القاضي يوجين قطران   
الخميس 1426/1/29 هـ - الموافق 10/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:28 (مكة المكرمة)، 10:28 (غرينتش)
ضيف الحلقة - يوجين قطران، قاضي وقانوني فلسطيني
تاريخ الحلقة 09/04/2001



يوجين قطران
المعلقة:

في شهر أكتوبر من كل عام تُقرع أجراس كنيسة (وسيت مينست أفي) معلنة بداية السنة القانونية الجديدة وداعية أولياء القانون البريطاني إلى المشاركة في احتفال تعود تقاليده إلى القرون الوسطى حيث كانت حشود المحامين وكبار القُضاة تشق طريقها إلى هنا على الأقدام آملة أن يستجيب الرب إلى دعائها فيمنحها الحكمة ومناصرة الحق.

ما اختلف منذ ذلك العهد قليل، إذ أن أسس النظام القضائي مازالت هي نفسها، اللباس أيضاً بقي كما كان، فكيف لك أن تعرف أن من بين تلك الوجوه التي تمر بك قاضٍ يُخفي وراء الشعر المستعار ذاكرة طفولة بعيدة في زهرة المدائن، من القدس أتى كي يُصبح أول قاضي عربي في بريطانيا، إنه يوجين قُطران.

يوجين قُطران:

عائلة قُطران أصلها من عكا، لكن والدي كان بسلك المحاماة والقضاء وكان شغله بالقدس، فكنت في بداية عُمري أروح على مدرسة (الفرير) في القدس، اللي هي بباب الجديد ومازالت هناك، وبأتذكر منيح إنه لما بديت الحوادث بعد الـ 46، 47 كنا نروح بباص مصاحبة من البيت، جيراننا كانوا بيت البهو اللي كانوا صحابين الباصات، وبعدين بأتذكر منيح كيف سنة 48 تركنا أنا وأمي وأخوي وأختي ورُحنا كقافلة 3 سيارات كان فيه طبعاً حواجز، وكان فيه ضرب، وصلنا لمصر، والهدف كان إنه نروح على المدرسة كلية فيكتوريا بالإسكندرية، ووالدي ظل بفلسطين، ويوم 15 مايو لما انتهى الانتداب سَكِّر البيت بالمفتاح زي ما هو بالفرش، وكل شيء وآجى على مصر متأمل هو وإحنا كلنا متأملين إنه نرجع بعد شهرين، 3، 4، 5 وبعدين صار اللي صار، وصارت فلسطين نصها، 3/4 إسرائيل، والضفة انضمت للأردن، وغزة كان الحاكم فيها حكم مصري، وصرت لاجئ، وصرت غير معيَّن الجنسية.

ماكنتش أحس بهذا الوقت ولا أفكر بهذه المسألة، أدركتها طبعاً، أدركت أنا إنه مش راح نرجع، لكن ما شعرت بالحزن زي ما شعرت بعدين لمّا اتخرجت ولما عرفت إنه مفيش بلد أرجع لها.

كلية فكيتوريا كانت مكونة من قسم داخلي، وقسم خارجي، وكان القسم الداخلي أكتريته، كُلُّه تقريباً من بلاد عربية غير مصر، كان فيه ملوك كان الملك حسين مش صاحبي كتير، لكن كنت بأعرفه نلعب Football معه سوا، كان هشام ناصر اللي صار بعدين وزير النفط بالسعودية كان فيه من ليبيا عمر الشلحي، كانت جامعة عربية صغيرة بالمدرسة، بكلية فيكتوريا كان فيه Drama-society وكنت أنا مشترك فيها بحماس شديد، وكنت أشترك بالتمثيليات اللي كانوا يعملوها كل سنة بالعربي وبالإنجليزي، وعائلة قُطران بكلية فيكتوريا كانت شبه معروفة بالـ Football أنا كنت الـ Goal Keeper تبع المدرسة وباشتراكهم بالتمثيليات، أخي قبلي وأنا بعده، وهذا أدى لفكرة، إنه لما أترك فيكتوريا وأرجع بيروت أدرس وأمارس الدراما وأصير ممثل، والدي كان معارض، بعد المعارضة لفكرة التمثيل ارجعت للفكرة الأولية وهي إنه أصير محامي وقانوني.

المعلقة:

فيما يتولى الأب مناصب قضائية عديدة في إفريقيا، في السودان، ثم نيجيريا، والكاميرون، يسير الابن على خُطى والده، إذا تُصبح إفريقيا نقطة تحول في حياة يوجين، وقارة يعود إليها مرَّات ومرات، فبعد بكالوريوس الحقوق من (ليتس) وشهادة القانون الدولي من (كامبريدج) حصل يوجين على بعثة (سِوَس) حملته إلى شرق إفريقيا في مهمة كانت الأولى من نوعها دراسة، وتصنيف، وتدوين الأحكام العرفية.

يوجين قُطران:

كنت أجلس مع زعماء القبائل وأعرف منهم ما هو قانونهم العُرفي بالزواج، بالطلاق، بالإرث، ونُشرت هذه الكُتب، وكانت يعني بداية لكتابة هذه القوانين في كل أنحاء أفريقيا.

المعلقة:

مؤلفاته اليوم أصبحت مرجعاً في القوانين الإفريقية، والدور الذي لعبه في توحيدها خطَّ صفحة جديدة في تاريخ تلك القارة التي تحولت إلى شبه بيت له لولا أن هجرة ثانية كانت تنتظر يوجين بسبب حبه للعدالة وبدافع قرار منه.

يوجين قطران
يوجين قُطران:

بالفعل إنه الحكومة كانت تتدخل بالقضاء وهاي مشكلة، مشكلة يعني عامة بنزاع بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية صار نزاع بيني وبين الوزراء والرئيس نفسه بما إنه الحكومة مش مبسوطة منك ببعض الأحكام، قلت هذا لنفسي، إنه الحالة ما بتتمشى باستقلال القضاء تركت بعد 5 سنين بتاني سنة لمّا رحت على كينيا سنة 61 أو 62 كان فيه حفلة فيها بنت (كريستيان أفيرينو)، كريستيان أفيرينو بنت أومير أفيرينو عائلة أصلاً من عكا، والاسم مع أنه جريكي أفيرينو الجد كان راح على عكا، وكان قنصل اليونان هناك، وكان أبوي وأبوها يلعبوا مع بعض بعكا، فلما هجرنا وكل العيلة، عيلة أفيرينو هاجروا البنت كريستيان كنت أشوفها كتير بالإسكندرية وأنا بالمدرسة، لكن لما تركت نسيتها، لماّ رُحت على كينيا طبعاً كانت كبرت وأنا كبرت وقابلتها بالحفلة، وطبعاً حبيتها وهي حبيتني وبعد سنة اتجوزنا كان العُرس بالقاهرة، وبعد العُرس أجت وسكنت معايا وصرنا متجوزين من سنة 63.

أنا لمَّا اقترحوا علي أصير قاضي ما.. وفقتش، يعني فكَّرت بالمسألة فكرت يعني سنة تقريباً، وبعدين قررت إنه أقبل، لمّا صرت قاضي وخدت اليمين، قال لي رئيس القضاء: عشان تكون قاضي منيح لازم تكون Firm يعني شديد، و Fair يعني عادل، طبعاً هادول الصفتين فيهم نزاع إذا طلع مذنب اللي ارتكب الجريمة لازم يعني يحبسه، وبالبلاد اللي فيها شنق يُشنق، وفيه بلاد يُقتل بالرصاص وفيه بلاد يُشنق علني، مش ممكن القاضي يعمل عمليات من ها الشكل من غير تعاطف، فالتعاطف هاي –أنا برأيي- مهمة جداً بالعدالة، وخصوصاً لمّا يكون فيه شنق، وهذه صارت معي بكينيا، كيف.. كيف بُدّه يُشنق هذا من.. من (تُمَّك) أنت؟ لما اتعينت خصوصاً بالجنايات كنت ما أنامش الليل مثلاً لا أعرف شو.. شو لازم أعمل بهذه القضية، لكن بمرور الزمن الـ.. الشدة والعدالة والتعاطف بتيجي مع بعض بأسهل، وهلاّ.. بأنام الليل، وأنا فخور إنه بأقدر أعرف إنه شو الـ.. شو هي العدالة بهذه القضية. القاضي بيعمل شغلة، والزمن والأجيال راح تحكم عليه بعدين.

القضاء ببريطانيا بيتخلف كثير من بلاد تانية، فيه اختلاف –زي ما قلنا- في كيفية تعيين القضاة، فيه اختلاف في القانون، العالم فيه عائلات قانون، العائلة الإنجليزية هي النظام اللي بيسموه الـ Common، الـ Common law شو يعني؟ يعني الـ.. القوانين اللي مبنية مش بقوانين مكتوبة، لكن.. بالسوابق. فيه سوابق كثيرة، إحنا بنبدأ من.. من ألف سنة، بقى كل محامي طبعاً شاطر بيلاقي سابقة من صالحه، النظام أصعب للقاضي، هناك بفرنسا بيقول لك الحيثيات هيك صار.. صار.. صار.. صير وحكمت المحكمة. لكن الحكم الإنجليزي بتلاقي 40، 50، 60، 70، 100 صفحة، يعطي سبب الحكم.

مش.. مش مسألة أيها بأفضل، مسألة شغل متعود عليه.

أول مرة رجع لفلسطين سنة 1990م عند وفاة عمي سليمان، وحضرت جنازته، وقلت بدي أروح القدس أشوف فين كنا ساكنين (..) كان أيام الانتفاضة، وكان فيه خوف كتير خصوصاً بالـ.. بالبلد القديمة، بس رحت وعملنا لفَّة، الإحساس تبعي كان إنه اليهود مش بس أخدوا البلاد كحكومة، لكن كل شيء تغير، كل شيء تغير، يعني مش مسألة إنه حكومة تغيرت، سرقة.. سرقة.. سرقة بلد، سرقة الأراضي، سرقة المباني، سرقة تغيير كل شيء بنعرفه، ولما رحت على بيتنا ما عرفتوش، دقيت على الباب، طلعت لي واحدة عجوز، قلت لها: أنا كنت ساكن هون، قالت لي: مش ممكن، أنا صار لي هون خمسين سنة. قلت لها: كنا ساكنين هون قبلك، كنت طموح إ نه أشوف هل عندها الأثاث البيت اللي تركنها، لكن ما قالت لي اتفضل.

تاني مرة رحت سنة الـ 94 كانوا مغيرين البيت لمدرسة مدرسة بنات بيتعلموا التلمود، وكان فيه واحد حارس عربي، قال لي: بدك تتفرج؟ قلت له بدي. دخلت جوه، وهذا فكرني طبعاً بالطفولة لما صار هذا الحادث.

حياتي بفلسطين اللي بأتذكر منها إنه كنا ساكنين بالـ (..) بالقدس وكانوا جيراننا بيت البهو، كنا نروح على ذات المدرسة اللي هي مدرسة الفرير وكنا نروح كتير –بأتذكر- على الـ Y.M.C.A اللي هي قدام أوتثل King David، وبأتذكر كثير منيح يوم ما اليهود حطو البمبة بالأوتيل الـ King David، وبأتذكر لحد هلا كيف البمبة و الأوتيل طلع هيك، بس طبعاً فيه إشيا بذهن الواحد بيتذكرها حتى بعمر ست، سبع سنين، ما بأتذكر أكثر من هيك من.. بحياتي بفلسطين لغاية ما هاجرنا أو طلعنا متأملين إنه راجعون قريباً.

المعلقة:

عاد يوجين قُطران إلى وطنه وهو في الستين من عمره، ولكن ليس كمواطن، بل كقانوني، فقد شارك في وضع مسودة إعلان دولة فلسطين، وكان ضمن فريق القانونين الذين قاموا بوضع أسس الدستور الفلسطين.

وبالرغم من الانتكاسات ومواجهات عديدة مع السلطة، لم يزل نشاطه الاجتماعي موجهاً إلى بلده الأصل. فعمله كمحرر قانوني وكبروفيسور زائر في (سِوَس) لم يمنع القاضي من القيام بدوره في الجمعيات الخيرية لمساعدة فلسطين فهل يفكر يوجين بالعودة ذات يوم؟

يوجين قُطران:

الحياة الاجتماعية والصداقة والـ.. لسه فيه اختلاط كثير مع العرب مع إنه إحنا ساكنين هون والنظر للعروبة موجودة، لكن بيتي الآن إنجلترا، من شان صار لي بإنجلترا من سن 16 سنة. زوجتي صارت زيي أنا، أصلاً مصرية لكن إنجليزية.

أولادنا بيعرفوا إن أنا فلسطيني ومتحمسين على القضية، لكن بكل معنى الكلمة إنجليز. بس لمَّا يسألوني أنا هويتي بأقول أنا متجنس وساكن هون و.. جنسيتي إنجليزي وحياتي هون، لكن أنا أصلي فلسطيني عربي. وأحب دوري كجد، وبأفتكر أحفادي بيحبوا جداً، والأحفاد اللي ساكنين هون برضوا بيعرفوا يعني سطحياً، لكن لسه صغار واحد عمره.. عمره أربع سنين، وواحد عمره.. البنت عمرها ست سنين، بيفهموا إنه في –يعني- علاقة أجنبية، وإنه جدو بيسموني (جدو) عربي وتيته مش.. مس إنجليزية، لكن لسه صغار ليعرفوا كيف.. كيف في التاريخ يعني وصلوا إلى.. لهون.

أندم!! ما بأندم على شيء، يعني إذا بدي أبدأ من أول وجديد ما كنت عملت الشيء بطريقة غير اللي عملتها. بأندم إنه لو ما صار اللي صار بفلسطين، ورجعت إلى فلسطين زي ما كنت إلى بلد فلسطينية مستقلة وما تكونتش إسرائيل، كنت وصلت لدرجة وصولي هنا، لكن مش بالغربة.. ببلدي، وهذا بأندم عليه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة