تكاليف الحرب المحتملة على العراق   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

د. جمال مظلوم: مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية
أحمد السيد النجار: مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية
القاهرة

تاريخ الحلقة:

26/12/2002

- دراسات تكاليف الحرب المحتملة وتأثيرها على صناع القرار الأميركي
- حجم الخسائر الاقتصادية وتأثيرها على الدول المجاورة للعراق

محمد كريشان: ستون مليار دولار كلفة حرب الخليج الثانية عام 91 ، تحمل حلفاء واشنطن 80% منها، فكم ستكون كلفة الحرب المقبلة ومن سيدفع الفواتير؟ قراءة في تكاليف الحرب المحتملة على العراق بشرياً واقتصادياً.

السلام عليكم ورحمة الله. الاستعدادات السرية والعلنية لحرب محتملة في العراق لن تتوقف عند الأطراف المعنية مباشرة بالانخراط فيها، فقد ذكرت بعض المصادر البريطانية قبل يومين أن الأمم المتحدة بدأت بدورها مؤخراً في إعداد خطة طوارئ سرية للتعامل مع الحرب مع توقع كارثة إنسانية وتشريد زهاء 900 ألف عراقي وإذا كان التفاوت الفاحش في القدرات العسكرية بين العراق والولايات المتحدة لا يترك بالتأكيد مجالا للشك في نتيجة الحرب إلا أنه في المقابل يفتح الباب أمام الكثير من الشك حول حجم التكلفة الإجمالية لمثل هذه الحرب وخسائر الجانب الأميركي فيها، فواشنطن تحيط أمر التكلفة بالقليل من المعلومات والكثير من الغموض تخوفاً من فقدان الدعم لمشروع الحرب المحتملة.

لكن ذلك لم يمنع مجموعة من أبرز الباحثين الأميركيين في الشؤون العسكرية والاقتصادية أن تأخذ على عاتقها محاولة وضع النقاط فوق الحروف بإنجاز دراسة حول هذه الحرب وتكاليف سيناريوهاتها المختلفة صدرت عن الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم، عبد السلام أبو مالك يقلب صفحات الدراسة مبرزاً أهم معطياتها.

دراسات تكاليف الحرب المحتملة وتأثيرها على صناع القرار الأميركي

عبد السلام أبو مالك: قليلة هي الدراسات التي نُشرت حتى الآن عن كلفة الحرب على العراق، والدارستان الصادرتان عن لجنة الموازنة بمجلس النواب ومكتب الموازنة في الكونجرس لا تقدمان تقديرات لتكاليف حرب مطولة وانعكاساتها على المنطقة، وتحاول الدارسة التي أعدتها الأكاديمية الأميركية للعلوم والفنون ملء هذه الفجوة، فهي تقدم ملخصاً لمواقف طرفين مختلفين، واحد متفائل يرى أن الحرب ستكون رخيصة وأن النتائج ستكون إيجابية، والآخر متشكك يرى أن الحرب ستكون أكثر كلفة مما تتوقعه إدارة الرئيس (جورج بوش) وأن نتائجها ستكون أكثر سلبية منها إيجابية ويمكن إيجاز التفاصيل الكثيرة التي أسهبت الدارسة في تناولها في سيناريوهات ثلاث:

سيناريو النصر السريع الذي سيكون مشابهاً لحرب الخليج الثانية وحرب كوسوفو وحرب أفغانستان، وهذا السيناريو يتوقع استمرار القصف الجوي والمعارك البرية من ثلاثين إلى ستين يوماً، يتلوها شهران أو ثلاثة من الوجود الأميركي في العراق في مرحلة ما بعد النصر، ويُقدر عدد الضحايا من الجانب الأميركي بنحو 150 قتيلاً فيما تقدر الكلفة المادية بحوالي 50 مليار دولار.

أما السيناريو الثاني فهو سيناريو الحرب المطولة ويقوم على ثلاث احتمالات:

الأول: تبني القيادة العراقية لاستراتيجية توريط القوات الأميركية في حرب مدن.

والثاني: إمكانية استخدامها الأسلحة غير التقليدية.

والاحتمال الثالث: توسيعها لرقعة الحرب خارج الأراضي العراقية عن طريق قصف صاروخي لإسرائيل أو بعض الدول العربية المجاورة ويُتوقع أن يصل عدد الضحايا إذا استمرت حرب المدن لفترة طويلة نسبياً ما بين 5 آلاف إلى 10 آلاف جندي وعدد الجرحى ما بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف هذا الرقم.

أما السيناريو الأخير فهو سيناريو ما بعد الحرب الذي يتنبأ بظهور المشكلات الحقيقية بعد انقشاع غبار المعركة، وتخصص الدارسة جزءً كبيراً للحديث عن الآثار الاقتصادية التي تبدو التوقعات بشأنها متضاربة بشكل كبير، فهي تتحدث عن انخفاض في إنتاج النفط العالمي إلى سبعة ملايين برميل يومياً وعجز في الإمدادات النفطية يستمر عاماً ونصف، وارتفاع حاد لأسعار النفط قد يصل إلى 75 دولاراً للبرميل الواحد، بينما تذهب توقعات أخرى إلى انخفاض في سعر البترول إلى عشر دولارات للبرميل الواحد، وهذا الافتراض الأخير لا يضع في الحسبان نهاية سريعة للحرب فقط بل إعادة بناء المنشآت النفطية العراقية وتحديثها ورفع إنتاجيتها.

لكن السيناريو الذي تخشاه الإدارة الأميركية هو بروز مجموعة من النتائج غير المتوقعة، خاصة إذا طال أمد الحرب وأسفرت عن ضحايا في صفوف المدنيين وتدمير جزء كبير من البنية التحتية النفطية العراقية، ما قد يؤدي إلى ظهور مقاومة مسلحة وانتقاد دولي واسع، كما أن واشنطن تشعر بالقلق إزاء ارتفاع تكاليف الحملة العسكرية إذا خاضت الحرب دون تفويض من الأمم المتحدة أو بدون دعم دولي واسع، ويعتقد المحللون أن كلفة الحرب ليست في حدود استطاعة الولايات المتحدة بعد التكاليف الباهظة التي تحملتها حتى الآن في حربها على أفغانستان وانتشارها العسكري في الفلبين ومناطق عديدة من العالم.

محمد كريشان: سيناريوهات الحرب كما جاءت في الدراسة التي أصدرتها الأكاديمية الأميركية للعلوم والفنون لكن لا شك أن لأي حرب مفاجآت تتجاوز كل التوقعات، لمعرفة المزيد عن مضاعفات الحرب المحتملة ضد العراق، داخله وخارج معنا من القاهرة اللواء جمال مظلوم (المستشار بمركز الخليج للدراسات الاستراتيجية)، حضرة اللواء في البداية في مجال التخطيط للحروب إلى أي مدى مثل هذه الدراسات لها تأثير على صاحب القرار؟

د. جمال مظلوم: هو لاشك طبعاً إن لو برزت على سبيل المثال التكلفة العالية ممكن صاحب القرار يعيد حساباته وإحنا برضو لازم نحط في الاعتبار إن الرأي العام الأميركي والإدارة الأميركية مهيأة الشعب الأميركي لمثل هذه الحرب بالعديد من تكرار إن هو يعني دولة بتمتلك أسلحة تدمير شاملة، دولة بتهدد جيرانها في المنطقة، دولة يعني بتعتبرها من الدول اللي هي محور الشر زي ما قال الرئيس بوش في بداية العام الحالي 2002.

محمد كريشان: نعم، ولكن هل اكتشاف الرأي العام الأميركي بأن موضوع التكلفة سيكون عالياً بمعنى من حيث عدد الضحايا، من حيث ارتفاع أسعار النفط، من حيث إمكانية ركود اقتصادي، من حيث أن تصبح أميركا أكثر.. منبوذة أكثر في العالم، هل هذا يمكن أن يؤثر كرأي عام؟

د. جمال مظلوم: ممكن يؤثر برأي عام بس اللي عايز أقوله لحضرتك برضو إن هذه الدراسة التي نشرت ما تقدرش تعكس بدقة التكلفة المتوقعة لهذه الحرب، ليه؟ لأن إحنا بنتكلم في علم الغيب، التقديرات قالت إن هي الحرب قد تستمر شهر أو اتنين، إنما يمكن الحرب تزيد عن هذه المدة.

النقطة الثانية: إن ممكن هذه الحرب زي ما جه في التقرير تتسع رقعتها، وزي ما بتتوقع إسرائيل وزي ما توقعوا وإيهام إن العراق بيمتلك أسلحة تدمير شامل وقد يمتد أو يحاول يوسع الحرب لدول قد تكون في دول الخليج أو لإسرائيل، فبالتالي إحنا ما نقدرش نحكم على هذه التقديرات، التقديرات اللي قالتها الولايات المتحدة الأميركية كمان كانت يعني محددة بالدرجة اللي هي.. يعني الجانب الأميركي فقط للتكلفة للميزانية بتاعتها، إنما ما حطش في اعتبارها اعتبارات أخرى بتُضاف إلى تكلفة هذه الحرب، يعني حتى لو قلنا إن هي الحرب هتزيد عن فترة الشهرين على الأقل كان لازم هتزيد هذه التكلفة لو قلنا فترة تواجد القوات داخل الأراضي العراقية زي ما هو يتوقع ساعات بيتقال سنة، ساعات بيتقال اتنين إلى أن تتمكن الولايات المتحدة الأميركية لإيجاد الحكومة المتوقعة أو لإحداث الاستقرار ومنعاً من وجود أي مشكلات داخلية داخل العراق.

محمد كريشان: نعم، هو فعلاً دكتور الدراسة ركزت على الخسائر أو التكلفة المحتملة أميركياً أغفلت بقية العناصر، برأيك هل هذا الإغفال.. وأهملت كذلك العنصر البشري في التكلفة، هل برأيك هذا الإهمال إهمال مقصود أم أنه لا يعنيها في النهاية، لأنها تهتم بمصالحها تحديداً؟

د. جمال مظلوم: لأ طبعاً هي بتحاول بقدر الإمكان أنا بأقول لحضرتك وبأؤكد إن هي بتحاول إيهام إن هي يعني الخسائر مش كبيرة بالدرجة الكبيرة، يعني هم في البداية النهارده، التقرير اللي ذُكر دلوقتي في الوقت الحاضر، قال إن تكلفة الحرب من 48 إلى 60 مليار دولار ودراسات أميركية سابقة قالت إن الحرب قد تصل تكلفتها إلى مائة.. إلى 200 مليار دولار، والولايات المتحدة الأميركية طبعاً بتحاول التصور إن هي هتعوض من هذه التكلفة اللي هتتحملها الميزانية الأميركية واللي هيتحملها الشعب الأميركي عن طريق الاستفادة من الإمكانيات الهائلة المتوفرة لدى العراق من النفط اللي هي هتعوضه هذه التكلفة، يعني إحنا نقول.. لو قلنا إن هي حددت في البداية قبل كده 100 إلى 200 مليار، إن هي لا شك إن هي علشان تتحمل هذا المبلغ إن هي تتوقع عائدات أكتر مما هي متصورة أو بالتالي يكون لهذه الحرب عملية يعني مُربحة بالنسبة للجانب الأميركي.

محمد كريشان: ولكن إذا أخذنا بالاعتبار ما ورد في التقرير بأن رفع البترول.. برميل النفط سيرتفع إلى 75 دولار، ثم ينزل إلى عشرة، بمعنى إذا استمر الوجود الأميركي أو طالت الحرب رقم عشرة دولارات سيجعل الحسابات مرتبكة يعني.

د. جمال مظلوم: عايزين نقول لحضرتك حاجة يعني، هو التوقعات دي برضو إحنا لازم نقولها تقديرية، المحللين بيتوقعوا إن في الفترة الأولانية من الحرب هترتفع أسعار البترول زي ما ورد في التقرير إن هيقل الضخ أو المصدر بحوالي 7 مليون برميل اللي هو على الأقل الإنتاج العراقي في الوقت الحاضر اللي هو حوالي مليون وكسر ونتوقع إن منطقة الخليج هتكون منطقة توتر، وقد يتصاعد فيها الصراع، فبالتالي هيقل تصدير البترول سواء كان من الكويت سواء كان من السعودية أو دول الخليج الأخرى وممكن نتوقع من إيران، فعشان كده جه في التقرير قال إن هم فيه على الأقل هيبقى قلة في الإنتاج حوالي 7 مليون برميل، إحنا نقول الـ7 مليون برميل من إجمالي حوالي 68 مليون برميل هو إجمالي الصادرات والاستهلاك العالمي من البترول، فلا شك إن هذه الكمية هتكون يعني مؤثرة.

والنقطة الثانية: إن إحنا بنقول إحنا مش عارفين مدى أو النهاية بتاعة الحرب هتكون أيه، برضو فيه احتمال سيناريو أسوأ بيتوقع إن ممكن لو حصل فيه هزيمة للعراق شديدة ممكن إشعال آبار البترول زي ما حدث في الكويت، فبالتالي لاشك إن ده هيكون له تأثير كبير على إعادة إصلاح هذه الآبار وإعادة ضخ البترول منها وإعادة تصديرها، ودا بالتالي هياخد وقت، فهو زي ما جاء في التقرير فعلاً إن إحنا متوقعين في البداية ارتفاع أسعار البترول إنما في المقابل بيتوقع إن في إمكان إحكام سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على العراق وبتروله إن العراق حالياً بينتج مليون وكسر النهارده ممكن يعود إلى ما كان سنة.. قبل 90 كان بينتج حوالي 3 مليون برميل وبتتوقع زيادة استغلال أكتر، لأنها تصل إلى 6 مليون برميل، فعشان كده نقول إنه بيتوقع بسيطرة الولايات المتحدة الأميركية على بترول العراق إن هي تصل إلى إن هو تستغل هذا الظروف في أن هي تتحكم في خفض أسعار البترول، على اعتبار إن حملة أفغانستان حققت للولايات المتحدة الأميركية سيطرة على منطقة بترول بحر قزوين وهنا منطقة الخليج وبيتوقع بإمكانية سيطرة الولايات المتحدة أو محاولتها التغلغل داخل الدول الإفريقية في الوقت الحاضر لما يتوقع لها برضو من كميات هائلة من البترول، فبالتالي بتحكم سيطرة الولايات المتحدة على الإنتاج العالمي للبترول وتضخ الكمية اللي هي عايزاها وتحاول -على الأقل- إن هي تؤثر تأثير كبير على منظمة أوبك اللي هي بتحاول المحافظة على التوازن ما بين الأسعار والإنتاج.

محمد كريشان: نعم، إذا أردنا أن نقارن التكلفة المحتملة بتكلفة حرب الخليج عام 91، حرب الخليج الثانية، في الدراسة الأميركية من بين عشر حروب خاضتها الولايات المتحدة حرب الخليج الثانية كانت الأقل تكلفة مالياً وبشرياً، هل هذا أيضاً وارد حتى في الحرب المحتملة؟ بمعنى تكلفة أقل من المتوقع؟

د. جمال مظلوم: حضرتك إحنا لازم أولاً نحط في اعتبارنا إن كل حرب بتزيد تكاليفها عن الحروب السابقة، ما فيش حرب بتُجرى بتكلفة أقل، لأبسط شيء هو متوسط الأسعار العالمي في كل حاجة بتزداد.

النقطة الثانية: إن الولايات المتحدة الأميركية في حربها اللي هي الدراسة دي قارنت التكلفة بتاعة الحرب المتوقعة مع تكلفة حرب الخليج السابقة عام 91، الأمور بتختلف تمام الاختلاف لأن كان هدف الولايات المتحدة الأميركية في ذلك الوقت هو تحرير الكويت، فبالتالي ما دخلتش في المناطق كثيفة السكان، إنما الأمور النهارده بتختلف إن الولايات المتحدة الأميركية بتحارب في منطقة واسعة أكتر، متوقع إن يبقى فيه مقاومة، لأن طبعاً العراق تعداد السكان كبير ولا شك إن هو الهدف بتاع الولايات المتحدة الأميركية، بتغيير النظام داخل العراق معناه إن هي لازم هتحاول الوصول إلى العاصمة بغداد بقدر الإمكان أو اللي هي لإحكام سيطرتها على العراق بالدرجة اللي هي تجبر حكام العراق على.. زي ما بنقول يا يسلموا يا إما هم مثلاً يصل إلى أي حل تاني، إنما المهم الأمور بتختلف لأن العراق فيها كثافة سكانية، قد يمتد القتال، وزي ما جه في التقرير إنه قد تصل الأمور لأسوئها في القتال داخل المدن، القتال داخل المدن معناه هياخد وقت أكتر، معناه هيبقى فيه خسائر أكتر، فبالتالي لا نقارن ما حدث في حرب الخليج الثانية بما قد يتوقع إن هو يحدث في الحرب المقبلة، إنما هذه الدراسة حاولت الاسترشاد بقدر الإمكان بالمقاييس اللي كانت موجودة في حرب الخليج الأولى، سواء كان في الخسائر البرية، وسواء كان في خسائر المعدات.

محمد كريشان: نعم اللواء جمال مظلوم، شكراً..

جمال مظلوم: يعني خدت..الاحتمال الـ..

محمد كريشان: شكراً.. شكراً جزيلاً لك لواء مظلوم، شكراً جزيلاً.

بعد الفاصل: حجم الأضرار الاقتصادية وتأثيراتها على الدول العربية المجاورة والدول التي تربطها اتفاقيات تجارة حرة مع العراق.

[فاصل إعلاني]

حجم الخسائر الاقتصادية وتأثيرها على الدول المجاورة للعراق

محمد كريشان: خسائر الحرب المحتملة على العراق لن تلحق فقط بهذا البلد، بل ستمدد آثارها لتشمل بلداناً أخرى مجاورة، والخسائر على مستويات مختلفة قد تكون أفدح من الحديث عنها بالأرقام، فمن الأردن الذي قد يواجه مخاطر عدم الاستقرار داخلياً إذا ما نشبت الحرب وطال أمدها، إلى بعض دول الخليج العربية التي تواجه ضغوطاً مكثفة في الآونة الأخيرة قد تستهدف تغييرها أو على الأقل تغيير معادلة الحكم فيها وتداوله إلى بعض الأطراف الدولية الكبرى ذات الصلة بالمسألة العراقية، كالاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وما بين خسائر هذه الدولة أو تلك في منطقة يختلط فيها النفوذ ومكاسبه تبدو الساحة مفتوحة على مختلف الاحتمالات.

زياد بركات يستعرض في التقرير التالي الخسائر المادية التي ستلحق ببعض الدول جرَّاء الحرب المقبلة.

تقرير/ زياد بركات: لا تفتح احتمالات الحرب المحتملة على العراق باب الجحيم على بغداد وحسب، بل إن لظى نيرانها إذا اشتعلت سيحرق أصابع الكثيرين في المنطقة، فبعض الأنظمة العربية التي تواجه مخاطر جدية بالتغيير بزعم مسؤوليتها غير المباشرة عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر ستواجه أيضاً أضراراً وخسائر اقتصادية فادحة في حال بدأت آلة الحرب بالدوران، بل إن بعض المحللين الاقتصاديين يرى أن الانعكاسات السلبية للحرب لن تنحصر في منطقة الصراع، بل ستشمل مختلف دول العالم بدرجات متفاوتة، وهم يرون أن الضرر سيلحق بمصالح 75 دولة على الأقل، وبنظرة عجلى إلى الدول المجاورة للعراق يتبين أن الأردن وتركيا وروسيا ستتقدم موكب الخاسرين من الحرب المحتملة، فالحرب في حال نشوبها ستحرم الأردن من منحة عراقية سنوية تقدر بنحو 300 مليون دولار، يتلقاها على شكل واردات نفطية مجانية، إضافة إلى حرمانه من الأسعار التفضيلية لبقية مستورداته النفطية من العراق، وهي أسعار كانت تجعل الأردن يتزود باحتياجاته النفطية بنحو ثلث سعرها في الأسواق العالمية، وإذا أضفنا إلى ذلك خسائر الأردن من جرَّاء الحصار المفروض على العراق بعد غزو الكويت وتقدَّر بنحو مليار دولار سنوياً، فإن هذا يؤكد الرأي القائل أن الأردن سيكون الخاسر الثاني من الحرب بعد العراق، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحرب المحتملة ستسهم في زيادة نسبة البطالة في الأردن التي تقدرها الحكومة بـ 14% لتصل إلى 20%، وذلك كنتيجة شبه حتمية لاحتمال إغلاق بعض المصانع نظراً لارتفاع كلفة تشغيلها.

وفيما يتعلق بتركيا التي ستكون أراضيها إحدى قواعد الانطلاق في الحرب المحتملة فإن بعض المسؤولين يؤكد أن خسائر هذه الدولة ستبلغ نحو 150 مليار دولار على مدى الأعوام الـ12 المقبلة، ورغم أن رقماً كهذا يبدو مبالغاً فيه إلا أن تركيا تعتزم طلب مساعدة من واشنطن تقدر بنحو 25 مليار دولار ثمناً لتعاونها العسكري ضد العراق، وكذلك إعفائها من ديون تقدَّر بنحو 5 مليارات دولار.

وإذا كان هذه هو شأن الأردن وتركيا، فإن الوضع يبدو كارثياً بامتياز فيما يتعلق بروسيا، التي يبلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين العراق 7 مليارات دولار، فالحرب المحتملة ستفتح الباب لشركات النفط الأميركية لدخول العراق، وستحرم موسكو تالياً من صفقة القرن التي تقدر قيمتها بنحو 40 مليار دولار، وكان الجانبان الروسي والعراقي يعتزمان إبرام هذه الصفقة التي تشمل تعاوناً مكثفاً وواسعاً يتمركز حول صناعة النفط والغاز والنقل والمواصلات.

ولا يختلف الأمر كثيراً في خصوص فرنسا والصين.

أما بالنسبة لمصر وسوريا فإن خسائرهما فادحة أيضاً فهما أبرمتا مع بغداد في يناير من العام الماضي اتفاقيات واعدة للتجارة الحرة، كان من شأنها زيادة حجم التبادل التجاري بين كل منهما وبين بغداد إلى نحو مليار دولار سنوياً، وفي حال نشوب الحرب التي تحوم أشباحها في سماء المنطقة فإن القاهرة ودمشق إضافة إلى دول عربية أخرى أبرمت اتفاقيات مماثلة ستخسر موارد كبيرة كانت في حكم المؤكدة.

أما على ضفاف الخليج العربي مسرح الحدث الدامي المقبل فإن الصورة تبدو معتمة أكثر، فانطلاقاً من تجارب حربي الخليج الأولى والثانية ستكون المنشآت النفطية هدفاً مرجحاً في الحرب المقبلة، فماذا لو نجح الرئيس العراقي بإشعال النيران في بعض حقول النفط الكويتية والسعودية، وهو احتمال لا يستبعده المحللون؟ وماذا لو كانت لديه حقاً وكما تزعم واشنطن أسلحة دمار شامل؟ وماذا لو استخدمها ضد بعض دول المنطقة؟ إذَّاك ستكون الخسائر أفدح من الحديث عنها بالأرقام أو حتى مئات المليارات من الدولارات.

محمد كريشان: الآثار الاقتصادية لأي حرب محتملة على العراق وانعكاساتها السلبية على دول الجوار سنتابعها مع الباحث الاقتصادي أحمد السيد النجار (رئيس تحرير التقرير السنوي للاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة).

دكتور، على الأقل الأميركيين أعدوا تقاريرهم، هل أعد العرب بعض التقديرات إن كانت رسمية أو غير رسمية؟

أحمد السيد النجار: على الصعيد الرسمي لا أعتقد، أو لم يصدر حتى الآن تقديرات تتعلق بالخسائر التي يمكن أن يمنى بها العرب أو البلدان العربية من جرَّاء الحرب، لكن على الصعيد غير الرسمي هناك بعض الدراسات، في الحقيقة انخفاض سعر برميل النفط بدولار واحد، يعني خسارة البلدان العربية لستة مليارات دولار، يعني خسارة المملكة العربية وحدها لحوالي 2.7 مليار دولار، إذاً .. إذا كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية من غزو العراق.. من احتلاله كقوة استعمارية جديدة بالفعل يعني بهذا النمط من السلوك، سيكون هناك هدف محدد وواضح، وهو تحويل العراق إلى منتج مرجِّح لسوق النفط، تخفيض أسعار النفط إلى أدنى مستوى ممكن وملائم للمصالح الاقتصادية الأميركية، وهو يتراوح بين 10، 15 دولار للبرميل، عند هذا المستوى سيخسر العرب إذا كان المستوى الحالي لأسعار النفط هو 28 دولار للبرميل، إذا كان من الممكن الحفاظ على هذا المستوى من خلال آلية الحفاظ على أسعار النفط داخل أوبك، هذا يعني أن الانخفاض من 28 لـ15 دولار سيعني انخفاض عائدات البلدان العربية بنحو 78 مليار دولار في العام الواحد، هذا عنصر أول.

العنصر الثاني هو خاص بالسياحة، لأن بالفعل في منطقة متوترة ومضطربة وليس معلوماً إلى متى سيستمر هذا التوتر وإلى.. ومتى سيتوقف، من البديهي أن عنصر الأمان هو العنصر الأول لتدفق حركة السياحة لأي منطقة في العالم، بالتالي سينخفض، ستنخفض حركة السياحة وستضرر.. ستتضرر البلدان الرئيسية في المنطقة العربية المستقبلة للسياحة، وحتى البلدان المجاورة مثل تركيا كبلد مستقبل رئيسي للسياحة، باعتباره بيستقبل سنويا حوالي عشر ملايين سائح، وبعائد ضخم حوالي 7.5 مليار دولار، هناك أيضاً..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن هل.. هل يعني عفواً.. يعني عفواً هل واضح الآن مدى مساهمة الدول العربية في تحمل تكلفة العمليات العسكرية في حد ذاتها؟

أحمد السيد النجار: حتى الآن لم تعلن.. لم يعلن أي شيء، إذا كانت حرب الخليج الثانية قد ساهمت فيها البلدان العربية، لأنه كان هناك هدف واضح ومشروع، كانت التكلفة واضحة أيضاً، وأعلنت عنها الدول العربية التي ساهمت في تحمل تكلفة حرب الخليج الثانية، أما هذه الحرب فبالفعل هي ليس هناك دول تعلن حتى إذا كانت تشارك بالفعل بأي شيء من تكاليف هذا الحرب لا تعلن، أيضاً الدولة الرئيسية في الحقيقة في منطقة الخليج وهي المملكة العربية السعودية اتخذت موقفاً واضحاً برفض العدوان الأميركي على العراق باعتباره عمل استعماري بالفعل طالما أن العراق يتجاوب مع فرق التفتيش الدولية، وطالما أن حتى الآن لم يثبت أي شيء فيما يتعلق بامتلاكه أو حيازته لأسلحة دمار شامل أو برامج تسلح..

محمد كريشان: نعم، سيد النجار يعني إذا كانت..

أحمد السيد النجار: إذا كانت هناك ضربة أخرى..

محمد كريشان: يعني عفواً.. يعني عفواً يعني إذا كانت الولايات المتحدة عمدت في بعض القضايا المشابهة إلى نوع من الرشوة الاقتصادية بين قوسين، هل هناك بعض الدول التي استعرضها التقرير وتعاني صعوبات، وستعاني أكثر الصعوبات يمكن استدراجها ببعض المزايا الاقتصادية إذا ما شاركت أو على الأقل لا تمانع؟

أحمد السيد النجار: هي تركيا بالتحديد، يعني ليست دول عربية، لكن تركيا بالتحديد كانت هناك إشارة منذ بدء ما يسمى بالحملة الأميركية ضد الإرهاب في أفغانستان، وعد بإسقاط ديون قيمتها 5 مليارات دولار، ديون عسكرية قيمتها 5 مليارات دولار، وفد الكونجرس الأميركي عندما زار تركيا بعد بدء الحملة مباشرة وعد بإسقاط تلك الديون، أيضاً ربما تكون هناك وعود أخرى غير معلنة، لكن أيضاً الولايات المتحدة الأميركية سهَّلت حصول تركيا على 16 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لمساعدة اقتصادها في أزمته التي يعاني منها منذ عامين.

بالنسبة للبلدان العربية من الصعب.. بالنسبة للبلدان الكبيرة مثل مصر أو غيرها أن نقبل بأي شكل من الأشكال بمثل هذه المساومة، لأنها تدرك أن ما تفعله الولايات المتحدة الأميركية هو بالفعل عمل استعماري ضد مصلحة وضد مستقبل البلدان العربية قاطبة، ومن يشارك في هذا العمل في الحقيقة على الصعيد الاقتصادي هو بالفعل يشارك في هدم هذا المستقبل.

محمد كريشان: نعم، التقرير الأميركي الذي استعرضناه في بداية الحلقة أشار أنه إذا بقى مائتا ألف جندي أميركي في العراق، وهو احتمال وارد حسب التقرير، فذلك يعني ميزانية سنوية بـ10 مليار دولار، وهناك رقم ربما يقول بين 1.4 مليار دولار شهرياً تكلفة البقاء لهذه القوات، في هذه الحالة هل الدول العربية مدعوة إجبارياً –إن صح التعبير- للمساهمة؟

أحمد السيد النجار: أعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية لن تحتاج إلى أي مساهمة عربية إذا نجحت –لا سمح الله ولا قدر يعني- في احتلال العراق، سواء حكمه بشكل استعماري مباشر أو إقامة حكومة عميلة لها، لأنه ستربح أرباحاً هائلة من نفط العراق، لنرى أن الولايات.. لنستعرض الولايات المتحدة الأميركية تستورد الواردات الصافية من النفط 10.8 مليون برميل يومياً، هذا يعني أن انخفاض سعر برميل النفط دولار واحد فقط يعني ربح الولايات المتحدة لأربع مليارات دولار سنوياً، وبالتالي إذا استخدمت نفط العراقي في تخفيض أسعار النفط إلى مستويات 15 دولار للبرميل أو 10 دولارات للبرميل، ستربح ما يتراوح بين 40، 52 مليار دولار سنوياً من انخفاض فاتورة مدفوعات النفط الأميركية، وبالتالي هي لن تحتاج، والأمر سيتطور إلى أكثر من ذلك كثيراً في المستقبل، لأن الواردات الأميركية ستتزايد بشكل مطرد، يعني خلال عشر سنوات أو بعد عشر سنوات سترتفع إلى.. إلى قرابة 17 مليون برميل، لأن بمعدل الإنتاج الراهن للولايات المتحدة الأميركية من نفطها الخاص سيكون، ستكون كل احتياطاتها قد استنفذت بحلول أو بعد عقد قادم، وبالتالي ستتزايد وارداتها ستتزايد أرباحها.

محمد كريشان: نعم، بالطبع التقرير الأميركي أشار فقط إلى التكلفة البشرية فيما يتعلق بالجنود الأميركيين فقط، ماذا عن التكلفة البشرية والإنسانية فيما يتعلق بالعراق؟ هل هناك تقديرات ولو أولية ولو عامة؟

أحمد السيد النجار: يعني هو الحقيقة المنطق في مسألة ذكر التكاليف البشرية الأميركية منطق عنصري أن ما يهم الولايات المتحدة الأميركية هو الجنود الأميركيون، وكأن الآخرون ليسوا بشراً، لكن حتى الآن فيما يتعلق بالتكلفة البشرية بالنسبة للعراق هذا يتوقف على نمط الحرب، إذا كان قصفاً عن بعد لوقت طويل ثم محاولة اجتياح العراق وتحقق ذلك بشكل سهل أو سريع -وهذا مستبعد- ستكون التكلفة محدودة، لكن إذا خاض العراقيون حرب مدن في الحقيقة في مواجهة القوات الأميركية أعتقد أن التكلفة ستكون هائلة، لأن الولايات المتحدة الأميركية أثبتت أنها لا تهتم بالحقيقة بحياة البشر من الشعوب الأخرى، وما فعلته في أفغانستان بحفلات عرس أو غيره يثبت أنها بالفعل لا تقيم وزناً بحياة البشر طالما أنهم ليسوا أميركيين.

محمد كريشان: دكتور أحمد سيد النجار، شكراً جزيلاً لك.

وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة التي حاولنا أن نستعرض فيها بعض التكلفة كما وردت في تقرير أميركي، وما يمكن أن تستشف من بعض التقديرات العربية، فإلى أن نلتقي في حلقة قادمة، دمتم في حفظ الله، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة