جمال حماد.. شهادته على عصر الثورة بمصر ج1   
الخميس 1429/11/16 هـ - الموافق 13/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:08 (مكة المكرمة)، 11:08 (غرينتش)

- وضع الجيش المصري والملك أيام الحرب العالمية الثانية
- الساحة السياسية وأوضاع التنظيمات بعد الحرب
- نشأة تنظيم الضباط الأحرار ومؤسسيه
- دور انتخابات نادي الضباط في قيام الثورة

 أحمد منصور
 جمال حماد
أحمد منصور:
ولد جمال حماد في مصر عام 1921، تخرج من الكلية الحربية في منتصف أبريل عام 1939 حيث بدأ خدمته العسكرية في السودان ثم انتقل لمنطقة القناة ثم إلى الإسكندرية أثناء الحرب العالمية الثانية، عمل مدرسا لمادة التكتيك العسكري والأسلحة في مدرسة المشاة والكلية الحربية في مصر بين عامي 1942و 1946، خلال دراسته في كلية أركان الحرب عمل أركان حرب الكتيبة السابعة مشاة خلال حرب فلسطين عام 1948 انتقل بعد ذلك ليكون أركان حرب سلاح المشاة الذي كان يقوده اللواء محمد نجيب وذلك بين عامي 1950و1952، انضم للضباط الأحرار عام 1950 وشارك في الإعداد لثورة يوليو عام 1952 في مصر وكتب بيان الثورة الأول، كما ساهم في ضم بعض كبار ضباط الجيش للثورة وبعد نجاحها عين مديرا لمكتب القائد العام للثورة اللواء محمد نجيب ثم كلف بعد ذلك بالانتقال للعمل ملحقا عسكريا لمصر بين عامي 1952و1957 في كل من سوريا ولبنان والأردن والعراق وكان مقره في دمشق، عين بعد عودته أقدم معلمي الكلية الحربية في مصر ثم كبيرا للمعلمين، ابتعث إلى كلية الحرب في الاتحاد السوفياتي عام 1958 ثم عين بعد عودته إلى مصر قائدا للواء الثامن عشر مشاة الذي كان مقره في منطقة العريش العسكرية، ثم عين رئيسا لهيئة الاتصال بالأمم المتحدة في سيناء وقطاع غزة بين عامي 1960و1962 بعدها عين قائدا لمعهد المشاة ثم كلف عام 1962 بالعمل رئيسا لهيئة الخبراء في اليمن وكلف بتأسيس الجيش اليمني والكليات والمعاهد العسكرية هناك، وبعد عودته إلى مصر عام 1963 التحق مع كبار قيادات القوات المسلحة وكان برتبة لواء للحصول على أعلى فرقة عسكرية في القيادة لكن قبل أن ينهي فرقته العسكرية صدر قرار بنقله من القوات المسلحة على غير رغبة منه ليصبح محافظا لكفر الشيخ ثم محافظا للمنوفية وذلك بين عامي 1965و 1968، قبض عليه بتهمة السعي لانقلاب عسكري ليلة الثالث والعشرين من يوليو عام 1969 لكن أفرج عنه بعد أيام بعدما ثبت أن التهمة ملفقة، وضع اسمه على رأس قائمة الضباط الأحرار حينما صدر قرار جمهوري بأسمائهم، أصدر عدة كتب عن ثورة يوليو وأسرارها حتى لقب بمؤرخ الثورة. نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر ثورة يوليو. سيادة اللواء مرحبا بك.

جمال حماد: أهلا وسهلا.

وضع الجيش المصري والملك أيام الحرب العالمية الثانية

أحمد منصور: تخرجت من الكلية الحربية في 15 أبريل 1939، لماذا التحقت بالكلية الحربية؟

جمال حماد: التحقت بالكلية الحربية لأنه كانت البلد محتلة، فأنا طبعا لما دخلت الثانوي ابتديت أعرف السياسة، طبعا في الابتدائي ما كنتش عارف حاجة لكن لما رحت الثانوي أدركت أن مصر محتلة من الإنجليز بعدين حصل في سنة 1935 كان المد الوطني كبر جدا والجامعة عملت إضرابات ضخمة جدا فحصل فيها ضربوهم بالرصاص فوقع شهداء فهنا طبعا تفتحت نفسي للاحتلال وشفت بقى، كنت بشوف ثكنات الإنجليز في قصر النيل وفي العباسية وفي القلعة فكنت بأشعر بغيظ شديد جدا من أن ناس أجانب موجودين عندنا وبعدين ما كنا بندرس التاريخ بقى وعرفت إزاي هم دخلوا مصر واحتلوا مصر عن طريق التواطؤ مع الخديوي الخائن توفيق وأن الثورة العربية فشلت فأنا يعني امتلأت بقى بالحماس اللي كان موجودا في البلد كلها واللي البلد كلها أجمعت في هذا الوقت على حاجتين الجلاء ووحدة وادي النيل فكان كل ده همنا في هذا الوقت، فقلت أنا الحاجة اللي أنا أشعر بها اللي أنها ممكن تنفع بلدي أنه أنا أقدر أدخل الكلية الحربية علشان أقدر أقاتل مع الجيش المصري عندما نأخذ الثأر من الإنجليز إذا احتلوا بلدنا.

أحمد منصور: من أبرز الذين كانوا معك من زملائك؟

جمال حماد: أبرزهم المشير عبد الحكيم عامر وبعدين الفريق أول محمد أحمد صادق.

أحمد منصور: تخرجت من الكلية الحربية وأصبحت ضابطا في الجيش المصري، ماذا كانت طبيعة ودور الجيش المصري آنذاك في ظل أن الحرب العالمية اندلعت في نفس العام؟

جمال حماد: بريطانيا كان كل همها الاستفادة من الجيش المصري علشان أنها توفر جهودها وجنودها للمهام بتاعتها فعملت إيه بقى؟ كان كل.. يعني هي ما كانتش بتدينا السلاح اللي نحن عاوزينه إطلاقا، وطبعا شيء معروف أن إنجلترا مش عاوزة تدينا السلاح وخصوصا لا تدينا الدبابات ولا أسلحة مضادة للدبابات علشان ما يجيش وقت من الأوقات ونحاربها، فجاؤوا في الحرب العالمية الثانية بقى اضطروا أنه في سلاحين بالذات بالجيش أنهم يدوهم كل الأسلحة والمعدات اللي هم إيه؟ مدفعية السواحل والدفاع المضاد للطائرات علشان الإسكندرية دي كانت القاعدة بتاعتهم في البحر المتوسط.

أحمد منصور: أنت كنت في الإسكندرية في الجيش في ذلك الوقت؟

جمال حماد: كنت أنا في الإسكندرية.

أحمد منصور: إيه طبيعة الدور اللي كنتم بتقوموا به؟

جمال حماد: كنت بأقوم بدور مهم جدا وهو حراسة المرافق العامة في الإسكندرية ومساعدة القوات البريطانية في أعمالها ضد العملاء والجواسيس والحاجات دي..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني كنتم بتعملوا لصالح الجيش البريطاني.

جمال حماد: طبعا. كان لازم نعمل كده..

أحمد منصور: يعني ليس كان أملك الذي قلت فيه بأنك تخرجت حتى تحارب الإنجليز وتجليهم عن مصر؟

جمال حماد: إنما كان يعني إحنا كناس يعني عسكريين نطيع الأوامر فكانت الأوامر اللي جاي لنا أنه أعمل المرافق، أحافظ على المرافق العامة.

أحمد منصور: الأوامر كانت أوامر من الإنجليز ولا من قيادة الجيش المصري؟

جمال حماد: لا، من قيادة الجيش المصري طبعا.

أحمد منصور: لكن هي في النهاية كانت أوامر من الإنجليز.

جمال حماد: لصالح الإنجليز، هم الإنجليز بقى مش من النوع اللي هم يدخلوا، ينزلوا للطبقات المنخفضة، هم يمسكون الرؤوس فهم مسيطرون على قادة الجيش وعلى الملك ومصر كلها كانت.. بيقولوا حاجة غريبة قوي، قالوا ملك إيطالي شعب ألماني حكومة بريطانية.

أحمد منصور: مصر آنذاك؟

جمال حماد: مصر أنذاك.

أحمد منصور: كان الشعب متعاطفا مع الألمان ضد البريطانيين وضد الحلفاء على اعتبار أن مصر محتلة من البريطانيين.

جمال حماد: فإحنا كلنا كضباط كنا نرحب أن الألمان يدخلوا ومش واخدين بالنا أنه نحن بنستبدل سيدا بسيد آخر يمكن يكون أشد قسوة خصوصا لما عرفنا بقى أن الألمان لما بيدخلوا في بلاد والنازي والجستابو والحاجات ده فكان في مظالم كثيرة جدا بتحصل، فنحن كنا يعني عندنا سذاجة يعني نحن شباب صغير فاكرين أنه عدو عدوي يبقى إيه؟ صديقي، فكنا فاكرين الألمان لما يدخلوا حيعملوا لنا الحرية ويطردوا الإنجليز.

أحمد منصور: حينما تولى علي ماهر باشا رئاسة الوزارة للمرة الثانية في 18 أغسطس عام 1939 قام بتعيين الفريق عزيز المصري رئيسا لأركان الجيش، من هو عزيز المصري؟

جمال حماد: عزيز المصري ده رجل ضابط من الضباط المتحمسين والوطنيين وكان تعلم العسكرية في تركيا ودخل كلية الأركان، أركان حرب في تركيا وتعلم على درجة عالية من التعليم العسكري ولما حصلت الحرب الطرابلسية، إيطاليا لما جاءت تغزو ليبيا فهو جاء من تركيا إلى طرابلس علشان يقاتل ضد الإيطاليين هو وعبد الرحمن عزام وصالح حرب، فالثلاثة هؤلاء كانوا مسمينهم الثلاثي المعادي لإنجلترا ومن الغريب بقى أن رئيس الأركان عزيز المصري وزير الدفاع وقتها كان سمى نفسه وزير الدفاع صالح حرب قائد الجيش المرابط عبد الرحمن عزام، فكان بيقول لك الثلاثي المعادي.

أحمد منصور: عزيز المصري ما أثر تعيينه رئيسا للأركان عليكم أنتم كضباط في الجيش؟

جمال حماد: نحن طبعا كنا منشوف الأول، أول ما رحنا، كنا منشوف طبقة من القادة الجهلاء..

أحمد منصور (مقاطعا): الجهلاء؟!

جمال حماد: الجهلاء، لأنهم كانوا بيدخلوا بالابتدائية، كان زمان بيدخلوا المدرسة الحربية بالابتدائية، فمعظم الجنرالات وقتها كانوا من المتخرجين من الابتدائية فكانوا طبعا ناس بالنسبة لنا أنهم ثقافتهم منخفضة جدا وكان كل همهم أنهم يشخطوا ويزعقوا ويدوا جزاءات لنا ويعني زي نوع من أنواع المركب الناقص بقى، نحن يعني فاكرين نفسنا إيه؟ هم الطبقة العليا في هذا الوقت، فكنا يعني ما نبص لهم باحترام فلما جاءنا عزيز المصري وجدنا موضوع ثاني خالص، أنه رجل مثقف من الناحية العسكرية والثقافية والرجل بقى بيمشي في القوات ويكلم ويسب..

أحمد منصور (مقاطعا): كان يمر بنفسه على الوحدات وعلى القوات من شمال مصر إلى جنوبها.

جمال حماد: مر علينا وقال لنا البعثة البريطانية دي، دي مش بعثة عسكرية دي بعثة تجارية جاية بتبيع لنا الأسلحة بضعف ثمنها..

أحمد منصور (مقاطعا): في ظل الاحتلال؟

جمال حماد: في ظل الاحتلال كان ماشي عمال يعني يسب ويلعن في الإنجليز.

أحمد منصور: لذلك البريطانيون كانوا يرفضون بقاءه في الجيش؟

جمال حماد: طبعا قعدوا ضغطوا على علي ماهر ضغطا شديدا جدا لغاية ما أعطاه إجازة طويلة.

أحمد منصور: أبعده في سنة ،1940 لم يبق إلا مدة قليلة رئيسا للأركان.

جمال حماد: قطعا.

أحمد منصور: ما أثر إبعاده عن الجيش؟ أبعد في 17، ده أبعد بعد استقالة حكومة علي ماهر في 17 يونيو 1940؟

جمال حماد: إبعاده، حصل لنا يعني نوع من رد فعل، أنه إحنا يعني الرجل الكويس اللي هو توسمنا فيه أنه هو ده حينهض بالجيش المصري فعلا وجدنا أن الإنجليز اضطروا، أو اضطر علي ماهر أنه هو يعزله من وظيفته.

أحمد منصور: كان في حركات سرية كثيرة داخل الجيش المصري آنذاك، هل دعيت للاشتراك في أي منه أو انتميت إلى أي منها؟

جمال حماد: كان في الجيش كله كان بيموج بالجماعات السرية وكان بقى إيه؟..

أحمد منصور (مقاطعا): إيه انتماءاتها، إيه ارتباطاتها؟

جمال حماد: يعني ما أقدرش أقول لك إنها كلها مثلا جماعات، إنما كلنا كنا يعني بنقعد مع بعض مثلا في الميس بتاع الضباط، فبنتكلم كلنا بلهجة واحدة وبشعور واحد وهو أن الإنجليز دول هم سبب نكبتنا وسبب بلاءنا وأنه نحن نتمنى زوالهم وهزيمتهم ولذلك لما الألمان دخلوا بيتقدموا في الصحراء الغربية فكنا يعني سعداء جدا والشعب المصري كله كان سعيدا لدرجة طلعت مظاهرات بتقول إلى الأمام يا رومل، لما رومل وصل إلى العلمين قالوا إلى الأمام يا رومل.

أحمد منصور: على أساس أن الألمان حيخلصوهم من البريطانيين؟

جمال حماد: أيوه، ده كان.

أحمد منصور: حادث 4 فبراير 1942 كان له تأثير كبير جدا على الجيش المصري حينما حاصرت الدبابات قصر عابدين وأجبرت الملك على تعيين حكومة النحاس، ما أثر ذلك عليكم أنتم في الجيش؟

جمال حماد: كلنا شعرنا أنه إحنا أصبنا بصفعة شديدة جدا من الإنجليز وأصبحنا يعني منتهى ما يمكن من الكراهية والمقت للإنجليز وعايزين نعمل أي حاجة ضدهم.

أحمد منصور: من أجل الملك؟

جمال حماد: من أجل الملك، لأن الملك مش كان بقى ساعتها زي الملك بتاع سنة 1952 أو الخمسينات، الملك كان لسه جاي بقى، بقى له يعني حاجة بسيطة يعني سنوات قليلة وكان بقى لسه شابا صغيرا وكان، ماكانش بقى عمل الحاجات اللي إحنا اشتكينا منها بعد كده، فكنا كلنا وبعدين..

أحمد منصور (مقاطعا): معنى ذلك أنكم كضباط وفي الجيش كنتم تحبون الملك آنذاك؟

جمال حماد: قطعا كنا بنحبه جدا وكنا نهتف بحياته، يعيش فاروق ملك مصر، فهو كان وقتها يمثل لنا الرمز، رمز مصر فكونهم انتهكوا رمز مصر ده شعرنا أنها ضربة لكرامتنا ولذلك اجتمعنا في نادي الضباط حوالي خمسمائة ضابطا، خصوصا أنهم كانوا عاملين كتمانا شديدا جدا على حادث 4 فبراير بحيث لا كتب في الجرائد، كان في رقابة شديدة جدا فما حدش عرف إيه اللي حصل إنما رغم هذا بلغنا أن اللي حصل الدبابات حاصرت قصر عابدين ده وشعرنا بذلة وإهانة، واللواء محمد نجيب كان وقتها مقدما، قدم استقالته من الجيش وعملنا بقى اجتماعا في نادي الضباط وابتدأ بقى المتطرفون يعني مننا أنهم يقولوا إنه إحنا نهاجم المعسكرات البريطانية وإنه إحنا نطرد..

أحمد منصور (مقاطعا): في نادي الضباط علنا؟

جمال حماد: أيوه في نادي الضباط، الوطنية كانت موجودة في كل نفس، أنه إحنا نهاجم الإنجليز واللي يقول إنه إحنا نترك مواقعنا اللي إحنا فيها دي، مش نحن منساعد الإنجليز، نترك المواقع بتاعتنا ونعود إلى ثكناتنا وبتاع، الناس بقى الكبار أنه يا جماعة إحنا كده لو حصل هذا حيصل أنهم حيضربونا بالطيران وحيكسروا المعسكرات بتاعتنا وحيفنى الجيش المصري ونرجع ثاني مصر تبقى من غير جيش فده خطر أنه نحن نعمل كده لأنه في تباين كبير جدا بين قوتنا وأسلحتنا وبين الإنجليز فاتفقنا بقى في الآخر أنه أحسن حاجة أنه إحنا كلنا نتجه بعرباتنا إلى عابدين ونقف في ساحة عابدين قدام الحتة اللي فيها الملك ونهتف ثلاثا بحياة الملك، الملك أطل علينا..

أحمد منصور (مقاطعا): ذهبتم بالفعل؟

جمال حماد: أيوه..

أحمد منصور: عددكم كان قد إيه تقريبا؟

جمال حماد: حوالي خمسمائة واحد.

أحمد منصور: كلكم ضباط؟

جمال حماد: كلنا ضباط.

أحمد منصور: تفتكر من من الناس اللي، ممن عرفوا بعد ذلك؟

جمال حماد: والله كان في واحد اسمه الرحماني، كامل الرحماني، ده لأنه إحنا شفنا أن رئيس الأركان عطا الله باشا كان مترددا مش عاوز يروح ومش عاوز يأخذنا وبتاع لأنه هو ماشي مع الإنجليز خالص مش عاوز يزعل الإنجليز، فالرحماني ده كده بصوت عالي خالص قال له يا عطا الله باشا، تفضل يا عطا الله باشا إحنا دلوقت واقفين علشان نحيي الملك، كان هو بقى كان بعيدا شوي فقلع البالطو -كان لابس بالطو- قلع البالطو بتاعه ووقف قدامنا بقى كلنا علشان نهتف للملك..

أحمد منصور: هتفتم قلتم إيه؟ يعيش فاروق..

جمال حماد: يعيش فاروق ملك مصر، يعيش فاروق ملك مصر ثلاث مرات، وقف لنا وعمل لنا كده هو، بيديه، بقبضة يديه..

أحمد منصور: فاروق؟

جمال حماد: فاروق، عمل لنا كده هو، أنا فاكر، واخد بالك؟ وبعدين الشعب كله كان واقفا برضه من ناحية ثانية بيصفق وبتاع يعني كان في حماس فظيع جدا.

أحمد منصور: لكن الملك بدا هزيلا حينما أبدى استعدادا للبريطانيين بأن يتنازل عن العرش مقابل أن يخرج من مصر؟

الملك فاروق كان رجلا يخشى على حياته بشكل كبير جدا ولم يكن مستعدا للتضحية بحياته أبدا فخاف من الإنجليز عندما طالبوه بالتنازل عن العرش
جمال حماد:
هو الملك فاروق لعلمك رجل أنا على ضوء اللي أنا شفته كله في حياته رجل يخشى على حياته بشكل كبير جدا، غير مستعد أن يضحي بحياته أبدا، فهو خاف من الإنجليز لما جابوا له التنازل عن العرش كان حيمضي خلاص..

أحمد منصور: نعم، كان عنده استعداد يمضي؟

جمال حماد: كان عنده استعداد يمضي ويمشي لأنه خايف.

أحمد منصور: والإنجليز ذهلوا لجبنه الشديد؟

جمال حماد: جبنه، هو جبان جدا، ما هو اللي أنا فعلا عرفت هذا بعد كده وبعدين أنا بلغني من مصدر وثيق جدا بالسرايا أنه في 26 يناير أثناء حريق القاهرة لما هو شاف الحريق قرب من عابدين، أنه هو قال لهم حضروا الشنط علشان نمشي من مصر، واخد بالك، وده يثبت أنه هو مش مشترك في حريق القاهرة لأنه ده هو فعلا قال لهم حضروا الشنط علشان يمشوا. وبعدين لما إحنا عملنا الثورة ضده..

أحمد منصور (مقاطعا): سآتي إلى هذا بالتفصيل لا أريد أن أستبق، لكن تفضل.

جمال حماد: لا، أنا بأتكلم على جبنه، يعني هو من كلام جلال علوبة في مذكراته..

أحمد منصور: جلال علوبة باشا، نعم.

جمال حماد: قال لك أول ما سمع بس أن الجيش عمل تمردا في مصر راح مكلم جلال علوبة قال له حضر المحروسة ولو بطاقم منخفض علشان نمشي على طول، أنا بأوري لك بس مراحل على جبنه.

الساحة السياسية وأوضاع التنظيمات بعد الحرب

أحمد منصور: نعم، انتهت الحرب العالمية الثانية في 1945، في شهادته معي على العصر قال حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية الأسبق إن الخدمات التي قدمها الجيش المصري للبريطانيين أثناء الحرب بلغت قيمتها أربعمائة مليون جنيه إسترليني. كيف كان الجو السياسي في مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؟

جمال حماد: الجو السياسي طبعا في هذا الوقت أنه إحنا كنا بنساعد والحكومة بتساعد الإنجليز على أمل أنه إحنا بقى الجلاء، فابتدأ بقى يعني وكان الإنجليز مفروض طبقا لمعاهدة 1936 أنهم يروحوا منطقة القناة، ما يقعدوش في المدن الرئيسية لا القاهرة ولا الإسكندرية فهم خالفوا شروط المعاهدة وبقوا في مصر والإسكندرية والمدن الكبرى وما راحوش القناة وده طبعا علشان الحرب إنما بعد ما خلصت الحرب بقى فإحنا، الشعب كله تحرك وحصلت بقى وقائع أنه في مظاهرات راحت قرب ثكنات قصر النيل فالعساكر البريطانيون من شبابيك قصر النيل في سنة 1945، 1946 ضربوا عليهم بالرصاص ووقع شهداء وفي الإسكندرية..

أحمد منصور (مقاطعا): 1946، مظاهرات الطلبة المشهورة.

جمال حماد: مظاهرات الطلبة راحوا وسقط شهداء في هذا الوقت وكان يوجد شعور مضطرم خالص وبعدين النقراشي راح في مجلس الأمن علشان خاطر يطالب، وقال عليهم قراصنة، واخد بالك، ده شعور بقى كل واحد فينا، الله الجماعة هؤلاء آخرتها إيه؟

أحمد منصور: الجيش في نفس الوقت كانت تموج فيه الكثير من الحركات، أسست كثير من التنظيمات السرية آنذاك، الملك أسس الحرس الحديدي، الأخوان المسلمون أسسوا النظام الخاص، مصر الفتاة أسست القمصان الزرقاء، كلها حركات سياسية سرية مسلحة، ألم تدع للاشتراك في أي من هؤلاء؟

جمال حماد: أنا الحقيقة دعيت إلى الكثير من هذه الحركات فكنا نقعد بس إيه؟ ما كانتش على مستوى واسع، يعني مثلا ضباط كل وحدة يقعدوا في الميس يتكلموا ونتكلم وحنعمل إيه..

أحمد منصور (مقاطعا): ألم تجذبك أي من هذه الحركات آنذاك، الأخوان المسلمين، الوفد..؟

جمال حماد: أنا كنت يعني ما بأحبش أدخل في أي تنظيمات أو أحزاب أو غيره علشان أنا كرجل عسكري المفروض أنه أنا ما انضمش إلى أي حاجة زي دي.

أحمد منصور: الملك أسس الحرس الحديدي وانضم إليه أنور السادات، هل دعيت للاشتراك في الحرس الحديدي؟

جمال حماد: لا.

أحمد منصور: معلوماتك إيه عن الحرس الحديدي؟

جمال حماد: معلوماتي عن الحرس الحديدي أنه كان في قضية قبل كده، قبل ما ينشأ الحرس الحديدي كان في قضية سموها قضية رشاد مهنا والضباط معه وقبضوا عليهم..

أحمد منصور: في الأربعينات نعم، حكم رشاد مهنا في الأربعينات نعم.

جمال حماد: رشاد مهنا ومعاه group من الضباط فهؤلاء الدكتور يوسف رشاد لما تعرف بالملك لما في حادثة القصاصين فالملك أحبه وخلاه بقى من ضمن الرجال، رجال الملك، أنه المستشار الطبي بتاعه، فبعدين يوسف رشاد بقى عاوز يخلي..

أحمد منصور: الضباط هؤلاء.

جمال حماد: الضباط يعني مغامرون، ناس من المغامرين، يعني عمل الحرس الحديدي فأخذ من الناس هؤلاء اللي هم كانوا في القضية لأن القضية دي كانت ضد رئيس الأركان ابراهيم عطا الله، فبعد التحقيق والحاجات دي كلها الملك عرف أن الضباط هؤلاء يعني الجيش كله بيكره ابراهيم عطا الله فهو أراد أن يتحبب إلى الجيش فشال إبراهيم عطا الله من منصبه وجاب عثمان المهدي وأفرج عن الضباط اللي هم كانوا مغضوب عليهم.

أحمد منصور: وأخذ يوسف رشاد بعضهم وشكل منهم الحرس الحديدي.

جمال حماد: يوسف رشاد أخذ بعض الضباط هؤلاء وعاوز أقول لك إن هؤلاء من الضباط المغامرين مش الوطنيين لأن الرجل الوطني ما يروحش علشان يشتغل سفاح ويقتل فهو عمل لأن جاب المجموعة دي..

أحمد منصور (مقاطعا): إيه الدور الأساسي لهذه المجموعة، الحرس الحديدي؟

جمال حماد: تصفية كل أعداء الملك ومن ألد أعداء الملك في نظر الملك؟ النحاس باشا، ثلاث محاولات لقتل النحاس، ثلاث محاولات من الحرس الحديدي.

أحمد منصور: السادات وخالد محي الدين وكمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر بايعوا قادة الأخوان المسلمين وانضموا للنظام الخاص، في صفحة 44 و 45 من مذكراته خالد محي الدين في كتابه والآن تكلم يقول إن هناك مجموعة كبيرة من الضباط سنة 1944 كانت تلتقي مع حسن البنا كما سماها لقاءات أخوانية من بينهم جمال عبد الناصر، كمال الدين حسين، حسين حمودة، سعدي توفيق، صلاح خليفة، عبد اللطيف البغدادي، حسن إبراهيم، أحمد مظهر الذي أصبح ممثلا بعد ذلك، مجدي حسين. هل كان لديك أي علم أو صلة بهذه المجموعات؟

جمال حماد: لا، هو هذه المجموعة مجرد يعني بعضهم مجرد أنهم التحقوا بالأخوان المسلمين إنما في ناس راحت على الجهاز السري بتاع الأخوان المسلمين كعبد الرحمن السندي وأقسموا على المصحف والمسدس، منهم..

أحمد منصور: منهم جمال عبد الناصر.

جمال حماد: جمال عبد الناصر وعبد المنعم عبد الرؤوف وخالد محي الدين وكمال الدين حسين، هؤلاء حلفوا على المصحف والمسدس بقوا..

أحمد منصور: وعبد الحكيم عامر أيضا؟

جمال حماد: لا، عبد الحكيم عامر..

أحمد منصور (مقاطعا): بس كمال حسين في رسالة أرسلها لعبد الحكيم عامر ذكره بأنهم أقسموا على المصحف والمسدس في البيت القديم في الصليبة.

جمال حماد: في الصليبة؟

أحمد منصور: نعم.

جمال حماد: حي طولون؟

أحمد منصور: نعم.

جمال حماد: بس أنا أؤكد لك أن عبد الحكيم عامر ما حلفش على المصحف والمسدس، أنا واثق من هذا..

أحمد منصور: لكن كان بيحضر معهم الجلسات.

جمال حماد: كان بيحضر لكن المصحف والمسدس هم الأربعة اللي أنا قلت لك عليهم، فهؤلاء لأن هؤلاء يعني معناه أنهم دخلوا في الجهاز السري وأنهم هم بعد كده ممكن أن يدوهم مهاما للقتل وسفك الدماء.

أحمد منصور: بدأ تنظيم الضباط الأحرار والسادات أسس مع حسن توفيق أولا وآخرون الجمعية السرية والملك أسس الحرس الحديدي بقيادة يوسف رشاد، السادات كان على صلة بالأخوان المسلمين وكان على صلة بالألمان وتمت سلسلة من الاغتيالات السياسية آنذاك في تلك الفترة، هل اشتركت أو كان لك أي صلة أو علاقة أو ترتيب في هذه المجموعات آنذاك؟

كنت رجلا محافظا على كياني العسكري ولم أشترك في أي منظمات أو أحزاب، لكن اشتركت في تجمع الضباط الأحرار عندما أنشأه جمال عبد الناصر
جمال حماد:
لا، أنا يعني كنت رجلا محافظا على الكيان العسكري بتاعي أنه أنا لا أشترك في أي منظمات أو أحزاب ولكن الحاجة الوحيدة اللي اشتركت فيها لما جمال عبد الناصر أنشأ الضباط الأحرار هنا دخلت أنا في العملية لأني وجدت أنه هنا فعلا طريق إلى طريق أنه إحنا نعمل شيئا لمصر، قبل كده هؤلاء كانوا بيقعدوا يعني مش بس مجموعات سرية كانوا بيقعدوا بقى بعضهم يعني بيقعد قعدات قفش وهزار وضحك وبتاع وحاجات بقى من اللي بالك فيها يعني.

أحمد منصور: لا أنا ما أعرفش حاجة، قل لنا.

جمال حماد: يعني مثلا في ناس كان بتدخن الحشيش مثلا لما كانوا يقعدوا مع بعض، ناس بيعملوا تحضير أرواح يقعدوا ومنهم يعني عبد الناصر كان وعبد الحكيم عامر..

أحمد منصور: كانوا بيحضروا جلسات تحضير الأرواح؟

جمال حماد: يحضروا، تحضير الأرواح.

أحمد منصور: وبعض المصادر وبعض الضباط قالوا إنهم كانوا بيقعدوا بيلعبوا.

جمال حماد: أيوه، أيوه، حصل هذا.

أحمد منصور: حتى أن علوي حافظ في كتابه "مهمتي السرية بين عبد الناصر والأميركان" قال إنه كان بيسهر مع عبد الناصر في أحد القصور في منطقة الهرم وكانوا بيسهروا وبيلعبوا؟

جمال حماد: هم طبعا شباب لسه صغير، فكان الشباب أنت عارف الشباب وانحرافاته بقى كشباب يعني لكن يعني طبعا لما الناس كبرت شوية طبعا اتزنت وبقيت.

أحمد منصور: متى انضممت إلى الضباط الأحرار؟

جمال حماد: 1950.

أحمد منصور: من الذي دعاك للانضمام إليه؟

جمال حماد: عبد الحكيم عامر بحكم أنه أنا عينت في رئاسة سلاح المشاة فوجدت عبد الحكيم عامر دفعتي وصديقي موجود هناك برضه أركان حرب لسلاح المشاة، وأنا أركان حرب لسلاح المشاة.

أحمد منصور: كان قائد سلاح المشاة اللواء نجيب آنذاك.

جمال حماد: كان اللواء محمد نجيب آه، فهنا بقى عبد الحكيم ضمني إلى تنظيم الضباط الأحرار وقال لي إحنا بنعمل.. أنت عاجبك -يعني كضباط إحنا الاثنين بقى مع بعض بنتكلم بصراحة- أنت عاجبك الأحوال؟ قلت له لا مش عاجباني، قال لي مش رأيك أن إحنا لازم نعمل شيئا يعني في هذا الموضوع؟ قلت له طبعا، فقال لي طيب أنت موافق يعني عن أنك تدخل معنا؟ قلت له قوي، أدخل معك بس على الله يكون حاجة جدية مش أنه إحنا نقعد نروح مثلا نعمل أي كلام.

أحمد منصور: هل كانت لديكم رؤية واضحة ما الذي ينبغي أن تقوموا به كضباط أحرار؟

جمال حماد:  كان كل همنا أنه إحنا يعني لازم نغير هذا النظام اللي موجود في مصر واللي هو يعني نظام سيء انتشرت فيه الرشوة والفساد، والأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا وما حدش بيبص لمصلحة البلد، كل الناس الكبار هؤلاء كل واحد بيدور على مصلحته فقط لا غير، فطبعا كان شيئا مؤلما جدا لنا أنه إحنا نشوف البلد بهذه الطريقة وعاوزين نغير هذا النظام.

أحمد منصور: هل تعرفت على أحد غير عبد الحكيم عامر في تلك المرحلة؟

جمال حماد: أيوه.

أحمد منصور: من؟

جمال حماد: تعرفت على صلاح سالم، كان صديقا عزيزا جدا لي وجمال عبد الناصر نفسه كان..

أحمد منصور (مقاطعا): إيمتى تعرفت على جمال عبد الناصر؟

جمال حماد: كان بيجي كل يوم عندنا في رئاسة المشاة لأنه هو كان في ذلك الوقت مدرسا في مدرسة الشؤون الإدارية في معسكر العباسية ما كانش لسه راح كلية أركان حرب، فكان إحنا بقى رئاسة المشاة جنب منه وصديقه الصدوق عبد الحكيم عامر فكل يوم بعد ما يخلص المحاضرات بتاعته يجي لنا يشرب قهوة و يشرب سجائر وبتاع ويقعد يتكلم معنا، فكان يعني حصل صلة وثيقة معه.

[فاصل إعلاني]

نشأة تنظيم الضباط الأحرار ومؤسسيه

أحمد منصور: هناك روايات كثيرة حول نشأة الضباط الأحرار ومن الذي أسس الضباط الأحرار، السادات في كتابه "البحث عن الذات" قدم رواية، في روايات لقيتها في مصادر أخرى عديدة، ما هي روايتك أنت لنشأة الضباط الأحرار؟

جمال حماد: بعض الناس فاكرين أنه مجرد يقعد هو وخمسة ستة ضباط مع بعض يبقى هو عمل جماعة أو عمل تنظيما، كثير كده بيفتكروا هذا الكلام، فالموضوع مش أنه كل ما نقعد عشرة ضباط مع بعض يبقى تنظيما، التنظيم اللي هو نطلق عليه لقب تنظيم هو التنظيم الذي يكون له أغراض واضحة وعنده أعضاء منتشرون ويستطيع أن يفعل شيئا، فإحنا لما نبص للتنظيمات اللي كانت موجودة طيب ما هي النتائج اللي عملوها؟ يعني في كذا واحد عملوا تنظيمات طيب إيه النتيجة؟ مثلا البغدادي عمل تنظيم الطيران هو بيقول هم كانوا أربعة خمسة ضباط طيارين وعمل تنظيم البغدادي، طيب هذا التنظيم ما هي أهدافه وما هي الأهداف التي حققها؟

أحمد منصور: كل مجموعة من الضباط بتفكر أنها تنقذ البلد زي ما أنتم تفكرون.

جمال حماد: أيوه، ما أنا بأقول لك بس ده مش تنظيم، ما أقدرش أقول عليه تنظيم، دي جماعات، جماعات مع بعض كثير جدا، الجيش مليان بالجماعات دي، فالحاجة اللي يطلق عليه تنظيم بصحيح هو تنظيم الضباط الأحرار لأنه كان فعلا يطلق عليه تنظيما لأن طريقته هي الطريقة المثلى للتنظيمات التي تحقق أهدافها بعد كده.

أحمد منصور: أرجع للنشأة، كيف كانت نشأة التنظيم؟

جمال حماد: نشأة التنظيم عقب هزيمة الجيش في سنة 1948 في فلسطين وعودة الجيش إلى القاهرة وإلى مصر يعني وعملوا هدنة دائمة مع إسرائيل، فبدأ بقى جمال عبد الناصر يفكر في أنه يعمل تنظيما علشان يقدر يحقق الأهداف الوطنية التي كلنا يعني، كل الضباط بيفكروا فيها بس ما فيش حاجة تجمعهم.

أحمد منصور: بس عبد الناصر كان جزءا من تنظيمات موجودة؟

جمال حماد: هو مش جزء من تنظيمات، هو راح في كل حتة، جمال عبد الناصر التحق بكثير من الأحزاب والتنظيمات لكن هو التنظيم اللي عمله بقى النهائي هو تنظيم الضباط الأحرار.

أحمد منصور: اللي هو يؤرخ أنه أسس في سبتمبر عام 1949؟

جمال حماد: تمام.

أحمد منصور: في رواية أخرى يعني لم أجدها هذه الرواية بشكل واحد في مصدر واحد ولكن جمعت عدة مصادر وحأقول لك على الرواية دي، الرواية أخذتها من كمال الدين حسين في روايته إلى سامي جوهر في كتاب "الصامتون يتكلمون"، من الشهود الذين جمع منهم أحمد حمروش شهادتهم في كتابه "شهود ثورة يوليو" معظمهم من الضباط الأحرار ما رواه عبد المنعم عبد الرؤوف في مذكراته أرغمت فاروق على التنازل عن العرش، ما كتبه حسين حمودة في مذكراته الضباط الأحرار والأخوان المسلمون، خلاصة الروايات دي أن كثيرا من هؤلاء الضباط الأحرار كانوا في الأصل ينتمون إلى الأخوان المسلمين وأنهم كانوا جزءا من التنظيم الذي أسسه الصاغ محمود لبيب في الفترة من سنة 1943 إلى سنة 1948 ومحمود لبيب كان وكيل حسن البنا مرشد الأخوان للشؤون العسكرية وجمع هؤلاء الضباط وأسس منهم تنظيما ولم يكن أحد يعلم بأسماء التنظيم كافة إلا شخصين، محمود لبيب وحسن البنا، حسن البنا قتل في فبراير 1949، محمود لبيب في سنة 1949 كان يصارع الموت على فراش المرض، استدعى شخصين حتى يعطيهم أسماء كل التنظيم، هم عبد المنعم عبد الرؤوف وجمال عبد الناصر، تخلف عبد المنعم عبد الرؤوف لم يذهب وذهب جمال عبد الناصر فأعطاه محمود لبيب كافة أسماء الضباط الأحرار في كل الأسلحة فاستخدمهم جمال عبد الناصر ليكونوا نواة أساسية في تأسيس تنظيم الضباط الأحرار.

جمال حماد: هذه الرواية صحيحة 100% لأنه أنا اللي أعرفه أن جمال عبد الناصر نواة التنظيم بتاعته كانت الضباط اللي منضمين للأخوان المسلمين وهم لما انضموا للأخوان المسلمين وكثر عدد الضباط فحسن البنا عمل لهم بقى جناحا مخصوصا في الأخوان المسلمين وخلى اتصالاتهم كلها بالصاغ محمود لبيب، الرجل ده كان ضابطا وكان في ألمانيا ورجع وبتاع، فهو الوحيد اللي كان بيتعامل معهم، ففعلا الضباط الأحرار النواة بتاعتهم كلهم من الأخوان المسلمين.

أحمد منصور: ولذلك كثير من الضباط اللي أخذ شهادتهم أحمد حمروش في "شهود ثورة يوليو" قالوا إنهم كانوا من الأخوان المسلمين؟

جمال حماد: أيوه، ما هو..

أحمد منصور (مقاطعا): معنى ذلك أنه إحنا نقول إن تنظيم الضباط الأحرار أصله كان من الأخوان المسلمين؟

جمال حماد: أيوه.

أحمد منصور: لكن عبد الناصر كما قال لحسين حمودة ضم إليه كثيرين ولم يلتزم بالضوابط اللي حطها محمود لبيب والأخوان؟

جمال حماد: بالضبط كده، يعني هو في الأول كانوا كلهم من الأخوان المسلمين، نواة التنظيم، وبعدين جاء عبد الناصر بقى ترك كل الاتجاهات اليمينية واليسارية والأخوان، كله.

أحمد منصور: حسين حمودة في صفحة 72 من كتابه، 74 و75 من كتابه يقول "قال لي جمال عبد الناصر إنه بموت حسن البنا ومحمود لبيب انقطعت صلة الأخوان المسلمين بالتنظيم السري لضباط الجيش الذي بدأه محمود لبيب سنة 1943 وقال عبد الناصر إنه اتفق مع محمود لبيب قبل موته على أن يكون اسم التنظيم الضباط الأحرار حتى نبعد الشبهة عن الأخوان المسلمين".

جمال حماد: لا، أولا أنا أحب أقول لك إن محمود لبيب مش هو اللي أسس الجناح ده العسكري، يعني ده تأسس بمعرفة حسن البنا وكان جزء من الأخوان المسلمين يعني مش منفصلا عن الأخوان المسلمين إنما كان ده اسمه جناح الضباط، كان بيضم ضباط الجيش وضباط البوليس العسكريين..

أحمد منصور (مقاطعا):  نعم، كمال الدين حسين أيضا يقول لسامي جوهر في "الصامتون يتكلمون" صفحة 33 "بدأ نشاط كان محوره جمال عبد الناصر بعد وفاة المرحوم الصاغ محمود لبيب الذي كنا نعتبره الأب الروحي لنا".

جمال حماد: أيوه، لكن أنا بأقول لك يعني إنه اللي عاوز أقوله لك إن محمود لبيب ده كان بيعمل تحت قيادة حسن البنا.

أحمد منصور: هو كان وكيل حسن البنا.

جمال حماد: كان وكيله، فلما عمل يعني جناح، ما اسمهوش تنظيم بقى، ده جناح في الأخوان المسلمين ويعني متصل بمحمود لبيب، دي الحقيقة الواقعة، وبعدين جمال عبد الناصر عمل التنظيم بتاع الضباط الأحرار فأخذ بقى من هؤلاء الناس، الضباط هؤلاء، جاؤوا لعنده وبعدين ترك الموضوع بقى يدخل أي واحد سواء أخوان سواء شيوعيين من كل الأجناس يعني.

أحمد منصور: حتى بعض الضباط قالوا إنهم استاؤوا وذهبوا إلى جمال عبد الناصر وقالوا إنه جاب بعض الحشاشين ولعيبة القمار المشهورين في الجيش وكذا وأدخلهم فقال إنه هو أحب أن يستفيد من الكل.

جمال حماد: ما هو يعني كان رأيه أنه إحنا نستفيد من الجميع دلوقت وبعدين يبقى نفرز لكن دلوقت إحنا محتاجون للعدد.

أحمد منصور: إيمتى عرفت بوجود قيادة لتنظيم الضباط الأحرار؟

جمال حماد: عرفت بقى لما أنا ضغطت على عبد الحكيم عامر وسألته وقلت له مين القائد بتاعكم؟ قال لي لا، لا، يعني دي حاجة سرية وبتاع، قلت له لا، أنا مش ضابط عادي، أنا زيك بالضبط أنت صاغ أركان حرب وأنا صاغ أركان حرب أنا مش ملازم ولا نقيب ولا بتاع، فأنا لازم أعرف، أنت حتضمني لحاجة أنا ما أعرفهاش؟ فكان يعني بيتهرب من الإجابة يعني في الأول وبعدين يعني سألني طيب أنت ترى من يعني يكون القائد بتاعتنا؟ فأنا قلت له فؤاد الصادق في الأول..

أحمد منصور (مقاطعا): ده كان قائد الجيش؟

جمال حماد: لا، كنا لسه راجعين من فلسطين.

أحمد منصور: آه، وكان هو قائد القوات في حرب 48.

جمال حماد: قائد القوات هناك وفرض الهيبة بتاعته على اليهود وفرض شخصيته على القيادة بتاعتها في القاهرة اللي كانت زمان بتدي لأحمد المواوي تقول له روح على المجدل روح على أسدود والرجل يقول حاضر ما كانش يقول لهم لا، إنما فؤاد صادق بقى رجل له شخصية ويبعث لهم إشارات قاسية جدا ويتهكم على القيادة، فكلنا كنا مرتبطين به لدرجة أنه إحنا في آخر.. لما جاء عمل خطبة في آخر الحرب وجمع الضباط كلها والضباط هتفوا له أنه يعيش فؤاد صادق وبتاع وده يمكن اللي خوف الملك منه.

أحمد منصور: الملك شعر أنه في منافس.

جمال حماد: شعر أنه في واحد قوي جدا في الجيش.

أحمد منصور: ودي عقدة الملوك والرؤساء أن يظهر أحد قوي في الجيش.

جمال حماد: ما حدش لازم يبقى قويا، فقال لي، قلت له فؤاد صادق؟ فقال لي لا، لا، فؤاد صادق يعني إذا انتصرنا أول حاجة حيعملها أنه حيصفينا، على طول كده، قال لي طيب إيه رأيك في اللواء محمد نجيب؟ أنا الحقيقة أعرفه سطحيا أسمع على شجاعته لكن ما كنتش خدمت معه، فقال لي ده، كان ماسك هو مدرسة الضباط العظام وقتها، فقلت له يعني إذا كان يعني محمد نجيب سمعته كويسة جدا كقائد ولكن أنا ما خدمتش معه، فبعد كده بقى عرفت بقى أنه إحنا..

أحمد منصور (مقاطعا): قال لك إيمتى في أي وقت من..؟

جمال حماد: يعني يمكن سنة 1951.

أحمد منصور: 1951.

جمال حماد: أيوه، قبل انتخابات نادي الضباط.

دور انتخابات نادي الضباط في قيام الثورة

أحمد منصور: نعم، انتخابات نادي الضباط مثلت دورا كبيرا جدا التي جرت في 3 يناير 1952 كانت أول مواجهة مباشرة بين الضباط الأحرار والملك، أنت كنت مرشحا ونجحت وأصبحت عضوا في مجلس إدارة النادي، كيف كانت هذه الانتخابات مثلت أول ظهور للضباط الأحرار في الجيش؟

جمال حماد: انتخابات نادي الضباط واجتماع الجمعية العمومية للضباط دي كانت أول مرة يحصل رأي عام في الجيش لأنه إحنا مبعثرون في وحدات المدفعية والمشاة والفرسان ما حدش بيشوف الثاني فأول مرة الجمعية العمومية دي تجمع ضباطا من مختلف الأسلحة ومن مختلف الرتب فدي عملت بعد كده رأيا عاما في الجيش، فانتخابات نادي الضباط دي يعني أنا بأعتبرها حاجة مهمة جدا قفزت بتنظيم الضباط الأحرار إلى الأمام فرسخ أقدامه، لأنه كان الأول يعني اللي يعرف التنظيم بتاع الضباط الأحرار يعني عدد محدود يعني خذ بالك أنه في جهات كثيرة كانت بتراقب..

أحمد منصور (مقاطعا): طبعا ده جيش.

جمال حماد: آه، مخابرات حربية ومخابرات الملك ومخابرات الإنجليز نفسهم والبوليس السياسي يعني كان كل حتة، فالحقيقة لأول مرة بقى أنه إحنا نشعر أنه إحنا لنا كيان..

أحمد منصور (مقاطعا): ألم تكونوا خائفين أن ترشحوا ويكشف تنظيمكم لاسيما وأن التنظيم سري؟

جمال حماد: يعني إحنا ما عملنهاش..

أحمد منصور (مقاطعا): وكان محمد نجيب على رأسكم مرشحا؟

جمال حماد: أيوه، ما هو إيه؟ يعني إحنا وجدنا أن الانتخابات بتاعة نادي الضباط دي فرصة لمعرفة مدى قدرة التنظيم ده ومدى استجابة الضباط له في الجيش لأنه إحنا جايز جدا أنه إحنا فاكرين نفسنا تنظيم بينما ما حدش معنا في الجيش فكنا عاوزين نعرف مدى قوتنا، فترشح محمد نجيب وترشحنا إحنا، وفي الجمعية العمومية ما كانش طبعا الأعضاء، كانت الجمعية العمومية حوالي 450 ضابطا من مختلف الأسلحة، طبعا مش كلهم من الضباط الأحرار، يعني الضباط الأحرار لم يزيدوا عن مثلا10% من اللي موجودين لكن قدروا بتكتلهم أنهم يخلوا الجمعية كلها، العمومية، تمشي في نفس الاتجاه، لأن الضباط كلهم كان في هذا الوقت..

أحمد منصور (مقاطعا): ونجح ضباط لم يكونوا ينتمون للضباط الأحرار مثل رشاد مهنا مثلا.

جمال حماد: آه، بس رشاد مهنا ده ما حدش فينا كان يعتقد أن ده مش من الضباط الأحرار.

أحمد منصور: ده جاب أعلى رقم في الانتخابات.

جمال حماد: أعلى رقم، 90%، 94% أكثر من محمد نجيب، وقام بدور كبير جدا في نجاح الانتخابات.

أحمد منصور: عبد اللطيف البغدادي في صفحة 36 من الجزء الأول من مذكراته يقول "ليس هناك من وسيلة أمامنا لتحقيق هذا الهدف إلا بالعمل على القيام بانقلاب عسكري" هل كان واضحا لديك كأحد الضباط الأحرار في ذلك الوقت أنكم تسعون للقيام بانقلاب عسكري؟

جمال حماد: طبعا.

أحمد منصور: انقلاب عسكري؟

جمال حماد: طبعا، ما هو لا يمكن إصلاح الحال إلا بانقلاب عسكري لأنه..

أحمد منصور (مقاطعا): لأن الكلام كله كان عن حركة وليس عن انقلاب عسكري.

جمال حماد: ما هو إحنا سموها حركة علشان ما يقولوش ده انقلاب عسكري زي انقلابات سوريا اللي كانت بتحصل وأن انقلابات سوريا كان كل اللي بيحصل أن طبقة الحكام تتغير فقط لا غير ولكن إحنا كان تغيير مجتمع بحاله.

أحمد منصور: لكن عبد الناصر في أكثر من رواية من الروايات التي قرأتها المتناثرة في الكتب كان يعد لأن يكون هذا سنة 1956 مثلا، سنة 1954 ليس 1952 وأكثر من مرة قال الثورة قامت مبكرة عن موعدها ربما ثلاث سنوات؟

جمال حماد: هو كان الأول باعتبار أن لسه التنظيم ضعيفا فكانت الفكرة أنه يتعمل 1955 وبعدين..

أحمد منصور (مقاطعا): فعلا كنتم مرتبين أن الثورة تقوم 1955 أو الانقلاب العسكري؟

جمال حماد: 1955 أو الانقلاب العسكري على أساس أن يكون بقى ساعتها الخلايا انتشرت في الجيش لأنه ما كانش لسه حصل انتخابات نادي الضباط وغيره في الأول في بادئ الأمر، بعدين بقى بعد..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني انتخابات نادي الضباط في 3 يناير لعبت دورا كبيرا..

جمال حماد (مقاطعا): مش في 3 يناير، الانتخابات تمت في 31 ديسمبر سنة 1951 واخد بالك، وطبعا دي أعطت تنظيم الضباط الأحرار قوة كبيرة جدا وأحسينا أنه إحنا لنا كيان ولنا قوة في الجيش.

أحمد منصور: بعد الانتخابات بأيام قليلة جدا في 8 يناير 1952 قام جمال عبد الناصر بمحاولة اغتيال حسين سري عامر كان قائد سلاح الحدود، حتى أن عبد اللطيف البغدادي في مذكراته يقول إنه نشبت بينه وبين عبد الناصر مشادة وقرر أنه يبتعد عن الضباط الأحرار بسبب قيام عبد الناصر بهذه المحاولة، كان عندك معلومات عنها؟

جمال حماد: بيني وبينك ما حدش عرف هذه الواقعة إطلاقا، عرفنا طبعا أنه في اعتداء على..

أحمد منصور (مقاطعا): حسين سري عامر.

جمال حماد: محاولة قتل حسين سري عامر لكن ما عرفناش من اللي عمل المحاولة دي لأنه لو أحد عرفها كان حيمسكوه على طول.

أحمد منصور: كان معه حسن التهامي وكمال رفعت وحسن إبراهيم.

جمال حماد: تمام، هو حسن إبراهيم قعد جانب جمال عبد الناصر في العربية بعيد عن الواقعة واللي كانوا حيطلقوا النار هما حسن التهامي وكمال رفعت، وبعدين حسن التهامي قال لكمال رفعت أنت ما تضربش سيبني أنا حأضرب أنت احمني، احم ظهري فقط لا غير، فاللي ضرب هو حسن التهامي وضرب عشرين طلقة بالرشاش بتاعه لأن الرشاش ما يسعش غير عشرين طلقة، فضرب عشرين طلقة فهو بيقول أنا قصدت أنه ما أموتهوش وأضرب بعيدا عنه، فأنا أثبت له في مقالة لي أنك أنت كنت تقصد قتله وحكاية أنه أنت كنت عايز تبعد عنه لا.

أحمد منصور: الروايات بتقول إنهم كانوا قاصدين قتله وإن عبد الناصر أصيب بحالة نفسية شديدة بعدها.

جمال حماد: أيوه، فهو كان بيقول أنا كنت بس عاوز أهدده فقط، قلت له لا، أنت كنت قاصد قتله بس ماعرفتش رغم أنك أنت رجل من ضمن النيشانجية اللي في الجيش بحيث أنه هو في جماعة يعني اللي بيدخلوا مسابقات والحاجات دي، يعني هو ضريب يعني، لكن هو بقى القدر أراد أن الرجل ده لا يصاب.

أحمد منصور: حسين سري عامر كان رجل الملك؟

جمال حماد: ده بكل صراحة بالكامل يعني.

أحمد منصور: في 26 يناير 1952 احترقت القاهرة وكنت أنت برتبة رائد وتتولى أركان حرب سلاح المشاة الذي كان يقوده اللواء محمد نجيب، أين كنت يوم حريق القاهرة؟ أبدأ معك به الحلقة القادمة. شكرا جزيلا لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة اللواء أركان حرب جمال حماد كاتب البيان الأول لثورة يوليو وأحد كبار الضباط الأحرار، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة