د. عبد الإله الصائغ   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

ضيف الحلقة:

عبد الإله الصايغ: شاعر عراقي

تاريخ الحلقة:

05/03/2004

- نشأة طموحه
- إنجازات أدبية كثيرة

- أثر الغربة في نفس عبد الإله الصايغ

- قصيدة ذهب الشباب

عبد الإله الصايغ- شاعر عراقي: باقة ورد راسخة إلى موعد في المهجر فقد هيأ لي موعدا ثمينا وجميلا لكي أعود إلى ذكرياتي ونفسي ولا أقول إلى وطني لأن الوطن ساكن في أعماقي لم يغادرني منذ أن غادرت العراق العظيم، سنة 1960 صدرت لي مجموعة شعرية مهمة احتفى بها الوسط الأدبي كما لم يحتفِ بأي مجموعة قبلها اسمها عودة الطيور المهاجرة وكانت الفكرة أن طيورا تهاجر أعشاشها الدافئة وتذهب بعيدا في الأفق وتمضي السنوات فإذا أرادت العودة شعرت بالشيخوخة والإعياء والتعب نعم وعادت إلى أعشاشها فوجدتها مُخرَّبة وجدت أن البكارة قد فارقتها هذه الفكرة تُمارسها الآن ذاكرتي ويمارسها مخيالي كثيرا لأنني أعيشها حاليا نعم فأهلا وسهلا بكم أيها الأصدقاء في موعد مع المهجر.

نشأة طموحه

[تعليق صوتي]

هو واحد من ضمن قائمة طويلة من أدباء العراق الذين توزعتهم المنافي والمهاجر غير أن لحكاية غربته ما يُميزها عن كثير من القصص هي غربة أَصَّلَتها غرابة روحه مذ كان في وطنه وذات الحلم يراوده أن يرى وطنه حديقة للسلام والشعر والانسجام ولأن رياح أقدار العراق جاءت على غير ما اشتهى طوى حلمه في نفسه ومضى ارتحالا في بلاد الله يفتش عن بقعة أرض يؤسسها بعراقه الحلم حتى استقر به المقام على ظهر حوت ساخن بلاد الأحلام أميركا في منزل متواضع جدا تضيق جدرانه بسعة ثقافته وأدبه ونفسه الشاعرة التي قنعت من الدنيا بلقمة الكفاف وكبر القلب.

عبد الإله الصايغ: تستطيع أن تسألني أي سؤال يتصل بحياتي أو بحياة أصدقائي وأجيبك بلا تردد وبشهية كاملة لكنك حين تسألني عن طفولتي فكأنك تسألني عن آنية مُكسرة وتقول لي رمم هذه الآنية في ذاكرتك، أنا أعترف إنني مازلت طفلا رغم إني جاوزت الستين بسنوات لا بأس بها، في صبيحة الثلاثاء ولأقل فجر الثلاثاء الحادي عشر من آذار سنة 1941 مخضتني والدتي الزرقاء وأطلقت عليَّ اسم عبد الله كان ذلك في بيتنا في محلة الجديدة بمدينة النجف عبد الله ولدت وسعد بي الوالد الصائغ المُثري وإن هي إلا أيام كانت الزرقاء تضعني على حجرها إلى جانب النافذة فسمعت الأطفال يهزجون يُومَّ يا عبد الله ذبحوك بحذيني ما شافتك عيني يُومَّ يا عبد الله شرخ الفلك يلعب والطاردة يتعب، فتشائمت من اسم عبد الله فأذاع الراديو أن الأمير عبد الإله عاد إلى بغداد بعد أن ثار رشيد علي الكيلاني والعقداء الخمسة وفشلت حركتهم فسمع عبد الإله فقال إذاً نُغير عبد الله ونسميه عبد الإله وكان والدي كما تقول الزرقاء يصلي ويقول إلهي خذ من عمري وضعه على عمر ولدي عبد الإله وتزعم والدتي أن هذا الدعاء لم يمر عليه سوى أسبوع واحد ورحل الوالد إلى السماء.

[تعليق صوتي]

بعد رحيل والده عن الدنيا بدلت أمه الزرقاء عمرها وحنانها لتعوضه غياب الوالد وعطفه وترك اهتمامها برتبيته أثرا بالغا في تكوينه كشاعر ومعادلا موضوعيا لم تغب عن شعره وقصائده، ولمدينة النجف التي ولد فيها الدكتور عبد الإله الصائغ وعاش صباه وبواكير شبابه في بيئة ثقافية خصبة تميزت بها هذه المدينة عن مدن العراق بكثرة منتدياتها الأدبية ومجالس الشعر فيها عبر تاريخها وكان حضوره لتلك المجالس التي رفضت الثقافة العراقية بالكثير من الأسماء التي برزت في الشعر والأدب والسياسة تركت أجواؤها الأثر الأهم لسلوكه طريق الأدب والشعر.

عبد الإله الصايغ: أمي تمخضني ثانية إلى الشاعرة نورا الصايغ.. يا عبد الله أستودعك الله سأنام الليلة فاحرصني هَرِما منسيا مسبيا وينام الجمر أثثت جروحا يابسة مكتبتي أوراق الخضر هيأت ستائر نافذتي بصباح زاه مغتبط ما زاق حلاوته العمر يا أتراب احتفلوا يا أيتام الفرح ابتهلوا بصلاة الفجر.

المحطات العلمية أنا ولدت في مكتبة أنا ولدت في جامعة أنا ولدت في مجلس أدبي أنا ولدت في مدينة النجف، النجف ليس لها بس إلا والشعر والأدب يسهمان فيها لاحِظ الأحزان والأفراح تتصل بالشعر شهر محرم يبدأ وينتهي بالشعر الأعياد تبدأ وتنتهي بالشعر المجالس مجالس الخاقاني والشبيبي والشرقي وبحر الحلو ما أطول القائمة أنا كنت أتنقل وأنا طفل في المجالس ولا أحد يقمعني ويقول لي كيف تدخل أيها الطفل وتجالس الشيوخ؟ فإذا أضفت إلى بالك منتدى النشر والرابطة الأدبية وهما مَعلَمان ثقافيان كبيران في مدينتي زِد على ذلك كما قلت في لقاء سابق أن الشيخ عبد الله الشرقي كان معملي في مدرسة الغار الابتدائية والشيخ الملة سلمان الدلال والأستاذ هادي مواش وهؤلاء الأعلام نقلوني من عالم الطفولة المنفلت إلى عالم العلم والأدب المنظم منذ نعومة أظفاري وأقول إنني كنت محظوظا لأن هؤلاء درسوني درسني عمالقة في الجامعة لكنني لا أعد تأثيرهم كتأثير المعلمين الذين زرعوا عشق الأدب والعلم في نفسي، مرة من المرات أعطانا معلم العربية موضوعا إنشائيا ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ فجئت بالموضوع كواجب بيتي وسألت والدتي ماذا تريدين أن أكون في المستقبل؟ فقالت أريد أن تكون دكتورا، لماذا لا أكون محاميا؟ لماذا لا أكون مهندسا؟ قالت لا أعلم إنني حلمت قبل أن ألدك إنك دكتور وكأني يعني أشعر أنني لن أموت قبل أن أراك دكتورا فكتبت ذلك في دفتر الإنشاء واستعذب المعلم هذه اللغة وعلم أن والدتي غششتني وأعطتني معلومات جميلة وسبحان الله في الدكتوراه كانت أول الجالسات في المقعد الأمامي والدتي وكانت تصغي باهتمام وكأنها تفهم كل المناقشات الأكاديمية وحين منحت (BHD) كانت يعني وهي لم تعتد أن تُزغرد في حياتها أو تهلهل هلهلت الزرقاء لأنها حققت حلمها القديم.

[فاصل إعلاني]

إنجازات أدبية كثيرة

[تعليق صوتي]


أطروحته "الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام" نالت توصية اللجنة المشرفة بطبعها كمرجع مهم يستفيد منه الباحثون
قله المدارس في فترة الأربعينيات كانت سببا في تأخره عن الالتحاق بالمدرسة فجاء تخرجه من الجامعة المستنصرية متأخرا إذ نال شهادة البكالوريوس في إعداد اللغة العربية وهو في سن الخامسة والثلاثين وبحصوله على درجة الامتياز ابتدأ التحضير لنيل الماجستير في موضوع الأدب الجاهلي ونالت أطروحته الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام توصية اللجنة المشرفة بطبعها كمرجع مهمة يستفيد منه الباحثون ولقت أطروحته لدكتور الفلسفة ذات الحظ من الاهتمام والتي تناولت بالبحث الصورة الفنية معيارا للنقد والتي نالها بدرجة الامتياز أيضا ليدخل بعد ذلك مجال التدريس والبحوث الأكاديمية التي ركزت في معظمها الكثير على الأدب الجاهلي.

عبد الإله الصايغ: إلى ابنتي دكتورة وجدان الصايغ:

لو كان قلبي طائرا لطار

وأرتاد كل آهة أَرَّقَها انتظار

يحمل في دمائه تمائم الحنين لو كان لو

لكنه المنسي في جزيرة الوباء

لم يلق ذاك الوكن الموعود في السماء

بعيدة بعيدة

زرقاء يا حبيبة الظمأ على الشَطَّين

جئت أغنيكِ مع الغبار

والشمس في انتظاري

بالعراق أنجزت ثمانية كتب فقط والآن لدي 22 كتابا وهذا لطف من الله أن الإنسان في الغربة وفي عذاب الغربة يستطيع أن ينجز كما ونوعا مهمان والكلام ليس لي للنقاد الذي تناولوا أعمالي كتبت في الأدب وكتبت في النقد وكتبت في الـ (Comparative literature) الأدب المقارن وهو صنف صعب وكتبت في العروض في موسيقى الشعر وعملت مقارنة وقد تكون يعني هذه المقارنة جديدة يعني أزعم أنها جديد مقارنة بين الإيقاع الغربي والعربي والفارسي ولا أزعم أنني يعني متوفر على الإيقاع الفارسي الرحلة كانت صعبة دَرَّست في تونس ودَرَّست في ليبيا، في ليبيا دَرَّست ثمان سنوات ودَرَّست في المغرب واغتنيت بتجربتي وأغنيت بتجربتي يعني تعلمت الكثير واستطعت أن أوصل رسالتي الأكاديمية إلى هذه الجامعات وأن أترك فيها بصماتي، دَرَّست أيضا في اليمن في جامعة صنعاء وهناك كنت محظوظ فأقمت علاقات صداقة مع الدكتور عبد العزيز المقالح ومع الشاعر الجميل من أصل سوري سليمان العيسى وعلاقتي مستمرة حتى الآن وكتبت في مؤلفاتي يعني أنا من عادتي حين أُدرس حين أكون في مكان أدون وأشتغل يعني كتبت حين كنت في تونس كتبت عن الأدب التونسي وما كتبته وثيقة مهمة جدا في دارسة الأدب التونسي وفي كتابي الصورة الفنية في الشعر الحداثوي عملت فصلا مهما بسعة كتاب عن الدب الليبي المعاصر وكذلك عن الأدب اليمني فأنا لا أنسى نفسي كاتبا وإلى جانب ذلك لا أنسى نفسي شاعرا فأنا مرتبط من جهة وتعيس إلى أبعد الحد من جهة أخرى يعني أنا أقول لو تربح الدنيا وأنت غريب وأنت بعيد عن موطن طفولتك عن رائحة الأرض فإنك لم تشعر بالسعادة الحقيقة قد تصطنع سعادة وهمية يعني أحيانا أغني وأرقص وأجد أصدقاء من العرب والعراقيين والأميركيين ولكن كل هذه اللحظات لا تساوي يوما في العراق هذه أنانية أنا لا أدري ولكن حب يعني عبد الإله إلى الوطن كحبه إلى أمة أنا لا أُفرق صدقني.

أثر الغربة في نفس عبد الإله الصايغ

[تعليق صوتي]

كل غربة تهون وإن عظمت تبعاتها إلا غربة الروح بدهشة آدم ووحدة نفسه حمل الحلم صبيا ومضى يبحث عن تربة يؤسس فيها عالمه وليزرع في ثناياها بذرة تنبت له الوطن المشتهى ومن بلاد إلى أخرى مضى يعد الأصابع في انتظار المعجزة وكأن به ليس يدري بأن الحياة لا فسحة فيها للحالمين في بلاد العرب ولكأنه ليس يعلم أنه من أمة أتقنت قبر الكلام المباح وحتى الرصيف متهم في شوارعها بالمروق خيرها نصيب الغرباء وغرباؤها هم أولو الفضل فيها.

عبد الإله الصايغ:

مبتدى المسألة يتيم يلملم دجداجة فوق جرح

وامرأة هائلة ومرثية تلسع الروح

جوع إلى القبلة المقبلة

صحا بذا الآن قد تخليت

مزقت دجداجتي الآيلة كنت ألفظ الآه إذا ما كبوت

وأعني كبرت سائل عن عودة القافلة

وها أنا ذا قد كبرت

وأعني كبوت

غريب تفردني حزني الأولي

وآه سبيلي طويل وزادي ثقيل


العراق منذ ثلاثة آلاف سنة شعبه يحافظ عليه ومحامات الدم مستمرة، السبب لأننا نحافظ على الوطن ونترك المواطن
فأنا قلت ما غربتي وطن أغادره بل غربتي وطن يغادرني وأن أخشى من هذه أن يغادرني الوطن كما غادر الآخرين أنا أرى أن العراقي وهي نظرية سببت لي عذابا أنا أرى أن العراقي أهم من العراق أرى أن المواطن أهم من الوطن ولنترك يعني الأساطير ولنترك المثاليات يعني العراق منذ ثلاثة آلاف سنة شعبه يحافظ عليه ومفارم الدم وحمامات الدم مستمرة السبب لأننا نحافظ على الوطن ونترك المواطن يعني كما نحافظ على المسجد ونترك المصلي، المصلي هو المهم يعني فلذلك يعني أنا أرى أن تفسير الغربة وفلسفة الغربة تفسير يتصل بآلاف المنظومات يعني لابد لك أن تفسر ما معنى العذاب ما معنى الحرية ما معنى أن تمتلك الحلم يعني أنك تحلم أنت صاحب حلم معنى ذلك أنك غريب أي حالم فهو غريب لأن الحلم دائما يتقاطع مع المثال وإذا شئت أنا أقول لك أن حلمي كبير، حلمي ينصب على المواطن يعني أنا الآن لا أرى خرابا في العراق أبدا أنا أرى خرابا في العراقيين الناس يقولون مقابر جماعية تحت الأرض وأنا أقول مقابر جماعية فوق الأرض نحن موتى وشر ما ابتدع الطغيان موتى على الضروب تسير يعني الآن الكذب الآن يعني الشطارة الآن يعني إحنا في أميركا نعرى ونجوع ويا دوب يعني نرتب حياتنا والآخرون يظنوننا يعني نسبح في عالم الدولارات نحن نحمل وطننا تعويذة ونحمل العراقيين كحلا في عيوننا وضوء والآخرون يظنون أننا نتساوم على القضية العراقية هي مشكلة يعني أنت غريب في وطنك وأنت غريب في نفسك وأنت غريب في عيالك وأنت غريب في كل مكان لذلك أنا الآن أرى أن السانحة عظيمة لأن نصنع عيدا نقول فيه وداعا أيها الغربة وداعا أيها الاغتراب يعني كل الشعب العراقي بمعنى من المعاني هم مغتربون الذين في الداخل والذين في الخارج يعني أن الحكومة تسقط وينبغي أن تسقط وأنا ممن طالب بسقوطها ولكن أن تسقط المتاحف وتسقط المكاتب الوطنية وتحترق المؤسسات التاريخية ويحترق الأرشيف وتحترق الوثائق لله ما صنع هؤلاء بوطني.

قصيدة ذهب الشباب

[تعليق صوتي]

مخطئ لا يظن بأن الفرات يموت وواهم من يعتقد بأن برده في الجبال سيطفأ دفء النرجس في شمال التاريخ والربيع لا زال هو الربيع يُطوق لنوى على مدار الفصول ولازالت شقائق النعمان تغني لبرتقال دياله نشيد الخلاص وبشارة الميلاد الجديد ولا زال العشار عشارا رغم كل الحزن لم يبخل على عماتنا النخلات ووحدة الصفصاف دأب البكاء قرب الضفاف لأن في روحه عطش أدمن النواح والشكوى ولا زالت الأرض هي الأرض تنتظر العائدين بصفو القلوب لتكتحل عيون الأمهات الباكيات وتهنأ عيون الصغار المنتظرين.

عبد الإله الصايغ: الشاعر مغنيه يقول:

بكيت على شباب وهل لعين أحق على البكاء مني

أنا والغربة ذرتان غريمان إما أن أعيش وتموت هي

أو أن أموت وتعيش الغربة ولكنني بالتأكيد سأبقى وسأعيش

"ذهب الشباب" هاي القصيدة مهداة إلى أخي الصغير الدكتور محمد الصايغ.

ذهب الشباب بفرحتي وبهائي وأتى المشيب بغربتي وعنائي

والروح ما زالت كعهد صبائها رغم السنين المبدعات بلاء

في النفس شوق للشباب وطيشه لكن ديني مانعي وحيائي

وبنات عشرين يرين بهيئة شيخ يحث الخطو نحو فنائي

ما ضرني أني العجوز ومرتعي بين الظباء وقد شرقن بمائي

ما دينني عم ولست مباليا مادمت بدر الليلة الظلماء

بالهيدبة والخيذلة تطفو الجنان وعريشتي باتت بلا رقباء

دنياكم هذه فما من عاقل متلمس عدا من الحرباء

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة