الإدارة الأميركية بين استبدال عرفات والإطاحة بصدام   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: جفري ستاينبرغ
تاريخ الحلقة: 07/04/2002




- الموقف الأميركي من الاعتداء الإسرائيلي على فلسطين
- الرؤية الأميركية البريطانية لمستقبل نظام الرئيس صدام حسين

جفري ستاينبرغ
مالك التريكي

مالك التريكي: الإدارة الأميركية تتفهم المجازر الشارونية وتعلن أن تغيير النظام في العراق غاية أخلاقية جديرة بأن يسعى لها العالم الحر سعياً.

تساؤلات حول السياسة الأميركية بين الرغبة العاجلة في استبدال الرئيس الفلسطيني والنية الآجلة في الإطاحة بالرئيس العراقي.

الموقف الأميركي من الاعتداء الإسرائيلي على فلسطين

أهلاً بكم، خلال الأسبوع الأول من الغزو الإسرائيلي للضفة الغربية لم يتدخل البيت الأبيض فيما يسميه الشرق الأوسط إلا بطريقة واحدة وقد تمثلت هذه الطريقة في طرح السؤال على شارون: كم من الوقت تنوي إعادة احتلال الضفة الغربية؟ وبعد أسبوع من الاجتهاد في السؤال أي بعد أسبوع من الغزو الذي يطبق فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي مثلما أوضح برنامج (قضايا الساعة) الخميس الماضي نفس الأساليب القمعية التي انتهجها الجيش النازي ألقى الرئيس الأميركي خطاباً عُدَّ علامة تحول هام لمجرد أنه لم يحجم هذه المرة عن طلب انسحاب الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية، ومن الجلي أن توقيت طلب راعي حقيقة أن الجيش الإسرائيلي قد مضى بالفعل شوطاً بعيداً في نسف البنى التحتية والمرافق الضرورية في المناطق الفلسطينية وفي تفكيك أجهزة السلطة، بل وفي تدمير أبسط مقومات الحياة فيما بقي للفلسطينيين من أرض فلسطين. كل هذا بطبيعة الحال تحت راية مكافحة الإرهاب التي يبدو أنها أصبحت العقيدة الجامعة المانعة للطبقة السياسية الأميركية كما أصبحت التجارة السياسية الرابحة لكل الأنظمة القمعية وفي مقدمها نظام (أرييل شارون)، فهل حدث فعلاً تغيير في الموقف الأميركي من النزاع الفلسطيني –الإسرائيلي ولو لمجرد اعتبارات تكتيكية تتعلق بتحييد الدول العربية استعداداً لاحتمال الهجوم على العراق، أم أن الإشارات المتضاربة الصادرة عن البيت الأبيض هي من أعراض ما سماه المنتقدون لأدائها بعلة التهافت الاستراتيجي؟ ياسر أبو النصر يتناول ملامح التعاطي الأميركي مع الأزمة في هذا التقرير.

ياسر أبو النصر: رويداً رويداً، وبشكل موازٍ لتصاعد منحنى العمليات الفدائية في إسرائيل بدأت الولايات المتحدة تخرج من غيبوبتها الدبلوماسية تجاه الشرق الأوسط، فكانت مساندتها لقرار مجلس الأمن الشهر الماضي الداعي إلى قيام دولة فلسطينية وإن تجاهل التدابير التي تكفل وجوداً فعلياً لهذه الدولة. مع استباحة الآلة العسكرية الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية سارعت واشنطن بدعم قرار آخر يدعو إسرائيل على استحياء للانسحاب وبينما أعطت تل أبيب ظهرها للقرار وراحت تعربد في عقر دار الرئيس الفلسطيني، عاد بوش ليتبنى في تكساس الرواية الإسرائيلية برمتها محملاً عرفات وسلطته الفلسطينية المحطمة الأذرع والسيقان كل المسؤولية!! لكن الشارع في أنحاء مختلفة من العالم كان له رأي آخر.

أمواج الغضب الهادرة التي عمت الشرق والغرب اقتحمت مسامع الرئيس الأميركي وإدارته وربما زاد من واقعها في الآذان الأميركية حالة من التململ الرسمي العربي التي عبرت عن نفسها بخطوات من ذلك النوع الذي اتخذته مصر عندما أقدمت على تجميد علاقاتها مع تل أبيب مبقية على القناة الدبلوماسية مع تلويح بالذهاب إلى ابعد من ذلك. وبعد أسبوع من الصمت الأميركي المسموع خرج الرئيس الأميركي بالخطاب المبادرة، الذي وصف بأن ظاهرة الرحمة وباطنه العذاب.

جورج بوش: "أطلب من إسرائيل أن توقف غاراتها داخل المناطق الفلسطينية وأن تبدأ الانسحاب من المناطق التي احتلتها أخيراً، إنني أتحدث كصديق مخلص لإسرائيل وأتحدث حرصاً على أمنها على المدى الطويل الذي سيأتي مع سلام حقيقي، ومع اتخاذ إسرائيل خطوة إلى الوراء على الزعماء الفلسطينيين المسؤولين وجيران إسرائيل العرب أن يتخذوا خطوة إلى الأمام ويظهروا للعالم حقاً أنهم إلى جانب السلام، أتوقع زعامة أفضل وأتوقع نتائج".

ياسر أبو النصر: كلمات بوش التي جاءت نموذجاً نمطياً للخطاب الأميركي بعد الحادي عشر من سبتمبر حفل ببعض الوعود وبالكثير من الوعيد، أما ما يدخل في الوعود فيتخلص في مطالبه إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها أخيراً.

إعادة تأكيد رؤيته بشأن الدولة والطموحات الفلسطينية المشروعة، مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان.

وفي المقابل يتلخص ما يمكن أن يكون وعيداً في.

اتهام عرفات بخيانة آمال شعبه وتحميله المسؤولية.

تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها واعتبار المقاومة إرهاباً.

التلويح بسيناريو القيادة الفلسطينية البديلة.

وتهديد العراق وسوريا وإيران.

وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي زار المنطقة مرتين من قبل وخرج بخفي حنين يأتي هذه المرة مدججاً بهذه الرؤية الأميركية ومع دوران عجلة الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط من جديد لم يعد السؤال هل تتحرك واشنطن أم لا؟ ولكن في أي اتجاه سيكون التحرك؟ سؤال تشوبه الكثير من الهواجس العربية حول مستقبل عرفات وتخوفات من أن تتلقف واشنطن كرة اللهب وتمضي بها إلى العراق وربما إلى دول أخرى تعتقد أنها بمنأى عن دائرة الخطر.

مالك التريكي: إذن قيام الإدارة الأميركية بإطلاق يد إسرائيل في المناطق الفلسطينية يثير الآن المخاوف من أن تطلق يدها أيضاً في بلدان عربية أخرى، معنا لبحث هذه القضية من واشنطن السيد (جفري ستاينبرغ) الصحفي المتخصص في السياسة الخارجية الأميركية، سيد ستاينبرغ، لقد سبق أن كتبتم منذ يوليو/ تموز الماضي أن شارون وضع بعد أيام فقط من وصوله للسلطة وضع خطة حرب جديدة ضد السلطة الفلسطينية وربما ضد الأردن، هل ينفذ هذه الخطط الآن؟ وهل كانت الإدارة الأميركية على علم بذلك؟

جفري ستاينبرغ: بالتأكيد إن شارون يتبع سياسة كانت سياسته الدائمة خلال حياته السياسية برمتها، إن شارون ملتزم بالطرد الجماعي لكل الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية وكذلك طرد كل أو معظم العرب الموجودون حالياً كمواطنين داخل إسرائيل، هذا هو مفهوم شارون لما يتعلق بالحل النهائي فيما يخص ما يسمى بالمسألة الفلسطينية وهو ترحيل كل الموجودين عبر نهر الأردن ليصبحوا في الأردن والسيد زائفي الذي قتل وكان أحد أعضاء حكومة شارون كان يسمي هذه السياسة سياسة إن الأردن هي فلسطين وشارون مستعد لتنفيذ سياسة الإبادة أو القتل الجماعي الذي يشنه حالياً، هذه كانت خطته منذ البداية وهذا شيء ربما كان على.. الإدارة الأميركية على علم به أو يجب أن تكن على علم به فيما يخص سياستها إزاء الشرق الأوسط، لأن شارون كان واضحاً تماماً حول هذه السياسة.

مالك التريكي: لقد وثقتم فكرة التهجير (الترانسفير) التي يؤمن بها شارون بأنها

الحل النهائي بالنسبة لشارون للمشكلة الفلسطينية هذا تعبير نازي بحت هل تقصدون استعماله قصداً؟

جفري ستاينبرغ: بالتأكيد نعم، وقد اخترت هذه الكلمات بعناية وبدقة، وعلينا أن نكون صريحين وواضحين، ويجب أن نشير إلى أرييل شارون باسمه أرييل شتلر شارون، أي مثل هتلر، وبنفس الطريقة التي كان بها (بن جوريون) يتحدث عن قادة روس، لأنهم هؤلاء يمثلون اليهود النازيين، وشارون ينطبق عليه هذا الوصف تماماً، وأعتقد إنكم في الأسبوع الماضي قدمتم برنامجاً بهذا الصدد، ومن نفس الطريقة التي كنا نحن نكتب عنها وعن طريقة اجتياحه لمناطق (أ) والطريقة التي يتعامل بها كما تعامل النازيون مع الجيتاوات في (وارسو) في الأربعينات، وبنفس الطريقة فهم يقومون بتجميع الرجال الفلسطينيين ويضعون أرقاماً على أيديهم لتتم ملاحقتهم حتى النهاية حتى تتم تصفيتهم، إذاً وصفهم بالنازية هو ضمن ما يسمى بالحل النهائي هو مناسب تماماً حول ما يفعله شارون، وأي شيء أقل عن ذلك يمثل إرضاء: واسترضاءً لشارون مثلما كان يستخدم ذلك من قبل رئيس الوزراء البريطاني مع هتلر في الأربعينات.

مالك التريكي: أستاذ ستاينبرغ أستاذ ستاينبرغ، أليس في هذا خطر واضح على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن (هنري كيسنجر) منذ عام 74 تحدث عن سيناريو يسميه سيناريو الحليف المنشق the perk way onloyh الذي تقوم إسرائيل بمقتضاه بشن حرب على جيرانها، ثم تقول لأميركا: لقد أعلنا الحرب فخوضها مكاننا.

جفري ستاينبرغ: الطريقة الوحيدة التي يتم بها كبح جماح شارون، هو أن نقول له بكل وضوح وبدون أي لبس وغموض وبلغة صريحة توقف وانتهٍ عما تفعل، المشكلة حتى الآن إن الميل من قبل الإدارة الأميركية الحالية بالذات لأن تخضع للابتزاز من قبل ابتزاز اللوبي الإسرائيلي الداخلي في أميركا، وكذلك جزءاً كبيراً من الحزب الجمهوري الذين يعتبرون جزءاً من اللوبي اليهودي أو ما يسمى بالمسيحيين الصهاينة، فشارون إذاً يتبع سياسة الحليف المنشق التي تحدثتم عنها لدرجة أن (كولن باول) سوف يصل إلى القدس الأسبوع القادم، وليس شارون فقط يحاول الآن استكمال حرب الإبادة التي شنها في المناطق الفلسطينية، ولكن شارون يتطلع نحو أول ذريعة ممكنة لتوسيع نطاق الحرب تشمل سوريا وجنوب لبنان، ويحاول أيضاً شن حرب على المنطقة برمتها، والخطورة في ظل هذه الظروف إن شارون ربما لن يتردد في استخدام الأسلحة الذرية ربما حتى ضد العراق، بحيث يتم تحقيق سيناريو كيسنجر الذي يشار إليه سابقاً إن شارون مجنون وهو مجنون بحلم إسرائيل الكبرى الذي يستحوذ على ذهنه.

مالك التريكي: أستاذ ستاينبرغ.

جفري ستاينبرغ: والشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفه هو إجراء استخدام لغة قوية وإجراءات قوية من قبل أميركا لا لبس فيها ولا غموض.

مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ ستاينبرغ، ابق معنا.. ابق معنا، فللحوار بقية.

أميركا وبريطانيا تتنكران لتراثهما القانوني، الذي يلقي عبء الإتيان بالأدلة على عاتق الإدعاء، فتطالبان النظام العراقي بأن يقوم هو بإثبات براءته من تهمة تطوير أسلحة الدمار، ثم تستدركان بأن قلب نظام الحكم في العراق هو الغاية القصوى على أية حال، فهل يعود البلدان سيرتهما الإمبريالية الأولى التي راحت ضحيتها حكومة مُصدَّق مطلع الخمسينيات في إيران؟

[فاصل إعلاني]

الرؤية الأميركية البريطانية
لمستقبل نظام الرئيس صدام حسين

مالك التريكي: ائتوا بغيرها، هكذا كان يقول المسؤولون الأوروبيون للمسؤولين الأميركيين، الذي كانوا يحاولون إقناعهم منذ أشهر بوجود نوع من العلاقة بين النظام العراقي وبين هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ذلك أن الأوروبيين يعلمون أن هدف ضرب العراق قد أصبح منذ عقد من السنين من ثوابت ثقافة الطبقة السياسية في واشنطن وأن ما يسمى بالمحافظين المحدثين، وعلى رأسهم مدير الـ C.I.A السابق (جيمس وولسي) إنما يخترعون الأعذار حسب مقتضى الحال، وذلك إلى درجة أن الساحة السياسية في واشنطن لم تعد تقتصر على الحزبين الديمقراطية والجمهوري، بل إن هنالك حزباً ثالثاً يدعى "حزب الإطاحة بصدام"The Get SADAM Batty ، ولهذا قررت أميركا وبريطانيا منذ يناير الماضي تغيير العذر، فصارت تقول: إن ممكن الخطر في العراق هو أنه لم يتوقف عن تطوير أسلحة الدمار. وقد مثل هذا التحول في العذر وليس في الهدف الخلفية الأساسية لخطاب حالة الاتحاد الذي اشتهر باسم خطاب "محور الشر"، إلا أن هذا العذر الذي كان يظن أنه أكثر قابلية للتصديق قد تعذر هو أيضاً على الترويج، إذ لم تنجز الحكومة البريطانية وعدها لوسائل الإعلام قبل أسبوعين بنشر ملف كامل يتضمن أدلة على صحة تهمة تطوير أسلحة الدمار، لهذا عقدت قمة (بلير) و(بوش) أمس في ولاية تكساس دون أن ينشر هذا الملف، الأمر الذي أشاع الاعتقاد بأنه ليس لدى أميركا وبريطانيا أية أدلة، وأن كل ما في الأمر أن العزم على ضرب العراق موجود، أما سيناريو التبرير المقنع فمفقود، إلا أن ما ساعد على التخفيض من الحرج البريطاني هو أن جدول أعمال القمة قد تغير في ضوء الحرب التي يشنها شارون ضد فلسطين مثلما يبين ماجد عبد الهادي في هذا التقرير.

تقرير/ ماجد عبد الهادي: بغض النظر عن التداعيات التي قد يثيرها موقع ومكان انعقاد القمة العتيدة مزرعة الرئيس بوش في تكساس، وكذا طبيعة العلاقة الذيلية التي باتت تربط السياسة البريطانية بالأميركية فإن تزامن هذا الحدث مع اشتداد العدوان الإسرائيلي على مناطق السلطة الفلسطينية دفع الزعيمين، أو لنقل زعيم العالم وظله الأوروبي إلى تعديل جدول أعمال اجتماعهما فيما يلائم الأولويات الطارئة في الشرق الأوسط، وهكذا تراجعت في المعلن من أهداف اللقاء خطط تغيير النظام العراقي لتحتل المرتبة الثانية على جدول الأعمال بعد ما كان مقرراً لها أن تشكل محور البحث الرئيسي، بينما تقدم الملف الفلسطيني الإسرائيلي في المقابل إلى موقع الصدارة إعلامياً على الأقل.

وبرغم تهاون بوش في دعوة إسرائيل إلى سحب قواتها من مدن الضفة الغربية دون تأخير على حد تعبيره الذي اعتبره الفلسطينيون نوعاً من التلاعب بالألفاظ، فإنه استخدم لغة حازمة جازمة لدى مطالبته الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إعلان وقف فوري لإطلاق النار وإدانة ما وصفه بالأنشطة الإرهابية في إشارة إلى عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

جورج بوش: لم يكسب ثقتي أبداً، قال إن سيحارب الإرهاب ولم يفعل، يتعين عليه أن يتحدث بوضوح وباللغة العربية إلى شعب المنطقة، ويدين الأنشطة الإرهابية.

ماجد عبد الهادي: ومن جانبه عاد بلير في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الأميركي إلى ربط إقامة الدولة الفلسطينية بما قال أنه حق إسرائيل في أن تعيش داخل حدود آمنة ومعترف بها عربياً من دون أن يفوته التذكير في الوقت نفسه بأن أفضل صديقين لإسرائيل هما الولايات المتحدة وبريطانيا. ولا يحمل مثل هذا الموقف وفق ما يرى المراقبون السياسيون أي جديد يمكنه أن يخفف من واقع الخيبة التي سبق لرئيس الوزراء البريطاني أن خلفها في الأوساط السياسية الفلسطينية والعربية، لدى قيامه في مطلع شهر تشرين الثاني نوفمبر الماضي أي في الذكرى الرابعة والثمانين لوعد بلفور بجولة بين دول المنطقة، حيث تحدثت وسائل الإعلام آنذاك عن احتمال أن يقدم بلير إعلاناً أو وعداً تاريخياً للشعب الفلسطيني يصحح بعض الخطأ الذي وقعت فيه الإمبراطورية الغابرة في بلاه، عام 1917، بيد أنه لم يفعل بل اكتفى بعد اجتماعه مع عرفات في غزة بترديد صدى التصريحات الأميركية الداعية إلى وقف العنف وإراقة الدماء كشرط لإقامة الدولة الفلسطينية، وسرعان ما اتضح في الشهور القليلة اللاحقة أن هذه التصريحات على علاتها، لم تكن تهدف سوى إلى منع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من التأثير سلباً على جهود حشد التأييد الرسمي العربي لحرب واشنطن ضد ما تسميه الإرهاب.

أما اليوم وإذا توشك هذه الحرب على الدخول في مرحلة جديدة هي مرحلة ضرب العراق والإطاحة بنظام حكم الرئيس صدام حسين كما أكد بوش في مؤتمره الصحفي المشترك مع بلير فإن هناك عوامل مضادة لابد للإدارتين الأميركية والبريطانية من أخذها في الحساب قبل أن تصدران أوامر لقاذفاتها الحربية بالتوجه نحو بغداد، ولعل أول هذه العوامل يكمن في وصول العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني إلى مستوى يصعب معه إشعال فتيل حرب جديدة ضد شعب عربي آخر، بينما يتمثل العامل الثاني في أن فكرة ضرب العراق لم تلق بعد الدعم المطلوب من دول الاتحاد الأوروبي.

أما العامل الثالث: فقد وجد تعبيره في قيام نحو 120 عضواً من أعضاء مجلس العموم البريطاني بالتوقيع على مذكرة يعربون فيها عن قلقهم العميق من الفكرة إياها. ويعتقد المراقبون السياسيون أن هذا التحفظ الداخلي في بريطانيا نفسها هو الذي فرض على بلير أن يكون أكثر حذراً أو أقل صراحة من بوش عندما تحدث عن تغيير النظام في بغداد.

توني بلير: أي شخص عاقل يراقب موقف صدام ويسأل ألن يكون العالم والمنطقة والشعب العراقي أفضل بدونه؟ سوف يصل إلى الإجابة على هذا السؤال، بنعم.

ماجد عبد الهادي: وهنا ربما يكون الأمر ألا هم من التباين بين تصريحات بوش وبلير هو اتفاقهما على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة ضد العراق بما يعني أن الحرب التي لن تندلع الآن ستندلع غداً.

مالك التريكي: إذن إبقاء الخيارات مفتوحة ربما يعني إذا لم تشن الحرب على العراق اليوم، فقد تشن غداً، أستاذ (ستاينبرغ) لقد كتبتم أخيراً أن ما يقال عن عدم اتخاذ قرار نهائي لضرب العراق هو كذب، هنا اقتبس، قلتم كذب، هل يعني ذلك أن التخطيط جار الآن عل قدم وساق للهجوم على العراق وأن المسألة مسألة وقت؟

جفري ستاينبرغ: بالطبع نعم هذا هو ما يحدث، و هناك خلاف حول مسألة التوقيت فقط بين شارون من جهة وبوش ما جهة أخرى وواضح إن الأحداث التي شهدناها في الأراضي الفلسطينية على مدى الأسبوعين الماضيين قد خلقت وضعاً جديداً في الشرق الأوسط ويأس شارون قد دفع به إلى محاولة تحقيق أغراضه قبل وصول كولن باول إلى القدس يوم الجمعة القادم، ووفق كل التقديرات التي قدمها الخبراء العسكريون في الولايات المتحدة فإن الحرب ضد العراق والتي تلتزم بشنها إدارة بوش ستتطلب ما بين 200 إلى 400 ألف جندي أميركي، وستتطلب تجهيز قذائف وذخائر كافية ونحن لسنا مستعدين بشكل فعلي قبل انتهاء هذا العام، والرئيس بوش ولأسباب سياسية ربما سوف يفضل الانتظار حتى نوفمبر وانتخابات الكونجرس في شهر نوفمبر، ولكن القرار متخذ ولكن بعض العوامل التي تقرر توقيتها هي التي يتم انتظارها، ولا شك لدي أن هذه هي سياسة واشنطن وسياسة بلير أيضاً، وأنها ستكون عملية بريطانية أميركية مشتركة وهذا ما نراه الآن.

مالك التريكي: هل يفسر هذا أستاذ ستايبنرغ هل يفسر هذا، هل يفسر أن الحكومة الأميركية قد بدأت أخيراً في الترويج لقصة اسمها قصة الحقائب النووية، أي أن العراق حسب ما يقولون سيرسل إرهابيين إلى أميركا مزودين بحقائب فيها أسلحة نووية، ورغم أن علماء الذرة قد يبنوا استحالة أن تكون هذه القصة حقيقية، فإن وسائل الإعلام مهمة في أميركا مثل (نيويورك بوست) ومجلة (تايم) وشبكة (فوكس نيوز) التليفزيونية قد روجت لهذه القصة، هل يعقل أن تنتشر الأساطير في بلد تتوفر فيه وسائل الإعلام الحرة والعقلانية والمؤسسات العلمية المتقدمة؟

جفري ستاينبرغ: أتمنى لو أن الإعلام في الولايات المتحدة كان فعلاً عقلانياً وحراً كما تصفون لو نظرنا إلى روبرت مردوخ الآخرين من أمثالهم سنفهم أن الإعلام ليس كما تصفون، وإنما نراه هو شن حملة تخويف وموضوع الغلاف لمجلة (تايم) وغيرها قد روجت لهذه الفكرة.. فكرة حمل حقائب فيها أسلحة نووية وأيضاً أسلحة دمار شامل وما شاكل، ولكن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وفي –خضم هذه الحملة- جاء.. أتى بخبراء علميين قالوا أن هذه لا تتعدى كونها خرافة علمية ويتعدى عملها ما هو متوفر من خبرات متاحة الآن، والفكرة حقيقة هو الترويج لحالة من الخوف خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر لآن الشعب الأميركي بدا مستعداً لتلقي حملات تخويف من هذا النوع والتي من شأنها خلق دعم شعبي لفكرة ملاحقة صدام حسين، وفي الحقيقة أن الناس الذين يقفون وراء هذه السياسة حقيقة لا يضعون أي اعتبار ولا يهتمون بصدام حسين، ولكنهم يضعون مسألة صراع الحضارات و الحرب ضد العراق كذريعة مهمة لترويج فكرة صراع الحضارات كما فعل برنسكي وغيره.

مالك التريكي: أستاذ ستاينبرغ (الخبير في السياسة الخارجية الأميركية) من واشنطن شكراً جزيلاً لك.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها. دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة