النفس وأمراضها   
الثلاثاء 4/4/1430 هـ - الموافق 31/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:39 (مكة المكرمة)، 12:39 (غرينتش)

- معاني النفس والأنفس في القرآن الكريم
- أمراض النفس وعللها وسبل علاجها
- أخلاقيات النفس وسبل المحافظة عليها

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا ومرحبا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {
...إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[يوسف:53]، لا تخلو نفس من النفوس من أثقال لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى تعمق في معرفة عللها وأسبابها ثم إلى تشمير لعلاجها وإصلاحها {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[الشمس: 9، 10]، وللنفوس مراتب ودرجات تترقى فيها كما أن أشكالها تختلف باختلاف الأجساد التي تحملها والأرواح التي تسكنها، ويعرض للنفس من الأمراض مثلما يعرض للأبدان، فعن أي نفوس تحدث القرآن الكريم؟ وما أمراضها؟ وكيف وصف القرآن العلاج؟ النفوس وأمراضها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

معاني النفس والأنفس في القرآن الكريم

عثمان عثمان: بداية لفظ النفس جاء في مواضع عديدة من القرآن الكريم، هل للنفس معنى واحد أم أن لها معاني متعددة؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فقبل أن أجيب عن سؤالك يا أخ عثمان أريد أن أرحب بقادة الأمة العربية في قمتهم في قطر وفي الدوحة متمنيا لهم إقامة طيبة وداعيا الله تبارك وتعالى أن يوفقهم إلى قرارات صائبة وحاسنة على مستوى الأمة التي يمثلونها وعلى مستوى التحديات التي يواجهونها وعلى مستوى طموحات الجماهير العربية في المشرق وفي المغرب من هذه القمة، نسأل الله عز وجل أن يوفقهم إلى حل النزاعات بين العرب بعضهم وبعض في النزاعات الداخلية في فلسطين وفي السودان وفي الصومال، وأن يوفقهم أيضا في مسألة قضية الرئيس عمر البشير الذي لا يمثل نفسه في هذه القضية لا يمثل كرامته الشخصية أو كرامة السودان بل كرامة الأمة العربية، إذا كان هناك من يحاكمه الأمة تحاكمه ولكن لا يأتي من يحاكمنا من خارج بلادنا هؤلاء الذين يعني تركوا الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا في الفساد الذين ظلموا وطغوا وأفسدوا وسفكوا الدماء وخربوا الديار لم يلتفت إليهم أحد ولم يقل أحد فيهم كلمة واحدة، فهؤلاء الذين يعاملون البشر بمعايير مزدوجة نحن في غنى عن محاكمتهم وعن محاكمهم. أسأل الله عز وجل أن يوفق القادة إلى جمع الكلمة إلى الاتحاد على كلمة سواء، الاتحاد يقوي القلة والاختلاف يعني يضعف الكثرة، الله تعالى يقول {..وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...}[الأنفال:46]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" نسأل الله عز وجل لهم السداد والتوفيق في قمتهم. أما سؤالك يا أخ عثمان عن النفس في القرآن الكريم، أولا كنت أحب الحقيقة أن يكون العنوان الأنفس بدل النفوس لأن القرآن لم يستعمل كلمة النفوس لأن استعمل جمع بهذه الأفعل وليس على وزن فعول، يعني {.. أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ...}[الإسراء:7]، {... قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ...}[آل عمران:165]، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ...}[الزمر:42]، {...لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ...}[الرعد:11]، وهكذا فكنا نستعمل الأنفس يعني كما استعملها القرآن. النفس تستعمل في القرآن بمعان عدة، أحيانا تستعمل النفس الكيان الإنساني كله يعني حينما يقول الله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا...}[البقرة:286] يعني لا يكلف الله شخصا إنسانا إلا ما في وسعه، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[النحل:111]، هذا المراد بالنفس الإنسان من حيث هو الإنسان {...وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ...}[لقمان:34]، وأحيانا يراد بالنفس ما يقابل الجسم الإنسان في جسمه في نفس ولا يموت إلا إذا زهقت نفسه بمعنى الروح الحيوانية اللي بها يحيا الإنسان ويموت قل{...وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ...}[التوبة:55] يعني تطلع روحهم يعني، فالنفس بمعنى الروح وهي التي يعني {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا...}[الزمر:42] ففي وفاة كلية وفي وفاة جزئية عند النوم غيبوبة النوم هذا نوع من الموت كما قال بعضهم النوم موت خفيف والموت نوم ثقيل أو النوم موتة صغرى والموت نومة كبرى {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ...}[الأنعام:60]، وأحيانا يراد بالنفس يعني مركز المشاعر والإحساسات والإرادة والوجدان أشبه بما يسمى في عصرنا الضمير، الضمير ده أحيانا يكون حيا وأحيانا يكون ميتا أحيانا يكون ضميرا سليما وأحيانا يكون ضميرا سقيما وأحيانا يكون قويا وأحيانا كذلك يعني النفس، فهذه كلها استعمالات يعني قرآنية.

عثمان عثمان: ذكرت فضيلة الدكتور الله يتوفى الأنفس يعني نجد أن القرآن الكريم نسب الوفاة والبعث إلى النفس، لماذا؟

يوسف القرضاوي: لا، مش دائما، لا، هذا أحيانا يقول النفس يعني ولكن أحيانا {..قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}[يس:78]، أحيانا يعني للنفس وأحيانا للجسد نفسه {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ}[القيامة:3]، ولذلك حتى علماء الكلام مختلفون هل البعث عن عدم أو عن تفريق؟ يعني هل يحيي الإنسان من عدم بيخلق شخصية أخرى وإلا هي الشخصية القديمة نجمع عظامه؟ {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}[ق:4]، فيه الخلاف فهذا ما هو موجود وكلمة كما قلنا نفس مش معناها كل نفس زي عند كل واحد حيذوق الموت، ويعني كما الله عز وجل..

عثمان عثمان (مقاطعا): {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}[الرحمن:26].

يوسف القرضاوي (متابعا): {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدثر:38]،وقال كل امرئ بما كسب رهينة، فكلمة نفس يعني إنسان يعني شخص.

عثمان عثمان: ولكن في القرآن الكريم فضيلة الدكتور وردت النفس اللوامة، النفس المطمئنة، النفس الأمارة بالسوء، النفس المرضية، يعني وهناك ما سماها مراتب النفس أو درجات ترقي النفس، كيف نوضح ذلك؟

يوسف القرضاوي: بعض الناس بيسميها أحوال النفس يعني هي نفس واحدة ولكن النفس هذه أحيانا ترقى من حالة إلى حالة، النفس إذا تركت وحدها هي أمارة بالسوء يعني الإنسان إذا تُرك لغرائزه سماه القرآن ظلوما جهولا {..إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[الأحزاب:72] إنه كان ظلوما إن الإنسان لظلوم كفار {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}[العاديات:6]، {... وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً}[الإسراء:11]، {...وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}[الكهف:54] فالإنسان لو تُرك لوحده بصفاته هذه تذهب به بعيدا، ولكن الله سبحانه وتعالى ركب الإنسان تركيبا معقدا، الإنسان مخلوق ليس يعني خلقا بسيطا، الملائكة نور روحانية صرفة، البهائم غريزة صرفة، الإنسان فيه يعني شائبة من الملاك وشائبة من الحيوان وشائبة من الشيطان في مكايد الشيطان، فأحيانا يهبط حتى يصبح كالحيوان وأحيانا يرقى حتى يصير كالملك وأحيانا يأخذ من الشياطين حظا، فلذلك التركيبة الإنسانية قابلة للخير وقابلة للشر واستعدادها للشر أكثر كما قال تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[الشمس: 7، 8، 9، 10]، شوف ألهمها فجورها، الفجور قدمه على التقوى لأنه يدل على أنها قابلية ولكن عندها استعداد للأمرين يعني لهذا ولذاك {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان:3]، {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد:10] طريقة إلى الخير والشر معا فهو مستعد لهذا الطريق ولهذا الطريق ولكن عليه بإرادته {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}[الشمس:9] الإنسان عليه أن هو يعني يقاوم النزعات الشريرة بين جنبيه ويقوي النزعات الخيرة فبهذا يرتقي من النفس الأمارة بالسوء كما قالت امرأة العزيز حينما يعني حقق معها الملك على.. كما طلب سيدنا يوسف وقالت يعني الله أعلم أني لم أقوله بالغيب وإن الله ليهدي كيد الخائنين وقد راودته عن نفسي إلى آخره، فقالت وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. فلولا رحمة الله وهداية الله بالإيمان والإيمان الذي يلجم النفس بلجام التقوى والذي يهابها الحوافز لفعل الخير ويهبه الروادع عن فعل الشر ويعطيها البصرى الهادية إلى الطريق المستقيم ومن يؤمن بالله يهدي قلبه فترتقي من حالة النفس الأمارة بالسوء إلى درجة أعلى أو حالة أرقى لحالة النفس اللوامة{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}[القيامة:2] وكلمة لوامة أي كثيرة في اللوم لصاحبها إذا ترك مأمورا أو فعل محظورا أو أقدم على شر أو ترك خيرا كان يجب أن يفعله تلومه، تلومه نفسه وأحيانا تشتد في اللوم إلى حد التأنيب يسمى تأنيب الضمير فهذه النفس اللوامة لم فعلت كذا؟ لماذا تركت كذا؟ لماذا يعني يحاسب نفسه يعني فهذه النفس اللوامة المؤمن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب..

عثمان عثمان (مقاطعا): وهناك النفس المطمئنة.

يوسف القرضاوي: وبعدين نفس بعد هذه ترتقي حتى تصبح النفس المطمئنة والراضية والمرضية {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}[الفجر: 27، 28] اطمأنت بالإيمان باليقين بذكر الله {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ...}[الرعد:28] عرفت غايتها وعرفت طريقها فلم تلتمس عليها الغايات ولم تختلف عليها المناهد فاستراحت، فمن هنا كانت رزقت الطمأنينة أو السكينة {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ...}[الفتح:4] فهذه النفس المطمئنة وهي غاية الغاية التي يسعى إليها الذين يجاهدون أنفسهم في ذات الله عز وجل.

عثمان عثمان: طبعا في سياق الحديث هناك من سمى النفس المروادة والنفس البصيرة بين الإنسان وعلى نفسه بصيرة فضيلة الدكتور يعني هناك من ينسب كل الشرور لهذه النفس انطلاقا من قول الله عز وجل {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ...}[النساء:79]، هل ينطبق هذا المعنى على هذه الآية؟

النفس مستعدة للفجور ومستعدة للتقوى إذا تُركت وحدها يمكن أن تضل الإنسان، فأول جريمة حدثت على وجه الأرض هي جريمة قتل ابن آدم الشرير لأخيه الخيّر وهو ما يسمى في الإسرائيليات قصة قابيل وهابيل
يوسف القرضاوي
: هي النفس من غير كلام كما قلنا مستعدة للفجور ومستعدة للتقوى إذا تُركت وحدها يمكن أن تضل الإنسان، يعني أول جريمة حدثت على وجه الأرض هي جريمة قتل ابن آدم الشرير لأخيه الخيّر ما يسمى في الإسرائيليات قصة قابيل وهابيل، القرآن يقول {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ..}[المائدة:27، 28]، المهم القرآن يقول {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ...}[المائدة:30] نفسه، ما نقدرش نقول بقى إن المجتمع الآن بيقول لك بعض الناس يفسر كل السلوك الإنساني بتأثير المجتمع، نظرية دولكايم والجماعة دول أن.. طيب ما كانش لسه في مجتمع، ده لسه المجتمع بسيط جدا، فإيه؟ طوعت له نفسه. وكما ذكر سيدنا يعني يعقوب حينما جاء أولاده على قميص أخيهم يوسف بدم كذب وقالوا أكله الذئب وما أنت مؤمنا لنا ولو كنا
}ٍ...قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ...}[يوسف:18] في تسويل النفس الإنسانية كذلك ذكر القرآن عن السامري الذي فتن بني إسرائيل في غيب سيدنا موسى وصنع لهم العجل{...عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى...}[طه:88]  وصدقه الناس وعبدوا العجل قال {...وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}[طه:96] فتسويل النفس هو إذا لم يهدها الإنسان إلى طريق الإيمان ويأخذها بالرياضة والمجاهدة حتى تسير في طريق الخير وتتجنب طريق الشر.


أمراض النفس وعللها وسبل علاجها

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور طبعا النفس لها علل ولها أمراض كثيرة لعل من أبرزها الكبر المذموم كما جاء في قوله عز وجل{...لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ...}[الفرقان:21] يعني ما حقيقة هذا الكبر المذموم وكيف أفرق بين الكبر المذموم وبين عزة النفس عزة المؤمن المطالب أن يتمتع بها؟

يوسف القرضاوي: هذه أمراض أهل السلوك والتصاوب بيسموها أمراض القلوب ما بيسموهاش أمراض النفوس، أمراض القلوب، والقرآن دائما ذكر المرض بالقلب فمع الذي في قلبه مرض في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا، فأمراض القلوب اللي سماها الإمام الغزالي في كتابه الإحياء المهلكات لأن الغزالي في كتابه الإحياء هو أربعين كتابا في الحقيقة أربعة أرباع ربع العبادات وربع العادات وربع المهلكات وربع المنجيات وكل ربع من الأرباع فيه عشر كتب، فربع المهلكات دي اللي بنسميها إحنا أمراض النفس وأمراض القلب اللي هي الكبر والغرور والعجب والحسد..

عثمان عثمان (مقاطعا): والحقد.

يوسف القرضاوي (متابعا): والغضب والحقد وحب الدنيا وحب المال وحب الجاه والرياء وكل هذه آفات كلها قلبية، وأخذها الإمام الغزالي من الحديث "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" دي كلها مهلكات أي تهلك الفرد وتهلك الجماعة تهلكهم في الدنيا وتهلكهم في الآخرة وتسبب لهم النكبات يعني أفرادا وجماعات، فالكبر هو أحد هذه المهلكات، النبي صلى الله عليه وسلم يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يعني لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. شوف مثقال ذرة، الكبر، حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث قال أحد الصحابة يا رسول الله إني رجل أولعت بالجمال في كل شيء أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنا ولا أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل -يعني رجل أنيق بيحب يكون متجملا في كل شيء في حياته- هل هذا من الكبر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" الكبر أنك ترد الحق، ترد الحق، كما جاء في القرآن {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ...}[البقرة:206]، يعني قل له ده أنت عملت غلط يقول لا أنا.. يستنكف أن أحدا يعلمه، هذا بطر. وغمط الناس احتقار الناس يعني دائما يعتقد أن هو أفضل من غيره، المؤمن لا يحتقر أحدا أبدا، النبي عليه الصلاة والسلام يقول "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم". هذا غير العزة، العزة بالإيمان {...وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ...}[المنافقون:8 ]، {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً...}[فاطر:10] لأن الإنسان لا يحني رأسه لمخلوق لا يذل نفسه لأحد لا يمد يده يعني لغيره يعني عزيز النفس معتز بإيمانه كما قال الشاعر الصالح

ومما زادني شرفا وتيها

وكدت بأخمصي أطأ الثريا

بيخاطب ربنا يناجي ربه، يقول

دخولي تحت قولك يا عبادي

وأن أرسلت أحمد لي نبيا

يعني أفتخر بعبوديتي لله وبإيماني برسالة محمد أي بانتسابي إلى دين الإسلام، يعتز بهذا كما قال الله عز وجل{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[فصلت:33] يقول بها أنا من خير أمة أخرجت للناس أنا.. فبهذا يكون الاعتزاز.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني طبعا هناك الإنسان تحدثه نفسه بالمعاصي تحدثه بما يغضب الله عز وجل والله سبحانه وتعالى يقول {...وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ..}[البقرة:284]، يعني هل الإنسان محاسب على كل ما يخطر في باله من ارتكاب المعاصي أو من تطلع إلى معصية الله عز وجل؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا وسهلا بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الأنفس وأمراضها مع فضيلة شيخنا العلامة يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور تدور في النفس خطرات وهواجس كثيرة ما الذي يحاسب عليه المرء من هذه الخواطر والهواجس؟

يوسف القرضاوي: الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، ولذلك هناك أشياء لا تدخل تحت التكليف يعني الإنسان ترد عليه خواطر يعني غصبا عنه يعني ليست إرادية تهجم عليه، هذه لا يحاسب عليها إلا إذا دخلت مرحلة النية، ما معنى النية؟ يعني النية هي عقد القلب على الفعل أي العزم والتصميم، إذا لم يصل إلى هذه الدرجة فهو يعني أمر معفو عنه. وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام المسلم "إن الله تعالى عفا عن أمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم" ما لم تحول الأمر إلى درجة الشروع بالعمل أو بالكلام لما طول ما هو خاطرة خليها خاطرة الله لا .. إنما إذا نوى كما جاء في الحديث الصحيح "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" ما كل واحد عايز يقتل الثاني فبإرادته ونيته خرج يقاتله لو كان مثل فعله سبق سيفه فالقاتل والمقتول إذا دخل مسألة العزم المصمم، ومن الأشياء ما جاء في بعض الأحاديث أن الإنسان إذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب له. لأن أقل شيء من الحسنات يعني أنه في موضوع رحمة الله بأدنى شيء، بالهم حتى تكتب له إنما السيء لا، لازم تصل إلى درجة العزم، لذلك إذا عمل سيئة تكتب سيئة وإذا عمل حسنة تكتب عشرة فإلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، ففرق بين الحسنات والسيئات..

عثمان عثمان (مقاطعا): الإنسان يعني فكر بفعل معصية وعزم العقد والنية على فعل المعصية إلا أنه في اللحظات الأخيرة تراجع عن ذلك وتاب إلى الله عز وجل؟

يوسف القرضاوي: هذا يثاب على هذا التراجع إذا هم بالسيئة ورجع عنها خوفا من الله عز وجل تكتب في الحسنات هذه نعم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نأخذ مداخلة من الدكتور نزار العاني رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات العليا في الإمارات العربية المتحدة، السلام عليكم دكتور.

نزار العاني/ الإمارات: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: دكتور طبعا الحديث عن النفس وأمراضها ليس فقط يعني من التزكية في الإسلام إنما هناك علم يسمى علم النفس، والبعض يتحدث الآن عن علم نفس إسلامي، ماذا تقولون في هذا المجال؟

نزار العاني: أولا سلامي لك ولشيخنا الكبير العلامة الأستاذ الدكتور القرضاوي أمد الله في عمره.

يوسف القرضاوي: سلمك الله...

نزار العاني: حفظه لنا شيخا وأستاذا وعالما نتعلم على يديه. مداخلتي هنا بصفتي متخصص في علم النفس يعني وإلا لا يجادل أحد أمام الشيخ القرضاوي ولا يضيف شيئا يعني. النقطة فيما يتعلق بالنفس البشرية فيما يتعلق بها علم النفس الحقيقة لو نأخذ النقطة الأخيرة التي أشار لها شيخنا القرضاوي وهي ما سماه التراجع أو نسميه التوبة، معظم الأمراض النفسية تأتي بداية من الشعور بالذنب ومن تعذيب الضمير وتسبب مصادر للقلق كثيرة، خوف من الموت، خوف من المرض، خوف من المصيبة، خوف من انقطاع الرزق، خوف من فقدان المنصب أو الوظيفة إلى آخره، هذه كلها لما نأتي إلى الشعور بالذنب وتعذيب الضمير هذه موجودة في كل إنسان مهما كان فعله حتى عند الـ psychopath المدمنين على الجريمة لا شك أنه تأتي في حالات يجد الإنسان نفسه أنه يراجع أو له ضمير يؤنبه ويلومه كما أشار شيخنا القرضاوي إن النفس أحيانا تلوم لوما شديدا أحيانا لوم خفيف إلى غير ذلك. لكن نجد على أن التوبة ما سمي بالتراجع التوبة لوحدها لما يكون باب التوبة مفتوحا وباب ما أشار إليه شيخنا وأستاذنا قبل قليل، أن السيئات تتحول إلى حسنات وأن باب الحسنات مفتوح وأن باب التوبة مفتوح لأي ذنب يعني ولأي معصية ما دامت النية سليمة لله سبحانه وتعالى نجد أن هذا هو منفس كبير جدا للخروج من دائرة المرض النفسي، يعني مساحة واسعة جدا أبواب يعني مشرعة مفتوحة على مصاريعها للأنفس البشرية لكي تبتعد عن دائرة المرض النفسي وعن دائرة القلق الشديد والقلق يؤدي أحيانا إلى الكآبة والكآبة تؤدي أحيانا إلى  schizophreniaوإلى الكثير من الأمراض، مرض العصر الحديث وهو الضغوط النفسية وغير الضغوط النفسية هي الحقيقة لما نأتي إلى باب التوبة وأنه نجد أن الإنسان يتصالح مع ربه ويتصالح مع نفسه ويتصالح مع مجتمعه..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور طبعا الحديث في هذا يطول وهناك التوبة والعودة عن الذنب في علم النفس العلاجي يعني هل يتطابق مع هذا الواقع أم أن هناك أساليب أخرى تُعتمد؟

نزار العاني: علم النفس العلاجي يعني يجب أن نفرق بين السايكو... باعتباره يدخل في التخصص في أمراض نفسية وفي أمراض يعني جسدية نفسية وإلى غير ذلك لكن في الإطار العام أنه في علم النفس العلاجي المريض هو العنصر الأهم جدا في الشفاء، يعني المريض هو العنصر المهم جدا قبل الطبيب وقبل أسلوب العلاج وقبل.. الإيمان بالشفاء، الإيمان بمرتكزات يستطيع أن يركز إليها النفس ويركز إليها السلوك ويركز إليها المعتقد ويركز إليها النية هذه لوحدها هي يعني طريق للنجاة وطريق للشفاء وطريق لتعديل السلوك، يعني إحنا خوفنا من الإنسان بالمرضي هو لما ينحرف السلوك أما إذا كانت هناك يعني كوابح لعدم الانحراف في السلوك وأن الإنسان دائما عنده موجهات للخير وموجهات لتعديل السلوك وموجهات للرجوع عن الذنب وموجهات للرجوع عن الخطأ والشر وغير ذلك فهو بالتأكيد يعني هنا كيف تصبح النفس يعني متعالية حتى على المرض ويصبح علاج المريض الذي يقع.




أخلاقيات النفس وسبل المحافظة عليها

عثمان عثمان (مقاطعا): أعتذر منك دكتور يعني الدكتور نزار العاني رئيس الأكاديمية الدولية في الدراسات العليا والمتخصص في علم النفس أشكرك جزيل الشكر. فضيلة الدكتور طبعا يعني هناك أمراض للنفس هناك أخلاقيات لهذه النفس، من هذه الأخلاقيات خُلق الإيثار {...وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ...}[الحشر:9]، ولكن الإنسان يجد نفسه أمام مغريات الدنيا أمام المال أمام الدنيا أمام الجاه والسلطان لا يستطيع أن يمارس هذا الخلق خلق الإيثار، كيف يمكن له أن يؤطر النفس في هذا الموضوع؟

يوسف القرضاوي: أولا أريد أن أعلق على ما قاله الأخ الكريم الدكتور نزار ومسألة علم النفس الإسلامي، أنا أولا أؤثر كلمة المدرسة الإسلامية في علم النفس بدل علم نفس إسلامي، علم اجتماع إسلامي، أنا أقول المدرسة الإسلامية في علم النفس، المدرسة الإسلامية في علم الاجتماع كما توجد المدرسة الماركسية والمدرسة الليبرالية وأحيانا حتى المدرسة الليبرالية الغربية تنقسم إلى مدرسة أميركية ومدرسة فرنسية إلى آخره. ويمكن المدرسة الإسلامية لها نظرتها، وفي بعض أخواننا يعني ارتقوا في هذا مراتب كبيرة مثل أخونا الدكتور مالك بدري وهو أستاذ أيضا في علم النفس من الأخوة السودانيين ويعالج أيضا بالقرآن وبالإيمان ويشفي بالقرآن عن طريق الجماعة اللي فاتحين عيادات قرآن، لا عن طريق الصلاة، عن طريق الذكر، عن طريق العبادة، عن طريق التركيز، وعلم النفس، العلاج بالإيمان حتى هذا في أميركا يعني من خمسين سنة أو أكثر يمكن مثلا من حوالي ستين سنة ظهر كتاب في أميركا أسمه "العودة إلى الإيمان" مؤلفه واحد اسمه هنري لينغ كان ملحدا واشتغل في الطب النفسي في العلاج النفسي فاستطاع أن يعالج مرضاه عن طريق الإيمان، وجد أن أقوى الناس شخصية هم المؤمنون فمبدأ يستخدم الإيمان ولكن الإيمان الذي يستخدمه حينما تسمعه يصفه هو الإيمان الإسلامي، يقول لم أستخدم إيمان الكهنة ولا إيمان الكنيسة أنا استخدمت إيمانا يصف إلها واحدا إله كذا، يعني فعن طريق الإيمان رد الناس إلى الصحة النفسية لأن مهمة الإنسان إذا عرف كما قلت من قبل إذا عرف غايته وعرف طريقه واتضحت أمامه الأمور أصبح إنسانا سويا سليما، ونحن عندنا الإسلام ينشئ الشخصية المتفائلة، الشخصية المتشائمة الشخصية التي تنظر إلى الناس والحياة من خلال منظار أسود قاتم هذه لا يعرفها الإسلام، الشخصية المتفائلة التي دائما تأمل في الغد تنظر إلى الجانب المشرق، {..وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف:87]، {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ}[الحجر:56]، مهما ارتكب من ذنوب وخطايا يعلم أن عفو الله أوسع من هذا، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً..}[الزمر:53]، وكما أشار أخونا نزار باب التوبة مفتوح، ليس على باب الله حاجب ولا بواب، إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.

عثمان عثمان: ولعل هذه أهم أسباب العلاج النفسي لمن يقع بها.

يوسف القرضاوي: نعم وإذا أخذنا منهج الإسلام، هذا المنهج الميسر، المنهج المبشر، المنهج الموسع، هذا المنهج هو علاج. الغربيون أشد الناس شكوى من أمراض النفوس، أميركا فيها عشرات آلاف العيادات النفسية، الذين يشكون من القلق ومن الاكتئاب ومن اليأس ومن الشعور بتفاهة الحياة ولذلك أسرع الناس انتحارا هم هؤلاء..

عثمان عثمان (مقاطعا): غير المؤمنين.

يوسف القرضاوي: غير المؤمنين، المرتابون والشكاكون والملاحدة والجاحدون بالله والآخرة.

عثمان عثمان: وإن كان هناك من يمارس عملا دعويا ربما يقود كثير من الناس في كثير من المواقع إلى اليأس والقنوط وعدم التفاؤل والنظرة الإيجابية للمستقبل؟

يوسف القرضاوي: هذا ليس داعية هذا ليس داعية من دعاة الإسلام من يقنط الناس من رحمة الله، من ييئس الناس، سيدنا علي يقول ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ من لا يوئس عباد الله من روح الله ولم يؤمنهم من مكره. يعني يجعلهم على منهج وسط بين الخوف والرجاء. كما يعلمنا القرآن، القرآن يقول {اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }[لمائدة:98]، {..وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}[الرعد:6]، {..وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ..}[الحديد:20]، فهكذا يعلمنا القرآن حتى تكون النفس متوازنة، لا تصل بالخوف إلى درجة اليأس ولا يصل بها الرجاء إلى درجة الأمن من مكر الله، {.. فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}[الأعراف:99]، {..إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف:87].

عثمان عثمان: هناك مرض الشح، {..وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر:9]، وهناك الإيثار {..وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ..}[الحشر:9]، ممارسة هذا الخلق، خلق الإيثار يجد الإنسان صعوبة أمامه، كيف يمكن له أن يدرب النفس على خلق الإيثار؟

الإيثار والعزة والتواضع ومحبة الخير للناس والتضحية كلها أخلاق تحتاج إلى رياضة ومجاهدة، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول المجاهد من جاهد هواه، والنفس تحتاج إلى مراقبة
يوسف القرضاوي
: هذه الأخلاق العالية، الإيثار والعزة والتواضع ومحبة الخير للناس والتضحية هذه كلها تحتاج إلى رياضة، إلى مجاهدة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول المجاهد من جاهد هواه، والقرآن يقول {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت:69]، الذين جاهدوا فينا، جاهدوا في الله، في ذات الله. النفوس تحتاج إلى رياضة، لو واحد عايز يقوي جسمه يعمل إيه؟ يمارس تمرينات رياضية، واحد عايز يتعلم السباحة لازم يمارس السباحة حتى يقوي عضلاته، إذا كان الجسم في حاجة إلى تمرينات حتى يقوى، النفس أيضا في حاجة إلى تمرينات، إلى تربية إلى مراقبة، مشارطة ومراقبة، الإمام الغزالي يقول أول واحد ما يحاسب نفسه يشارطها، يعني يضع لها شروطا يقول اليوم عايز أعمل كذا وكذا وكذا وبعدين آخر النهار يجي يحاسبها عملت ولا ما عملتش، فهذه اليقظة. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" ما معنى من دان نفسه؟ أي حاكمها وحاسبها، يحاكمها، فلا يترك نفسه يعني سبهللا، لا، لازم يكون في رقابة،
control ذاتي من أن و اللي بيراقب نفسه بنفسه، أحيانا بعض الناس بيعمل لنفسه جدولا بيسميه جدول المحاسبة، بيعمل لنفسه وبيكتب كده عشرين ثلاثين سؤالا، هل صليت الصوات في أوقاتها؟ هل أديتها بخشوع؟ هل صليتها في جماعة؟ هل ذكرت الله تعالى مسبحا أو مهللا؟ هل بررت أحد والديك؟ هل صلت أحد أرحامك؟ هل أحسنت إلى جارك؟ هل نهيت عن منكر؟ هل كذا، وفي الجانب الآخر هل اغتبت إنسانا؟ هل كذبت؟ هل كذا، هل كذا، وحاطط لنفسه يدي لنفسه درجة في الحسنات وفي السيئات وبعدين يجمع هذا المجموع في النهاية يشوف حينجح يعني لدرجة إيه؟ جيد جيدا ولا مقبول ولا راسب خالص، ممكن النهارده يكون راسب بكره ينجح مقبول اللي بعده يكون جيد، يحاول يرقي نفسه. النفس تحتاج إلى رياضة، إلى مجاهدة، فالشح، النفوس شحيحة بطبيعتها، القرآن يقول {..وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ..}[النساء:128]، ويقول {..وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورا }[الإسراء:100]، الإنسان بخيل بطبعه فهذا الطبع يحتاج إلى تقويم وإلى تهذيب وإلى السمو به وهذا السمو يجيء عن طريق التربية وبالتربية الإنسان يتعلم، في طرق للتربية، كيف يتعلم؟ يتعلم من شيخ، الجماعة الصوفية يقولون لك من لا شيح له فشيخه الشيطان. لازم يكون واحد له معلم يعلمه، طيب ما عندهوش معلم، يتعلم من أخوانه وأصدقائه، إذا كان له أخ في الله يحبه في الله، ينصحه، كما جاء في الحديث "المؤمن مرآة أخيه" كما يرى الإنسان نفسه في المرآة أخوك هو مرآتك، يقول لك لا أنت اليوم ما صليتش كويش ما أديت للصلاة حقها، ما كان لك حق أن تشتم فلان، ما كان لك الحق أن تبصق عن يمينك هذا لا يليق بك، يعلمه، يعني أخوك من صدقك لا من صدقك مش بس يطبطب عليك في كل حاجة، لا، يقول لك ده غلط {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..}[التوبة:71] وبعدين أحيانا الإنسان يتعلم من عدوه، الإمام الشافعي يقول

عداتي -يعني أعدائي- لهم فضل علي ومنة

فلا باعد الرحمن عني الأعاديا

فهم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها

وهم نافسوني فارتكبت المعاليا

فأتعلم من أعدائي لأنه هم يبحثون يعني ساعات، هم ما غرضهمش ينفعوني إنما عايزين يشنعوا علي إنما أنا آخذ أستفيد منهم، آه والله ده قالوا كلمة صحيحة، لازم. بعدين الإنسان يتعلم من المجتمع، المجتمع هو معلم الناس، يقول لك من لم يعلمه أبواه أو يؤدبه أبواه أدبه الليل والنهار أدبته الحياة تعلم في مدرسة الحياة، الناس يعرفون الخير ويعرفون الشر فيتعلم، حتى يتعلم من غراب كما تعلم ابن آدم الأول من غراب وكما تعلم سيدنا سليمان من الهدهد {..فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}[النمل:22]، هذه كلها أشياء تعلم الإنسان طريق الخير وطريق الشر.

عثمان عثمان: يعني أرجو فضيلة الدكتور أن يكون ما تفضلتم به إجابة على سؤال الأخ أبو وليد الإدريسي يقول "أريد من فضيلة الدكتور حفظه الله أن يرشدني بعد أن ضاقت علي الأرض بما رحبت، فمشكلتي تتمثل في إعراضي عن كل ما يتعلق بذكر الله، مع العلم أن لي رغبة في الاستقامة غير أني أجد صعوبة في المواظبة على الصلاة، بل تمادت بي الوقاحة حتى اجترأت على الله في مواضع ينبغي لي التوقف عندها، أرشدوني أرشدكم الله".

يوسف القرضاوي: عليه أن يبحث عن أهل الخير ويصاحبهم، الصديق الصالح والجليس الصالح هو الذي يأخذ بيده إلى الجنة، عليه أن يذهب إلى مجالس الخير ويذكر فيها هي رياض الجنة العلماء الصالحون، والعلماء الصالحون الآن أصبح لهم مجالس وأصبح لهم أشرطة يقدر يسمع بعض الأشرطة النافعة يستمع إليها، في برامج تقدم في التلفزيونات والفضائيات لعلماء صالحين يحاول أن يستمع إليهم، من أراد أن يصل إلى الخير سيصل إليه من سار على الدرب وصل المهم الإرادة، الله تعالى يقول {..إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا..}[النساء:35] ما دام الأخ شاعر، شعوره بالنقص هو بداية الوصول إلى الكمال، كونه شاعر بأنه في غلط في حياته في خلل يريد أن يداويه وأن يصلحه هذه هي بداية الطريق، عليه أن يبحث عن أهل الخير وأن يضع يده في أيديهم وسيهديه الله إلى الخير إن شاء الله.

عثمان عثمان: إن شاء الله. فضيلة الدكتور يعني القرآن تحدث عن المجاهدة بالنفس وعن مجاهدة النفس، يعني ما الفرق بينهما؟

يوسف القرضاوي: المجاهدة بالنفس جزء من الجهاد، جهاد الأعداء يكون بالنفس وبالمال، قال {..وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ..}[التوبة:41]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ..}[الصف: 10، 11]، فالجهاد بالنفس هنا مقابل الجهاد بالمال. إنما في جهاد النفس اللي إحنا تكلمنا عنه قبل قليل، أن تجاهد نفسك تقاوم نفسك لا تستسلم لها، لو أن النفس إذا تركت وغرائزها وشهواتها ممكن تذهب بالإنسان إلى الجحيم وإلى أسفل السافلين ولكن النفس تحتاج إلى تقويم وإلى مجاهدة فمجاهدة النفس هذه هي التي توصلك إلى هداية السبل {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا..}، الإمام الغزالي يقول أحق الأشياء بالجهاد هي النفس ويقول النفس جهادها جهاد صعب لأمرين، الأمر الأول أنها عدو محبوب، أنت بتجاهد عدوك اللي احتل أرضك عارف أنه عدوك، إنما ده عدو، كل واحد بيحب نفسه، فعلشان تجاهد العدو المحبوب ده عملية. الشيء الثاني عدوه من الداخل، لو كان اللص من الخارج تغلق الباب وتحكم إغلاقه فلا يستطيع أن يدخل إنما إذا كان اللص داخل الدار تعمل إيه؟ يقول لك ده عدوك بين جنبيك ولذلك يقول الشاعر الصالح

نفسي إلى ما ضرني داعي

تهيج آلامي وأوجاعي

كيف احتيالي من عدوي

إذا كان عدوبي بين أضلاعي

عدوي من داخل نفسي، فهذا يحتاج إلى حذر وإلى يقظة شديدة يستعين الإنسان عليه بالإرادة وبالله عز وجل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5]، والله سبحانه وتعالى أهل لأن يعينه في معركته، من يتصبر يصبره الله من يتعفف يعفه الله من سار في طريق الخير وصل إلى الخير ومن سار على الدرب وصل.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة أشكركم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يحييكم، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة