هيكل.. العلاقة العربية مع الغرب عام 1967   
الأحد 5/3/1430 هـ - الموافق 1/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)

- العلاقة العربية السوفياتية والعلاقة الإسرائيلية الأميركية
- تقارب اضطراري وسوء فهم تاريخي
- مشاكل اللغة والدعاية الغربية

 

العلاقة العربية السوفياتية والعلاقة الإسرائيلية الأميركية

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل:
مساء الخير. عرضت من قبل أثناء هذه الأحاديث أين كانت الولايات المتحدة الأميركية وقت أن حدثت أزمة وحرب سنة 1967، وعرضت أيضا موقف بريطانيا بعد ذلك، والآن جاء الوقت لكي نطل على أين كان الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت لأنه في ذلك الوقت كما نذكر الاتحاد السوفياتي كان يلعب دورا هائلا على المسرح العالمي وبالذات في الشرق الأوسط وفي حرب سنة 1967 أظن أن كمية الالتباسات التي حدثت كبيرة جدا إلى درجة تدعونا إلى الوقوف لبعض الوقت باهتمام أمام الدور الذي كان يلعبه الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت وتأثيره على المعركة. هناك في هذا الموضوع عدة نظريات أو عدة آراء، هناك أولا نظرية ترى بالمؤامرة وترى أن الاتحاد السوفياتي كان قاصدا أن يعطينا معلومات مضللة سنة 1967 عن الحشود الإسرائيلية أمام سوريا وأن ذلك كان قصدا مقصودا ومرتبا سواء بواسطة القيادة السوفياتية أو الاتحاد السوفياتي، حكومة الاتحاد السوفياتي، وحكومات حلف وارسو، ومن التقارير المفصلة التي صدرت عن هذه فكرة التآمر، وأنا شخصيا واحد من الناس وبعد تدقيق طويل جدا واحد من الناس يستبعدونها استبعادا كاملا وأقول كاملا وأظن أنني درست هذا الموضوع بشدة أو يعني بعمق أو بمحاولة عمق سواء في وقت حدوثه أو فيما بعد لأني كتبت كتابا عن العلاقات العربية السوفياتية اضطرني إلى بحث طويل جدا وإلى سفر متعدد في كل مكان له علاقة بالموضوع وكان هذا الكتاب عن علاقات العرب والسوفيات اللي كان اسمه THE SPHINX AND THE COMMISSAR أظن أنه اعتبر في ذلك الوقت ولا أزال يظن يدرس في عدد كبير من الجامعات الأميركية وقدم له هنري كسنجر في ذلك الوقت، مش قدم لي، قدم للناشر وقال إن هذا الكتاب، أطرى كثيرا جدا على هذا الكتاب بما لا داعي أن أقول ولكن أقول ده لسبب واحد أن أقول إنني وأنا أستبعد أن الاتحاد السوفياتي قصد أن يعطي لمصر معلومات مضللة وفي ذهنه طبقا لنظرية المؤامرة، طبقا للي كتبوا عن نظرية المؤامرة وأفاضوا فيها كثير قوي، بيقولوا في تصورهم أو في عرضهم لفكرة المؤامرة إن الاتحاد السوفياتي كان قد ضاق صدره سواء بالموقف العربي تجاهه سواء بالانقسامات في العالم العربي سواء بأن العالم العربي بيحط عليه مسؤوليات لا داعي لها أو أكثر مما يطيق فهو قصد أن يعطيهم معلومات مضللة سنة 1967 عارفا مقدما أنه بالمنطق العربي أو متصورا طبق نظرية المؤامرة يعني متصورا أنه على الأقل القيادة في مصر فور أن تعلم بأن هناك خططا موجهة وحشودا مستعدة أمام سوريا سوف تسارع باتخاذ إجراءات تبدو استفزازا لإسرائيل ثم تؤدي إلى حرب، ويتصورون أيضا نظرية المؤامرة أن هذه الحرب كانت في صالح الاتحاد السوفياتي لأن الاتحاد السوفياتي قدر أن نتيجتها هي إسرائيل سوف تفوز والعرب سوف يخسرون وأنه في خسارتهم سيكون أمامهم  أحد خيارين، إما أن يلجؤوا أي يقبلوا شروط إسرائيل وهذا تصوروه صعبا وإما أن يرتموا في أحضان السوفيات ثم يتصور أصحاب هذه النظرية أن هذا كان قصد الاتحاد السوفياتي وحينئذ تصبح المنطقة كلها تحت تصرف السوفيات أو تصبح الأنظمة كلها في حوزة السوفيات، الأنظمة العربية. أنا بأعتقد وأظن وهذه بأقولها وأقولها عن طريق دراسة قد تكون، قد يثبت لي أحد عكس أنا ما أقوله لكني حقيقة مقتنع اقتناعا كاملا أن هذه لم تكن مؤامرة، هذا موقف السوفيات في هذه الحرب لم يكون مؤامرة ولكنه كان نتيجة لسوء فهم والتباس طويل جدا شاب العلاقات العربية السوفياتية منذ اللحظة الأولى في اعتقادي. الحاجة الثانية أنه بعض الناس أيضا في قريبا من نظرية المؤامرة لأنه في نظرية المؤامرة وفي ظلال نظرية المؤامرة ناس يحاولون أن يلقوا لوما بأكثر مما هو لازم في اعتقادي على العرب، على الطرف العربي بمعنى أنهم يغرهم خداع البصر إلى أبعد من حقائق الطبيعة، الحقائق اللي موجودة على الأرض فعلا لأنه في خداع البصر يبدو أن الصراع في الشرق الأوسط  في ذلك الوقت 1967 كان موجودا وفي واقع الأمر أو في الصلب النهائي للمواجهة في قوة محلية، قوة إقليمية أو قوة محلية وهي مصر ووراءها جزء من العالم العربي والحاجة الثانية، الناحية الثانية في إسرائيل ووراءها أميركا والعرب وراءهم الاتحاد السوفياتي فيبدو في خداع البصر أنه في قوة إقليمية وراءها قوة دولية تسندها إحدى القوتين العظميين في ذلك الوقت أو إحدى القوتين الأعظم، والناحية الثانية موجودة ووراءها دولة في الإقليم أو موجود قوة في الإقليم موجودة هي إسرائيل ووراءها واحدة من القوتين الأعظم تسندها وإذاً فهنا في نوع من التكافؤ لم يكن يبرر هذه النتيجة التي انتهت إليها حرب 67 وبالتالي فلا بد بشكل ما أنه، وقد بدت هذه الصورة تبدو بشكل أو آخر symmetrical، تبدو متوازية، أنه في حاجة غلط كبيرة قوي في الجانب العربي أساسية يعني وأنا أظن أنه أيضا هذا واحد من نتائج خداع البصر لأن الصورة لم تكن بهذا الشكل لأنه ببساطة كده العلاقات السوفياتية العربية كانت تختلف اختلافا كاملا عن العلاقات الأميركية الإسرائيلية، العلاقات العربية السوفياتية -وأنا حأتكلم عليها بالتفصيل- شابتها شوائب كثيرة جدا لدرجة أنه أقدر أقول على أقل تقدير إن العرب والسوفيات في هذه المعركة كانوا طرفين في سنة 1967ومن قبلها كانوا طرفين كل واحد عنده آراؤه وكل واحد عنده تاريخه وعنده نظرته وعنده تحيزاته وعنده حتى أهواءه، كل واحد الاتحاد السوفياتي والعالم العربي بما فيه مصر كل واحد فيهم موجود في مكانين مختلفين على أقل تقدير. بالنسبة لإسرائيل وبالنسبة لأميركا في علاقتهم مع بعض نحن كنا نتكلم عن شيء واحد، شيء واحد بمعنى أنه حتى في الأصول، أنا عايزك تفكر أن الناس الكثار اللي موجودين في أميركا الشمالية كلهم مهاجرون من أوروبا الشرقية، مثيلون تماما للمهاجرين اللي راحوا إسرائيل وهم أيضا من أوروبا الشرقية بمعنى أنه حتى لو كانوا دول مسيحيين ودول يهود مع أن اللي هاجروا في الهجرة الثانية اللي هي كانت كلها  من شرق أوروبا إلى أميركا كان فيهم كثير جدا يهود، كان فيهم أكثر عدد متصور من اليهود، في إسرائيل نفس الشيء وبالتالي مع وحدة أصول تقريبا، حتى في اللغة، اللغة Yidish اللي كانوا بيتكلموها في إسرائيل ولا زالوا بيتكلموها لغاية دلوقت، اللغة الـ Yidish هي لغة في شرق أوروبا نشأت في شرق أوروبا خليط من الألمانية ومن العبرية وهي نفس اللغة اللي بيتكلموا بها كل المهاجرين اللي راحوا أميركا من شرق أوروبا ولا زال حتى الآن، جانب ده طرأ على هذا في التواجد في الشرق الأوسط أن العلاقات الأميركية والإسرائيلية المصالح فيما بينهما التصقت إلى درجة بقيت فيها متصلة بالأمن متصلة بالمصالح متصلة بالسلاح متصلة بالاقتصاد متصلة بكل شيء حتى بالتجربة التاريخية، مهاجرون ومهاجرون، استيلاء على أرض واستيلاء على أرض، حركة استيطان وحركة استيطان مع اختلاف حجم ومقاييس الحركات بين الاثنين لكن هنا أنا قدام طرفين لقاؤهم واقع الأمر كان لقاء مش بس مصادفات. العرب والسوفيات كان لقاء ضرورات، وأما فيما يتعلق بإسرائيل وأميركا فكان اللقاء بينهم لقاء كاملا في كل شيء، لقاء في الأصول لقاء في المصالح لقاء في الضرورات أيضا، ضرورات الأمن، لقاء في المطالب النهائية في المنطقة فإذاً أنا قدام خداع البصر لا بنبغي أن يغيب عني أن ما أراه لأول وهلة ليس صحيحا على الإطلاق، بالعكس ما أراه يعطيني التمهل في رؤيته، النظر إليه بتدقيق يكشف أن الصورتين على نقيض كامل بينما صورة فيها أحوال من المشاكل وأحوال من الفوضى، الفوضى اللي بتحاول تنظم تنفسها لأن الطرفين يعني أنا شفت كيف بدأت العلاقات شفت كيف تطورت العلاقات، طرفان مختلفان إطلاقا وبينهما شكوك ورواسب تاريخية يمكن الناس الموجودين من أول نشأة العلاقات بين العرب والسوفيات بصفقة السلاح سنة 1955 لم يكونوا يدركون بالضبط إيه العقد الموجودة يمكن كان عندهم نوايا صافية في أنهم ينشئوا علاقات جديدة لكن الموروث والموجود والحقيقي والواقع على الأرض والمترسب في التجربة وفي الثقافة يفرض نفسه ويفرض أحكامه مهما حاول الناس، مع العلم أنه أنا بأعتقد أن هذه العلاقات أضاعت فرصة تاريخية حقيقة، الطريقة التي كانت بها، الفجوات التي كانت موجودة في العلاقات العربية السوفياتية أنا أعتقد أنها أضاعت فرصة تاريخية لا تعوض لسبب بسيط واحد، حأركن كل الأسباب مع أنه في أسباب كثيرة جدا ولكن حأركن كل الأسباب، في سبب ببساطة كده ومن غير ما أحد يدور حواليه، أنه إذا كنا نريد أن نقف وأن نقاوم إسرائيل دفاعا أو هجوما فلن يستطيع سلاح أميركي أن يفعل هذا الهدف أن يحقق هذا الهدف، السلاح الأميركي الذي يعطى للعالم العربي كله أو السلاح الغربي الذي يعطى للعالم العربي كله يعطى بمقدار ويعطى بحدود ويعطى وفي الذهن باستمرار أن يكون غير قادر على مواجهة إسرائيل وأنا حتى هذه اللحظة لا بد أن يكون مفهوما أنه حتى في الأمن القومي وفي النظر إليه ماضيا وحاضرا ومستقبلا أنه ليس هناك لدى العرب في هذه اللحظة وبالاعتماد على السلاح الأميركي ليس لديهم إطلاقا فرصة لا لمواجهة إسرائيل ولا حتى لمحاولة ردعها أو إيقافها عند حد معين ببساطة لأن ما لديهم من سلاح لا يصلح لحرب مع إسرائيل، السلاح اللي بيأخذوه من أميركا خاضع لقواعد تحددها إسرائيل، مش بس تحددها أميركا تحددها إسرائيل وأي أحد يتصور غير كده يبقى أظنه كان مخطئا ولا يزال وأظنه أيضا مخطئ. الحالة الغريبة جدا أنه إحنا وهنا برضه بأتكلم على الفرصة التاريخية الضائعة، أنا مش بأقول لإبادة إسرائيل ولا بأقول لتصفية الكيان الصهيوني والكلام ده كله ولا إنشاء لكن لنوع من التعادل على الأقل الذي يحقق أمنا أو نوعا من الأمن أو ميزانا للأمن ولكنه في رأي العالم العربي مكشوف جدا رغم أن السلاح اللي أخذ من الاتحاد السوفياتي كله على سبيل المثال اللي أخذته مصر وهي أكثر دولة أخذت سلاحا من الاتحاد السوفيات كله، في كل الصفقات من أول 1955 لغاية سنة 1973يعني خذ كل حروبنا كلها حرب 1956، حرب 1967، حرب الاستنزاف، حرب 1973 حوربت كلها بأسلحة سوفياتية بالدرجة الأولى، زاد على الأسلحة السوفياتية في اعتقادي سنة 1972، 1973 أسلحة من أوروبا الغربية مولتها -علشان برضه يبقى السجل واضحا- مولتها ليبيا مع الأسف الشديد ولكن، وكانت في حجم حوالي بليون دولار، لكن كل السلاح اللي اشتريناه من الاتحاد السوفياتي في فترة علاقاتنا معها وحاربنا به أربعة حروب حتى أكتوبر كله من السوفيات ثم أن تكاليفه كله كانت أقل من اثنين بليون روبل أي أقل من اثنين بليون دولار ومعظمه أو جزء كبير منه لم يدفع والذي دفع دفع ببضائع مقابل بضائع، بينما في اللحظة الراهنة ومع السلاح الأميركي نحن منذ بدأنا في نظرية الاستغناء عن الاتحاد السوفياتي بمقولة تنويع مصادر السلاح ثم انتهت أن سلاحنا كله بقى أميركيا بشكل أو بآخر، دفعنا في السلاح ما يقرب في ظرف حوالي ثلاثين سنة مثلا دفعنا في السلاح إذا حسبت المعونة الأميركية وهي كل سنة بليون دولار للسلاح، دفعنا بالسلاح حوالي ما بين ثمانين إلى بليون دولار من عندنا أو بالمساعدات الأميركية وأنا أعلم وكل الناس تعلم أن هذا سلاح لن يحارب ولذلك بأقول إنه في فرصة تاريخية ضاعت لأنه أنا واحد من الناس اللي وأنا بأدرس التجربة التاريخية وبصرف النظر عن كل الخلافات اللي كانت موجودة وأنا برضه هنا بأكرر ما بأتكلمش عن إبادة إسرائيل ولكن بأتكلم على نوع من التوازن لأن هذا التوازن الذي أراه أمامي في هذه اللحظة وأراه مهينا جدا هذا التوازن في السلاح هذا التوازن في موازين القوى حتى بدون حرب، هذا التوازن الذي أراه أمامي يعطي فرصة لإسرائيل كي تملي ما تشاء على العالم العربي وهذا وضع لما أنظر إليه الآن بأسى وأنظر إليه بالأمس بأندم على فرصة ضاعت أشعر أنه كان ينبغي للأمور أن تأخذ مسارا آخر لكن على أي حال هذه قضية متروكة لأحكام تاريخية تجيء فيما بعد. الحاجة لما أرجع للعلاقات العربية السوفياتية وأقول إنه أنا بأستبعد نظرية المؤامرة في 67، أنا أيضا بأحذر من الوقوع بسرعة في ظلال المؤامرة بتصور نظرية خداع البصر لأنه هنا إحنا كنا أمام خداع بصر، إيه اللي جرى بالضبط؟ لأنه في 67، كل ما جرى بـ 67 بطبيعة الأمور وبطبعة سياق الحوادث وطبيعة السياق الثقافي حتى وكل شيء هذا مسار ما هياش لحظة جاءت قفزت من المجهول علينا في سنة 1967 وواجهتنا أو واجهت الاتحاد السوفياتي بما لم يكن في حساب أي طرف منا ولكن هذا كانت نتيجة واضحة لمسار علاقات طويل جدا أنا بأعتقد أنه يستحق أن نطل عليه.

[فاصل إعلاني]

تقارب اضطراري وسوء فهم تاريخي

العلاقات العربية السوفياتية رافقتها شوائب كثيرة جدا، العرب والسوفيات عام 1967 ومن قبلها كانوا طرفين كل واحد لديه آراؤه وتاريخه ونظرته

محمد حسنين هيكل: يعني من أول لحظة، أول حاجة، أول حاجة مباشرة أن علاقاتنا بالاتحاد السوفياتي لم تكن علاقة اختيار أو طلب وإنما كانت علاقة اضطرار وضرورة وهذا نوع من العلاقات أنا أخشى منه لأن الضرورات تأخذ أصحابها والاحتياجات تأخذ أصحابها إلى قدر كبير جدا من عدم الفهم، عندما تنشأ علاقات طبيعية بالاختيار، الاختيار عادة يكون مبنيا على خلفية سابقة على استمرار في التجربة على استخلاص نتائج من هذه التجربة على اطمئنان من نوع ما لدرجة ما إلى لحظة الاختيار لكن عندما يقع الاختيار أو يقع الاتصال أو تقع العلاقة بالاضطرار أو بالحاجة هنا في لحظة دفعت طرفين إلى أن يتقابلوا دون أن يدرس كلاهما الآخر على نحو يكفل أنه في أصول التعامل بين القوى في درجة من الفهم الضرورية جدا والتأسيس وحسن إدارة العلاقات لأن الاختيار بيأخذ وقتا طويلا، الاختيار الحر بيأخذ وقتا طويلا. لما حصل سنة 1955، حصل أنه إحنا كنا محتاجين سلاحا وطلبنا من الأميركان سلاحا والأميركان لم يعطونا سلاحا وكنا عاوزين سلاحا للدفاع عن منجزات، ما كانش سلاح، لم نكن في ذلك الوقت -أنا حاولت أشرحها من قبل- لم نكن نريد سلاحا لمحاربة إسرائيل ولكن إحنا الأولوية الأولى في الثورة المصرية وحتى من قبل الثورة كانت لضرورات التنمية، لحماية ضرورات التنمية وجاءت إسرائيل وحطت حاجزا، أميركا في واقع الأمر اللي حطت حاجزا، أي ليست هناك تنمية تتجاوز قدرا معينا إلا بصلح مع إسرائيل إلا بعد أن نطمئن إلى صلح  مع إسرائيل وبالتالي وقفت عقبات في قضية السلاح وهذه موضوعات قديمة ومعروفة. لكن ذهبنا لطلب السلاح من الاتحاد السوفياتي بحكم ضرورات نشأت في ذلك الوقت خصوصا بعد الغارة على غزة التي كشفت نوايا إسرائيل وكشفت الحاجة إلى الغارة على غزة، أنا بأتكلم على الغارة على غزة في فبراير سنة 1955 لأن هذه الغارة أحدثت وكان مطلوبا منها فعلا كان مطلوبا منها نقل الإحساس إلى مصر بأنها غير قادرة على الدفاع عن نفسها وأن إسرائيل تستطيع أن تتحرك كما تشاء في حين أن حركة مصر محدودة لأنه قوتها محدودة، وهنا لما ذهبنا لطلب سلاح من الاتحاد السوفيات واستجاب الاتحاد السوفياتي وبدأت العلاقات، علاقات الضرورة، علاقات الضرورة عند الاتحاد السوفياتي أو علاقة الضرورة عندنا، علاقات الضرورة عندنا كانت محدودة واضحة بشيء معين بطلب معين بسلعة معينة هي السلاح نحن نطلبها ولم يعد أمامنا مصدر لها إلا الاتحاد السوفياتي، بالنسبة للاتحاد السوفياتي، الاتحاد السوفياتي في دراسته لهذه المنطقة في اعتقادي وهذه مسألة مهمة جدا أنا أظن أنها كانت موجودة عنده من وقت ستالين وحتى بعد ستالين كان موجودا منطق أن بؤرة الاهتمام السوفياتي ينبغي أن تكون أوروبا وأن مشكلة تقسيم ألمانيا ووجود برلين الغربية أمام برلين الشرقية مصدر غواية تؤثر على ألمانيا وعلى أوروبا وراءها باستمرار، تصنع مشكلة الأمن الأوروبي وهي جوهر مشكلة الأمن الأوروبي وفي ذلك الوقت، في وقت ستالين أنا أظن وبعد ستالين بشوية أنا أظن الاتحاد السوفياتي كان في ذهنه أكثر اتجاه لأوروبا ولكن لما جاءت مصر فتحت طريق صفقات السلاح الاتحاد السوفياتي تحول ولكن، استجاب للطلب ولكنه تصور أنها أيضا بجهة فرعية لكن ظل ذهنه معلقا بأوروبا لكن لما جاءت السويس حصل شيء آخر مختلف، لكن في فترة الانتقال -حأتكلم عليه حالا- لكن في فترة الانتقال من shift في نقل الاهتمام السوفياتي من أزمة الأمن الأوروبي المتمثلة في ألمانيا وما وراءها وحلف وارسو وحلف الأطلنطي في مقابل أحدهما في مقابل الآخر وفي نظرة للجنوب، الاتحاد السوفياتي لازم نقف هنا ثانية كيف النظرة  إلى الموضوع قبل السويس، قبل السويس كان في نظرة أن هذا عالم بشكل أو بآخر متخلف، نخلي بالنا أن كل أوروبا شرقا وغربا درست أو تعرفت على العالم العربي والعالم الإسلامي عن طريق النظرة الاستشراقية وأنا أعرف أن بعض المستشرقين عملوا حاجات هايلة جدا لكن لا بد أن أسلم أن الاستشراق أشابته شوائب أدت به إلى أن اعتبر هو والتبشير مقدمات استعمارية من غير مناقشة وأن اللي  قبلها في أول الجاي كان في باستمرار المبشر، القسيس، في المستشرق وراءه وفي ورائه الشركات وفي جيوش الغزو وكان ده الترتيب، والاتحاد السوفياتي كان معذورا إذا نظر إلى هذه المنطقة على هذا النحو. الحاجة الثانية أن الاتحاد السوفياتي كان رأيه، له نظرة في الحكم الشرقي بصفة عامة، شافوا اللي كان موجودا في مصر واللي كان موجودا في سوريا -بأتكلم خصوصا من قبل الثورة- وشافوا الأوضاع الموجودة وكانوا بيعرفوا، بيعرفوا بشكل ما حاجة عن العالم الإسلامي من وقت الاحتكاكات مع الخلافة العثمانية، والعالم الإسلامي برضه كان بيعرف عندهم حاجة وعنده حساسية شديدة من جند الموسكوف، أنا لا أعلم أحدا في حتى في بلدي في قريتي أو حتى حيث نشأت لا أعلم أحدا من الجيل السابق اللي ولد كان كبر في أواخر القرن التاسع عشر واللي راحوا وحاربوا في حرب القرم مع الخلافة ضد الدولة القيصرية الروسية إلا وكان بيتكلم الموسكوف بنوع من الرعب والقلق إلى آخره، في رواسب هنا ولكن الاتحاد السوفيات بيبص واحد هذا العالم اللي بنعرفه اللي عرفناه من خلال الاستشراق، هذا هو العالم اللي فيه حكم متخلف هذا هو العالم اللي فيه فقر وفيه تمايز طبقي شديد جدا هذا هو العالم الذي وقع تحت تأثير الاستعمار وتأثر بالثقافة الغربية خصوصا طبقاته الحاكمة فهو يمكن قوي أن يكون صالحا لنشاط حزبي شيوعي ممكن يمشي خصوصا وقت ما كان فيه الـ communism، حركة الدعوة الشيوعية إلى آخره، حركة رعاية الأحزاب الشيوعية حركة تشجيع الأحزاب الشيوعية في كل العالم حركة ترابط الأحزاب الشيوعية الموجودة، لكن ده هذا العالم ذهب إلى الاتحاد السوفياتي فاتحا أبوابه طالبا شيئا والاتحاد السوفياتي نظر إلى هذا الشيء عند البداية وهذه المواريث كلها في ذهنه ولكن استجاب، استجاب في إطار رغبته في إحراج الاستعمار استجاب في إطار رغبته في إحراج الأميركان استجاب إلى ضرورات الحرب الباردة مع الغرب وليس، وفي ذهنه أنا فيما أظن ليس في ذهنه مشروعا شرق أوسطي حقيقي أو علاقات مع الشرق الأوسط مع العالم العربي والعالم الإسلامي وقوية وراسخة لكنه أقبل في هذه اللحظة الأولى أظنه أقبل وفي ذهنه أنه بالدرجة الأولى الحرب الباردة وإحراج الأميركان في الشرق الأوسط بقدر ما هو ممكن لكنه أول، بعد ما جاء، نفتكر صفقة السلاح كانت سنة 1955 وبدأ في تعارف وبدأ في اتصالات لكن هذه الاتصالات كانت تمضي على حذر من الجانب المصري أو من الجانب العربي لأنه إحنا عاوزين السلاح بتاع السوفيات ولكن مش عاوزين الشيوعية والحساسية شديدة جدا في هذا الموضوع، من الناحية الثانية الاتحاد السوفياتي كان عنده حاجة سمعتنا من كل الزعماء السوفيات اللي شفتهم في ذلك الوقت وأولهم نيكيتا خروتشوف وهو شخصية مدهشة، غريبة هذه الشخصية تستحق fascinating شخصية متنوعة مدهشة يعني، لكن كان دائما يقول لي إيه؟ دائما يقول لي نحن نعلم باستمرار أنه إحنا ما كناش اختياركم الأولاني، أنتم أتيتم إلينا إما يأسا من الأميركان وإما لكي تدفعوهم إلى نوع من المنافسة معنا ولو حتى بالغيرة فأنتم استعملتمونا، أو تتصور، إحنا في الأول تصورنا كده وفضل ده معهم لفترة طويلة جدا يعتقدون أنهم هم الاختيار الثاني وهو اختيار الضرورة وأنه عند أول فرصة -من سوء الحظ الظروف اللي مشت بعد كده أكدت كلامهم- عند أول فرصة إحنا نتصاحب معهم أو بنعمل علاقات معهم واقع الأمر طريقا دائريا للوصول إلى الأميركان. واللي جاءت الحوادث فيما بعد، بعد سنة 1973 أكدت لهم هذه النظرة وده كان في اعتقادي مما لا لزوم له، لكن في كل الأحوال بأرجع للوقت ده، صفقة أسلحة 1955 وهي بالضرورات من الناحيتين، لكن السويس عملت وهنا بمقدار ما السويس كانت موجودة، أشباح السويس وظلال السويس كانت موجودة عند كل الأطراف بشكل أو آخر بما فيها الطرف المصري حتى بسندروم السويس فأنا بأظن أن الاتحاد السوفياتي أخذ بما رآه في السويس وأظنه اعتبر إقدام مصر على تأميم قناة السويس، شركة قناة السويس، ثم وقوفها بهذه الطريقة الصلبة ثم فوران العالم العربي وراءها لهذه الدرجة سواء في العالم العربي اللي بدا أمامها فقيرا والعالم العربي اللي بدا أمامها غنيا، وهم كانوا باستمرار يتكلمون على جانب الثراء في العالم العربي وبيتكلوا على جانب الفقر لكن أنا فاكر مرة -جانب الثراء البترولي كان بيبهرهم إلى درجة غريبة جدا- فاكر مرة أن رئيس الوزراء كوسيغن أمسك قدامي ورقة وقلم وقعد يحاول يحسب دخل الدول العربية المنتجة للبترول قد إيه، لكن في السويس لقوا العالم العربي كله فقيره وغنيه، نفطه وصحراءه القاحلة، الرمل والنفط إذا حبينا نقول والغنى والفقر والثورة والعروش، كل العالم العربي كله واقف، وهنا أنا بأتصور الاتحاد السوفياتي أخذ بمشهد السويس ولو أنه لم يحلله كاملا وأظن أن مشهد السويس ظل مع الاتحاد السوفياتي من أول السويس لغاية سنة 1958 حين وقعت الثورة العراقية لأنه بعد السويس الاتحاد السوفياتي بهر بما رآه لكنه تصور أن ما رآه قد يكون لحظة خصوصا أنه بدت في خلافات عربية بعد كده باينة قدامه سنة 1957 و1958 و1959 ده كله حأتكلم عليه بالتفصيل فيما بعد في مجموعة أخرى من الحلقات لما أتكلم على الطريق إلى 5 يونيو، لكن باختصار في هذه اللحظة، الاتحاد السوفياتي شاف المشهد الباهر في السويس ولكنه لم يؤكد لديه، بهر بما رأى واعتبره اكتشافا يستحق إعادة توجيه في السياسة، لكن بعد حرب السويس لقى بعد السويس، لما انتهت السويس، لقى في خلافات عربية ظل ما أمامه يبهره لغاية ما وقعت الثورة في العراق أو..  what ever happened أي حاجة حصلت في العراق سواء انقلاب عبد الكريم القاسم أو ثورة 14 يوليو اللي عاوزين نقول، لكن هنا في هذه اللحظة الاتحاد السوفياتي بدأ يشوف أنه أمام ظاهرة غريبة جدا، وأنا فاكر في هذا الوقت أنا كنت مع جمال عبد الناصر في رحلة سرية للاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت من سنة 1958 وفاكر كيف جاء خروتشوف لجمال عبد الناصر تقريبا يبايعه بزعامة العالم العربي، أيضا هنا أظن الاتحاد السوفياتي كان يبالغ، ولكنه في الفترة من السويس إلى ثورة العراق وبينهما الوحدة مع سوريا سنة 1958 أظن أن الاتحاد السوفياتي بهر أو اقتنع اقتناعا كاملا أنه أمام شيء يستوجب عليه التفاتة أخرى من الأمن الأوروبي إلى النفاذ في الشرق الأوسط وبدأ يرتب إستراتيجيات كبرى على هذه الأحلام وبالفعل في هذه الفترة نلاحظ أن خط الاندفاع الرئيسي للاتحاد السوفياتي انتقل من أوروبا ومن الأمن الأوروبي وانتقل بـ fast هايل، بقوة اندفاع هائلة نحو الشرق الأوسط ومنه إلى أفريقيا وأنا بأتصور أنه حتى في هذه الاندفاعة الطرفان لم يكونا مدركين بالضبط هم مقبلون على إيه لأن الطرفين لم يدرسا بعض دراسة كافية. لو أنا آجي حتى في تجربتي المباشرة، وأنا في تجربتي المباشرة أول مرة أنا بأطل فيها على الاتحاد السوفياتي كانت سنة 1957، في نوفمبر 1957 في وفد عسكري مسافر رايح الاتحاد السوفياتي وأنا لم يكن لي علاقة به، طبيعي يعني، مسافر في نوفمبر سنة 1957 لأنه في هذا الظرف الاتحاد السوفياتي يحتفل بالعيد الأربعين للثورة السوفياتية وجمال عبد الناصر مدعو ولكن لسبب أو لآخر جمال عبد الناصر ما كانش قادرا يروح أو ما كانش عاوز يروح في هذا الوقت وبالتالي أناب عنه عبد الحكيم عامر والوفد اللي كان رايح كله كان وفدا عسكريا ولكن في آخر لحظة كلمني الرئيس عبد الناصر وقال لي أنا عايزك تروح مع الوفد، قلت له ما ليش مهمة مع الوفد ده، لكن هو كان رأيه أنه قد أستطيع -هو حيروح سنة 1958- لكن رأيه أنه أنا قد أستطيع أن أطل على موقف الاتحاد السوفياتي وأن أعطيه بشكل أو بآخر صورة لما رأيت وهو كان رأيه في ذلك الوقت أيضا وقاله لي إن عبد الحكيم عامر لن يستطيع أن يعطيه الصورة الكافية لأن عبد الحكيم إذا ذهب ورأى شيئا يختصره بسرعة، وكان دائما يقول -وأنا قلتها يمكن مرة قبل كده في هذه الأحاديث- إن عبد الحكيم عامر إذا روى قصية سيدنا يوسف فيحكيها باعتبارها على اعتبار أنها قصة صبي تاه ثم عثروا عليه وانتهى الموضوع. وبالتالي أنا رحت للاتحاد السوفياتي رحت مع وفد مصري عسكري لكن أظن أن المشاهدة المباشرة أخذت جزء كبيرا من الكتاب لكن هناك وعلى الطبيعة كنت قادرا جدا أشوف ما هي مشكلة العلاقات العربية السوفياتية. إحنا رحنا في الوفد العسكري أنا سافرت مع الوفد العسكري ده وقابلت خروتشوف وقتها وأنا كنت مهتما بالجانب السياسي وعملت معه حديثا طويلا قوي في الأهرام الصفحة الأولى، وحتى السوفيات لقوه مهما فطلعوه في كتاب حديث نيكيتا خروتشوف مع محمد حسنين هيكل وبعدين طلعوه في جورنال بالكامل، نصه بالكامل في جورنال بيطلع باللغة الإنجليزية. لكن وأنا بأبص وأنا موجود في الاتحاد السوفياتي وموجود في وفد عسكري وأرى كيف يتصرف المصريون وكيف يتصرف السوفيات وكيف تدار شؤون العلاقات أنا بأعتقد أنه كان قدامي بدا واضحا أنه في مشاكل أساسية ورئيسية.

[فاصل إعلاني]

مشاكل اللغة والدعاية الغربية

محمد حسنين هيكل: أول مشكلة كانت مشكلة كانت مشكلة اللغة، مشكلة اللغة ولما أقول اللغة بأعني ما تحتويه اللغة من ثقافة ومن تجارب ومن معارف ومن لغة خطاب أيضا لأنه بدا لي أن الطرفين واحد بيتكلم روسي وواحد بيتكم عربي والمترجمون السوفيات في ذلك الوقت اللي طالعين من مدرسة اللغات الشرقية بأعتقد أن عربيتهم كانت في منتهى السوء وممكن تؤدي إلى مشاكل في الترجمة ومن الناحية الثانية العرب لم يكن لديهم أحد أو مترجمين إطلاقا وبالتالي كان المترجمون سوفيات، اللغة الإنجليزية بالنسبة للقيادات السوفياتية الجديدة ولا اللغة الفرنسية ما حدش كان فيهم بيتكلم فيهم إطلاقا أي لغة، يعني يا دوب غروميكو وزير الخارجية كان ممكن يقول شوية كلام بالإنجليزي لكن حتى غروميكو إنجليزيته في اعتقادي كان يعني على قده، الطرف المصري الإنجليزية الآخر ما كانش مهم، ما كانش هايل قوي ولا حاجة لكن اللغة ما هياش فقط مجرد التعبير بالألفاظ وليست مجرد المعرفة الكاملة بها أو المعرفة القوية بها، معرفة اللغة أو قدر من اللغة بالخلفيات اللي وراءها، إحنا كنا عندنا كلنا في ذلك الوقت في المدارس المصرية التعليم فيه اللغة الإنجليزية هي اللغة الثانية بعد اللغة العربية وبالتالي في إلمام بها ولكن اللغة، حتى أي لفظ في أي لغة مثقف بحمولات كثيرة موجودة في هذا اللفظ ومتضمنة فيه وبالتالي إحنا كنا بنقعد بنتكلم وأنا كنت أحس يقعدوا يتكلموا مع بعض يعني الوفود وأنا حضرت المفاوضات كلها مع عبد الحكيم حضرت حتى، أقصد لم أحضر -لكي أكون واضحا- لم أحضر الجلسات التي نوقش فيها السلاح، ما كانش لي دعوة بها وما دخلنيش فيها لكني حضرت الاجتماعات كلها التي نوقشت فيها السياسة وحضرت المناسبات والأحاديث والحوارات الطبيعية التي جرت، أول حاجة بدت لي أن هناك عجزا تماما في لغة الخطاب، الحاجة الثانية بدت لي أن هناك حساسية زائدة جدا من كل الأطراف، الحساسية الزائدة بدت لي في أزمة نحن صنعناها وأنا بأعتقد في ذلك الوقت وبأعتقد أنها أزمة لم يكن لها لزوم ولا تعني شيئا، حصل ومع ذلك هذه الأزمة أخذت من ذلك الوفد ما لا لزوم له، وكيل وزارة الخارجية أو مساعد وزير الخارجية في ذلك الوقت سايد سيف شرب، شرب بالليل وقاعد مع  حافظ إسماعيل وهو كان وقتها رئيس أركان حرب أو مساعد رئيس أركان حرب وقريبا جدا من عبد الحكيم ومعهم اللواء عبد العزيز مصطفى قائد المدرعات في ذلك الوقت وجمال عفيفي الرجل الثاني في سلاح الطيران اللي هو جمال عفيفي، وسايد سيف في عشاء كده وسهر شرب، الرجل شرب وهم كانوا برضه من الحاجات اللي لاحظتها وغريبة قوي في العزايم الطرفان سواء الطرف المصري أو الطرف السوفياتي هنا لما في وفد زائر في ضيافة أكثر من الحياة العادية، متاح فيها أكثر مما هو متاح للسوفياتي العادي للرجل العادي في الاتحاد السوفياتي، شفت أنا المصريين وشفت السوفيات مع الأسف الشديد كمية التجاوز في الطعام لم تكن لها حدود ويمكن أنا متأسف أقول إنه ثاني يوم ما وصلنا بعد أول عزومة إن ثلاثة أرباع الناس العاملين في الوفد المصري وهم عسكريين ومدنيين كانوا خارج نطاق الخدمة زي ما بيقولوا لأنهم أسرفوا في الأكل لدرجة أن مراد غالب وهو كان النمرة اثنين في السفارة في ذلك الوقت، السفير كان محمد القوني، مراد غالب بدأ يجيب مش دكتور واحد كان في ثلاثة دكاترة في الفندق اللي كنا جايبين فيه يعالجون سوء الهضم أو دوران الرؤوس. لكن على أي حال في ذلك اليوم اللي حصل فيه سوء الفهم ده سايد سيف بيتكلم مع الضيوف دول وهو شرب لكن على أي حال سايد سيف قال بيقول لهم إيه، بيقول لهم -وهذا كلام رجل شارب- بيقول لهم إنه أنتم قاعدين بتتكلموا عن عدم الانحياز ما تضيعوش وقت مش حتقدروا تعملوا حاجة، أحسن حاجة لكم، أحسن حاجة لمصر أنها تنضم  للاتحاد السوفياتي وأن هذه هي وسيلة يعني مواجهة الأميركان ومواجهة إسرائيل هو أنها تخش كجزء في حلف وارسو وأن هذا يضمن لها الدفاع عن نفسها ويضمن لها مساعدات غير محدودة، أخوانا دول السيد حافظ إسماعيل بالتحديد هو أظنه كان رجلا، وهو رجل يعني مستقيم جدا، لكن هو الكلام ده في الحساسيات الموجودة لأن إحنا رايحين برضه عاوزين سلاح ولكن دول شيوعيين ولا بد من اتخاذ حذر ولازم يعني لاحسن يجندوا أحدا في الوفد ويمكن بيتجسسوا على الوفد، أنا شفت إزاي الوفد وكل الوفود المصرية اللي راحت كل وفد بدأ يحاول أن يأخذ معه خبيرا في التسمع ويقعدوا يكشفوا على الحيطان في الفنادق أو في قصور الضيافة وطبعا السوفيات عارفين إيه اللي بيحصل، الأميركان ما هو الأميركان بيعملوا حاجات من النوع ده ولكن بيعملوها بطريقة عندهم أساليب متقدمة لكن إحنا كنا بنكشف عن أجهزة التسمع بتأثير الدعاية الغربية كمان أيضا لأن الدعاية الغربية كانت مصورة لنا الاتحاد السوفياتي كما لو كان في كل ركن منه في مايكروفون وفي جاسوس وفي محاولة تجنيد شيوعيين فإحنا رايحين من أول يوم متأهبين أنه صد الشيوعية وصد الجاسوسية، التربص، والسوفيات شايفين هذا كله وأظن يعني لا أظن أنه كان بيحدث الآثار الملائمة على أي حال. لكن بقى فيه أول حاجة اللغة، لغة الخطاب مش الكلمات بس، لغة الخطاب كلها متعثرة بشكل أو بآخر وبعدين بعد لغة الخطاب في الجهل بالآخر مع عدم التعرف على الثانيين، الحاجة الثالثة أنه أنا شفت مثلا ولفتت نظري جدا كل اللي راحوا دول رايحين وعارفين باريس فيها إيه وعارفين لندن فيها إيها وعارفين نيويورك فيها إيه وبالتالي أول حاجة رايحين بيتصورا أنه في -ودي تكررت مش بس الوفد ده علشان أبقى منصفا- كل الوفود المصرية أو معظمها أنه راحت هناك كلها كلها كلها راحت وفي ذهنها فكرة المشتريات shopping كله عاوز، ما فيش الاتحاد السوفياتي بمعنى أنه إحنا مش قادرين نعرف أن هذا البلد واجه أشياء كثيرة جدا، هذا البلد بنى بعد العصر القيصري ستالين كان ديكتاتورا لكن، وكان ديكتاتورا وفظا وإلى آخره، لكن ستالين بنى الدولة السوفياتية بنى قوة حقيقية، جاءت الحرب، الحرب العالمية الثانية دمرت نصف هذه القوة، طلع الاتحاد السوفياتي بعد هذه الحرب بيحاول يعيد بناء ما جرى يعني، أنا لما شفت خروتشوف هنا بيقول لي نحن بحاجة إلى خمسة مليون مسكن وبعدين بنينا منهم كذا لكن فاضل لأنه أنا كنت -يعني حأرجع لها بعدين علشان ما أقاطعش- لكن إحنا تصورنا، إحنا تصورنا بما أنها superpower بما أنها قوة عظمى زي أميركا في ذهننا فلا بد أن يكون متاحا فيها نفس السلع الموجودة في نيويورك وفي واشنطن أو في باريس أو في لندن، لكن هذا مش موجود، هذا بلد يبني نفسه، هذا بلد دمر بعد الحرب العالمية الثانية تدميرا شديدا، كان بيتحول من بلد زراعي في العصر القيصري إلى بلد صناعي حديث وعمل تقدم لا بأس به، هايل الحقيقة يعني مش لا بأس به يعني وبعدين جاءت الحرب العالمية وناسين إحنا أن عدد القتلى في الحرب في الاتحاد السوفياتي كان عدد القتلى حوالي عشرين إلى 22 مليون إنسان يعني ده كان أكبر من تعداد مصر في ذلك الوقت كلها يعني، فإحنا قدام بلد بيعاني ظروف إعادة البناء ولكنه عنده الوسائل وعنده الإرادة يتقدم لكن إحنا دي فكرة الـ shopping فكرة الشراء، فكرة السلع اللي إحنا بنشتريها، لم أعلم، السوفيات كان عندهم أخطاؤهم في مصر، كل اللي جاؤوا من السوفيات هنا كلهم جاؤوا يشتروا ذهب، وكل اللي راحوا من عندنا هناك راحوا أول حاجة عملوها تغيير عملة في السوق السوداء لأن سعر.. هم كلهم آخذين بدل سفر بالدولار، اللي راحوا بالدولار عاوزين يغيروه وعرفوا أنه في السوق السوداء الروبل يساوي دولار رسميا ولكن في السوق السوداء الدولار بيشتري عشرين روبلا، كل الناس -وأنا بأقول كل الناس وأنا مطلع على تفاصيل كثيرة قوي والروس لاحظوها لأنهم اشتكوا منها- كل الناس رايحين يغيروا في السوق السوداء وكان عندنا في السفارة المصرية بعض الناس وبعض السعاة وحتى بعض المتصلين في المكتب العسكري إلى آخره متخصصون في التغيير في السوق السوداء، فإحنا هنا واحد انعدام لغة، انعدام لغة حوار، انعدام فهم كل واحد فينا للثاني، لا إحنا، لا مصر قدام السوفيات لا إحنا البلد اللي بيتصوروه، صوروه لهم المستشرقون ولا إحنا أيضا البلد الذي خيل لهم بفوران الثورة فيما بين 1956 إلى سنة 1958 أنه في هنا قوة لا تقاوم، وبعدين بقى في لحظة من اللحظات بقى في خيبة الأمل لأن السوفيات لما جاؤوا، جاؤوا وفي ذهنهم -وأنا شفتها كثير قوي- في ذهنهم آه الثورة العربية وما يجري في العالم العربي ومقاومة الاستعمار ولكن أيضا في ذهنهم بترول وفوائض البترول وكان يذهلهم جدا بقوة ما رؤوه أو تصوروا أنهم رؤوه أنه كيف يمكن أن العالم العربي بس بيعتبرهم تاجر سلاح لكنه في كل فوائض الثروة، كل فوائض الثروة تذهب للأميركان وتذهب للغرب وكان هذا يحيرهم حيرة شديدة جدا ولا يتبين لهم بالضبط مدى الانقسامات الداخلية في العالم العربي والتفاوتات والتباينات والأسر المالكة، الصورة كانت معقدة عليهم قوي في الأول قوي، قوي. وأنا شخصيا واحد من الناس أقدر أقول إني شفت الاتحاد السوفياتي في ثلاث مرات بدقة يعني، أول مرة في الرحلة الأولى دي لأنه كان عندي حظ أنه أولا القوني كان هناك ومراد غالب كان هناك وسفير آخر فيما بعد بقى سفيرا لكن وقتها كان مستشار وهو نجيب قدري كان هناك وهو صديق صبا يعني وبالتالي أظن عن طريقهم تمكنت أن أشوف أكبر مساحة ممكنة، وبعدين كل القادة السوفيات كانوا عارفين أنه أنا صديق لجمال عبد الناصر وبالتالي كلهم قعدوا معي وإدوني وقتا حتى خروتشوف لما حبيت أعمل معه الحديث بيقول لي لما دخلت عليه لقيته رحت له في اللجنة المركزية ودهشت من الإجراءات الموجودة لأني لقيت ضابطا مستنيني أولا جاب واحد مرافق أخذني من الفندق إلى مقر اللجنة المركزية مطرح ما كان يقابلني، ضابط برتبة كولونيل أدخلني على أسانسور خاص، مصعد لا يقف إلا في الدور العاشر، في الدور العاشر في رئاسة اللجنة المركزية وسكرتير عام اللجنة المركزية اللي هو خروتشوف هو معه مفتاح، فتح الأسانسور وفتح باب بعد كده ودخلنا وأنا دهشت من الموجود ولما دخلت بعد كده على خروتشوف لقيته بيقرأ ورقا عن، بأقول له، يعني حبيت أكسر، يعني بأتعارف عليه لأول مرة، فأقول له مكتوب إيه في الورق ده؟ قال لي عاوز أقول لك بصراحة؟ قلت له من فضلك، قال لي مكتوب في الورق ده أنك أنت بتكره الاتحاد السوفياتي، بتكره الشيوعيين وبتكره الاتحاد السوفياتي، قلت له مش عارف جبت الكلام ده من وين، قال لي معلش لكن في السطر، في الجزء الثاني من الكلام ده مكتوب فيه أنه صديق لناصر صديق لي وبدأنا نتكلم. وبعدين شفت خروتشوف في حاجة أعمق من كده بكثير جدا، المرة الثانية شفته بالقيادة السوفياتية لأنه أتيح لي، مرة كنت في اليمن وإذا بتليفون من جمال عبد الناصر وأنا كنت تعبان في اليمن الحقيقة لأني عملت غلطة، غلطة حماقات ما بعد الشباب، في حرب في اليمن وبنحارب والشباب الضباط  في الطيران جاؤوا قالوا لي قرأنا أنك كنت مراسلا حربيا وبتاع بتحب تطلع معنا في غارة جوية؟ حنعمل غارة على منطقة فيها مرتزقة مش عارف فين وراء حجة، ركبت طائرة بومر قاذفة قنابل وطلعت أنا والقائد بتاع الطائرة والمصوب مطلق القنابل وما كنتش أتصور يعني إيه أبقى موجودا في غارة وأنا في هذا السن وقتها كنت 41 لكن هذا السن تجاوز، لكن على أي حال كنت عيان في اليمن وكلمني جمال عبد الناصر وقال لي -ده كان سنة 1964- خروتشوف جاء في مصر وهو يريدك، عاوزينك، من زيارات سابقة أنا كنت بأعرف ألكسي أدجوبيه زوج بنت خروتشوف، وبأعرف رادا بنت خروتشوف. خروتشوف جاء مصر لزيارة افتتاح المرحلة الأولى من السد العالي وهو يريد أحدا معه، مصري معه، ويريد أن  يتكلم معه من غير قيود السفارات ما يمكن أن تقوله السفارات والتقارير والكلام ده كله، عنده أسئلة كثير قوي يسألها عن مصر والعالم العربي وعن أفريقيا وهو يريد أحدا واقترحوا عليه أنه أنا أبقى ذلك الرجل، كلمه جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر بيكلمني في، قلت له عيان، عملت حماقة، قال لي عيان مش عيان تعال، وفعلا جئت من مطار القاهرة غيرت شنطتي، من شنطة، حقائبي من شنطة اليمن وأخذت شنطة للاتحاد السوفياتي وطلعت لكن في تلك الفترة قعدت مع خروتشوف وعائلته في موسكو ثم في يالطة ثم على المركب أرمينيا خمسة أيام من أرمينيا لهنا وأنا أطل على ما في داخل السوفيات باهتمام لأنه في واقع الأمر قعدت مع العيلة، مع عيلة خروتشوف ومع زملائه ومع الناس اللي معه كلهم، قعدت معهم مثلا عشرة، 12 وراء بعض بأشوفهم كل صباح غداء وإفطار وعشاء وكل وقت وبنتكلم وسينما وكل حاجة كنت معهم وبالتالي بقيت قادرا أبص إلى آخر. لما جاءت وقائع 1967، وقائع 1967 لما الاتحاد السوفياتي أبلغنا أنه في حشود على سوريا لم تكن، لا، هم لما قالوا لنا على الحشود، قالوا لنا، أو قيل لأول وهلة في النقل وفي عدم الترجمة قيل 11 لواء محتشدة، 11 لواء كان لازم إحنا كمان ندقق فيها، 11 لواء تعني نصف قوة الجيش الإسرائيلي العامل، واقع الأمر أنهم كانوا ثلاثة ألوية وثلاثة ألوية خطر، أيضا خطر تستوجب إجراءات، ولكن هنا أنا بأعتقد أنه خلال الأزمة كلها ومن أول لحظة فيها سوء التفاهم الثقافي التاريخي السياسي الإنساني موجود وموجودة فيه كل رواسبه وعقده وهي تؤثر في مسار الأزمة وقد أثرت فعلا. تصبحوا على خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة