة بينهم هم الاثنين، فعلشان كده يعني كان في خلافات باستمرار.

أحمد منصور: هل هي مصادفة أن يكون الرجلين بعد ذلك هما اللي بيقودوا حرب أكتوبر؟

مراد غالب: لا، أنا استعجبت الحقيقة، ده جاء شمس بدران علشان يصلح فيما بينهما..

أحمد منصور: إلى الكونغو؟

مراد غالب: آه إلى الكونغو. علشان يصلح فيما بينهما. إلى هذه الدرجة..

أحمد منصور: يعني إلى أي حد وصل الأمر أو تم الاتفاق فيما بينهما؟

مراد غالب: الحقيقة الأمر وصل أنه قطيعة يعني والقطيعة دي ما كانتش أبدا في مصلحة..

أحمد منصور(مقاطعا): تعتقد أن القطيعة دي كان لها دور وتأثير على ما بعد ذلك من عمل الرجلين مع بعضهما؟

مراد غالب: أنا أعتقد أيوه، لأن الطبيعة، طبيعة الرجلين وطبيعة عملهم وطبيعة تاريخهم مختلفة. أنا مش بأقول إن ده يعني، طبعا زي ما أنا باعترف حقيقة أنني يعني مع أحمد إسماعيل كنت أعتقد أنه قريب لي كطباع.


تهريب عائلة لومومبا إلى مصر

أحمد منصور: لومومبا اختفى بطريقة غامضة في 17 سبتمبر في العام 1960 وطلب من عبد الناصر نقل زوجته وأولاده إلى مصر حتى يكونوا في مأمن.

مراد غالب: هو ما كانش مختفي بتاتا، هو لما طلب الطلب ده مرة وهو حر طليق وجمال عبد الناصر ماردش عليه، وبعدين رجع رد تاني لومومبا وقال لي أنا عايز أولادي يؤمّنوا في مصر علشان أنا أبقى حر طليق أعمل زي ما أنا عايز. وبعدين حطوه في فيلا بحماية الأمم المتحدة فجاء بومبوتو وحط سور تاني حوالين قوات الأمم المتحدة، فطبعا كلمني لومومبا وقال لي أنا ما أقدرش أقعد بالشكل ده، أنا زعيم، أنا اللي حررت هذه البلد، أنا اللي حررت هذا الشعب، أنا عايز أطلع في الشارع. قلت له ما تطلعش في الشارع، أنت دلوقت تحت حماية الأمم المتحدة، لو حصل لك حاجة الأمم المتحدة حتبقى هي المسؤولة عن هذا، فأرجوك ما تطلعش. هو طبعا قال لي لا أنا زعيم. وطبعا..

أحمد منصور: لم يقدر الموقف بشكل دقيق.

مراد غالب: وطبعا طلب مرة ثانية أن أولاده يتهربوا، فهربناهم.

أحمد منصور: كنت مرتب مع عبد الناصر عملية التهريب ولا قمت بها مجتهدا؟

مراد غالب: لا طبعا، الرئيس قال لي ابعث لي في الآخر بقى ووافق على هذا..

أحمد منصور: عملية التهريب دي كانت تعني إيه؟

مراد غالب: أنا قلت له بكل صراحة، أن التهريب قد يؤدي إلى طردنا من الكونغو، وقد يؤدي إلى زيادة الهجوم علينا، وقد يؤدي إلى كذا.. لكن أنا باقول إن لومومبا طلب هذا الطلب وإحنا علينا أن ننظر فيه. ده اللي كنت بأقوله أنا.

أحمد منصور: كان عنده كم ولد لومومبا؟

مراد غالب: كان عنده ولدين وبنت، أفتكر، أنا مش..

أحمد منصور: وزوجته. أعتقد عائلته لا زالت إلى اليوم تقيم في مصر.

مراد غالب: أمال، عايشين لغاية دلوقت.

أحمد منصور: لكن كيف تمت عملية التهريب؟

مراد غالب: عملية التهريب تمت بقى، وهنا بقى الكتيبة بتاعتنا..

أحمد منصور: كتيبة سعد الشاذلي؟

مراد غالب: آه، الكتيبة، إحنا قعدنا ندرس الموضوع وأحمد إسماعيل وفريق من الضباط اللي كانوا معه عملوا زي ما تقول معركة، يعني بيخططوا لمعركة، فقالوا دلوقت الكتيبة الموجودة ماهياش، مش عارف كانت جنسيتها إيه، ما نضمنهاش..

أحمد منصور: دي الكتائب اللي في المطار؟

مراد غالب: آه، فطبعا قعدنا لغاية لما سعد الشاذلي قال لنا الكتيبة السودانية حتبقى موجودة في المطار فقررنا أن نعمل العملية دي في الوقت ده. وكان عندنا، العجيبة أنه عندنا عبد العزيز إسحق، وعبد العزيز إسحق كان مستشار السفارة وكان أشقر شقار وعينيه زرقاء..

أحمد منصور: يعني أوروبي..

مراد غالب: زي البلجيك، بالضبط. على أي حال قلنا إيه أحسن حاجة، أنهم حيندهوا عالطيارة، ما نسألش، حيندهوا مرة ثانية، ما نسألش..

أحمد منصور(مقاطعا): وكان جوازه إيه عبد العزيز؟ غيرتوا له الجواز؟ ولا بجوازه المصري طلع؟

مراد غالب: لا، غيرنا له الجواز..

أحمد منصور: على أنه بلجيكي؟

مراد غالب: مش فاكر الحقيقة..

أحمد منصور: المهم عملتوا له جواز بجنسية أخرى.

مراد غالب: آه، إدينا له حاجة يعني يزوغ بها. وبعدين قلنا لما يندهوا على الطيارة النداء الثالث..

أحمد منصور: والأخير..

مراد غالب: والأخير والطيارة حتقفل نبقى بسرعة يطلعوا جري وبتاع إحنا موجودين أهه..

أحمد منصور: على أساس عبد العزيز وزوجته وأولاده؟

مراد غالب: لا مش زوجته، على أساس أيوه..

أحمد منصور: يعني كده مستشار السفارة المصرية بشكله الأوروبي يطلع ومعه زوجة لومومبا وأولاده على أن دول زوجته وأولاده، رغم أن زوجة لومومبا وأولاده سمر..

مراد غالب: آه، طبعا، لكن طبعا دي يعني منتشرة هناك، يعني واحد بلجيكي يتزوج واحدة كونغولية كانت موجودة، يعني مش حكاية. فإذاً دخلوا الطيارة..

أحمد منصور: ونجحت الخطة، ووصلت زوجة لومومبا وأولاده إلى مصر. ومصر هيصت وقالوا هربنا زوجة لومومبا.

مراد غالب: تمام. لما هربنا أولاد لومومبا وهرب لومومبا نفسه بعد كده..

أحمد منصور: من الحصار..

مراد غالب: من الحصار، على طول نده لي بومبوكو واعتبرونا أشخاص غير مرغوب فيهم.

أحمد منصور: آه، كده وزير خارجية الكونغو استدعاك وقال لك، بومبوكو كان اسمه؟

مراد غالب: تمام.

أحمد منصور: وقال لك أنت شخص غير مرغوب فيك، أنت وجميع أعضاء السفارة المصرية.

مراد غالب: أنا بقول له أنا لوحدي يا سيادة الوزير؟ وأنا عارف بومبوكو كويس طبعا، يعني كان.. بأي حال، فطبعا قال لي لا، أنت وأعضاء السفارة. فأنا الحقيقة انسحبت من لساني، وتضايقت، فقلت له يعني إحنا مش حننتقم منكم طبعا، أنتم أخوتنا وبتاع، لكن حننتقم من اللي إداك هذه الأوامر.

أحمد منصور: كنت تعني من؟

مراد غالب: وأنا لا أعني شيئا، بس قلت له كده، وإذا بجمال عبد الناصر يقول لي.. وقال لي تعال اشرب شاي معي الساعة خمسة، وإذا بجمال عبد الناصر يبعث لي يقول لي ما تروحش، شوف بقى الرد السريع ده، أبعث له برقية من هنا يروح رادد بعد نصف ساعة يقول لي ما تروحش وانتظر. حصل إيه بقى؟ راح مؤمم كل ممتلكات البلجيكيين.

أحمد منصور: في أوائل عام 1961 فعلا قررت بلجيكا قطع علاقتها مع مصر ورد عبد الناصر...

مراد غالب(مقاطعا): لا، ده قبل كده بقى، لما طردونا..

أحمد منصور(متابعا): بفرض الحراسة وتأميم كل ممتلكات الرعايا البلجيكيين.

مراد غالب: لا ده مش صحيح، ده لما طردونا مباشرة جمال عبد الناصر عمل كده، مش استنى لما تقطع بلجيكا..

أحمد منصور: لا، بعد ما طردوكم؟

مراد غالب: آه طبعا.

أحمد منصور: بعد ما طردوكم حصل هذا، أن بلجيكا قطعت علاقتها وعبد الناصر أمم؟

مراد غالب: لا هو أمم قبلها وبعدين هي قطعت العلاقات.

أحمد منصور: عدت أنت إلى مصر. تقييمك إيه لهذه التجربة؟

[فاصل إعلاني]

مراد غالب: هم أخذوا علي..كتبوا..كتبوا..

أحمد منصور: مين؟

مراد غالب: البلجيك طبعا. ملف الدكتور.. لا مش دكتور ولا حاجة، ملف مراد غالب، وكتبوا بقى، العجيبة، كل حاجة، فعلا.

أحمد منصور: يعني رجعت إلى الوثائق البلجيكة ووجدت هذا مكتوبا؟

مراد غالب: لا أبدا، الصحيفة نفسها.

أحمد منصور: إيه أهم اللي كتبوه؟

مراد غالب: كتبوا كل شيء نحن بنقوله، يعني كنا مخترقين..

أحمد منصور: آه، يعني كان في تجسس عالي عليكم.

مراد غالب: طبعا. وبعدين..

أحمد منصور (مقاطعا): حتى برقيات عبد الناصر لك وبرقياتك لعبد الناصر وكل شيء.

مراد غالب: آه، طبعا كله، كله، وبعدين كان فيه ممثل الأمم المتحدة كان دايال، دايال كان هندي وكان هو اللي كان في لبنان بعد لما نزل الأميركان في لبنان بعد..

أحمد منصور: 1961 برضه.

مراد غالب: دايال كان صديقي فطردوه كمان بعد شوي وكتبوا ملف دايال.

أحمد منصور: أنت هنا بتقر أن البعثة المصرية في الكونغو كانت مخترقة؟

مراد غالب: آه، ما في شك.

أحمد منصور: من الداخل يعني؟

مراد غالب: لا لا لا، كانوا هم اللي مخترقينها.

أحمد منصور: بالتجسس يعني؟

مراد غالب: لا بالتجسس electronics كلها.

أحمد منصور: آه. عدت من الكونغو بعد ما أصبحت شخص غير مرغوب فيه نهاية العام 1960 أنت وكل البعثة المصرية وكان من المقرر في بداية العام 1961 أن توفد من الخارجية المصرية إلى الأمم المتحدة لترأس وفدا مصريا في الأمم المتحدة.

مراد غالب: تمام وبعثوا كل طقم السفارة إلى الأمم المتحدة مقدما.


أسباب الانتقال إلى موسكو وإدارة السفارة هناك

أحمد منصور: فجأة تم تحويل وجهتك من الغرب إلى الشرق، ومن نيويورك إلى موسكو، كيف حدث هذا؟

مراد غالب: شوف دي أحد حلقات الصراع بين عبد الحكيم عامر وبين جمال عبد الناصر.

أحمد منصور: إزي اشرح لنا، يعني الصراع هنا ما كانش.. كان بدأ بعد 1956 وكان لا زال مستمرا؟

مراد غالب: طبعا، وقعد مستمر وساعات يتصاعد كمان.

أحمد منصور: كيف كان تعيينك في موسكو جزء من الصراع بين الرجلين؟

مراد غالب: آه، حأقول لك الضبط، كان عبد الحكيم يريد أن يكون رئيس المكتب العسكري هو السفير هناك..

أحمد منصور: في موسكو هو السفير. وعبد الحكيم هو الذي يعين رئيس المكتب العسكري.

مراد غالب: وعبد الحكيم هو اللي بيعين رئيس المكتب العسكري، وكان اسمه اللواء نور الدين قرة.

أحمد منصور: نعم، ده أصبح وزير بعد ذلك.

مراد غالب: وزير التموين آه، فكان خلاص يعني نور الدين قرة لما قال له عبد الحكيم أنك أنت خلاص سفير، وراح السفارة وعاين كل حاجة في السفارة وكمل..

أحمد منصور(مقاطعا): كان مين السفير اللي كان قبلك؟

مراد غالب: اللي قبلي، اللي قبل مين..

أحمد منصور: اللي كان قبل تعيينك أنت أو قرة في المكان؟

مراد غالب: كان عوض الكوني. فطبعا جمال عبد الناصر بحساسيته الشديدة قال الله، إزاي؟ يعني أنا حادي لعبد الحكيم موسكو بحالها، وكان موسكو فيها كل حاجة، السد العالي والتصنيع ومشروع السنوات الخمس الأول..

أحمد منصور: والتجارة والثقافة والبعثة..

"
جمال عبد الناصر بعثني إلى موسكو كيلا يكون عبد الحكيم عامر مسيطرا عليها خاصة أن كل البعثات والتجارة كانت عن طريق موسكو
"
مراد غالب:
والتجارة والثقافة والبعثات والطلبة والمبعوثين واللي بياخدوا دكاترة و..العالم. على رأي الدكتور القيصوني قال لي، لا، دي عندك وزراة يعني. فطبعا مش ممكن، فرجع تاني جمال عبد الناصر قال الله لا، ما ينفعش الكلام ده، لا ده أنا أبعث مراد غالب هناك، أهو طبعا واحد يعرف روسي كويس كان، مش بطال يعني يقدر يتفاهم معهم، من المرة اللي فاتت يعني المرة الأولى اللي اللي أنا رحت فيها مع عزيز باشا المصري، وقال ده يروح وفعلا يعني تعينت بعد كده سفيرا في الاتحاد السوفياتي ورحت علشان أقابل المشير عبد الحكيم عامر..

أحمد منصور: قبل ما تروح.

مراد غالب: علشان آخذ التعليمات من الناحية..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، أنا عندي هنا في عملية التعيين عندي هنا حاجة مهمة جدا، أنت رغم أنك عينت في فبراير إلا أنك لم تذهب إلى الاتحاد السوفياتي إلا بعد.. في فبراير لكن لم تذهب إلا في يوليو.

مراد غالب: أنا قدمت أوراق اعتمادي في 12 يوليو، واخد بالك..

أحمد منصور: بالضبط، لكن أنت عينت في فبراير وبقيت في مصر إلى يوليو.

مراد غالب: آه، لأنه كان في معركة شرسة بيننا وبين الاتحاد السوفياتي.

أحمد منصور: إيه طبيعة المعركة؟

مراد غالب: المعركة دي كانت حول العراق وسوريا.

أحمد منصور: كان في معركة حقيقية بين عبد الناصر وخورتشوف؟

مراد غالب: جدا.

أحمد منصور: وكان السوفيات رافضين قضية الوحدة مع سوريا والضغوط على الشيوعيين في سوريا والعراق.

مراد غالب: وبعدين مش بس كده، كان أنور السادات مرسل من جمال عبد الناصر وفد مصري سوري، علشان طلب الأسلحة..

أحمد منصور: من الاتحاد السوفياتي؟

مراد غالب: من الاتحاد السوفياتي، فقابلوا خروتشوف.. فخروتشوف قعد بقى يكلمهم وهو خروتشوف طبعا متحدث بس كان بيتكلم معهم على أساس أنه أنتم تقولون على نفسكم اشتراكيين وبتضربوا الشوعيين والاشتراكية هي (ألف) والشيوعية هي (باء) وأنتم إزاي يعني حتبقوا اشتراكيين وما تبقوش شيوعيين؟ بتاع.. وأنا رئيس.. يعني رئيس الحزب الأكبر في الحركة الشيوعية، هو يتكلم بهذا الشكل. طبعا حكى لي بعد كده خروتشوف بالتفصيل ما حدث. لكن حصل بقى أنه وجه لوم شديد إلى أنور السادات أنه إزاي ما ردش..

أحمد منصور: على خروتشوف؟

مراد غالب: على خروتشوف.

أحمد منصور: السادات سمع كلام خروتشوف ولم يرد عليه.

مراد غالب: لم يرد.

أحمد منصور: من الذي لامه؟

مراد غالب: جمال عبد الناصر طبعا، أكثر واحد طبعا كان جمال عبد الناصر..

أحمد منصور: رجع بخفي حنين من هناك؟

مراد غالب: وبعدين أنا قابلت بعد كده أنور السادات، فباقول له إيه اللي.. ما أنا كنت لسه ما رحتش، وتأخرت فحصل الهيصة دي، فقال لي يا مراد يا خوي ما أنت عارف كان في جيبي قائمة بالأسلحة اللي إحنا عايزينها، أنا حأرد إزاي وفي جيبي قائمة مليانة يعني حاجات عاوزينها من الأسلحة؟

أحمد منصور: لكن قدم القائمة؟

مراد غالب: آه، قدمها، على أي الحالات دي كان لها تأثير بعد كده جدا على خروتشوف..

أحمد منصور: تأثير سلبي أم أيجابي؟

مراد غالب: لا، سلبي.

أحمد منصور: إزاي؟

مراد غالب: كان خروتشوف في الحقيقة، بعد كده قابلته وأنا سفير بقى، قال لي أنتم إيه الهيصة اللي عملتوها دي؟ إحنا طبعا جينا بعد كده جمال عبد الناصر فتح بقى على خروتشوف..

أحمد منصور: وأنتقد خروتشوف بشكل.. بالاسم.

مراد غالب: بشكل رهيب جدا. و حصل شتائم..

أحمد منصور: متبادلة بين الرجلين.

مراد غالب: متبادلة بينهما، شتائم، شتائم..

أحمد منصور: في كل تلك المرحلة التي كنت عينت سفير ولم تذهب.

مراد غالب: ولم أذهب آه. فطبعا كانت كارثة، فكان طبعا كل ما يشتموا بعض أنا ما أروحش، وبعدين أخيرا اهتدوا إلى أنه لا، أنت لازم تبعث سفير علشان الحملة دي توقف، لأنه نحن مش من مصلحتنا أن الحملة دي تستمر.

أحمد منصور: عايز أسألك عن حاجة تتعلق بحسم عبد الناصر لذهابك أنت وليس نور الدين قرة، هل معنى ذلك أن عبد الناصر كان يريد أن يقول لعامر أنا صاحب القرار وليس أنت؟

مراد غالب: ده أحد العناصر، وأنا أتذكر جدا أنه.. أنا كنت عايز أقول لك لما رحت أقابل عبد الحكيم عامر وأنا رايح موسكو علشان آخذ منه أنه هو عايز إيه أسلحة، قابلني مقابلة غريبة الشكل.

أحمد منصور: إزاي؟

مراد غالب: رحلت له المكتب فقال لي تأخذ سيجارة؟ قلت له والله يا سيادة المشير ما بدخنش، قال لي آه، ما أنتم بتوع وزارة الخارجية بتوع السيجار. شوف بقى، تريقة يعني. فقلت له والله يا سيادة المشير أنا ما بشربش السيجار، قال لي إيوه، إيوه، بايب بقى، بايب. الله، قلت له يا سيادة المشير ولا البايب، ما بشربش.. عمري ما شربت لا سيجارة ولا سيجار ولا بايب.

أحمد منصور: أنت بسلامة نية تامة بتتكلم؟

مراد غالب: نعم؟

أحمد منصور: تتكلم بسلامة نية بشكل تام ولا بترد على تهكمه عليك.

مراد غالب: لا لا لا أنا عرفت على طول في الحال.

أحمد منصور: أنه يتهكم عليك.

مراد غالب: أنه يتهكم علي، وعرفت أنه مش سعيد أنني أنا رايح موسكو، وعرفت أنني أخذت مكان نور الدين قرة، الراجل اللي كان عايزه يروح، عرفت ده كله طبعا.

أحمد منصور: طبعا المشير كان ينظر إليك على أنك رجل عبد الناصر.

مراد غالب: كان مصنفني أنني أنا جاسوس لعبد الناصر.

أحمد منصور: على من؟

مراد غالب: لا يعني بتاع جمال عبد الناصر في أي حاجة.

أحمد منصور: أنت كنت كده؟

مراد غالب: والله أنت بقى اللي حتقول لنا إذا كنت كده ولا لا. (ضحك) لا، شوف أنا كنت طبعا مدير مكتبه وكنت اتصالي بعبد الناصر أكثر من عبد الحكيم.

أحمد منصور: اتصالك بعبد الناصر أكثر من عبد الحكيم يعني العلاقة بين الرجلين لم يكن فيها الود اليومي؟

مراد غالب: لا، كان فيها الود اليومي، وكان فيها الخناق اليومي برضه.

أحمد منصور: في هذه المرحلة؟

مراد غالب: في هذه المرحلة.

أحمد منصور: أنا سآتي تفصيلا إلى العلاقة بين الرجلين بعد ذلك ولكن أريد أن أفهم هذه القصة لأن لها علاقة بالصراع بين الرجلين، تعيينك في موسكو أنت سفيرا في العام 1961، حسمت لصالح عبد الناصر.

مراد غالب: حسمت لصالح عبد الناصر، لكن ده مش معناه أنه خلاص عبد الحكيم سلم يعني، لا. الغرض أن عبد الحكيم جاء لي بعد كده.

أحمد منصور: جالك فين؟

مراد غالب: موسكو، سنة 1962.

أحمد منصور(مقاطعا): أنا قبل ما آجي إلى 1962 ومجيء عبد الحكيم. أنت وصلت إلى موسكو في الأول من يوليو في العام 1961، ما هو الفارق بين ذهابك إلى موسكو في المرة الأول مع عزيز المصري عام 1953 وذهابك في المرة الثانية كسفير في يوليو 1961؟

مراد غالب: لا، كان في فرق كبير.

أحمد منصور: أهم الفوارق؟

مراد غالب: أهم الفوارق أنه كان في شيء من الحرية، لا تشعر بأنك مراقب، لكن أنت مراقب، لكن تلك كنت مراقب عيني عينك، يعني أنت تبقى عارف أنك أنت مراقب.

أحمد منصور: السفارة المصرية في موسكو في ذلك الوقت لم تكن مجرد سفارة وإنما كان يتبعها مكاتب متخصصة مثل مكتب السد العالي ومكتب التصنيع والمكتب التجاري والمركز الثقافي والمشتريات العسكرية والملحقين العسكريين. يعني كما قال لك القيسوني، وزارة كاملة، كنت زي رئيس وزراء مش مجرد سفير. كل هذه الأشياء كانت تتبع السفير؟

مراد غالب: كانت تتبع السفير؟ آه، ليه بقى؟ ما هو يعني المسألة ما كانتش برضه رؤساء المكاتب دي، ولو أن رؤساء المكاتب كانوا كويسين جدا، وأنا يعني حسن الحظ أن أقول لك كانوا كلهم على مستوى عظيم جدا من العمل يعني، يعني كان عبد العظيم أبو العطا اللي بقى بعد كده وزير..

أحمد منصور: وزير الري.

مراد غالب: كان مثلا صلاح حسين كان لواء، كان إنسان فاضل الحقيقة مش عارف إذا كان عايش ربنا يدي له طولة العمر، يعني كان فيه تهامي موسى كان هو بتاع الأكاديمية العلمية وخلافه، يعني كان في ناس محترمين جدا، وما كانش فيه.. أنا لم أشعر بمشاكل، ليه بقى كانوا بيجوا لي؟ لأنني أنا اللي كنت بفك المشاكل بتاعتهم، ليه؟ هم لهم مستوى معين.

أحمد منصور: أنت، سلطات السفير هذه أنت فرضتها أم ورثتها؟

مراد غالب: لا ما ورثتهاش أبدا.

أحمد منصور: فرضتها؟

مراد غالب: لا، مش فرضتها ولكنني استنتجتها، أن أحسن طريق للإدارة أن تكون علاقاتك مع الإدارات المختلفة علاقات هم محتاجينك وأنت تلبي احتياجاتهم بكل سرور.

أحمد منصور: ألم يكن هؤلاء يعملون بعلاقة مباشرة مع رؤسائهم في مصر؟

مراد غالب: طبعا. كانوا، شوف، كان لهم علاقات مباشرة برا في مصر. وكان لهم علاقات مع الجانب السوفياتي، لكن مثلا، أحدد لك مثل، صلاح حسين ورئيس مكتب المشتروات العسكرية كان له حد وسقف للاتصالات، إذا عاز أكثر من كده، لا، لازم يجيني بقى.

أحمد منصور: حد للاتصالات مع السوفيات أم مع المصريين؟

مراد غالب: مع السوفيات، فكان لازم يجي لي، لأنني أنا أعرف، كنت زي ما قلت لك المرة اللي فاتت، أنا كنت صديق شخصي لخروتشوف، وكنت صديق للقيادات السوفياتية كلها، صديق، يعني صديق، يعني أعرفهم ويعرفوني بالاسم وكانوا زائرين دائمين عندي في السفارة، لا، كان في حاجة ثانية يعني..

أحمد منصور(مقاطعا): كيف كنت تدير السفارة؟

مراد غالب: برضه نفس الشيء، كنت بعمل إزاي أنا؟ مش في مديري مكاتب؟ كنت بخلي الوزير المفوض هو رئيس السفارة.

أحمد منصور: وأنت؟

مراد غالب: وأنا المشرف العام والمنسق العام للمكاتب وللسفارة.

أحمد منصور: كيف كان توزيع هؤلاء الرجال بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر؟

مراد غالب: لا، يعني هم طبعا، مكتب التصنيع كان تبع عزيز صدقي الحقيقة، مكتب السد العالي كان تبع قبل لموسى عرفة وبعدين زكريا محي الدين وبعدين، بعد كده لصدقي سليمان، وهكذا يعني في المكاتب المختلفة. وأنا ما كنتش طبعا ضد ده بتاتا، أنا كنت بقول لهم اتصلوا، لكن الوزراء نفسهم في مصر لما يحبوا، يعني حاجة وقفت يكلموني أنا.


العلاقة مع بريجنيف وخروشوف

أحمد منصور: لأنه سيأتي ذكر نيكيتا خروتشوف بعد ذلك كثيرا وكذلك سيأتي ذكر ليونيد بريجنيف، لكن أنت في 12 يوليو 1961 قدمت أوراق اعتمادك إلى ليونيد بريجنيف الذي كان رئيسا للمجلس السوفياتي الأعلى وكان رئيسا للاتحاد السوفياتي أيضا في ذلك الوقت، صف لنا شخصية بريجنيف من خلال معرفتك الشخصية له؟

مراد غالب: شوف، بريجنيف، أنا عرفت من هو بريجنيف لما رحت للمشروع اللي كانوا عاملينه ضخم جدا لاستصلاح الأراضي في غرب سيبيريا. هو كان مسؤولا عن هذا المشروع، المشروع ده بتاع الستين مليون هكتار، حاجة رهيبة، تعلمت حاجات كثيرة منه.

أحمد منصور: أهمها.

مراد غالب: أنه ما فيش صرف فارغ، يعني، هناك مثلا تلاقي عشش يعني بريجنيف عايش في عشة، دي طبعا عشة يعني معقولة يعني.

أحمد منصور: عشة، يعني زي خمس نجوم يعني؟

مراد غالب: لا لا لا، بتاتا والله، مثلا يعني أقول لك إيه، الحمام كان حاجة بائسة وقذرة، حاجة يعني لا تذكر يعني لوح خشب..

أحمد منصور: ما توصفلناش، المهم حاجة سيئة وخلاص..

مراد غالب: يعني باقول يعني كده حاجة فظيعة يعني، لا أنا مش حاوصف، لأنني ما أقدرش أوصف.

أحمد منصور: لكن كيف بنى هؤلاء هذا؟

مراد غالب: شوف لكن هو كان يعني مكرس حياته لحاجة زي كده، وإزاي كان بيعبئ الجماهير الكبيرة اللي تحت يده، وإزاي كان بيعبئ العمال دول العدد الهايل من العمال، وإزاي هو بيؤثر فيهم ويمشيهم، دي حاجة خطيرة جدا، فطبعا هو كوفئ على هذا بأنه جه بقى رئيس الاتحاد السوفياتي، هو شخص بقى حزبي تماما، يعني بتاع جماهير، بتاع تعبئة شعبية، بتاع فكر كله، لكن كان ناصح من ناحية السياسة العالمية بشكل خطير، وكلهم، يعني كان حاجة، ما فيش حاجة..

أحمد منصور: الأمور كانت استقرت، الصراعات الداخلية كانت هدأت في الوقت الذي ذهبت فيه داخل المجلس السوفياتي الأعلى؟

مراد غالب: ده بعد ما شالوا خروشوف، أنا بكلمك على بريجنيف بعد ما شالوا خروتشوف.

أحمد منصور: آه، لا أنا باتكلم الآن عن بريجنيف وقتما لقيته حينما كان رئيسا.

مراد غالب: آه، لما كان رئيس، كان خروتشوف المسيطر.

أحمد منصور: صف لنا شخصية خروتشوف الذي كنت صديقا ومقربا منه طوال فترة وجودك حتى إبعاده في 1964.

مراد غالب: شوف، خروتشوف كان مدرك تماما لمستقبل هذا العالم رايح فين.

أحمد منصور: كيف؟

مراد غالب: كيف؟ كان يؤمن بالعلم والتكنولوجيا. أهم حاجة عنده التكنولوجيا.

أحمد منصور: كانت عقدته أن الأميركان يسبقونه..

مراد غالب: كانت عقدته زي ما بتقول بالضبط، الأميركان.. يعني أنا..

أحمد منصور: ولذلك فتح الاتحاد السوفياتي في عهده.

مراد غالب: طبعا، أنا لما جاء هنا مصر خروتشوف وشاف واحد بيطلع الهرم، فأنا باقول له شايف الهرم يا رفيق خروتشوف وبتاع.. قال إيه يعني، التكنولوجيا الحديثة تبني لكم زي الهرم ده وأعظم منه. شوف قد إيه بقى، قلت له بس ما تنساش يا رفيق خروتشوف إن هذا مبني من قيمة أربعة آلاف سنة، فطبعا يعني رديت عليه مش سبته..

أحمد منصور: شخصية خروتشوف، كيف كان يدير الدولة؟ وكان رئيس وزراء طبعا.

مراد غالب: خروتشوف كان السكرتير الأول للحزب الشيوعي، وبعدين بقى السكرتير العام للحزب الشيوعي يعني نفس السفرية، بعدين كان بولغانين هو رئيس الوزراء وكان قبلها مالينكوف هو رئيس الوزراء، فطبعا وبعدين هو أخذ بقه رئيس الوزراء ورئيس كل حاجة.

أحمد منصور: هذا التطور كان في فترة 1956، لكن أنا الآن باتكلم عن 1961.

مراد غالب: ما هو 1961 هو كان الرجل الأول. كلمته هي المسموعة.

أحمد منصور: لكن هذا الرجل الأول كان له رؤية تخالف كثير من أعضاء المجلس السوفياتي الأعلى.

مراد غالب:  هو الرجل زي ما قلت لك، كان أهم حاجة عنده science يعني العلم والتكنولوجيا.

أحمد منصور: وهذا كان يعني انفتاحه على الولايات المتحدة.

مراد غالب: وهذا يعني أن كل حاجة لا بد وأن تجند من أجل العلم والتكنولوجيا، بمعنى حتى الحزب لا بد وأن يفصل من جديد حسب العلم والتكنولوجيا.

أحمد منصور: من الأشياء اللي قام بها خروتشوف وقيل إنها يعني ساهمت في القضاء عليه أو محاكمته حزبيا وإبعاده أنه فتح البلاد حتى للموسيقا الغربية، كان بيهتم كثيرا بأن الشعب لا يكون محكوما بالقبضة الشيوعية القاتلة مثل ستالين وغيره؟

مراد غالب: هو فتح فعلا البلد شوية، عمل.. مثلا ديفيليه، يعني عرض الفساتين وخلافه، انفتح برضه.. محلات بقيت تجيب حاجات يعني للشعب السوفياتي ترفيهية إلى حد كبير، ظهرت روايات بتاعة ليس بالخبز فقط و..

أحمد منصور: الروايات اللي كانت ممنوعة سمح بها.

مراد غالب: اللي كانت ممنوعة. طبعا دوستويفسكي..

أحمد منصور: يعني عمل انفتاح داخلي، لأنه لاحظ أن عملية الانغلاق ستقود البلد إلى انفجار أو انهيار كما حدث الآن.

مراد غالب: ما فيش شك أنه كان فتح البلد..

أحمد منصور: لكن هذا لم يكن يلقى ترحيبا ممن حوله؟

مراد غالب: هو بقى، ليه بقى ما بيلقاش ترحيب؟ لأن ده مهم جدا الموضوع ده، لأنه لما قسم الحزب إلى زراعي وصناعي وحسب الـ science وعمل خريطة للاتحاد السوفياتي حسب الناحية الاقتصادية، يعني دمج المناطق في بعضها وخلافه، طبعا ده لم يرض الجماعة اللي فوق يعني اللي معه، لأن ده معناه أنه إيه؟ أنه حيخلي الحزب حيبقى كله نشاط ونشاط علمي ونشاط كذا، وبالتالي مش حيبقى يعني.. مش هو اللي حيحكم بقى.

أحمد منصور: خروتشوف كان الرئيس الوحيد الذي خلع حذاءه ولوح به أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء اجتماعها في سبتمبر 1960، هذا كان يكشف جزء من شخصية خروتشوف، أن زعيم دولة يخلع الحذاء، وأيضا في الاجتماع اللي كان سيحدث في باريس أيضا، أهان الرئيس الأميركي إهانة بالغة وطلب منه الاعتذار بعد أزمة الصواريخ..

مراد غالب(مقاطعا): مش أزمة الصواريخ.

أحمد منصور: طائرة التجسس التي كانت..

مراد غالب: إيوه تمام، بعد طائرة التجسس.

أحمد منصور (متابعا): اسقطوها، وصعد الأمر ووصلت الأزمة إلى قضية الصواريخ، أزمة الصواريخ الكوبية المعروفة. خروتشوف كان بيصعّد وكان بيبين أنه زعيم بيوتر الولايات المتحدة بالفعل.

مراد غالب: شوف هو في عهده الحقيقة، كان الاتحاد السوفياتي في قمة مجده، يعني أول سبوتنيك، أول إنسان في الفضاء اللي هو غاغارين، أول إنسان مشي في الفضاء اللي هو ليونوف، أعظم الصواريخ السوفياتية، فجر أكبر قنبلة هيدروجينية في تاريخ البشر، 50 ميغا طون، وبالتالي كان يستشعر في نفسه أنه قوي، ويستشعر في نفسه أنه هو لا ده ممكن أن يلحق مع أميركا يعني. لكن شوف، هو ساعات كان يبقى في منتهى الرقة وفي منتهى الأخلاق والأدب، حاجة غريبة جدا، وساعات يبقى عنيف تماما، يعني انطلاقاته دي بالضبط زي واحد روسي.

أحمد منصور: كيف بنيت علاقتك الشخصية معه؟

مراد غالب: والله اللغة كان لها تأثير كبير، ولما قابلته أول مرة بعد ما بقيت سفير سألني يعني قعدنا نتكلم سوا على الرحلة بتاعة أنور السادات والحملة اللي نحن عملناها دي. قال لي، أنا عملت لكم إيه علشان تهاجموني بالشكل ده؟ أنا بقى من هنا ورايح قل لي أنت بقى، أنا عايزك تقول لي أنت أتعامل معكم إزاي؟

أحمد منصور: طلب منك أن تحدد العلاق مع عبد الناصر ومصر؟

مراد غالب: آه.

أحمد منصور: وكيف حددت له؟

مراد غالب: قال لي، أنت بقى شوف لي طريقة، هو قال لي شوف لي طريقة، ما هو كنت قاعد معكم، وكنت قاعد أتكلم ببساطة شديدة جدا وبروح صديقة جدا، أقول أنت الاشتراكية (ألف) والشيوعية (ب) وأنتم حتبقوا كذا، يعني كانت قعدة.. فواحد قال لي يعني أنشر الحاجات دي؟ أقول له إيه؟ أقول له لا ما تنشرهاش؟ قلت له انشرها. فنشرها، فقمتم علي. فطبعا حسيت أن، الله، ده من الممكن يعني أن الواحد يعني دول كمان يتأثروا بالهجمات الخارجية وحتى من دولة زي مصر يعني هي تعتبر دولة مهما كانت صغيرة برضه. فالحقيقة قلت له، والله أنا مستعد أن أكون هذا الشخص، إن أنا بينك وبين جمال عبد الناصر.

أحمد منصور: استطعت أن تكسب ثقته؟

مراد غالب: آه، جدا، جدا، أنت لا تتصور.

أحمد منصور: هو هذا جعلك أنت السفير الوحيد الذي يذكره خروتشوف في مذكراته.

مراد غالب:  في كتابه، ما فيش لا غربي ولا شرقي ولا حاجة، أنا فقط، هو كتب علي paragraph واحد يومها على كل حال، مش كتب صفحة يعني.

أحمد منصور: يعني في تاريخ أمة أن يذكر سطر عن شخص ليس من خارجها، ليس منها..

مراد غالب: لكن اللي خلاني يعني أنبسط لأنه في الآخر خالص كتب "وأننا قد كنا نحترمه". دي يعني كان فيها راحة لي.

أحمد منصور: في أوائل مايو 1964 استدعاك وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو وأبلغك أن نيكيتا خروتشوف سيزور القاهرة للاشتراك في احتفالات السد العالي التي حدد لها 14 مايو 1964. أبدأ الحلقة القادمة معك بزيارة خروتشوف إلى مصر. شكرا جزيلا لك، كما أشكركم مشاهدي الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصري الأسبق. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة