رزكار أمين.. تجربة محاكمة صدام   
الخميس 1427/10/17 هـ - الموافق 9/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)

- مدى استقلالية القضاء العراقي
- قانونية تعدد التهم لمتهم واحد



أحمد الزاويتي: مشاهدينا الكرام نستضيف في لقاءنا اليوم القاضي رزكار محمد أمين الذي اشتهر اسمه مع بدايات جلسات محاكمة صدام حسين في قضية الدجيل، القاضي رزكار ترأس هذه الجلسات في بداياتها ثم انسحب منها واتسم بتحفظه الشديد في التطرق لهذه القضية، نحاوره اليوم كقاضي وكإنسان، أهلا وسهلا بك أستاذ ونشكرك على سماحك لنا بهذا الحوار معك.

رزكار أمين - الرئيس السابق لمحكمة الدجيل الخاصة: أهلا بكم.

مدى استقلالية القضاء العراقي

أحمد الزاويتي: يقولون أن القضاء هي إحدى السلطات الثلاث في كل دولة ويجب أن تكون هذه السلطة مستقلة، كيف تقيم استقلالية القضاء في العراق؟

رزكار أمين: منذ نشأة الدولة العراقية وبموجب القانون الأساسي اللي صدر في 1925 القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون وأكد على هذا المبدأ جميع الدساتير العراقية ومنها قانون إدارة الدولة والدستور العراقي الحالي، أنا أرى ضرورة استقلال القضاء وليس بالمعنى العدائي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.. لا وإنما بمعنى أن السلطة القضائية تخضع لقانون خاص وبمنأى عن التدخل الغير قانوني والغير المبرر من السلطات الأخرى كما للسلطة القضائية ألا تتدخل في شؤون السلطات الأخرى إلا وفقا لما هو منصوص عليه في القانون في الرقابة على أعمال السلطات الأخرى وأرى ضرورة استقلالية القضاء وهي ضمانة أكيدة لحقوق الإنسان في العراق وضمانة أكيدة لمحاربة الفساد.

أحمد الزاويتي: أنت كقاضي عراقي هل شعرت وأنت تؤدي عملك بأنك مستقل تماما وليس عليك ضغوط؟

"
يجب أن يكون هناك توافق بين السلطات الثلاث (القضائية والتنفيذية والتشريعية) في إدارة دفة الحكم، على أن تكون السلطة القضائية مستقلة ماليا وإداريا
"
رزكار أمين: هناك ضغط من داخل السلطة القضائية نفسها وهي عندما المحاكم أو القضاة أعلى درجة يتدخلون في شؤون القضاة أو المحاكم الأدنى درجة خارج نطاق القانون أو الطرق المرسومة قانوناً في الطعن في الأحكام وهناك تدخل من السلطة التشريعية أو إمكانية التدخل من السلطة التشريعية أو من السلطة التنفيذية، في مجال عدم استقلالية الجانب المالي للسلطة القضائية من الممكن أن تتدخل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية أو في مسألة تعيين القضاة وعزلهم أو نقلهم من الممكن التدخل من السلطتين الأخرتين وبناء عليه فيجب أن تكون السلطة القضائية مستقلة ماليا ومستقلة إداريا بالمعنى الذي أقصده التوافق والتوائم بين السلطات الثلاث في إدارة دفة الحكم وليس الاستقلالية العدائية.

أحمد الزاويتي: أنت كيف شعرت عندما عُينت كقاضي في أولى جلسات محاكمة صدام حسين في قضية الدجيل؟

رزكار أمين: الحقيقة أنا قاضي وعندما أكلف بأية مهمة أنظر أليها كواجب وهكذا نظرت إلى تلك المحاكمة أيضا ونظرتي هي نظرة قاضي محايد ومستقل عندما ينظر في قضية أخرى لأن تعاملنا تعامل القضاة والمحكمة هي مع الملفات ومع المواضيع وبالتالي فشعرت بأنني مكلف بواجب قانوني وكقاضي في ملف كأية ملفات أخرى كنت أنظرها في المحاكم.

أحمد الزاويتي: يعني لم تشعر بأنها أصعب مهمة في عملك؟

رزكار أمين: أخي العزيز القاضي مهمته صعبة أينما كان، لا توجد مهمة سهلة في القضاء بالمعنى الذي أقصده أنا وهو تحقيق العدالة، فكما يقول الحديث الشريف "اتقي الله ولو في شق تمرة" لكن من المؤكد إن مثل هذه الدعاوى ومثل هذه الملفات لها خصوصية أخرى تختلف عن الملفات الأخرى التي نظرناها ولكن أنا طالما قررت وهذه من مبادئي أن أنظر الدعوى.. أية دعوى بما يملي علي الضمير والقانون فنظرت إليها كنظرتي إلى أية دعاوى أو ملفات أخرى.

أحمد الزاويتي: أنت كنت متحفظا كثيرا جدا للتطرق إعلاميا إلى قضية محاكمة صدام حسين وقضية انسحابك من هذه المحاكمة، هل كان هذا من منطلق قانوني أو منطلق شخصي من عندك؟

رزكار أمين: وإلى الآن متحفظ على الإجابة على هذا السؤال.

أحمد الزاويتي: إذاً نتحول إلى سؤال آخر وهو علنية مثل هذه المحاكمات كمحاكمة صدام حسين هل هذه العلنية تؤثر على نتيجة المحاكمة وأنت كقاضي ماذا تفضل علنية أو سرية مثل هذه المحاكمات؟

رزكار أمين: مسألة العلنية مبدأ.. مبدأ منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وفي كثير من المواثيق الدولية وفي جميع الدساتير تقريبا في العالم وفي القانون الداخلي وفي القانون العراقي أيضا، أنا أفضل العلنية.. العلنية ضمانة أساسية أو ضمانة إضافية للمتهم باعتبار أن المحاكمة ستكون مراقبة من الغير وبالتالي فيتحفظ القضاة أكثر مما تكون المحاكمة داخل قاعات مغلقة لا يصل إليها الناس.

أحمد الزاويتي: تاريخ العراق ملئ بالانقلابات العسكرية وهذه الانقلابات رافقتها قتل وإعدام رؤساء الأنظمة السابقة، لكن أشهر ما موجود في هذه الانقلابات هو محاكمة ما سمي بمحاكمة المهدوي ومن خلال هذه المحاكمة صُفيت قيادات عراقية كثيرة في زمن عبد الكريم قاسم، هل ممكن أن تتكلم لنا نبذة عن هذه المحاكمة؟ وهل كانت قانونية؟

رزكار أمين: يجب الرجوع إلى محاضر جلسات المحاكمة ويجب الرجوع إلى القرارات التي صدرت فيها وبالتالي التعليق على مثل هذه المحاكمات يحتاج إلى شيء من التأني والدقة وإصدار حكم عادل على الحكم الصادر.. يعني عندما نقيم نحن أنا رجعت إلى كثير من محاضر الجلسات لكثير من المتهمين وفي بعض القضايا أنا شخصيا ما كنت أتصرف هكذا لو كنت في موقع رئيس المحكمة، لدي ملاحظات كثيرة وكثيرة وبحيث عندما تشعر أو تقرأ في بعض المحاضر تشعر وإن القاضي أو رئيس المحكمة قد أبدع رأيا قبل الأوان وحكم مسبق بشكل واضح وصريح.

أحمد الزاويتي: كيف ترى أوجه الشبه والاختلاف بين تلك المحكمة.. محكمة المهدوي والمحكمة الخاصة التي يحاكم فيها صدام حسين الآن؟

"
المحكمة الجنائية العراقية العليا هي أول محكمة وطنية تطبق مفاهيم دولية لأن القانون الذي تعمل بموجبه المحكمة مقتبس من قانون المحكمة الجنائية المؤسس بموجب نظام روما
"
رزكار أمين: هذه المحكمة طبيعتها كما قلت محكمة عسكرية المحكمة اللي شكلت بموجب القانون رقم سبعة، لكن المحكمة الجنائية العراقية العليا محكمة مدنية وشكلت بموجب قانون رقم واحد لسنة 2003 وبعدها حصل تغيير في قانون وصدر القانون رقم عشرة لعام 2005 وغيرت.. بموجب القانون غُيرت اسم المحكمة من المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية إلى المحكمة الجنائية العراقية العليا، المحكمة الجنائية العراقية العليا هي أول محكمة بالعراق.. أول محكمة وطنية تطبق مفاهيم دولية لأن القانون الذي يعمل بموجبه القضاة أو تعمل بموجبه المحكمة مقتبس من قانون المحكمة الجنائية المؤسس بموجب نظام روما الأساس وكذلك المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا السابقة ولرواندا، هناك نصوص متشابهة تماما وخاصة النصوص العقابية وكذلك قواعد الإجراءات، إذاً محكمة بمفاهيم دولية وتنظر المحكمة أيضا في بعض في المادة 14 من القانون إن لم تخونني الذاكرة ترجع إلى قانون معاقبة.. القانون رقم سبعة قانون معاقبة المتآمرين على نظام الحكم والمتآمرين على سلامة الوطن ومفسدين نظام الحكم لعام 1958 فيما يتعلق بهدر الثروة الوطنية أو استغلال النفوذ.

[فاصل إعلاني]

قانونية تعدد التهم لمتهم واحد


أحمد الزاويتي: بعيدا عن قضية صدام حسين لكن أي متهم هل يمكن قانونيا أن يحاكم على قضايا عدة قضية بعد قضية؟ ألا يمكن جمع كل هذه القضايا في قضية واحدة؟

رزكار أمين: مسألة محاكمة المتهم في قضايا عديدة معالج بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية، نعم ممكن محاكمة متهم واحد في عدة قضايا مختلفة وهناك جرائم من نوع واحد ممكن محاكمة المتهم إذا كانت الجريمة مُرتكبة ضد مجني عليه واحد ولو في أزامن مختلفة ولكن الجريمة من نوع واحد أي بموجب قانون واحد ويمكن معاقبته بموجب قانون واحد ونص واحد من ضمن قانون واحد مادة واحدة من ضمن قانون واحد ممكن جمع عدة قضايا أو عدة جرائم إذا كان من شخص واحد وعلى مجني عليه واحد ولو في أزمان مختلفة ولكن إذا تعدت المجني عليهم والجريمة من نفس النوع ممكن أن تجمع ثلاث مشتكين في دعوة واحدة خلال سنة واحدة وهناك بعض القضايا الأخرى مثلا اختلاسات وإن كانت اُرتكبت خلال فترات عديدة يمكن جمعها في ملف واحد وأما الجرائم إذا كانت من أنواع مختلفة لا يمكن جمعها في ملف واحد أو محاكمة المتهم عنها في دعوة واحدة وإنما يجب أن تفرق الدعاوى ويمكن أن يصدر أحكام متعددة سواء أكان طبقت أو نفذت بالتعاقب أو بالتداخل.

أحمد الزاويتي: يعني إذا صدر حكم في قضية ما على المتهم هل تسقط عليه التهم في القضايا الباقية مثلا؟

رزكار أمين: كيف الحكم تقصد أي حكم؟

أحمد الزاويتي: يعني في قضية مثلا قضية صدام حسين لو حكم بحكم ما في قضية الدجيل؟

رزكار أمين: لا أقصد أنا أريد أسأل ماذا تقصد بالحكم لأن الحكم عندما يصدر من المحكمة هناك عدة أحكام، الحكم اللي يصدر من المحكمة إما بالإدانة أو التجريم أو بالإفراج أو بالبراءة أو بإلغاء التهمة والإفراج هذه مصطلحات قانونية بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية، فأي نوع من الحكم تقصد حضرتك؟

أحمد الزاويتي: الحكم بالسجن مثلا سواء المؤبد أو مثلا مدة معينة من السنين هل ستسقط على المتهم القضايا الأخرى الباقية؟

رزكار أمين: لا تبقى، إذا كانت.. للعقوبات أنواع هناك عقوبة بدنية تسمى بالإعدام.. عقوبة الإعدام، هناك عقوبة مقيدة للحرية وهي الحبس والسجن وهناك عقوبات مالية.. الغرامية، فالعقوبات غير البدنية ممكن محاكمة أي متهم عن عدة قضايا بعد ما وخلال فترة المحكومية أيضا ممكن استدعاء أي متهم وهو يقضي فترة محكوميته وإحضاره في المحكمة ومحاكمته عن جريمة أخرى سواء أكان متشابهة أو غير متشابهة وتنفيذ الحكم عليه ولكن بموجب القانون العراقي مهما صدرت الأحكام أو عدد السنين الصادرة بالعقوبة بالسجن أو الحبس لا يمكن أن يتجاوز عن خمس وعشرين سنة، يعني ربما يُحكم على متهم بمائتي سنة في عشرين قضية ولكن الفترة التي يجب أن يقضيها في السجن فعلا يجب ألا تتجاوز عن خمسة وعشرين عام.

أحمد الزاويتي: في نفس القضية لو حُكم متهم ما لنفرض صدام حسين في القضية الأولى بالإعدام هل قانونيا يعتبر بريء في القضايا الأخرى الباقية التي لم تحسم بعد؟

رزكار أمين: أنا أقول لك شيء عام بموجب المادتين 300 و304 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إذا توفي متهم أثناء التحقيق أو المحاكمة لأي سبب.. إذا توفى تقف الإجراءات القانونية بحقه إجراءها إيقافا نهائيا وتنقضي الدعوى الجزائية بحقه ويكون حكمها حكم البراءة في هذه الحالة.

أحمد الزاويتي: شاهدنا في سلسلة جلسات محاكمة صدام حسين في القضاة أسلوبين مختلفين أسلوب المرونة والصبر وإعطاء المجال للمتهمين وأسلوب يمكن أن نصفه بالشدة والحزم تجاه المتهمين، هل يمكن للأسلوب أن يؤثر على نتيجة الحكم بالنهاية وأنت أي أسلوب تفضل للوصول إلى العدالة؟

"
أنا مع احترام حقوق المتهم وحقوق أطراف الدعوى، وضد العصبية داخل قاعة المحكمة لأن في ذلك نوعا من عدم الحياد
"
رزكار أمين: الذي يحكم في نتيجة الأحكام والقرارات يجب أن تكون الأدلة المطروحة على بساط الدعوى أو ملف الدعوى، الأدلة القانونية التي تُجمع بشكل سليم وبشكل صحيح هي التي تحسم مصير الدعوى وليس الأسلوب سواء أكان الشدة أو التهور أو غيرها، أنا طبعا أنا مع الأسلوب الهادئ ومع احترام حقوق المتهم وحقوق أطراف الدعوى وضد العصبية داخل قاعة المحكمة لأن في ذلك هي نوع من عدم الحياد ولهذا يؤدي إلى إرباك عمل المحكمة أيضا.. العصبية والشدة مرفوض وخاصة من القضاء، القضاء مهيب والقضاء هو ديمقراطي بطبعه فهو مبني على الحوار والتشاور والمداولة ولهذا والعلاقة بين المتهم أي متهم والقاضي والمحكمة علاقة قانونية يجب أن يعرف القاضي بأن ما يربطه مع المتهم هو القانون لا شيء وبالتالي فأنا مع الأسلوب الهادئ والأسلوب الذي يكون منتجا في الشكل المطلوب ومطلوبا من القاضي ومن المحكمة للحفاظ على هيبة المحكمة وبالتالي سير الإجراءات بشكل سليم ومتزن.

أحمد الزاويتي: كيف تعاملت مع الرأيين الرأي المعجب بهذا الأسلوب والرأي المنتقد؟ وهل كان وهل ممكن أن نعتبر أنه كانت هناك ضغوطات بسبب أسلوبك وأدت بالتالي إلى انسحابك من جلسات محاكمة صدام حسين؟

رزكار أمين: أنا لا أعلق على هذه الناحية لكن كل رأي محترم وهناك من يحب أسلوب هادئ وديمقراطي وكل إناء بما فيه ينضح وكل من يؤمن بقضاء ديمقراطي ويختلف طبعا كل من يتفكر تفكير ديمقراطي يختلف تفكيره عمن يفكر تفكير عاطفي أو سياسي وبالتالي فأنا أسير على مبادئ ثابتة مرسومة قانونا وهناك أخلاقيات وأعراف قضائية استقرت في ذهن القضاة في العراق فالعراق مشهور ومشهود له بالقضاء النزيه العادل وبقضاة لامعين في حقبات تاريخية مختلفة ونحن نستلهم هذه الأعراف من القضاء الإسلامي والذي يشكل مجدا ورمزا شامخا لقضائنا الحالي.

أحمد الزاويتي: الكثيرون يريدون أن يسمعوا من القاضي رزكار أمين عن كلامه في قضية محاكمة صدام حسين لأن اسمك صار أشهر رمز في الجلسات الأولى للمحاكمة، لماذا لا تريد أن تتكلم في هذه القضية؟

رزكار أمين: ولا أريد أن أتكلم عنها الآن أيضا.. لا تعليق لي على سؤالك.

أحمد الزاويتي: لو سألناك الحكم الذي تتوقعه أنت بشأن محكمة الدجيل ماذا يمكن أن تقول؟

رزكار أمين: لا تعليق لي، لا أبدي رأيا لأن هذا ربما ستصبح تأثيرا..

أحمد الزاويتي: نعم طيب كلمتك الأخيرة لكل من يشاهد جلسات محاكمة صدام حسين سواء كمحامين أو مدعين عام أو كقضاة أو كمشاهدين عاديين.

رزكار أمين: أتمنى التوفيق للجميع.

أحمد الزاويتي: إذا شكرا جزيلا لسماحك لنا بهذا الحوار معك.

رزكار أمين: وشكرا لكم ولمتاعبكم.

أحمد الزاويتي: مشاهدينا الكرام نستودعكم الله وإلى لقاء آخر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة