تردي العلاقة بين السلطة والمعارضة العربية   
الأربعاء 1430/11/30 هـ - الموافق 18/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:58 (مكة المكرمة)، 10:58 (غرينتش)

- ملامح ومؤشرات العلاقة بين السلطة والمعارضة
- معوقات العلاقة المثالية بين السلطة والمجتمع

- نتائج مشاركة المعارضة في الحكم في التجارب العربية

- الآثار المترتبة على العلاقة السيئة بين السلطة والمعارضة

- تأثير الواقع التنموي وسبل إيجاد عقد سياسي سليم

علي الظفيري
أحمد عبيدات
رغيد الصلح
علي الظفيري:
أيها السادة قد لا يكون من باب الصدفة أن يكون إطلاق برنامجنا هذا متزامنا مع الذكرى 13 لانطلاقة الجزيرة، ربما للأمر تماس مباشر بالتجربة وتراكم الخبرة والسعي الحثيث لتطوير الرؤية الإعلامية التي كانت الجزيرة وما تزال رائدة لها على الصعيدين العربي والعالمي. وما يمكن قوله في مستهل حلقتنا الأولى من برنامجنا الأسبوعي الجديد "في العمق" إننا نسعى وباجتهاد لتقديم قراءات معمقة ودقيقة ومتأنية للقضايا الكبرى التي تشغل المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج، وما لا يرشح على السطح ويختار مكانه هناك في العمق سيكون دائما مثار بحث ونقاش هنا. وإن كان قد فاتني الترحيب بكم فاسمحوا لي أن أقول لكم وبكل تقدير أهلا وسهلا بكم من العمق... "ينبغي على الدولة بموجب دورها المتعارف عليه أن تحوز قبول مواطنيها وتتولى الدفاع عن حقهم في الحياة والحرية وتوفر لهم الحماية من العدوان أما معظم دولنا العربية فقد تحولت إلى خطر يتهدد أمن الإنسان بدلا من أن تكون سندا له"، هذا ما جاء في مقدمة تقرير التنمية العربية لعام 2009، أما ما تناقلته الشواهد والأحداث في تونس مؤخرا وقبلها في الأردن وفي مصر والكويت وسوريا ولبنان وغيرها أنك إن تجرأت وكنت صوتا مختلفا ومنتقدا للسلطة وأبنائها وملاحقها ورجال أعمالها فلا بأس أبدا أن تضرب وتعرى من ملابسك وترمى في الصحراء!

[شريط مسجل]

- قبل ست سبع سنوات تم تكسير سيارتي يعني وقيل لي المرة الثانية منكسر رأسك.

- نعتبر في كسر الخشم.

- قالوا بالعامية المصرية علشان تبطل تتكلم عن الكبار.

[نهاية الشريط المسجل]

ملامح ومؤشرات العلاقة بين السلطة والمعارضة

علي الظفيري: العلاقة المتردية بين السلطة والمعارضة في العالم العربي، معنا للغوص في عمق هذه القضية دولة الرئيس أحمد عبيدات رئيس الوزراء الأردني الأسبق ورئيس المخابرات الأردنية سابقا وزير الداخلية ووزير الدفاع ورئيس المركز الوطني للإصلاح، وكذلك الدكتور رغيد الصلح الباحث والكاتب في قضايا الديمقراطية والأستاذ في جامعة أكسفورد والمستشار السياسي السابق للجنة الأوسكوا، مرحبا بكما، شكرا لكما ضيفينا الكريمين على تفضلكما بالمشاركة في أولى حلقات هذا البرنامج "في العمق". دولة الرئيس نتساءل ما هو المؤشر لاستخدام سلطة سياسية هذا السلوك المتراجع والرديء -إن جاز الوصف- من القمع مع الأصوات المخالفة لها؟

أحمد عبيدات: اسمح لي في البداية أن -حتى يعني نستطيع الوصول إلى المؤشر الدقيق- أن أقول علينا أن نرى أين موقع المعارضة في ظل الأنظمة العربية وأين موقع المعارضة في الديمقراطيات الأخرى في العالم. هناك فارق شاسع بين موقع المعارضة هنا وهناك، في الديمقراطيات الغربية المعارضة جزء من النسيج السياسي للدولة والمجتمع وهي تمارس حقها في العمل ضمن أطر دستورية وقانونية وأيضا تحكمها تقاليد ديمقراطية، بالإضافة إلى ذلك هي تتمتع بضمانات أخلاقية وقانونية في عملها وتتطور المعارضة أو يتطور دور المعارضة بتطور وعي الجماهير بحقوق المواطنة في تلك المجتمعات، حقوق المواطنة وواجباتها، وبالإضافة إلى ذلك فالمعارضة تستمد أيضا بعدا آخر في شرعيتها من البعد الاجتماعي لها، هي تمثل مصالح شرائح وطبقات وفئات من الرأي العام وبالتالي هي طرف أصيل -المعارضة- ومشارك في صنع القرار وهي عامل مهم جدا في الاستقرار السياسي لتلك البلدان ولذلك لها كامل الحق في استخدام جميع وسائل الإعلام والاتصال والصحافة والمنابر السياسية..

علي الظفيري: التعبير بشكل عام.

أحمد عبيدات: والاقتصادية والاجتماعية للتعبير عن وجهة نظرها لتقديم نفسها وتقديم رؤيتها وبرامجها للجمهور وبالتالي تستطيع من خلال ذلك أن تمارس نقد السياسات العامة المختلفة من آن إلى آخر والتشريعات والقرارات التي تصدر عن النخبة الحاكمة التي يفترض أنها تمثل الأغلبية في تلك الدول، إذاً هي ركن هام في شرعية الحكم..

علي الظفيري: ماذا عن الطرف الآخر الآن، العالم العربي؟

أحمد عبيدات: الطرف الآخر، المعارضة مع الأسف في العالم العربي -في حدود ما أعلم- ليس هناك إطار دستوري أو قانوني ينظم عمل المعارضة أو ينظم علاقتها بالعملية السياسية أو ينظم علاقتها بالحكم أولا، والشيء الآخر أن المعارضة في ظل أنظمة الحكم العربية تعيش حالة من القلق المتصل، علاقة متوترة ومتشنجة بين الجانبين، هذه هي القاعدة العامة مع وجود استثناءات من آن إلى آخر واستثناءات ظرفية. السلطة اعتادت في ظل هذا الوضع أن تنكر حق المعارضة أحيانا حتى في الوجود وإذا وجدت فهي تستنكر نشاطها ومواقفها وتضع القيود القانونية والإدارية والأمنية للحد من حريتها في التعبير ومنعها أحيانا من المشاركة وبالتالي هي ممنوعة من الصرف، موجودة وممنوعة من الصرف. يضاف إلى ذلك أن السلطة في الجانب الآخر في الوطن العربي غالبا ما تتمتع بصلاحيات استثنائية واسعة، هذه الصلاحيات يعني أعطتها شعورا بأنها صاحبة الحق هي وحدها صاحبة الحق في العمل السياسي دون غيرها ولذلك ردود فعلها تجاه مواقف المعارضة سواء كانت معتدلة أو متشنجة أحيانا تتراوح بين الإنكار والاستنكار والاتهام والتشكيك وتصل إلى حد التخوين، ولذلك تتطور هذه العلاقة بتطور الظروف وتبعا للوضع المريح أو غير المريح الذي تمر فيه الدولة والمجتمع ومن هنا يمكن تفسير ردود الفعل التي تحصل من آن لآخر -وأشرتم إلى بعضها- في الدول العربية ولما يتعرض له المعارضون أحيانا من إجراءات انتقامية أو عقابية. وقد لا تكون هناك معارضة منظمة بالمعنى المعروف ولكن هناك دائما معارضين ينتقدون الأوضاع السياسية ويبدون وجهات نظر وهم يفترض أنهم يتحملون مسؤوليتهم يعني القانونية والأخلاقية أمام القانون، فإذا كانت الدولة تعي تماما واجبها وتؤمن فعلا بسيادة القانون فعليها أولا أن تحترم القانون ولا تتمادى ولا تتعدى على أحد بسبب رأيه. اللي حصل في السنوات الأخيرة أن هذا التمادي وصل إلى مرحلة تمارس فيها السلطة نوعا من التأديب الجسدي والنفسي للمعارضين بأساليب غير أخلاقية إن دلت على شيء -أعني مؤشرات ذات دلالة- فهي تدل الحقيقة على عدم ثقة بنفسها وتدل على إفلاس هذه الدولة وهذا النظام، والمؤشر الأخطر من وجهة نظري أن ذلك ينبئ بتحول الدولة إلى سلطة بوليسية.

علي الظفيري: لفتني دكتور رغيد الصلح تشخيص الرئيس أحمد عبيدات -وهو رئيس المخابرات السابق وهو وزير الدفاع ووزير الداخلية تقلد مناصب عدة في السلطة- توصيفه لمثل هذه الحالة، أنت كيف تقرأ المؤشرات التي يمكن أن تثار من خلال هذه الحوادث وهي فقط الحوادث التي توفرت لدينا صورها، في تونس ضرب الصحفيون في المطارات وأمام منازلهم، في اليمن ضربوا، في أكثر من مكان ضربوا لكن هذا ما توفر فقط من الصور التي نشاهدها، كيف تقرؤها أنت؟

رغيد الصلح: أولا أود أن أهنئكم على عيد الميلاد وعلى البرنامج هذا.

علي الظفيري: شكرا لك.

رغيد الصلح: ثانيا ملاحظة بس سريعة، أنا الآن مستشار في مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية في لبنان ولست أدرس في جامعة أكسفورد. أنا أتصور أن لهذه الحوادث لهذه الاعتداءات دلالات مهمة من حيث تحديد طبيعة المرحلة التي يمر بها التطور السياسي في المنطقة، يعني في الماضي في الستينات في السبعينات النخب الحاكمة والحكومات كانت تعمل على.. إستراتيجيتها الأساسية كانت القضاء على المقاومة القضاء الجسدي والتصفيات الواسعة ويعني عدم السماح بوجود أي شكل من أشكال المعارضة أو الأحزاب الناقدة أو الجهات الناقدة يعني كان هنالك نوع من الطغيان إما للصوت الواحد إما للحكم الواحد أو للحزب الواحد، هذا كان موجودا كما نلاحظ في الماضي، استمر إلى فترة الثمانينات حيث حدثت بعض التحولات مثلا انتقل العديد من الحكومات من حكومات حزب واحد أو نخبة واحدة متماسكة إلى تعددية حزبية أو ما شاكل ذلك، ففي تلك المرحلة كانت المرحلة هي القضاء الكامل على المعارضات وعلى الأحزاب الأخرى أو الجماعات الأخرى. الآن تغير الموقف في فترة تسمى يعني من قبل النخبة الحاكمة بأنها مرحلة انفتاح سياسي..

علي الظفيري (مقاطعا): الآن هذا ما يسمى انفتاح سياسي!

رغيد الصلح: هذا ما يسمى في بعض المناطق نعم، فتغيرت الإستراتيجية لم يعد بالإمكان أن تقول بأنك تمارس الانفتاح السياسي من جهة وأن تمارس عملية القضاء الكاملة على المعارضات في الدول فأصبح هنالك نوع من التجدد في الأساليب الذي يرمي عمليا إلى احتواء وتحييد المعارضات تحييد الأحزاب وإضعافها وتهميشها إلى أبعد حد ممكن بحيث لا تكون مهيأة لأن تدخل السلطة وأن تمارسها. هذا يعني لا يعني أنه حدث تقدم بالمعنى الحقيقي باتجاه الديمقراطية خاصة وأنه صار هنالك تحول على الصعيد العالمي عموما يعني نحن في مرحلة لم يعد هنالك فيها رفض للديمقراطية صار يعني في كافة دول العالم المجتمعات في قبول للديمقراطية بينما كان هذا الأمر غير متفق عليه في السابق، فلم يعد بحسب المعايير الدولية مقبولا أن تمارس لا القضاء على المعارضات ولا تحييدها وتهميشها، مطلوب أن تسمح للمعارضة بأن تعبر عن نفسها بحرية وأن تكون شريكا يعني طبيعيا في الحكم..

علي الظفيري: نعم..

رغيد الصلح: عفوا بس ملاحظة إضافية.

علي الظفيري: تفضل.

رغيد الصلح: ليس للنخب الحاكمة مبرر لهذه السياسة والإستراتيجية، لماذا؟ لأنه عندما دخلت معارضات يعني في عديد من الأماكن أميركا اللاتينية أوروبا الشرقية وفي آسيا دخلت تجربة الحكم بالعكس ساعدت على الاستقرار..

علي الظفيري: أضافت للحكم.

رغيد الصلح: وساعدت على التطور الطبيعي للحياة السياسية. ليس يعني للنخب الحاكمة في المنطقة العربية من مبرر أو مسوغ لهذا الموقف، لا تستطيع أن تقول إنني أفعل ذلك بغرض حماية الأوضاع أو بغرض حماية الاستقرار أو حماية البلد، هذا ليس صحيحا يعني إذا يعني اتجهت إلى إفساح المجال أمام المعارضة لكي تعمل بحرية أو بشكل حر أنا أعتقد بالعكس هذا سوف يؤدي..

علي الظفيري: ثمة فوائد تنتظر.

رغيد الصلح: ثمة فوائد.


معوقات العلاقة المثالية بين السلطة والمجتمع

علي الظفيري: دعني ألخص لك دكتور ولدولة الرئيس أيضا سوء الأوضاع السياسية الذي قدمه تقرير التنمية العربية لعام 2009، تحدث عن واقع سياسي أليم جدا، استمرار انتهاكات أجهزة الدولة لحقوق المواطنين، الأمر المهم أنه تحول قوانين مكافحة الإرهاب والطوارئ إلى قوانين دائمة، هناك عشرة آلاف معتقل سياسي و62 ألفا حسب اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان تؤكد أن 62 ألف معتقل سياسي بمن فيهم الفلسطينيين، نتحدث عن أرقام هائلة جدا، هذا ملخص سريع جدا فقط لتوصيف الحالة السياسية في العالم العربي. دولة الرئيس، الإشكالية الكبيرة التي تواجهنا أن هناك موجات ديمقراطية شهدتها مناطق كثيرة في العالم، ما الذي يقف في وجه علاقة مثالية بين المجتمع والسلطة في العالم العربي برأيك؟

أحمد عبيدات: اسمح لي أن أقول بصراحة هناك جملة من المفاهيم الهامة والمركزية لها أثر كبير في تطور العملية السياسية في الوطن العربي نحو التحول الديمقراطي، هذه المفاهيم، الحرية، المواطنة سواء كان مفهوم المواطنة أو حق المواطنة، حقوق الإنسان، الحق في الاختلاف، آسف أن أقول إن هذه المفاهيم على أهميتها ومركزيتها في عملية التغيير والعملية السياسية ما زالت غائمة جدا وملتبسة لدى السلطة في العالم العربي، وأحيانا بصراحة تجد نفس الغموض موجودا لدى المعارضة فهذه العلاقة غير الصحية بين الطرفين واحد من أسبابها هذا هو. السبب الآخر من وجهة نظري أن الفساد هو القاسم المشترك الأعظم بين معظم التصرفات المتشنجة وردود الفعل غير العقلانية التي تصدر من آن لآخر من السلطة نتيجة مواقف المعارضة أو انتقاد السياسات المالية أو الاقتصادية أو غيرها، أنت تعرف كثير من التحالفات بين السلطة والمال حصلت في الوطن العربي دون اعتبار لمصلحة المواطنين بشكل عام، انسحبت الدولة بصورة أو بأخرى من كثير من التزاماتها الاجتماعية تجاه المجتمع..

علي الظفيري (مقاطعا): خاصة بيع القطاع العام، ما حصل للقطاع العام.

أحمد عبيدات: تماما، تآكلت الطبقة الوسطى وهي -من الملفت للنظر- هي تشكل عصب السلطة تاريخيا وعصب المعارضة، هذه كلها استمرار عقلية السلطة الأبوية وعقلية قيادة العشيرة في قيادة الدولة أو في حكم الدولة هذه كلها أسباب تتضافر بحيث تسوق العلاقة بين السلطة والمعارضة إلى مزيد من التردي. ما أعرف إذا كان المقصود الآن يعني..

علي الظفيري (مقاطعا): هناك نقطة أريد أيضا أن أفصل فيها إضافة إلى ما ذكرته وأسأل الدكتور رغيد الصلح عنها، هل للإرث الثقافي السياسي العربي والإسلامي علاقة بهذه المسألة، مكون أو مبدأ طاعة ولي الأمر الطاعة المطلقة والموقع المتقدم لولي الأمر الذي تم توظيفه وتكريسه تاريخيا منذ الدولة الأموية وحتى اليوم له علاقة بما يجري اليوم؟ موجات الديمقراطية كما ذكر صموئيل هنتنغتون في توصيفه أن هناك ثلاث موجات مرت على العالم، آخر موجة الموجة الثالثة مرت على جنوب أوروبا، أوروبا الشرقية، أميركا اللاتينية لم يأتنا منها شيء في العالم العربي، فهل للإرث الثقافي السياسي علاقة؟

رغيد الصلح: أنا موافق على أنه للثقافة السياسية أثر كبير خاصة وأنه مع الأسف الشديد الموقف السلبي من الديمقراطية ومن التحول الديمقراطي في المنطقة ليس مقصورا على النخب الحاكمة فقط وإنما حتى في الأحزاب السياسية المعارضة حتى الآن هنالك ربما إعلان عن تبني الديمقراطية والموافقة علنية أو إعلانية عن هذه المسألة ولكن أولا ليس هناك.. لست أعتقد أنه هنالك التزام حقيقي بالقيم الديمقراطية يعني أعتقد أن هنالك قناعة عامة لدى جميع أحزاب وقوى المعارضة في المنطقة بهذا الالتزام، هنالك قطعا أحزاب وقوى معارضة تلتزم بهذه الفكرة وتعمل على تطبيقها ولكن هذا الأمر لا يسري على الجميع وأنا لست أتحدث عن فريق أيديولوجي معين وأميزه عن فريق أيديولوجي آخر، هنالك بالطبع كلام كثير عن عدم التزام الأحزاب الإسلامية بهذه المسألة لكن لست أعتقد أن هذا يعني هذا الكلام دقيق يعني هنالك أحزاب إسلامية وافقت على الديمقراطية أو تبنتها بالمقدار نفسه الذي ينسحب على..

علي الظفيري: الأحزاب العلمانية.

رغيد الصلح: الأحزاب الأخرى فليست هنالك نسب متباينة. صار هنالك يعني نوع من التوطين بمعنى الثقافات الديمقراطية التي أصبحت شائعة في العالم وطناها نحن هنا بما يتناسب مع استمرار نظام الاستبداد ونظام القمع مع الأسف الشديد بينما نحن في تاريخنا المديد يعني في تاريخ المنطقة المديد هنالك الكثير من المقومات ومن الحوافز إلى تبني الديمقراطية لا بل إلى تبني ديمقراطية تتجاوز ما هو موجود حاليا، يعني مثلا هنالك أحاديث كثيرة على أن الديمقراطية الأثينية هي أصل الديمقراطيات في العالم يعني كثير من المؤرخين والأنتروبولوجيين يقولون إن الديمقراطية كانت موجودة في كافة المنطقة هذه وليس في أثينا نفسها. هنالك عامل آخر غير الثقافة السياسية يفسر لماذا هذا الوضع موجود وهذا يعني موضع اقتناع عند عدد كبير من المفكرين العرب..

علي الظفيري: ما هو؟

رغيد الصلح: هو موضوع الدولة الريعية يعني نحن نعلم أن القوى يعني السلطات أو النخب الحاكمة التي تريد الحفاظ على نمط معين من الحكم نمط شديد المركزية نمط مطلق تمسك من جهة بالعصا ومن جهة ثانية بالجزرة ولا.. في أغلب الحالات إما..

علي الظفيري (مقاطعا): لكن هذا اختفى الآن.

رغيد الصلح (متابعا): في أغلب الحالات إما أن تمسك بالعصا أو بالجزرة أما الآن تمسك بالاثنين..

علي الظفيري (مقاطعا): دكتور الآن مصر دولة ريعية اليوم، الأردن دولة ريعية، تم بيع القطاع العام يعني بشكل عام فبالتالي حتى الدولة الريعية إذا كان سببا فُقِد اليوم كسبب.

رغيد الصلح: يعني بشكل عام، لا، اسمح لي أنا أخالف ذلك يعني صح حصل نوع من الخصخصة في المنطقة العربية بصورة..

علي الظفيري: خصخصة جائرة كما وصفت أحيانا.

رغيد الصلح: ولكن الخصخصة أصل الخصخصة في الفكر الـ new liberally هو أن تقلص الدولة تقلص سيطرتها على المجتمع فالذي حصل هو ليس خصخصة بهذا المعنى لأن هذه الخصخصة حصلت داخل النخبة الحاكمة نفسها لأفرادها أنفسهم..

علي الظفيري: بيعه..

رغيد الصلح: فحصل أن انتقلت من الدولة..

علي الظفيري: إلى المحيطين..

رغيد الصلح: إلى النخبة الحاكمة وبالتالي زاد التشدد المحلي وأصبحت لدى النخبة الحاكمة وسائل للسيطرة خارج مؤسسات الدولة.

علي الظفيري: إذاً بالإضافة إلى الإرث الثقافي السياسي..

رغيد الصلح: بالإضافة إلى العصا أصبحت الجزرة..

علي الظفيري: الدولة الريعية وعملية الخصخصة الجائرة التي تمت. دولة الرئيس هل لدينا مشروع إصلاح سياسي قائم في المنطقة برأيك؟

أحمد عبيدات: والله أنا لا أرى أي مشروع إصلاح سياسي..

علي الظفيري: طيب وما كان يتم الحديث عنه طوال الثمانية أعوام الماضية، العشرة أعوام الماضية؟

أحمد عبيدات: أنا أعتقد أنها محاولات لتجاوز أزمات معينة أو تجاوز مرحلة من المراحل تشعر فيها أنظمة الحكم في الوطن العربي أنها بحاجة إلى أن تعيد النظر في علاقتها مع الجمهور وبالتالي هي تخاطب القوى السياسية والحزبية وقوى المعارضة والنخبة المثقفة حتى تكسب الوقت أولا وحتى تتجاوز هذه المراحل..

علي الظفيري (مقاطعا): الأزمة ما ملمحها؟ الضغط الخارجي الذي كانت تعرضت له من إدارة بوش تحديدا بعض البيانات السياسية والخطب أم ضغط داخلي؟

أحمد عبيدات: الحقيقة هو فشل السياسات المطبقة في الداخل هو الذي مهد لممارسة ضغوط خارجية على هذه الأنظمة..

علي الظفيري: واكتمل ملح الأزمة؟

أحمد عبيدات: تماما، وبالتالي فقدان المصداقية لهذه الأنظمة لدى شعوبها أعطى المبرر للضغط الخارجي لكن لم تعد السلطة تحتمل أي نقد أو أي تصويب لمسارها وتعتبره تعديا على صلاحياتها وكما قلت تعتبر نفسها هي صاحبة الحق الوحيد في العمل السياسي والآخرين عليهم إما أن يصمتوا أو ينافقوا أو يقدموا تبريرات لما يحصل، فهذه هي الأزمة وحتى الأمثلة اللي يمكن أن تساق عن عملية المشاركة بين مثلا المعارضة والقوى السياسية المختلفة وبين الحكم في نماذج يشار إليها من آن لآخر في معظم البلدان العربية قضية تحتاج إلى مزيد من البحث والتحليل يعني.


نتائج مشاركة المعارضة في الحكم في التجارب العربية

علي الظفيري: دعنا نطرح تساؤلا حول هذه المسألة تحديدا في فكرة الإصلاح السياسي، دكتور رغيد حدثت بعض المشاركات الجزئية من قبل المعارضة في السلطة، اليمن، الأردن، الكويت بشكل دائم أو بشكل محدود أحيانا، المغرب كذلك في السنوات الأخيرة الماضية، هذه أبرز نماذج واضحة لدينا، ماذا استفادت المعارضة من المشاركة وماذا استفادت السلطة؟

رغيد الصلح: يعني فلنبحث من حيث المبدأ مسألة مشاركة أحزاب المعارضة في السلطة، أنا أعتقد أنه من حيث المبدأ ليس هنالك خطأ في هذه المسألة لأنه من المفروض عندما تدخل أحزاب المعارضة في الحكم أن تدخل وهي معها برنامج للتغيير، وهنا أود أن أتوقف عند هذه المسألة إلى حد ما، أن قوى التغيير أو القاطرة للتغيير في المنطقة يجب أن تأتي من قوى المعارضة لأنها هي المعنية بتغيير الأوضاع والخروج من الوضع الراهن بينما المفروض النخب الحاكمة هي يعني بحكم مصالحها وتفكيرها أن تحاول الإبقاء على الوضع الراهن، فعندما تدخل تشارك أحزاب المعارضة في الحكم يجب أن تأتي ومعها مشروع للإصلاح للتطوير للتغيير للنهوض بالمجتمع. أتصور أن أكثر أحزاب المعارضة التي دخلت للحكم عندها كان بعض الأفكار أو ربما بعض البرامج إنما أتصور في المغرب كان موجودا مثل هذا الأمر، المسألة الأساسية إلى أي مدى يعني بقيت على التزامها بهذا المشروع؟ إلى أي مدى حاولت أن تطرح وهي داخل الحكومة داخل مؤسسات السلطة إلى أي مدى ليس فقط على مستوى الحكومة ولكن على جميع المستويات حتى على مستوى البلديات حتى على مستوى الإدارات، إلى أي مدى حاولت أن تلقح النظام السياسي الدولة المؤسسات الرسمية بتفكيرها الإصلاحي بتفكيرها التغييري؟ أنا أتصور هنا توجد مشكلة، توجد مشكلة وهي مؤشر على وضع المعارضة وأشار إليها دولة الرئيس في أكثر من ناحية، أحزاب المعارضة هي أيضا تعاني من بعض الثغرات والنواقص الموجودة في النظام نفسه يعني مثلا نلاحظ في كثير من الأحيان أحزاب المعارضة الحياة الداخلية للأحزاب لم تتطور بالمعايير الديمقراطية تطورا كاملا، ليس هنالك تداول للسلطة حتى في أحزاب يعني مفروض أحزاب عصرية وتمثل يعني إرادة التغيير..

علي الظفيري (مقاطعا): طيب إذاً بشكل عام هناك ملاحظات كثيرة وإشكاليات كثيرة، استفادت السلطة -نستطيع أن نقول- أكثر؟

رغيد الصلح: بالتأكيد.

علي الظفيري: أكثر من المعارضة؟

أحمد عبيدات: أكثر من المعارضة بالتأكيد وهنا لا بد أن يعني نلقي الضوء على بعض الجوانب الأخرى لهذه القضية يعني أنا لا أستطيع أن أتحدث كثيرا عن التجارب التي حصلت في المغرب وفي مصر وفي بلدان أخرى..

علي الظفيري: الأردن.

أحمد عبيدات: ربما أستطيع أن ألقي بعض الضوء على تجربة مضت وانقضت في الأردن وأنا أشير بشكل خاص إلى مرحلة من 1989 حتى 1993 عندما استؤنفت الحياة النيابية في الأردن بعد أن توقفت بعد قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية حل مجلس النواب، كانت الأوضاع الداخلية في الأردن تزداد سوءا يوما بعد يوم سواء كان على مستوى الحريات العامة أو على مستوى الوضع الاقتصادي المتردي وعلى مستوى العلاقة بين السلطة وليس فقط المعارضة، على السلطة ومجموع الناس، حصلت اختناقات سياسية واقتصادية كبيرة جدا انتهت بأحداث في جنوب الأردن على أثرها بادر الملك حسين رحمه الله إلى إقالة الحكومة والأمر بإجراء انتخابات نيابية وجرت انتخابات نيابية عام 1989 جاءت بطيف سياسي متعدد من المعارضة والأحزاب السياسية الأخرى وبعد ذلك شكلت اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني من ستين عضوا وكان لي شرف المشاركة في هذه اللجنة وكان نصيب المعارضة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار كبيرا جدا في هذه اللجنة التي دامت حواراتها حوالي ثمانية أشهر..

علي الظفيري (مقاطعا): التفاصيل فيها كثيرة لكن النتيجة؟

أحمد عبيدات: النتيجة أن نتيجة هذا الانفراج السياسي واستعادة الثقة بين السلطة والناس وبين السلطة وقوى المعارضة والأحزاب السياسية تم سن عدد من التشريعات التي أسهمت في تعزيز الثقة العامة في البلاد في الحريات العامة تعزيز الحريات العامة تشريعات لها علاقة بتطور العملية الديمقراطية، وكانت مشاركة القوى السياسية والأحزاب وأحزاب المعارضة سواء في البرلمان أو في الحكومة وعلى محدودية مشاركتها في الحكومة سواء كان من رموز الحركة الإسلامية أو بعض القوميين واليساريين كان لها أثر كبير في هذا التطور..

علي الظفيري (مقاطعا): يعني بداية الفكرة كانت تسير بشكل جيد. أنا مضطر دولة الرئيس أن أتوقف مع فاصل، مضطر جدا، سأستأنف هذه النقطة معك ومع ضيوفي الكرام، بعد الفاصل مشاهدينا الكرام سنتحدث عن الدول الفاشلة، الدول التي في وضع حرج -للأسف حالات عربية كثيرة- وبعض المعلومات التي مؤكد أنها تقع في دائرة اهتمامكم، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام في حلقتنا الأول من برنامج "في العمق"، نتاول العلاقة المتردية بين السلطة والمعارضة. أرحب بضيفي دولة الرئيس أحمد عبيدات، الدكتور رغيد الصلح. وكان أستاذ أحمد عبيدات يتحدث عن الانفراج الذي حدث في الأردن وتفاعل المعارضة نتيجته ربما لم تكن النتيجة المنتظرة.

أحمد عبيدات: النتيجة كان من المؤمل أن تفتح الأبواب على مصراعيها لمزيد من الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في إطار الديمقراطية المعلنة في ذلك الوقت في مرحلة التحول نحو الديمقراطية، اللي حصل بعد هذا كله أن الأردن بشكل مفاجئ توقف عن هذه العملية وكان التمهيد المسرح الدولي لمؤتمر مدريد للسلام قد بدأ وتبين أن كل هذا المجهود جيّر في نهاية المطاف لصالح هدف آخر وهو مؤتمر السلام على أساس أن السلطة..

علي الظفيري (مقاطعا): إذاً السلطة هي من جير هذه المشاركة الجزئية للمعارضة.

أحمد عبيدات: نعم، وتم التراجع عن كثير من التشريعات.


الآثار المترتبة على العلاقة السيئة بين السلطة والمعارضة

علي الظفيري: وتراجع. وهذا حدث أيضا في حالات أخرى. الآن نريد أن نقرأ مع مشاهدينا الكرام قضية الآثار المترتبة، هناك علاقة سيئة بين السلطة والمعارضة، هناك عقد سياسي ضائع مفقود، في هذه الحالة ما الذي يترتب عليه؟ مجلة فورين بولسي الأميركية بالتعاون مع ما يعرف بصندوق السلم نشرت مؤخرا قائمة للدول الفاشلة على مستوى العالم للعام الحالي 2009، في المجموعة الحرجة -مشاهدينا الكرام- وهي الأشد خطورة كانت الصومال تحتل المرتبة الأولى وهي على هذا الحال منذ سنوات يليها السودان وهي في المرتبة الثالثة، العراق في الدول الحرجة الأشد خطورة يحتل المرتبة السادسة مع أنه كان يحتل مرتبة متقدمة، ثم اليمن الذي انضم حديثا إلى هذه الفئة حيث يحتل المرتبة الـ 18، في المجموعة الخطرة أيضا لبنان وسوريا، لبنان تنضم لهذه المجموعة في المرتبة 28 وكذلك سوريا، مصر كانت في العام الماضي، في عام 2009 لا توجد مصر على هذه القائمة لكنها في عام 2008 كانت موجودة، هذه الدول تكررت بشكل كبير جدا. دعونا نطلع على أوضاع اليمن، اليمن حسب هذا التوصيف، اليمن مثلا دولة لا تسيطر فيها السلطة إلا على ثلث البلاد -حسب مجلة التايم الأميركية- صعدة اليوم -سنشاهدها الآن على الخريطة- صعدة طبعا خارج سيطرة الدولة بعدما تحولت إلى ساحة حرب مفتوحة بين الدولة والحوثيين وتكاد سيطرة الحكومة تنعدم في كثير من المناطق القبلية، ما كان في السابق أيضا يمنا جنوبيا يطالب اليوم بالانفصال، هناك مشاكل كثيرة وفوق هذا وذاك تحولت البلاد بطولها وعرضها إلى ملاذات آمنة للقاعدة التي أعادت تنظيم صفوفها مؤخرا، هذا طبعا حسب مجلة التايم الأميركية. سنعرج بعد قليل على السودان كحالة أخرى للعلاقة المتردية بين السلطة والمعارضة في العالم العربي وما يترتب عليها. دكتور رغيد ما الذي يترتب على سوء هذه العلاقة وترديها وتراجعها، سيادة الدولة مثلا في خطر؟

رغيد الصلح: ما الذي يترتب من نتائج ولكن معلش لو توقفنا إلى حد ما عند الأسباب ندرك معها.. يعني نستطيع من خلالها أن نصل إلى بعض النتائج. أنا أعتقد أنه من أهم الأسباب كما ذكرت يمكن في أثناء الحديث هو التدخل الخارجي، يعني العنصر الخارجي لعب دورا مهما على هذا الصعيد حسب يعني ما قال دولة الرئيس مثلا إنه كان فيه نوع من الترتيبات الكرونولوجية يعني أتينا إلى مرحلة معينة من مؤتمر مدريد وما بعده حدث نوع من التردي. السودان هنالك تدخل خارجي على مستوى واسع..

علي الظفيري (مقاطعا): إذاً التدخل الخارجي سبب.

رغيد الصلح: يعني في تدخل خارجي قطعا لا شك في ذلك، عندك في لبنان مثلا نحن في هنالك ضغط شديد من قبل طرف خارجي من أجل إقصاء بعض.. المقاومة مثلا حزب الله عن دخول الحكومة، هذه مسألة ليست داخلية فقط طبعا هناك يعني مواقف متصارعة، ربما في أطراف محلية لبنانية لأسباب كثيرة لها مآخذ على حزب الله هذه مسألة ثانية..

علي الظفيري (مقاطعا): دعني أفهمك بشكل أوضح دكتور، الضغط الخارجي سبب في تردي العلاقة أم نتيجة لها؟

رغيد الصلح: طبعا، لا أنه أدى إلى شحن الوضع الداخلي إلى أبعد حد يعني كان من الممكن أن تحصل ترتيبات محلية نوع من التوافق المحلي ولكن كان الضغط الأميركي والفيتو الأميركي كان عنصرا مهما. بعدين العراق أبرز مثال على ذلك يعني انتقل من دولة إلى دولة فاشلة حتى قبل، رغم الحصار ورغم العقوبات كان هنالك نوع من الحياة المعقولة لكن الضغط الخارجي يعني يجب ألا نقلل من أهميته لأسباب معروفة، يعني مثلا الضغط الأميركي على السودان أحد أسبابه الصراع على النفط، دخلت الصين تريد يعني الاستفادة الاستثمار بعض الثروات النفطية واستيرادها فكان هنالك رد فعل أميركي عنيف وإلى حد ما..

علي الظفيري (مقاطعا): الرئيس أحمد عبيدات له تعليق على هذا الموضوع.

أحمد عبيدات: في الحقيقة أنا لا أخالف الدكتور رغيد في أنه قد يكون أحد الأسباب ولكنني أود أن أشير إلى أن التدخل الخارجي يأتي في أحيان كثيرة كنتيجة للسياسات المتبعة وللفشل في الحكم ولفقدان مصداقية الدولة لدى شعبها ولفشلها في التنمية وللفساد المسيطر فيها ولغياب العدالة والمساواة ولاختلال العلاقة الإجمالية بين السلطة.. يعني عندما تنعدم حرية التعبير وتنفرد السلطة بالقرار يصبح هناك مناخ سياسي طارد وليس جاذبا وبالتالي ينعدم الحوار بين الجانبين، إذا انعدم الحوار تتضاءل إمكانية تداول السلطة بطريقة سلمية وفي هذه الحالة لا يبقى أمام القوى السياسية والمعارضة إلا أن تسلك سلوكا آخر دفاعا عن النفس فتجنح إلى النزول تحت الأرض، رد فعل السلطة عادة يكون باستخدام العنف والقوة بل والإفراط في استخدام القوة رد فعل على موقف المعارضة، المعارضة بالمقابل تلجأ للعنف دفاعا عن النفس وهكذا تدخل البلاد في حلقة جهنمية مفرغة، تنتقل عملية الصدام المتفرق من الآخر إلى صدام قد يطول زمنه وبالتالي يصبح صداما مسلحا وهنا تفتح الأبواب على مصراعيها لقوى التدخل الخارجي سواء كانت قوى خارجية إقليمية أو دولية قد ترى لها مصلحة في مثل هذا التدخل وهذا الذي يمكن أن يفسر التدخل اللي ممكن يحصل أو الحاصل في اليمن أو حصل أو يمكن أن يتطور في السودان..

علي الظفيري (مقاطعا): إذاً هو نتيجة يعني بخلاف ربما ما يرى الدكتور. ممكن نشاهد السودان الأخ رمزان النعيمي إذا كان بالإمكان أن نشاهد السودان كحالة أيضا، السودان هذا طبعا السودان مطوق بقوس من الأزمات ومهدد بالانشطار اثنين ثلاثة لا نعلم، الجنوب سيحسم خيار انفصاله أو بقائه سودانيا في استفتاء عام 2011 وإن كان التاريخ لم يحفظ لنا مثالا واحد لإقليم عرض عليه خيار تقرير المصير فاختار الوحدة على الانفصال إلا إقليم كيبك الكندي، إقليم دارفور الذي انطلقت منه، انطلقت أزمته كاحتجاج على التهميش استحالت اليوم دعوة إلى الانسلاخ عن الجسد السوداني، أطراف الجسد السوداني كلها تنزف جراء التوتر والصراعات في كردوفان الواقعة في أقصى جنوب الشمال، السودان في الشرق كسلا والقطارف في ولاية البحر الأحمر فضلا عن حالة التململ في الشمال. هذه حالة ثانية أيضا دكتور رغيد لدولة عربية تتعرض لخطر التفتت والانقسام نتيجة ربما نتيجة عدم وجود عقد سياسي اجتماعي يوحد البلد، هل من أثر لهذه العلاقة السيئة على التنمية -دكتور رغيد- في العالم العربي؟

رغيد الصلح: يعني أحيانا العلاقة بديهية أنه في ظل التصدع الشديد داخل المجتمع سواء بسبب خارجي أو لأسباب داخلية كما أشار دولة الرئيس، أسباب داخلية لها عقلية باستمرار العقلية الإقصائية التي تريد إقصاء إما جماعات إثنية عن الحكم أو جماعات يعني سياسية تتبنى أيديولوجيا معينة أو جماعات يعني معارضة فهذا التصدع يؤثر على إمكانيات التنمية. من الضروري أن تكون هنالك درجة من الاستقرار من أجل أن يحصل تنمية ثم من الضروري أن تكون هنالك درجة من الاستقرار من أجل تشجيع الاستثمار والمستثمرين على أن يوظفوا أموالهم في هذا البلد سواء كانوا من البلد نفسه أو من مثلا أقطار شقيقة أو غيره، ثم إن عملية التصدع الذي يصل إلى الحروب الأهلية يحرم البلدان من ثروات بشرية وثروات مادية هي تلعب دورا مهما في عملية التنمية، فهنالك علاقة حثيثة وواضحة بين إمكانيات واحتمالات التنمية، التنمية المستدامة والتنمية الحقيقية من جهة وبين تأمين مناخ أو بيئة ملائمة لهذه التنمية.


تأثير الواقع التنموي وسبل إيجاد عقد سياسي سليم

علي الظفيري: دولة الرئيس قبل أن أستمع إلى رأيك وإجابتك في هذه المسألة دعنا نتعرف ماذا يقول تقرير التنمية العربي لعام 2009 عن مواقع التنمية في الدول العربية، دعونا نطلع على بعض هذه المعلومات، متوسط البطالة بين الشباب وهي الفئة الأكبر 70% من العالم العربي متوسط البطالة 30%، متوسط الفقر نحو 40%، 65 مليون عربي، معدل الأمية قرابة الـ 40%، 65 مليون أمي عربي، أقل من 0,5 من العرب يستخدمون الإنترنت. دولة الرئيس ما تعليقك على هذا الواقع التنموي، ارتباطه بالتوتر القائم بين السلطة والمعارضة؟

أحمد عبيدات: شيء طبيعي جدا بالإضافة إلى ما ذكرت عن الاختناقات السياسية وانعدام الحوار وبالتالي انعدام المشاركة الحقيقية للناس في برامج التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية يعني، العنف والعنف المتبادل، هذه العلاقة المتشنجة هي من شأنها زعزعة الاستقرار في أي بلد، إذا تزعزع الاستقرار تعطلت مشاريع التنمية.

علي الظفيري: مباشرة.

أحمد عبيدات: إشي طبيعي جدا، هذه نتيجة طبيعية جدا.

علي الظفيري: طيب ألا يمكن أن تكون المعارضة هنا جزءا من.. يعني طرفا رئيسيا في عملية الدفع نحو عدم الاستقرار؟ مشغولة بالجانب السياسي يعني لماذا لا تصلح تنمويا اقتصاديا؟

أحمد عبيدات: هذا صحيح، يعني إحنا ركزنا كثيرا على الخلل في جانب السلطة وقد أشار الدكتور رغيد على بعض الثغرات في بنية المعارضة وفي سلوكها اللي يتعلق في افتقاد التداول الديمقراطي للمسؤولية داخل قوى المعارضة والأحزاب السياسية، ضعف المشاركة، الفجوة الكبيرة التي تقع بين القيادة والقاعدة، الجمود الفكري والانغلاق اللي بيصاحب هذه التيارات السياسية وبالتالي يبعد عنها الكفاءات ويحدث كثيرا من الانشقاقات فيضعفها وبالتالي يجعلها قوة غير فعالة وغير فاعلة في عملية التنمية أو تضعف أهميتها أمام السلطة.

علي الظفيري: هنا يعني ربما يكون ضروريا أن نتحدث عن مسألة مهمة جدا، عن طريق التنمية الاقتصادية، دكتور رغيد، عالم الاجتماع السياسي الأميركي الشهير سيمور مارتن في كتابه "الرجل السياسي" وهو طبعا صاحب نظرية الحداثة في التغيير السياسي، يتحدث عن نهج آخر للتطور والتحديث السياسي والإصلاح السياسي عبر التنمية. لماذا لا تسلك المعارضة في العالم العربي اليوم هذا النهج بدل أن تناكف السلطة في مكانتها وموقعها؟

رغيد الصلح: يعني أتصور أن "ليبست" في مرحلة متأخرة من العمر عمل نوعا من المراجعة لهذه الفكرة أنه لا يكفي أن تطور البلد اقتصاديا وتنمويا، لا بد أن يكون هنالك نوع من التنمية السياسية والإصلاح السياسي أيضا أن يرافق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية يعني من أجل خلق مناخ أفضل للتنمية في حد ذاتها. وأنا أعتقد أن هنالك مسؤولية كبيرة على المعارضة، حتى الآن المعارضات في المنطقة العربية -كما أتصور- لم تحسم خيارها الديمقراطي يعني بشكل نهائي..

علي الظفيري (مقاطعا): كيف؟

رغيد الصلح: يعني لا يزال هنالك إما فارق بين الإعلان أو ما تعرب عنه في المؤتمرات وفي الإعلانات الإعلامية وبين ما تنفذه وتطبقه يعني الإستراتيجيات التكتيكات الخطوات التي تتبعها على أرض الواقع مختلفة يعني لا تزال تشعر في بعض الأحيان أن أحزابا سياسية في المنطقة الأجندة الحقيقية هي محاولة تغيير وإسقاط النظام أو أن تأتي قوة أخرى من الغيب وأن تسقط هذا النظام وأن تأتي بالمعارضة إلى الحكم، وهذا حدث يعني إلى حد بعيد خصوصا في المرحلة العراقية وما بعدها يعني كان هنالك نوع من التوقعات أن تستمر هذه العملية بحيث أن تطيح في الأنظمة السياسية في المنطقة وأن تأتي بالمعارضات التي أعلنت قبولها بالديمقراطية. أعتقد أن.. يعني هذا الأمر لا ينسحب على كل الأحزاب قطعا وإنما ينسحب على أحزاب معينة..

علي الظفيري: طيب، لكنه يمثل حالة.

رغيد الصلح: لكن أعتقد أنه من المفروض أن تحسم هذه المسألة الأحزاب، كل الأحزاب يعني كافة الأحزاب أن تحسم بصورة نهائية أن خيارها هو الديمقراطية سواء كانت خارج الحكم أو بداخله.

علي الظفيري: يعني لحد الآن علامة استفهام تقصد حول خيارات المعارضة؟

رغيد الصلح: يعني أعتقد أنها لم تحسم هذا الخيار نهائيا، في دول العالم الثالث في جنوب شرق آسيا، في أميركا اللاتينية، أوروبا الشرقية أكثر المعارضات اتخذت قرارا بهذا المعنى..

علي الظفيري: حسمت الموضوع. حديث الدكتور طبعا لك تعليق عليه دولة الرئيس ولكن يدخلنا في فكرتنا الأخيرة ربما خلاصة هذا الحديث كيف يمكن أن نوجد عقدا سياسيا بالإضافة.. كأحد فروع العقد الاجتماعي الذي يحكم الدول يجمع هذه السلطة بالمعارضة وبالتالي تنشأ حالة من الاستقرار في بلداننا العربية؟

أحمد عبيدات: الاستكمال للموضوع اللي أشار له الدكتور رغيد، الحقيقة علينا أن ننصف المعارضة في الوطن العربي تاريخيا، تاريخيا المعارضة فعلا نجحت في كسب معركة الاستقلال ضد الاستعمار الأجنبي.

علي الظفيري: نجحت ضد الاستعمار وفشلت أمام الاستبداد.

أحمد عبيدات: ولكنها لم تنجح أو فشلت أو لم تنجح بنفس المقدار في مشروعها السياسي والتغيير الاجتماعي للأسباب التي أشار إليها الدكتور وأشرت إلى بعضها، المعارضة طرحت في مراحل كثيرة جدا -وما بأحكيش بالمطلق لكن بالإجمال كحالة- طرحت تصورات كبيرة جدا للمستقبل وإستراتيجيات كبيرة جدا لكنها لم تدرك أن الشروط الموضوعية لتنفيذ أو لإنجاز هذه الإستراتيجيات جاهزة ولم تمتلك أو تطرح برامج سياسية لتنفيذ هذه الإستراتيجيات، هذا ساهم إلى حد كبير جدا في عملية الفشل التي نعاني منها والطريق المسدود التي وصلناها في العالم العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

علي الظفيري: دكتور رغيد كيف نصل لعقد سياسي؟

رغيد الصلح: على الأقل على المستوى الفكري ليس هنالك بحث جدي وحوار جدي بين أطراف المعارضات العربية حول التغيير الديمقراطي كيف يحصل؟ ما هي شروطه؟ كيف نقوم به؟ ما هي جملة التحركات والمواقف التي ممكن أن تساهم في هذا التغيير؟ ليس مطروحا على النقاش بشكل جدي يعني وعلى نطاق واسع. هنالك محاولات هنا وهناك يعني مثلا هنالك فكرة في إطار مشروع الدراسات الديمقراطية بحثت حول تشكيل الكتلة التاريخية لكن حتى هذا الأمر يعني لا يزال في البدايات لم يجر بحثه في عمق كيف ننشئ الكتلة التاريخية من أجل التغيير، ثم ما هو الغرض من هذه الكتلة؟ هل هو الغرض من هذه تغيير النظام أو إحداث نوع من توازن القوى داخل النظام يسمح بأن تشكل حكومات ذات طابع ديمقراطي، أن تؤصل التجربة الديمقراطية؟ أعتقد أن مسألة التغيير هذه مسألة يجب أن تكون هما معارضا، والتغيير الديمقراطي ليس أي شكل آخر من التغير يعني أنا أعتقد أن باب التغيير اللي كان موجودا في الماضي عن طريق الانقلابات العسكرية والاستيلاء على السلطة من الأساليب يعني الظلامية وإلى آخره لم يعد متوفرا، هذا سوف يقود إلى الخراب وإلى تفكك المجتمعات.

علي الظفيري: آخذ التعليق الأخير وباختصار دولة الرئيس لو تكرمت.

أحمد عبيدات: باختصار الحقيقة بالإضافة إلى ما ذكره الدكتور رغيد وأجاب على موضوع المخرج في العقد السياسي بين الجانبين، أنا أعتقد أن هناك مسؤولية مشتركة على السلطة والمعارضة في الوطن العربي عليهم أن يفكروا بمسؤولية عالية للتوصل إلى نموذج ديمقراطي دون أن يكون بالضرورة نسخة طبق الأصل عن النموذج الديمقراطي الغربي ودون أن يكون أيضا خاضعا لحالة التخلف السياسي والاقتصادي والثقافي التي تسود العالم العربي والتي أوصلت إليه.

علي الظفيري: أعرف أن هناك نقاطا كثيرة ومهمة جدا ولكن بكل أسف وصلت إلى نهاية هذه الحلقة. رئيس الوزراء الأردني الأسبق رئيس المخابرات وزير الداخلية وزير الدفاع رئيس المركز الوطني للإصلاح..

أحمد عبيدات: لحقوق الإنسان.

علي الظفيري: لحقوق الإنسان -عفوا- أستاذ أحمد عبيدات شكرا جزيلا لك. الدكتور رغيد الصلح الكاتب والباحث السياسي شكرا جزيلا لك على مشاركتك في هذه الحلقة، شكرا لكما على تفضلكما بالحضور والمشاركة معنا. مشاهدينا الكرام فريق كبير جدا يستحق الشكر أيضا الذي ساهم في إنتاج حلقتنا، قسم الغرافيك نضال إلهامي قسم الترويج حسن زيدان، زملاؤنا في مكتب الجزيرة في عمان الزميل ياسر أبو هلالة، حسن نور الدين في مكتب الجزيرة في بيروت، منتج البرنامج داود سليمان ومنتجه أيضا يوسف الشروف وعبير العنزي، صاحب الرؤية الإخراجية الجميلة ليس في البرنامج إنما أيضا في الحلة الجديدة لقناة الجزيرة الزميل رمزان النعيمي. شكرا لكم نلقاكم في الأسبوع القادم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة