دانييل إيلزبورغ.. تسريبات إيلزبورغ وويكيليكس   
الاثنين 1432/1/21 هـ - الموافق 27/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:44 (مكة المكرمة)، 10:44 (غرينتش)

- حول تسريب وثائق البنتاغون المتعلقة بفيتنام
- أوجه الشبه مع وثائق ويكيليكس ومبررات التسريب

حول تسريب وثائق البنتاغون المتعلقة بفيتنام

عبد الرحيم فقرا
دانييل إيلزبورغ
عبد الرحيم فقرا:
مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج لقاء اليوم ونخوض فيها في بعض جوانب تسريبات ويكيليكس، ضيفنا في هذه الحلقة هو دانييل إيلزبورغ رجل ارتبط اسمه بتسريب ما يعرف بوثائق البنتاغون في مطلع السبعينيات من القرن الماضي فقد كان البنتاغون أعد دراسة سرية عن تاريخ التدخل العسكري الأميركي في فييتنام بين عامي 1945 و1967 وفي عام 1971 بدأت صحيفة نيويورك تايمز في نشر الدراسة التي كان قد سربها إليها دانييل إيلزبورغ، الصحيفة كتبت في وقت لاحق أن وثائق البنتاغون أثبتت أن حكومة الرئيس جونسون آنذاك كذبت على الرأي العام الأميركي وعلى الكونغرس أيضا عندما صورت لهما حرب فييتنام كحرب يمكن تحقيق النصر فيها بينما كانت تعرف أن الأمر ليس كذلك. سيد إيلزبورغ مرحبا بك إلى لقاء اليوم وإلى الجزيرة، كيف كنت قد حصلت على وثائق البنتاغون آنذاك؟ بإيجاز.

دانييل إيلزبورغ: بعد أن كنت قد عملت في البنتاغون في دراسة إمكانية تصعيد الحرب خلال سنتي 1964 و1965 تطوعت خلالها بالذهاب إلى فييتنام مع وزارة الخارجية وعملت في السفارة الأميركية عامين في تقييم مسألة إحلال السلام وعندما عدت من هناك كانت الدراسة في طور الإنجاز وكانوا يبحثون عمن يعرف فييتنام وله دراية بعملية صنع القرار على المستويات العليا للمساهمة في هذه الدراسة حول تاريخ الحرب، ولانطباق الشروط علي كنت من أول من طلب منهم المساهمة في هذه الدراسة، لاحقا كنت تقريبا الشخص الوحيد الذي اطلع عليها كاملة للتحليل واستشفاف الدروس من حرب خاسرة، كنت عندها أعمل في مؤسسة راند وكنت تركت الحكومة لكني كنت مستشارا خارجيا للبنتاغون ومن قراءة هذه الدراسة شعرت أن هذه الأمور يجب أن يطلع عليها الكونغرس والشعب الأميركي.

عبد الرحيم فقرا: عندما قررت أن تسرب هذه الوثائق، بطبيعة الحال كما قلت كنت تعرف أنها تتعلق بمصلحة أميركية حيوية في فييتنام ومع ذلك قررت تسريبها، لماذا؟

دانييل إيلزبورغ: في الحقيقة لم أكن أرى أية مصلحة حيوية في البقاء في تلك الحرب بل بالعكس كنت أرى أن مصلحة الولايات المتحدة الحيوية تكمن في إخراج نفسها من تلك الحرب وإنهائها وذلك ما لم تكن تفعله الإدارة، كنت أرى أن مصلحة الولايات المتحدة في التوقف عن قتل الفييتناميين تماما مثلما أرى أنه من مصلحة الولايات المتحدة التوقف عن قتل العراقيين والأفغان.

عبد الرحيم فقرا: الآن بطبيعة الحال في ذاك الوقت كان الرئيس نيكسون في البيت الأبيض الوثائق كانت تتعلق أكثر بإدارة الرئيس جونسون، لماذا كان الرئيس نيكسون مهتما بأمور لم تحصل خلال إدارته؟

دانييل إيلزبورغ: لقد علمنا لاحقا من التسجيلات التي كان يجريها الرئيس نيكسون في مكتبه وكان يتنصت على مكتبه علمنا أنه كان سعيدا بخروج هذه المعلومات السرية للغاية المتعلقة بإدارة جونسون، وكما قال الدكتور هنري كيسنجر الذي كان مستشاره للأمن القومي إن الحرب بدأها الديمقراطيون وهذا صحيح إلى حد ما رغم أن آيزنهاور ونيكسون لعبا أدوارا هامة في الخمسينيات وبالتالي كان نيكسون سعيدا بخروج معلومات تضعف الحزب الديمقراطي، ما أقلقه من ناحيتي هو معرفته أنني كنت أمتلك معلومات من داخل مجلس الأمن القومي التابع لإدارته والذي كنت عملت معه كمستشار خارجي لدى الدكتور كيسنجر في بداية عام 1969 وعندما فطن إلى أن لدي وثائق قد تفضح كذبه وتهديداته لفييتنام الشمالية التي وصلت إلى حد التهديد بالسلاح النووي كان قلقا من احتمال خروج ذلك إلى العلن وقلقا من احتمال أن تكون بحوزتي وثائق إثبات، شعر أنه عليه إسكاتي باللجوء إلى طرق خارجة عن نظامنا القانوني، كنت آنذاك أخضع إلى المحاكمة بسبب تسريب وثائق البنتاغون رغم ذلك كلف فريقا من البيت الأبيض لمحاولة تحييدي حسب تعبيرهم واتخذوا عددا من الخطوات الإجرامية ضدي بما في ذلك محاولة نزع كل القدرات حسب كلامهم وقد هذا يعني اغتيالي أو على الأقل إرسالي إلى المستشفى لوقت طويل، ولهذا السبب في عام 1972 كان يخاف من أن أفشي خبر تهديداته النووية لفييتنام الشمالية هذه الأعمال الإجرامية هي التي أدت في الحقيقة إلى تهديده بالخلع ومن ثم إلى استقالته وقد كان ذلك أساسيا في إنهاء الحرب التي توقفت بعد تسعة أشهر من استقالته.

عبد الرحيم فقرا: بطبيعة الحال تشعر أن تسريبك لوثائق البنتاغون في نهاية المطاف أدى إلى إنهاء الحرب في فييتنام، إلى أي مدى تشعر أن تسريبك هو الذي أدى في نهاية المطاف إلى قيام الحكومة الأميركية آنذاك بإنهاء الحرب في فييتنام؟

دانييل إيلزبورغ: للأسف الأمل ضئيل، رغم أنه ستكون لها إنعكسات على المستوى السياسي وهكذا كان الأمر بالنسبة لوثائق البنتاغون لقد كنت أعلم حينها أن كل ما كان بحوزتي هي وثائق تصل فقط إلى سنة 1968 أي قبل وصول نيكسون إلى الحكم وأن تلك الوثائق سيكون لها أثر ضئيل على الحرب وبالفعل عندما خرجت هذه المعلومات كان لها تأثير على الرأي العام والذي كان بالفعل مناهضا للحرب فزادت من معارضته لها ولكن لم يكن لها أي تأثير على سياسات نيكسون الذي لم يأبه بكل آثارها، في الحقيقة كان قلقه من أن يكون بحوزتي وثائق تتعلق بإدارته هو الذي دفعه إلى الأعمال الإجرامية ضدي ولولا ذلك لما كان لوثائق البنتاغون أي تأثير على الإطلاق، هذا صحيح أيضا في خصوص الوثائق التي ظهرت الآن والتي لا تصل إلى مستوى وثائق البنتاغون التي كانت ذات سرية قصوى وتتعلق بصنع القرار على مستوى عال جدا من النوع الذي يسمح لبوب وودورد أن يطلع عليها بشكل طوعي عندما يكتب كتبه، تلك الوثائق السرية تقترب من خطورة وثائق البنتاغون لكن وودورد مع الأسف لا يتركنا نرى تلك الوثائق التي يسمح له بالإطلاع عليها، أتمنى أن يفعل ذلك وأن يعطيها لويكيليكس، وثائق ويكيليكس  ذات مستوى منخفض فهي وثائق ميدانية سرية وأمل أن تطلق حوارا داخل الرأي العام ولكنني لست متفائلا.

أوجه الشبه مع وثائق ويكيليكس ومبررات التسريب

عبد الرحيم فقرا: أين تعتقد أن أوجه الشبه والاختلاف -بإيجاز بطبيعة الحال- تكمن بين ما قمت به أنت عندما سربت وثائق البنتاغون وما قام به جوليان أسانج؟

دانييل إيلزبورغ: إن المقارنة في الأدوار التي تصح هنا هي بيني أنا وبين براد ليمانينغ إذا ما كان هو المصدر وهو متهم من قبل البنتاغون بأنه مصدر تسريب هذه الوثائق وهذا لم يثبت أمام المحكمة بعد ولكن لنفترض أنه هو صاحب هذا العمل الجيد وأنا معجب بشجاعته وبعمله وبوطنيته ومهما كانت هوية المسرب لنقل إنه براد ليمانينغ وهذا يجعله بطلا في نظري وهو لم يكن له إطلاع على نوع الوثائق التي كانت بين يدي فأنا كنت في الوظيفة الحكومية بالدرجة الـ 18 أو FSA1 وهي أعلى الدرجات في الخدمة المدنية يقابلها رتبة لواء في الخدمة العسكرية بينما هو لا يعدو أن يكون عريفا ولم يكن له إطلاع على مثل ذلك المستوى ولكنه يواجه حربا من نفس النوع الذي شهدته أنا وهي حرب مبنية على الخداع والكذب وتحتوي على الكثير من جرائم الحرب التي ليست بصدد الخضوع إلى الملاحقة القضائية أو حتى التحري بشأنها كما بينت تلك البرقيات، لقد قال إنه كانت تروعه هذه الجرائم وإنه مستعد لدخول السجن مدى الحياة أو حتى الإعدام نتيجة لإظهارها إلى العموم أو كما قال أن يتبعها حوار ونقاش وإصلاح على مستوى العالم وهي نفس الدواعي التي كانت عندي وبالتالي المقارنة مباشرة.

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة لليمانينغ وبالنسبة لك أنت بطبيعة الحال قد ينظر إلى المسألة بهذه الطريقة أنت كما هو بطبيعة الحال كنتم تعملون في الخدمة العامة كان لكم ولاء للخدمة العامة للدولة الأميركية للولايات المتحدة وتسريب مثل هذه الوثائق قد يعتبر إخلالا بذلك الولاء قد يعتبر كما سمعنا من العديد من الأميركيين حتى بمثابة خيانة للدولة وللوطن.

دانييل إيلزبورغ: الناس الذين يقولون ذلك وخصوصا الرسميين نسوا القسم الذي أدوه جميعا، كل ضابط عسكري وكل مسؤول مدني في الحكومة وكل عضو في الكونغرس أدى نفس القسم الذي أديته أنا كملازم في المارينز وبعدها كموظف في وزارة الخارجية ذلك القسم ليس على نظام السرية ولا للولاء للرئيس بل هو فقط للدفاع ودعم الدستور الأميركي وقد خذلت ذلك القسم عندما التزمت الصمت في السنوات الأولى رغم علمي أن الدستور لم يكن يحترم فالدستور يعطي الكونغرس وحده صلاحية قرار الحرب والسلم كما في الفقرة الثامنة من المادة الأولى من الدستور، كنت أعلم أن الرئيس جونسون كان يتلاعب ويخدع الكونغرس فيما كان يعتبره إعلان حرب وكان يستند كلية على الكذب فيما يتعلق بأهدافه وبالتكلفة وبالنتائج المحتملة، كان يتعين علي أن أدلي بإفادتي للكونغرس ولكن ذلك لم يخطر ببالي وبكل الصراحة مثلي كمثل كل المسؤولين كنت أظن أن ولائي ليس للبلاد وليس للدستور بل ولائي للرئيس، في الواقع معظم المسؤولين بما فيهم أنا آنذاك كنا نعتبر أن الولاء للرئيس هو الولاء للبلاد ولم يخطر ببالنا أن المحافظة على العهد الذي قطعناه بالتزام السرية -وذلك كان عهدا أعطيناه بشكل منفصل عن أداء القسم- أن ذلك العهد كان مناقضا لقسمنا بالمحافظة على الدستور وهو في الواقع مناف للدستور، وغالبا ما ينتبه الناس إلى ذلك التناقض ولكنهم يفضلون المحافظة على ولائهم لرئيسهم أو لوزارتهم أو لخدمتهم أو للرئيس أو الحزب أو الإدارة كل ذلك خطأ وأقول إن أولئك الذين يجمعون بين الولاء والسرية لم يفكروا مليا في ماهية التزاماتهم الحقيقية.

عبد الرحيم فقرا: استراحة قصيرة ثم نعود.

[فاصل إعلاني]

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم مرة أخرى في برنامج لقاء اليوم، ضيفنا في هذه الحلقة هو دانييل إيلزبورغ الذي يرتبط اسمه بما عرف في مطلع السبعينيات من القرن الماضي بوثائق البنتاغون وعلاقتها بحرب فييتنام. سيد إيلزبورغ، جوليان أسانج عندما نشر تلك الوثائق حقيقة هناك اختلاف جوهري قد يقال بين ما ورد في تلك الوثائق وما سربته أنت، نشر جوليان أسانج برقيات دبلوماسية موفدة من سفراء ودبلوماسيين أميركيين إلى وزارة الخارجية هي بمثابة مادة دبلوماسية خام وهنا يكمن الفرق بين ما أقدم عليه وما أقدمت عليه أنت.

دانييل إيلزبورغ: ليس تماما، إن وثائق البنتاغون التي كانت سبعة آلاف صفحة من الوثائق عالية السرية بما فيها بضعة آلاف من الوثائق المتعلقة بالمفاوضات والتي لم أسربها للصحافة بل سلمتها للكونغرس ولكن أربعة آلاف صفحة كانت تشتمل على مراسلات دبلوماسية اعتبرت أيضا محرجة لبعض الحكومات مثلما كان الحال للحكومة الأسترالية التي ظهر أنها كانت تتعرض إلى المخادعة بل وحتى الرشوة تقريبا لدفعها إلى مساعدتنا في فييتنام وقد سنت أستراليا التجنيد القسري لإرسال الجنود إلى فييتنام وهي خطوة تثير التعجب وقد كان من المحرج لهم أن تظهر تلك المعلومات إلى العلن وتفصح عن طبيعة الحرب التي كانوا ضالعين فيها وبالتالي وقع اتهامي بنفس الشكل الذي يتهم فيه أسانج بإلحاق الضرر بدبلوماسيتنا والضرر بقدرة الناس على التحدث بصراحة مع رؤسائهم وقالوا إنني خائن دون وجه حق طبعا حيث أن الدستور الأميركي يعرف الخيانة بأنها الاصطفاف مع عدو الولايات المتحدة وأنا بكل تأكيد لم أصطف مع الفيتكونغ وكذلك لم يصطف مانيغ ولا أسانج مع طالبان ولا القاعدة أنا متأكد من ذلك، والخيانة تقتضي أيضا نية الإساءة إلى الولايات المتحدة ولم يفعل أي منا ذلك. موقف أسانج طبعا لا يقارن بموقفي أنا بل بموقف نيويورك تايمز، لا يمكن توجيه تهمة لويكيليكس لا تنطبق تماما على نيويورك تايمز وأعتبر دور هذه الجريدة مهم وهو لا يختلف عن دور أسانج.

عبد الرحيم فقرا: لماذا تعتقد أن الحكومة الأميركية أعربت عن استيائها الشديد مما أقدم عليه جوليان أسانج ولم نسمع منها نفس الإمتعاض إزاء صحيفة مثل صحيفة نيويورك تايمز مثلا أو الغارديان مثلا التي نشرت تلك المعلومات مستقاة من جوليان أسانج؟

دانييل إيلزبورغ: هذا صحيح وأنا بحاجة إلى إمعان التفكير في هذا الأمر، أعتقد أنهم خائفون لأسباب سياسية من التعرض إلى نيويورك تايمز بشكل مباشر والسند القانوني الذي يزعمونه على ضعفه ينطبق أيضا على نيويورك تايمز، إذا تمكنوا من النجاح في ملاحقة جوليان أسانج قانونيا أي ويكيليكس فإن الخطوة التالية ستكون نيويورك تايمز، السيناتور ليبرمان قال هذا بالفعل إن التايمز مذنبة أيضا، لقد تفادى معظمهم قول هذا لأنهم يريدون أن يقولوا إن ويكيليكس أتت أمرا مشينا غير مسبوق، لا يريدون أن يقولوا الآن إن وثائق البنتاغون كانت أمرا سيئا لا يريدون أن يقولوا إن نيويورك تايمز شريرة بل يريدون القول إن ويكيليكس شريرة كي يتسنى لهم إجراء نوع من الملاحقة لم يسبق لها أن أجريت في بلادي ضد ناشر. وأنا أعتبر أسانج ناشرا في العصر الرقمي أي نوع جديد من الناشرين ولكن على كل حال إذا لاحقوا جوليان أسانج سيأتي دور نيويورك تايمز بعده.

عبد الرحيم فقرا: إنما سيد إيلزبورغ مسألة ما نشره جوليان أسانج في موقع ويكيليكس على الأقل في مفهوم الإدارة الأميركية إدارة الرئيس باراك أوباما هو أنه وفر مثلا العديد من الأسماء أسماء أشخاص كانت لهم علاقات بالإدارة الأميركية في بلدان أخرى وبالتالي قد يعرض حياة أولئك الأشخاص للخطر وقد يقوض تحمس مختلف الجهات في الدول الأخرى إلى التعامل مع الولايات المتحدة مع الحكومة الأميركية في المستقبل، هل واجهت أنت آنذاك أي شيء يشابه هذه الاتهامات إلى ويكيليكس من إدارة الرئيس..

دانييل إيلزبورغ: لقد تعرضت إلى نفس الاتهامات من أنني سأعرض حياة العديد من الناس إلى الخطر وأنني بدل أن أقصر من عمر الحرب سأمددها، أما بخصوص الاتهامات التي توجه إلى ويكيليكس أنا لا أقول إنه لا يجب انتقادهم أو إنهم لم يخطئوا أبدا ولكن مثلا في الدفعة الأولى المتعلقة بسجل الحرب في أفغانستان كان هناك جهد معين في إخفاء بعض الأسماء وهم أيضا أحجموا عن نشر 15 ألف وثيقة وهي 20% من المجموع الذي يبلغ تسعين ألفا هذه لم تنشر بعد وهم يراجعونها بهدف تنقيتها، بالتالي من الواضح أنهم اجتهدوا بهدف التنقية ولكنهم لم يخفوا كل الأسماء وهذا خطأ قد عرض بعض الناس إلى نوع من الخطر ولكن ولحسن الحظ لم يتعرض أحد إلى الضرر وقد اعترف البنتاغون وقيادة الناتو في كابل أنه لم يتعرض أحد إلى الضرر على مدى الأشهر الستة المنصرمة، منذ ذالك الحين قامت ويكيليكس بمجهود أكثر دقة في التنقية وتعاونوا مع الصحف التي تعاونت بدورها مع الحكومة في إخفاء الأسماء وليس هناك أية أسماء نشرت منذ ذلك الحين وبالتالي هم يتحسنون في هذا الأمر وعلى حد علمي تلك التهمة غير دقيقة فيما يتعلق بالدفعة الأخيرة من الوثائق.

عبد الرحيم فقرا: عطفا على ما أقدمت أنت عليه في وثائق البنتاغون قبل أن تسرب تلك الوثائق إلى أي مدى أرقتك مسألة التضارب بين حق الناس في المعرفة وتسريب تلك المعلومات إليهم وحق الحكومة في أن تتستر على أسرارها؟

دانييل إيلزبورغ: لقد لقنوني عقيدة السرية كما لقنوا كل المسؤولين الحكوميين ولقد تطلب الأمر مني عددا من السنوات للتغلب على تلك البرمجة ولفهم أن السرية من شأنها أن تعرض أمن البلاد إلى المخاطر أكثر مما تحميه، وبالرغم أنني أسلم بأن هناك أسرارا تستحق أن تبقى طي الكتمان فمثلا أنا لم أنشر آلاف الوثائق المتعلقة بالمفاوضات لأنني لم أكن أرغب في إدخال البلبلة على المفاوضات حتى وإن كنت أعلم أن تلك المفاوضات كانت خاوية ولكني كنت أعتقد أن هناك احتمالا بأن ينتج عنها شيء إيجابي ولم أشأ تعطيل ذلك وهناك العديد من الأشياء يمكن أن أقول إنها من الجدير ألا تذاع واعتقادي أن جوليان أسانج يظهر نفس المستوى من العقلانية حيث أنه يخفي أسماء العملاء ولو كان يرى أن هؤلاء لا يستحقون السرية لما كان يخفي أسماءهم، ما اكتشفته أنا وهو أمر لطالما شغل بالي هو أن أغلبية الناس في فييتنام كانوا يريدون أن تتوقف تلك الحرب وكانوا يريدون أن توقف الولايات المتحدة حربها هناك مهما كانت تبعات ذلك، حتى الناس الذين لم يكونوا يساندون جبهة التحرير الوطني الشيوعية فقط كانوا يريدوننا أن نتوقف عن إلقاء القنابل والقصف وقتل الفييتناميين، لقد فهمت أنه لم يكن لدينا الحق في خوض تلك الحرب مهما كانت أهدافنا في بلاد أناس لا يريدون أن يحدث ذلك وبنفس الشكل فاجأتني نتائج الاستطلاع في المناطق التي يمكن إجراء الاستطلاعات فيها في أفغانستان والتي تظهر أن غالبية الأفغان لا يريدون أن يواصل الأميركيون احتلال بلادهم وحتى وإن لم يكونوا يدعمون طالبان، أعتقد أنه يجدر بزعمائنا أن يفكروا مليا في ذلك ولكنهم لا يفعلون.

عبد الرحيم فقرا: عندما قررت أن تسرب وثائق البنتاغون كان طبعا كما قلت هدفك هو إنهاء أو المساهمة في إنهاء الحرب في فييتنام ما الذي بتصورك ستؤدي إليه تسريبات ويكيليكس؟

دانييل إيلزبورغ: قد تؤدي إلى تغيير كبير في السياسات، مثلا اكتشفنا من خلال سفيرتنا في باكتسان آن باترسن أننا كنا نقوم بعمليات هجومية أرضية باستخدام قوات العمليات الخاصة داخل باكستان في حين أننا كنا ندعي كذبا في العلن أن قواتنا هناك لها دور تدريبي صرف وتبين في الحقيقة أننا ضالعون في حرب أرضية في باكستان، هذا مناف للدستور حيث أن الكونغرس لم يعلن هذا كما أجده أيضا بالغ الخطورة من حيث احتمال زعزعة النظام ما قد يؤدي إلى وقوع السلاح النووي في أيدي متطرفين إسلاميين في باكستان ما من شأنه أن يمثل خطرا على المنطقة وعلى العالم، هذه سياسة مغامرة وخطرة من طرف إدارة الرئيس أوباما وأملي أن هذا الكشف سيدفع نحو تغيير هذه السياسة كما حدث في حرب فييتنام.

عبد الرحيم فقرا: ولا يهمك في نهاية المطاف إن اتهمت أنت كما يتهم أسانج حاليا بأن الهدف الحقيقي من وراء ما أقدمتما عليه من تسريبات هو خلق الفوضى اتهامكم بالفوضوية في نهاية المطاف؟

دانييل إيلزبورغ: لقد اتهموني بأنني خائن وهذا طبعا ثلب وغير دقيق، لم ألقب بالإرهابي وهي التهمة المتداولة حسب موضة العصر، وأقول إنني لا أنا ولا جوليان أسانج ولا براد ليمانينغ خونة ولا إرهابيون.

عبد الرحيم فقرا: سيد دانييل إيلزبورغ شكرا لك في نهاية هذه الحلقة. دانييل إيلزبورغ المسؤول الأميركي السابق الذي ارتبط اسمه بتسريبات وثائق البنتاغون في مطلع السبعينيات من القرن الماضي وهي ذات الصلة بحرب فييتنام. انتهت هذه الحلقة إلى لقاء آخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة