خالد الكركي المثقف والوزير   
الاثنين 1429/9/2 هـ - الموافق 1/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:51 (مكة المكرمة)، 12:51 (غرينتش)

- بذور الإبداع في العائلة والانتماء والمسار
- قضايا الوطن بين المثقف والوزير

- عن تجربة العمل في المناصب السياسية

- عن الشعر والكتابة والحزن العتيق

بذور الإبداع في العائلة والانتماء والمسار

سامي كليب
خالد الكركي
سامي كليب
: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من يرنامج زيارة خاصة. لو أن كل سياسي عربي ملك ربع ما يملك ضيفنا من ثقافة لكانت السياسة العربية بخير، هو ابن عائلة متواضعة ومزارعة ووصل إلى رئاسة الديوان الملكي وتولى الوزارة أكثر من مرة في بلاده الأردن ولكن الأهم من ذلك أنه يتربع على عرش كبير من الثقافة، يسعدني أن أستضيف الدكتور خالد الكركي.

خالد الكركي:

أطل على الربع بعد زمان طويل عجيب

وآنس نار التذكر

ها صوتها العذب وعد قديم وعطر يغطي مساحة هذا الغروب

أنادي، خليلي هذا هو الربع

أسمع رجع النشيج قفا نبك

لا موج يبحر والبحر ملح وصوت المؤابية العذب

رجع صدى وغياب

فمن ستطل على الفجر سيدة

مثل حقل البنفسج في لجة من ضباب

ها نحن نشرق بالدمع

يقتلنا زمن مثقل بالأسى والخراب

أجوب دروب العواصم

علك تأتين ذات مساء على رجع أغنية من مؤاب

ويجتاحني وجع فأنادي عليك

تهدّم محراب حبك فالتمسي في صلاتك بعض الدعاء

تصعد من جمرة الوجد نار

وتلقي نهايات حزني بين يديك

ويخرج من خلف كثبان رمل الزمان جنوني

وينثر ما ظل مني شظايا على تائهات الدروب

فيا نجمة الصبح

هذا دمي سكبته الليالي على شرفة الفجر والنائحات غمام

وهذا زماني في التيه

لا عاصم اليوم

والظمأ المر جمر وما ظل غير صدى وهيام.

سامي كليب: من ديوان "مقام الياسمين" كانت ياسمينة البداية مع الدكتور خالد عبد العزيز سليمان الكركي، وحين زرته كان يعد لكتاب جديد بعنوان "جدل الحرية والإبداع في الحضارة العربية" فوزير الإعلام والثقافة ورئيس الديوان الملكي والمستشار السابق للملك الأردني الحسين بن طلال كان طارئا على السياسة ثابتا في الثقافة والإبداع، وللإبداع بذور في الجذور في العدنانية بالكرك حيث ولد عام 1946 في كرك صلاح الدين والغساسنة وكرك مصر في نابلس وفلسطين وكرك شهداء الإسلام وموئل الثوار.

خالد الكركي: هذه الصورة تعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي إلى قرية العدنانية قريتي التي كانت تسمى محنى أيضا والضيف فيها هو سلطان باشا الأطرش ورفاقه في ضيافة أهل قريتنا التي يظهر فيها بعضهم. الصور على غير الترتيب هذه صورة مع الشاعر العربي الكبير المرحوم عبد الوهاب البياتي ومع الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين أمد الله في عمره تعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي، صورة أخرى مع المرحوم الأمير زيد بن شاكر حين كان رئيسا للوزارء وكنت آنذاك في موقع نائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام، الصورة في منتصف التسعينيات، الصورة هنا بمناسبة جمعت المرحومين الملك حسين بن طلال طيب الله ثراه والرئيس الراحل ياسر عرفات، الصورة في منتصف التسعينيات أو أوائل التسعينيات كما أعتقد، الصورة هنا أيضا في مناسبة من مناسبات سفر جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله ويظهر في الصورة الأستاذ الدكتور عبد اللطيف عربيات وكان آنذاك رئيسا لمجلس النواب، الصورة هنا لحكومة الأمير زيد بن شاكر التي شكلت 1995 ويظهر فيها مجلس الوزراء بكامله في يوم تشكيل الحكومة، هذه الصورة أعتقد أيضا في الثمانينيات قد تكون في المؤتمر الثقافي الوطني في الجامعة الأردنية يظهر فيها المرحوم الشاعر الكبير عبد الرحيم عمر والذي يقرأ كما يبدو في الصورة وأستاذنا الكبير الدكتور هاشم ياغي أمد الله في عمره والزميل الشاعر عبد الله رضوان، هذه مناسبة في أوائل التسعينيات في عمان أعتقد أنها احتفاء بانطلاقة الثورة الفلسطينية وأيضا فيها الشاعر الكبير محمود درويش، هذه صورة أخيرة آنذاك يبدو فيها المرحوم الروائي الأردني الكبير مؤنس الرزاز وقد أخذت أعتقد قبل أسبوع واحد من وفاته وفيها عدد من المثقفين الأردنيين، يظهر فيها الزميل مهند الدرة وتظهر الروائية سميحة قريص والروائي هاشم غرايبي والكاتب يحيى القيسي وعدد آخر، هذه الصورة أيضا لدى استقبال المرحوم فيصل الحسيني في الديوان الملكي في إحدى المناسبات، هذه صورة يظهر فيها الرئيس الراحل ياسر عرفات والصديق عبد الله حوراني الكاتب والمفكر والذي كان آنذاك رئيسا للدائرة الثقافية في منظمة التحرير والشاعر الكبير محمود درويش.

سامي كليب: بين السياسيين والمبدعين والشعراء والأدباء وبين الديوان الملكي والوزارات والجامعة تعددت صداقات ومناصب الدكتور خالد الكركي ابن العائلة المتواضعة الذي وصل إلى أرفع المناصب في بلاده، صاغ بحروف اللغة الملتزمة ما كتب تراثنا العربي والإسلامي أثوابا من الحداثة جعلت التراث فتيا، ومن هناك من موطن الأجداد في مؤاب ومؤتة في الكرك حفظ الروايات التي ستصبح زيتا لقنديل إبداعه.

خالد الكركي: أنا دائما كنت أقف عند مؤتة يعني أن يقع اصطدامي الأول خارج الجزيرة العربية مع الإمبراطورية الرومانية هناك، وهناك حشد الرومان جيشهم وهناك حشد العرب الذين كانوا يوالون الرومان جيشهم أيضا وجموعهم وهناك وقع هذا الاصطدام التاريخي، قدم الإسلام آنذاك شهداءه الكبار زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة كأنهم سكنوا هناك..

سامي كليب (مقاطعا): متحمس دائما لقصص النصر العربي والإسلامي.

خالد الكركي: لأن على المثقف أن يحتفظ للناس بالتفاؤل وإذا كان عليه أن يصاب بانتكاسة فليحتفظ بها لنفسه، من واجبه أن يقدم التحليل الموضوعي للناس وأن يقدم النقد الذاتي..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن على ما يبدو أيضا دكتور خالد الكركي في تأثيرات أيضا عائلية على هذا الجانب الأسطوري إذا صح التعبير في مرحلة معينة والفعلي في مرحلة أخرى، أسطوري يعني في السير مثلا السيرة الهلالية وما إلى ذلك، وفهمت حسب ما قرأت عنك أنه كان في تأثير لروايات الوالدة في هذا الاتجاه.

خالد الكركي: بالتأكيد أنت لك أن تتخيل يعني قرية في الأردن في الخمسينيات من القرن الماضي هذا قبل زمن التلفزيون وقبل زمن الإذاعات المسموعة أيضا وقبل وصول الصحافة، ماذا يفعل الناس؟ هم يستمعون إلى السير يستمعون أولا إلى التاريخ الأقرب عليهم إلى ثورة الكرك عام 1910 على الأتراك، إلى ثورة الدروز في جبل العرب قبل ذلك أيضا على الأتراك، وديوان شبري الأطرش. كما يمتدون بعد ذلك في البطولات رجوعا إلى زمن الظاهر بيبرس أو إلى زمن صلاح الدين هذه الأخبار التاريخية والأخبار الأسطورية والأخبار الشعبية كانت تشكل سيرهم بالإضافة إلى ذلك السير الشخصية..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن الوالدة كانت تروي لك كل ذلك أيضا؟

خالد الكركي: نعم كانت تحفظ وتستمع إلى ما يقال في مجلس جدي وأبي وكانت تروي ذلك لنا ونحن مع التكرار والإعادة، لأنه لا يوجد لهذه الذاكرة ما يملأ إلا هذا، كنا نستوعب بسرعة لعلي أنا شخصيا كنت أستوعب بطريقة أخرى أولا لعل ذلك ترسخ في الذاكرة ثم تمت استعادته بعد ذلك بأربعين سنة في الكتابة..

سامي كليب (مقاطعا): بالضبط لأنه في خلال قراءتي عن الوالدة وتأثيرها عليك وعدت وقرأت ما كتبت حضرتك فعليا بعد ثلاثين أو أربعين سنة، يلاحظ المرء يعني هذا التأثير الطفولي وجد يعني ربما تفسيره فيما بعد بأيضا التركيز على التاريخ العربي على البطولات العربية على الشهداء في تاريخ العرب على مفهوم الشهادة ومفهوم البطولة أيضا، وكأن الطفل لم يكبر بعد ويريد أن يبقى في هذا الجو.

خالد الكركي: ولعل في ذلك يعني ما يشكل نوعا من الوفاء لمرحلة وللناس، يعني نحن كنا نجلس في الخمسينيات..

سامي كليب (مقاطعا): وللأهل أيضا.

خالد الكركي: (متابعا): نستمع إلى أخبار الناس بعد سنوات قليلة من النكبة عام 1948 كان الناس يأتون في صورة لاجئين أيضا إلى الكرك وإلى القرى وإلى عمان ونستمع منهم، من المقاتلين الأردنيين من الجنود الذين قاتلوا في القدس وحول القدس أيضا، حكايات كانت لا تزال آنذاك جديدة..

سامي كليب (مقاطعا): كان في بعض من عائلتك مثلا عندهم حكايات ذهبوا إلى فلسطين عندك صورة معينة مثلا؟

خالد الكركي: بالتأكيد، من القرى المحيطة كان في بعض الناس في قريتنا ذهبوا وقاتلوا كانوا يتحدثون لك مباشرة عن عبد القادر الحسيني، هناك جيل آخر كان يعمل في فلسطين في الثلاثينيات كانوا يتحدثون لنا عن الشهيد عز الدين القسام آنذاك، تلك الذاكرة الشفوية التي تنقل الأخبار هي التي شكلت المراحل الأولى لي، مرحلة الاجتماع ثم حفظ هذا الاجتماع في الذاكرة حين استيقظت عليه لاحقا قمت باستلابه من جديد في مصادره التاريخية وأعدت كتابة الكثير.

سامي كليب: بالنسبة للأهل دكتور خالد الكركي فهمت أنك عشت يعني وضعا متواضعا وأنت صغير السن يعني أقرب إلى الفقر وأنه بالزراعة وهكذا؟

خالد الكركي: يعني هي صورة من صور حياة الوالد الذي كان يعمل في الفلاحة في قرية والفلاحة مرتبطة آنذاك ما هي مرتبطة في العالم العربي وإن تغيرت الظروف بالمطر فهي سنوات تمر قحط على الناس لا يجدون شيئا الناس يتساوون تماما حتى الذين كانوا في المدينة وليس في القرى هم من صغار التجار آنذاك، كل الأمور كانت بسيطة ولم يكن هناك برجوازية كبيرة ناشئة ولم يكن هناك إقطاع أيضا، حتى الذين يملكون أرضا واسعة في سنوات معينة قد لا تعطي شيئا على الإطلاق..

سامي كليب (مقاطعا): مثلا في سنوات كانت العائلة لا تستطيع أن تأكل كما ينبغي مثلا؟

خالد الكركي: لا، الحقيقة ليس إلى حدود الجوع ولكن إلى حدود الفقر.

سامي كليب: كنت تتوقع أن تصبح في موقع مسؤولية كبير؟

خالد الكركي: لا، أبي كان يتوقع لي أن أكون وزيرا، أبي فقط كان يقول الذين يدرسون جيدا في المدرسة ويحصلون علامات عالية ترسل بهم الحكومة إلى جامعة..

سامي كليب (مقاطعا): فلا بد أن تكون من الأوائل..

خالد الكركي: (متابعا): هلق فالجامعة الحقيقة لم تكن، كان يقول لي هذا الكلام في أواخر الخمسينيات لكن لم يكن آنذاك في الأردن جامعة، كنا نتوقع أن نذهب إلى بغداد أو دمشق أو القاهرة إن كانت العلامات جيدة ولكن بعد ذلك أنا ذهبت إلى الجامعة الأردنية لأنني كنت من الأوائل، هذا السبب وليس إلى سبب آخر..

سامي كليب (مقاطعا): وفيما بعد على كامبريدج.

خالد الكركي: إلى كامبريدج موفد من الجامعة الأردنية ضمن سياق البحث عن الخريجين وأنا في الدفعة الأولى من حملة الماجستير من قسم اللغة العربية من الجامعة الأردنية.

سامي كليب: طيب سنتحدث عن هذا الجانب بعد لحظات لو سمحت لي دكتور، بس في الكلام أيضا عن العائلة فهمت أنه يعني طالما أشرت إلى العشيرة أنه كان مثلا الثائر السوري الكبير سلطان باشا الأطرش يأتي لعند جدك في العائلة.

خالد الكركي: تلك حكاية عظيمة في روح الأردنيين جميعا، يعني انحسار الثورة السورية الكبرى التي استمرت 1925 إلى 1927 تحت الضغط الفرنسي الاستمعاري أدى إلى أن هاجر قادة الثورة وكثير من شبابها وقياداتها تقدموا إلى المملكة الأردنية الهاشمية إمارة الشرق الأردني آنذاك..

سامي كليب (مقاطعا): لأنه كان لبنان مستعمر آنذاك.

خالد الكركي: وأقاموا فيها عشر سنوات من عام 1927 إلى 1937 قام الأردنيون بالواجب نحو الثائر الكبير سلطان الأطرش فعلا وتحدثوا إلينا وقرأنا ذلك في شعر شاعرنا الكبير حسني فريز، أيضا كانوا ينشدون القصائد فيه أنهم كانوا يستضيفونه في الألوية آنذاك يذهب إلى إربد أو يذهب إلى الكرك وكان من الشرف بعائلتي أن جدي قد استضافه في قريتنا وأن صورة واحدة قد جاءت لي بعد ذلك يمكن بخمسين سنة من الشيخ أسد الأطرش صورة صغيرة لذلك اللقاء الذي ظهرت فيه صورة جدي أيضا معه هذا الشرف لنا نحن أن الأردن بمجمله كان كما هي العادة ملتقى وملاذا لهؤلاء الناس الذين يقاتلون ضد الاستعمار.


قضايا الوطن بين المثقف والوزير

سامي كليب: تلك الحكايات عن فلسطين والقدس والتاريخ العربي والإسلامي شكلت المعين الذي أغنى كتب وروايات وأشعار الدكتور خالد الكركي، كيف لا وهو المترعرع في تاريخ الكرك والقريب من جرش وابن القبائل والعشائر العريقة التي لا يزال بعضها هنا في الأردن فخورا بأصوله. فهذا المثقف الحائز على الدكتوراه في الفلسفة من كامبريدج في بريطانيا والذي رأس رابطة الكتاب الأردنيين ودرس اللغة والأدب العربيين وكان نائبا لرئيس مجلس أمناء مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي ورئيسا لجامعة جرش ثم رئيسا للجامعة الأردنية ووزيرا للثقافة والإعلام ورئيسا للديوان الملكي، لم تحجبه المناصب عن القضايا العربية التي تبقى متقدة في العقل والقلب كبغداد البهية والضحية بغداد التي قال عنها الكثير، وهذا غيض من فيض ما قال في كتابه "بغداد، لا غالب إلا الله".

خالد الكركي: لولا أني أعرف أنك خالدة وأن شمسك تشرق من أول الزمان إلى منتهاه، لهتفت من جرح أبي الطيب المتبني، أرى العراق طويل الليل مذ نُعيت، غير أني لا أستطيع ولا غيري بقادر أن أصدق النبأ، وأن أحمل إلى أبي جعفر المنصور خبرا يقول إن جوهرته التي صاغها قد مسها الضر من مغول هذا الزمان، ولو طلب إلي أن أقص عليه ما وقع لبغداد على أيدي الغزاة ولصوص الحضارة لقرأت عليه من كتاب المؤرخ البغدادي ابن الفوطي في أحداث سنة 656 ما دونه في كتابه عن الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، إذ يقول واصفا دخول المغول إليها "ووضع السيف في أهل بغداد يوم الاثنين خامس صفر، وما زالوا في قتل ونهب وأسر وتعذيب الناس بأنواع العذاب واستخراج الأموال منهم بأليم العقاب مدة أربعين يوما، فقتلوا الرجال والنساء والصبيان والأطفال وأحرق معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره واستولى الخراب على البلد"، سأقول لك أيها العظيم لقد فعلت أميركا والإنجليز ما فعلت المغول. أقول بغداد، وأكاد أستعيد زمان كل عربي وطئ أرضها وقرأ دفاتر نخلها وحريتها وإبداعها، وكأن الجواهري يعتصر من أرواحهم قوله في دمشق، ولم لا يكون في بغداد أيضا،

وجئت أرضك لا كالمشتهي بلدا

لكن كمن يتشهى وجه من عشقا

يا جلق الشام إنّا خلقة عجب

لم يدر ما سرها إلا الذي خلقا

أقول بغداد، وقلبي على القدس والبصرة والموصل ودمشق. أقول بغداد، ودم الأمة يسري من مؤتة إلى كربلاء ويوقظ مقام جعفر ويضيء ضريح الحسين.

سامي كليب: بغداد وفلسطين ولبنان وكل دولة عربية عندها قضية ستجد مكانا لها في أدب وفكر الدكتور الأردني خالد الكركي. وكما في تضامنه كذلك في انتقاده لا يستثني أحدا، فهو يلوم العرب حين يتخاذلون عن نصرة قضاياهم تماما كما يلوم القائمين على سياسة بلاده إذا ضاقت مساحة الحريات والديمقراطية أو إذا ألقت اتفاقية السلام مع إسرائيل بتبعاتها على الأوضاع الداخلية.

خالد الكركي: الآن جاءت عملية السلام وعملية السلام لم تعط نتائج ولم تعط ثمارا أبدا فتقع ما يسمى الاحباطات المتتالية لدى الناس فيتراجع الاهتمام داخل المجتمع ليشغل بالقضايا الأولى، الآن بقضايا الطعام وقضايا الغذاء وقضايا الوظائف، هناك بطالة هناك فقر هناك جيوب فقر تنتشر هناك ضغط على الناس، فلا تصبح الديمقراطية فضاء من الفرح للناس يشاركون فيه هي ضرورة يعرفون ذلك لكن تغير المناخ وغالبا ما تؤدي الأزمات إلى التشريع والقوانين من جديد ومحاولة حل الأزمات المتتالية. فأعتقد أن بعد 1994 شهدنا أشكالا كثيرة من الحكومات وشهدنا انتخابات كثيرة ولكن أنا أقول بدقة الآن لم يكتمل المشهد كما نتمناه لأن الأردن يريد أن يقدم للمنطقة نموذجا كاملا بالشكل الديمقراطي، لاحظ بعدها من عام 1989 حتى الآن بعد عشرين سنة ما نزال نتنازع حول قانون الانتخاب.

سامي كليب: حضرتك كنت مع هذا السلام؟

خالد الكركي: أنا كنت حاضرا آنذاك ولكني ما كنت معه بهذا الوضوح مباشرة.

سامي كليب: خصوصا أنك كنت وزيرا للإعلام بعد حدثين كبيرين بالنسبة للأردن والعالم العربي، اجتياح العراق الأول وتوقيع عملية السلام وكان دورك كوزير إعلام أن تروج للمسألتين، يعني في المرة الأولى الأردن كله وقف في الواقع وقفة جميلة وجيدة ضد اجتياح العراق وحتى مجلس النواب يعني تبنى قرارات لم يتنباها أي برلمان عربي، ولكن عملية السلام..

خالد الكركي: ولكن آنذاك، ولو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت، ما كل سيوف بني العم غابت آنذاك عنا وتركنا في مهب الريح، كنا ندفع ثمن هذا الموقف الجميل اللي تحدثت عنه كنا نحس هذا الإحساس العميق داخل العمل السياسي لأن الظروف تتحرك من حولنا والأخوة في فلسطين يتجهون أيضا نحو أوسلو ويذهبون في طريقهم بعد أن أتاحت مدريد للمسارات المختلفة أن تسير فلم يكن أمام الأردن إلا أن يرى مصالحه في تلك المرحلة.

سامي كليب: طيب هذا بالنسبة للسياسة العامة دكتور خالد الكركي ولكن أنا أسألك يعني كمثقف كتب الكثير عن البطولات والنضال والحماسة والشهداء وإلى ذلك، أنه لم يكن صعبا عليك كوزير للإعلام أن تروج لمسألة أخرى مثلا مسألة الحمامة والنعامة والسلام وما إلى ذلك يعني؟

خالد الكركي: لا ما كان الأمر ما حمل هذا الوجه يعني، ما كان هناك محاولة، كل القوى كانت تعبر عن ذاتها وكل القوى في التالي، حتى في المعاهدة حين تم الاحتكام بالبرلمان الأردني أقرت، كانت الظروف صعبة ومعقدة لم نكن نروج ضد القضية الفلسطينية باعتبارها قد انتهت كنا نتحدث عن الأردن مصالح المملكة الأردنية الهاشمية فقط..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن كنت مضطرا أيضا كوزير للإعلام أن تلغي كل العبارات التي..

خالد الكركي: (مقاطعا): ما ألغي شيء لم يلغ شيء لأنهم لم يغيروا شيئا لأنهم هم الذين استمروا يحملون فكرهم الآخر أنا قبلت هذا.

سامي كليب: أنت قلت حضرتك إن السياسة تكتيك والثقافة رؤية، اعتمدت التكتيك؟

خالد الكركي: السياسة تكتيك وهذا الذي كان وكل مرة كان يقع هذا الإحساس في داخلي وفي نفسي بين الرؤية التي أدافع عنها الشاملة للأمة ولفلسطين وللتحرير وللمقاومة وبين هذا الموقف الإعلامي السياسي الذي كان بالنسبة لي موقفا مرحليا.

سامي كليب: كنت في لحظات معينة -خليني أدعوك سيادة الوزير- كنت في لحظات معينة تشعر أنك تقول للإعلام ما لست مقتنعا به داخليا بسبب التكتيك؟

خالد الكركي: ليس شرطا أن أقتنع به.

سامي كليب: خليني أسألك بشكل مباشر، اليوم تعتبر إسرائيل ماذا؟ حليفا صديقا عدوا جارا؟

فلسطين ما تزال محتلة من النهر إلى البحر وهذه المجازر ما تزال مستمرة والشكل الذي يأخذه هذا الاستعمار الاستيطاني شكل قبيح وغير مقبول 
خالد الكركي:
لا، عدو بالتأكيد، لم يتغير شيء. فلسطين ما تزال محتلة من النهر إلى البحر وهذه المجازر ما تزال مستمرة والشكل الذي يأخذه الآن هذا الاستعمار الاستيطاني شكل قبيح وليس مقبولا ويمكن لو نظرت في تجربة الصليبيين في بلاد الشام وخارج بلاد الشام وفي مصر ما أقاموا الدول أيضا وأقاموا القلاع وقاتلوا وذبحوا الناس، ماذا كان الوضع في الجزائر طيلة 130 سنة أيضا؟ ماذا كان الوضع في أفريقيا؟ هذه ثقافة العنف الغربية تأخذ تجليات كثيرة لها أحيانا تأخذها في أفريقيا مثلا في الكونغو في القرن التاسع عشر أحيانا تأخذها في أميركا اللاتينية، عام 1492 كما يقول تشومسكي سقوط غرناطة الإسلامية أعلن نهاية عصر التسامح وبداية عصرالعنف، عام 1492 نشر كتابه 501 "الغزو مستمر" أي أنهم يستمرون في غزوهم وفي ثقافة العنف، هم الآن فرضوا ثقافة العنف والرأسمالية في شراستها ثم أضافوا عليها أن نعلم نحن ثقافة الخوف أيضا..

سامي كليب (مقاطعا): كما قال أحد الدبلوماسيين إنه انتقل من الهنود الحمر إلى الهنود السمر.

خالد الكركي: وهذا صحيح.


[فاصل إعلاني]

عن تجربة العمل في المناصب السياسية

سامي كليب: اللافت في تجربة الوزير السابق والدكتور الدائم خالد الكركي أن هذا المثقف والكاتب والمفكر لم تكن علاقته بالسلطة جيدة فشقيقه الذي كان في حزب البعث تعرض لقمع السلطة في النصف الثاني من الخمسينيات، ورابطة الكتاب التي كان رئيسها خالد الكركي كانت قد علقت. ولكن توزيره جاء بعد مرحلة سياسية هامة حيث أنه للمرة الأولى بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية كان الأردن متجها إلى انتخابات برلمانية ومشروع لمكافحة الفساد والتعددية وعودة للأحزاب، جاء إلى السلطة في ذلك المناخ الإيجابي ومعه عادت رابطة الكتاب إلى العمل.

خالد الكركي: وعادت بقرار حاكم عسكري لأنها ألغيت بقرار حاكم عسكري، فما كان ممكنا إلا بالقرار نفسه وكنا لا نحب أن نستعمل قرارا للحاكم العسكري بالمرحلة الجديدة، أعتقد استعمل من أجل الرابطة يمكن ولا على شيء آخر، فقط، وعادت الرابطة وما تزال موجودة وتعمل.

سامي كليب: أصبحت وزيرا للثقافة ثم مرتين وزيرا للإعلام، مبروك عليك..

خالد الكركي (مقاطعا): أعتقد يبارك بالثقافة ولا يبارك بوزارة الإعلام.

سامي كليب: طيب، ابتعدت أو أبعِدت عن السلطة؟

خالد الكركي: لا، الحقيقة لم يكن الأمر بهذه البساطة لأنني أمضيت فترة يعني كنت بعد وزارة الثقافة..

سامي كليب (مقاطعا): خليني أحذرك، أنا أعرف القصة، اروها أو أنا أرويها.

خالد الكركي: أنا كنت وزيرا للثقافة ثم للإعلام ثم مستشارا في الديوان الملكي الهاشمي ثم رئيسا للديوان ثم مستشارا مرة أخرى ثم أصبحت نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للإعلام، يعني الأمر استغرق حتى 1996، من 1989 سبع سنوات..

سامي كليب (مقاطعا): حتى ولو كانت يعني مثلا قصة المستشار ورئيس الديوان وكذا لفترات قصيرة يعني مثلا بضعة أشهر وليس سنوات.

خالد الكركي: لا، بالديوان استغرقت أكثر من عشرين شهرا تقريبا كنت رئيسا للديوان، يعني الأمر استغرق سبع سنوات من هذا العمل المتنوع المواقع آنذاك لكن لم أبعد بشكل يعني استقالت حكومة المرحوم الأمير زيد بن شاكر وخرجنا منها وجاءت حكومة أخرى.

سامي كليب: كنت تكتب خطابات لجلالة الملك حسين؟

خالد الكركي: كنت أشارك في صياغاتها ولكنه هو الذي كان يكتبها.

سامي كليب: هل كتبت خطابا عن السعودية أزعج فيما بعد؟

خالد الكركي: لا، كانت هناك.. لم يكن هناك خطاب واحد فقط لكن في تلك المرحلة كانت خطابات لجلالة الملك بعضها أثار حفيظة آخرين خارج الأردن، أنا لم..

سامي كليب (مقاطعا): وتألبوا عليك ودفعوا الملك ضدك، صح؟

خالد الكركي: لا، الحقيقة لا أريد أن.. نحن لا نغير الناس في بلدنا بإيحاءات خارجية..

سامي كليب (مقاطعا): لكن الحوار، دكتور، الحوار للتاريخ..

خالد الكركي: الحوار للتاريخ، هو للتاريخ..

سامي كليب (متابعا): يعني ما ستقوله الآن محسوب عليك لسنوات عديدة.

خالد الكركي: أنا لم أسمع أن أمرا مثل هذا قد وقع وأنني خرجت أو أخرِجت لأن أناسا خارج الأردن أرادوا أن أخرج، وأقول لك نحن في الأردن لا نتعامل مع السياسيين والمثقفين على هذا النحو، والدلالة على ذلك أنني أنا عدت بعد ذلك رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة الصحفية الأردنية عام 1999، وأنت تعرف ماذا تعني "الرأي" الكبيرة و"الجوردن تايم" في الأردن، لسنتين تقريبا، وها أنا الآن في موقع رئيس الجامعة الأولى في المملكة الأردنية الهاشمية، لو أنني أبعدت لما عدت.

سامي كليب: لا، أنه عن المنصب السياسي.

خالد الكركي: ولكن لم يقع شيء، لكن أنا أقول لك، أنا على المستوى الشخصي في تلك الفترة كل ما في الأمر أنني خرجت مع الذين خرجوا من حكومة الأمير زيد بن شاكر في 4/2/1996، كل الحكومة استقالت، ما وراء ذلك إن كان رئيس الوزراء الجديد أو أشخاص يرون الأمر على غير هذا الوجه أنا شخصيا لست على علم بهذا، هذا للتاريخ أقوله، يعني لم يقل لي ولم أسمع وما أحسست في لحظة واحدة أنه من المطلوب أن أبتعد، لعل المطلوب أن أنأى عن مرحلة سياسية بعينها وأنا أقول لك يمكن قد لا أكون على وفاق حتى في أوائل عام 1996 مع كثير من العمل السياسي أو العمل الآخر التفصيلي داخل البلد يعني أنا لم أكن مرتاحا في أواخر الحكومة الأخيرة التي كنت فيها كشخص، ولعله أشير آنذاك في بعض الصحف أن نائب رئيس الوزارة وزير الإعلام يفكر بالاستقالة، وهناك كان أنا شخصيا أخذت موقفا..

سامي كليب (مقاطعا): شو السبب ما كنت مرتاح؟

خالد الكركي: أنا شخصيا لم أرغب ولم أقبل أن توقع اتفاقية الإعلام مع إسرائيل لعدم النص عليها في المعاهدة وكانوا يسعون إلى ذلك.

سامي كليب: وهذا كان سبب الخلاف؟

خالد الكركي: لا، هذا سبب أنني لم أقبل ذلك، وتم، يعني ما في مشكلة، وزير الإعلام رأى ذلك مع زملائه فتم، ولم أكن مع توقيع أي اتفاقية ثقافية على الإطلاق، وفق المعاهدة هناك اتفاقيات تتعلق بالمياه تتعلق بالحدود تتعلق بالتجارة تتعلق بالاقتصاد لكن كنت أصر على هذا الجانب، أنه لا يجوز أن نسلم أنفسنا مرة واحدة للتاريخ بأننا نطبّع.

سامي كليب: استقال أو ابتعد أو نُصح بالابتعاد، التاريخ سيقول ذلك وقد يشرح الأسباب ولكن خالد الكركي من الجامعة ذهب وإلى الجامعة عاد. وفي خلال تصوير هذه الحلقة دعاني لزيارة الجامعة التي نفى لي أنها معروضة للنقل إلى القطاع الخاص، وقد وجدت جامعة نموذجية في كل شيء فهنا يأكل الطلاب مما ينتجون في حقولها ويجلسون على ما يصنعون وهنا الجامعة الأنيقة بأشجارها الوارفة وورودها ونظافتها صارت مع خالد الكركي مفتوحة ومنفتحة بحيث أن التعبير عن الآراء المختلفة فيها قائم بين مختلف التيارات الفكرية والتخصصات فيها كثيرة وباتت لها شهرة كبيرة. وفيها كان خالد الكركي يلتقي الطلاب في نهاية العام الدراسي، يشكون فيسمع ويسألون فينصح.

[شريط مسجل]

خالد الكركي: أيها الخريجون الأعزاء من طلبة الدراسات العليا السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته. لكم المساء طيبه وبهجته وخروج أبنائه إلى فضاء الدنيا وكتابها وأشواقها، لكم جميعا هذا المساء الذي تنادون فيه على هذا الجيل المتقد بالشمس والعلم والأمنيات ما قاله القديم أولئك أبنائي فجئني بمثلهم. لكم المساء أما هم فلهم المساء والصباحات التي يغمرها ندى التراب الأردني الطهور بينما ينسج الأردنيون رايات التقدم وهم في أكثر حالاتهم نجاحا وإنجازا لأنهم مواطنون في هذا البلد الكريم لا رعايا ولأنهم يعلمون الحرية ولا يستعبدون غيرهم..


[نهاية الشريط المسجل]

عن الشعر والكتابة والحزن العتيق

سامي كليب: من الجامعة الأردنية التي بات اليوم رئيسها حصل خالد الكركي عام 1969 على إجازته في اللغة العربية وآدابها وعام 1979 على ماجستير بامتياز لرسالة عنوانها "طه حسين روائيا" ومنذ بداية الثمانينات بدأ التدريس، هذه هوايته الأحب إلى قلبه وإذا كان مروره على المناصب الوزارية والسياسية استمر سبع سنوات فإن ثباته في قلب الأدب والفكر والتعليم واضح، وكان آخر المناصب التي تولاها عام 2002 ثقافيا بامتياز حيث كان عضوا في اللجنة العليا لإعلان عمان عاصمة ثقافية. حياة غنية ومؤلفات بالعشرات كانت تفترض أن تكون السعادة في صلبها ولكن من يقرأ هذه المؤلفات سيلفته حزن عميق، لماذا؟

خالد الكركي: أنا لا أدري ولعلي سئلت عن ذلك مرات كثيرة، في داخلي هذا الشجن القديم، لعل القراءة الموغلة في الشعر العربي قد أدت إلى ذلك، ومراثي الشعر العربي، جمهرة أشعار العرب والمراثي الكبيرة والخنساء، لعل المناهج كانت أيضا تقترب بنا دائما من النصوص الجميلة، لعل النصوص التي في الحزن وفي الموت هي النصوص الأجمل في التراث الإنساني أيضا..

سامي كليب: ولعل المجتمع أيضا الأردني والشرقي ينحو باتجاه التعبير أكثر عن الحزن من الفرح.

خالد الكركي: المجتمعات العربية مجللة بالسواد ليس من ستين عاما من زمن النكبة، من أزمان طويلة غزاة وراء غزاة، نحن على مفترق طرق حضارات أخرى وإمبراطوريات أخرى وغزاة جاؤوا من كل حدب وصوب إلى بلادنا، ولو نظرت في الأرياف العربية لوجدت هذه السمة الغالبة على الناس، خوف دائما، الحزن، البهجة قليلة دائما الفرح قليل، الموت كثير حولنا.

سامي كليب: ثم الموت، يعني حضرتك حسب ما فهمت صدمت مثلا بموت شقيقك الذي كان ضابطا كبيرا في الجيش.

خالد الكركي: صحيح، هذا يمكن عمق أو وضع يمكن حدا في مرحلة طويلة يمكن في البدايات لرؤية الجانب الآخر من الحياة، ثم أنت تستعيد بعد ذلك نفسك مرة أخرى وتنهض، لعل الكتابة هي التي كانت تقف حاجزا أحيانا بينك وبين الموت يعني كما فعل مالك ابن الري حينما جعل قصيدته تميمة بينه وبين الموت الذي يقترب منه وقد كتبت عن ذلك، القصيدة تقترب الموت ينأى، هذه النصوص هي التي ساعدتني في أن أكتبه وأن أتخلص منه ولو إلى حين حتى أتقدم مرة أخرى في الحياة.

سامي كليب: وربما أن تعبر بالكتابة لعجز الكلام عن التعبير، يعني مثلا ربما أنت من القلائل الذين كتبوا عن معظم أفراد العائلة بكثير من التأثر في الواقع وأنا كنت أقرأ هذا الكتاب في ساعة متأخرة من الليل وتأثرت جدا لأنه ربما شعور الإنسان أفضل في الليل منه في النهار، مثلا للأم تقول

"آه يا أمي خذي كفي يغشاني نعاس وأرق

وأرى وجه أبي يطلع من ليل الأسى

لا صوت في روحي يفيض الآن بالذكرى

ولا القلب خفق"

خالد الكركي: ما غابا أبدا، الوالدان ما غابا أبدا، حتى هذا الزمن يعني وكلما تقدمنا في الزمن أيضا يحضر القديم عادة يستيقظ مرة أخرى في داخلنا كأن وراء الرماد ذاك الجمر العتيق الذي يأتي مثل جمر الغضا في قصائد الجاهليين، ويبدو تتشكل الشخصية أحيانا من سياقات مختلفة غير مرئية وتقع في تناصات مع آخرين..

سامي كليب (مقاطعا): وكأنه للوالدة مثلا، للوالد أيضا يعني وجع، تتحدث عن وجع جعفري عن كربلاء..

خالد الكركي: الوجع الجعفري الكربلائي موجود دائما.

سامي كليب: يعني:

"أبي سلام الرضا والصباح البهي

ونار التذكر والحلم حين يسافر بين يديك

سلام الأسى والسنين الغوالي

التي سوف تطوى فأطوي الدروب إليك

أبي طال هذا الرحيل فعد

فالزمان علينا شديد وجرح غيابك والوجع الجعفري

هل من طريق يمر دمي عبرها للسلام عليك؟"

خالد الكركي: الوجع الجعفري، نحن أقرب جغرافيا إلى ضريح جعفر، الشهيد، إلى جعفر ذي الجناحين، على مسافة قريبة أنا كنت في المدرسة يعني في المساء أمر يوميا للصلاة هناك وللسلام عليه وهذا الإحساس به، هذا الفتى الهاشمي الكبير العظيم الذي كان في الحبشة ثم حين جاء يوم فتح خيبر إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال "والله ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بفتح خيبر أم بقدوم جعفر".

سامي كليب: لا شك دكتور خالد الكركي أن هذه العودة إلى هذا النوع من الشجن من الحزن العميق له طبعا جذوره في القراءات الكثيرة كما تفضلت التي قرأتها ولكن لفت نظري تركيزك على شخصية المتنبي، لا بل خوفك من هذا الشاعر والأديب الكبير في تاريخنا العربي والإسلامي. مثلا تقول، لك في الواقع عدة كتابات ولكن في هذا الكتاب "الرونق العجيب، قراءة في شعر المتنبي" تقول ما يلي: "إن المتنبي يثير في شيئا من الذعر الجميل أحبه ولا أحبه، وقد كتبت كتابا عنه للتخلص من سطوته علي لكني لم أستطع".

خالد الكركي: صحيح.

سامي كليب: تحبه منفهم، لماذا لا تحبه؟

خالد الكركي: لماذا لا أحبه؟ لأنه يشكل علي سلطة هائلة حتى يقال أحيانا من قبل طلبتي في مواد الدكتوراه أو الماجستير، اكتشفت لاحقا أن رهانا يقوم بينهم، تكون المحاضرة في تحليل الخطاب أو في مناهج النقد الغربي الحديث ثم يكون الرهان، هل تمر المحاضرة في ساعاتها الثلاث دون أن يتحدث عن المتنبي؟ وإذا بهذا يقع.

سامي كليب: على كل حال دكتور خالد الكركي يعني أنا ربما التهيت بالحديث معك في السياسة ولكن لا بد من المرور ولو بشكل يعني سريع على ما بقي من كتب، وهذا جزء في الواقع من مؤلفاتك يعني أنا حين جاءتني كل هذه المؤلفات مرة واحدة وبدأت بقراءتها خفت لأنه اسم الله عليك غزارة الإنتاج كبيرة، يعني فقط أود أن نقول ماذا ولو بشكل سريع ماذا في هذه الكتب، هذا الكتاب طبعا "مقام الياسمين"..

خالد الكركي: شعر.

سامي كليب: يعني كتاب شعري في الواقع فيه الكثير من الشجن والحزن، فيه كلام عن الوالد عن الوالدة عن شقيقك سليمان أيضا. "الرونق العجيب" طبعا عن المتنبي، "بغداد، لا غالب إلا الله" كلام فيه الكثير من النفس العربي المقاوم، "سنوات الصبر والرضا" لمن يود أن يعرف عنك جزء من سيرتك يجب أن يقرأ هذا الكتاب، في الواقع مكتوب بطريقة جميلة، "أوراق عربية" في، مكتبة الرأي طبعا حضرتك لك تاريخ طويل بالرأي، في كثير من المقالات يعني تبدأ بسد مأرب وصولا إلى أصدقائك عبد العزيز المقالح وعبد الله المقدوني في اليمن، سوار الذهب في السودان، ناجي العلي وحنظلة، يعني مجموعة من المقالات أيضا.

خالد الكركي: الكتابات الأسبوعية في "الرأي" لأنه كانت يعني فيها تعليق على الأحداث.

سامي كليب: وهذه جمعتها في هذا الكتاب. "الرموز التراثية العربية في الشعر العربي الحديث" طبعا تأثير هذه الرموز على الشعر العربي الحديث، ولاحظت أنك مثلا تركز على مسألة تقول إن الشعر المعاصر، ركز عليها كثيرا، هي الخوارج يعني جماعة الخوارج، يعني شو السبب دخلك؟ أنا ما فهمت جزء منه..

خالد الكركي: لأنهم في، جزء من هذا الكتاب يتعلق برموز الجاهلية العربية في الشعر العربي الحديث وجزء يتعلق برموز الرفض والثورة في الشعر العربي الحديث، كانت الفكرة وراء هذا الكتاب، ثم كتبت دراسة أخرى عن الرموز القرآنية في الشعر العربي الحديث، هل وقع انزياح حقيقي من الرموز الإغريقية والرموز التموزية والبابلية والسومرية نحو الرموز العربية الإسلامية؟ يعني بين عشتار وبين تموز وبين كل رموز الإغريق التي شغلت الخمسينيات بعد ترجمة كتاب فريزر "الغصن الذهبي" من زمن خليل حاوي وزمن جماعة "شعر" هل وقع ذلك؟ الحقيقة بعد 1967 وقع شيء من ذلك، هذا الكتاب يقول إنه وقع تحول نحو الرموز، لأنه في الحديث عن الثورة وعن الرفض وعن التمرد وعن البحث عن الحرية ظهرت الرموز الحرة تماما القديمة، الشنفرى وطرفة والخوارج الذين تمردوا على السلطة ظهروا تماما عند الشعراء العرب الذين يرغبون في التمرد على السلطة أو يريدون أن يتخذوا قناعا يقولون من ورائه إنهم لا يريدون السلطة.

سامي كليب: في طبعا أيضا كتاب "تحولات الرجل اليماني"، يعني أنا أحاول في الواقع أن أختصر كثيرا ولكن لا بد من المرور على جزء من هذه الكتب، أيضا يعني نفس أو اتجاه كربلائي عاشورائي في توصيف مثقف، تقول في الصفحة 138: "أقول ليس جديدا أيضا أن نصف هذا الزمان بأنه كربلائي بل نحن في عاشوراء دائمة كما ترون، وحتى احتلال المغول الجدد لبغداد لم يدفع الثقافة العربية إلى زخم ثوري في وجه هذه الإمبراطورية الأميركية التي وزعت قناصلها حيث وصلت هيمنتها وجعلتنا في مصاف الذين يجب إصلاحهم من بني البشر، ولكم أن تتذكروا غايات الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922 على بلادنا، الحجة نفسها والوجوه القبيحة ذاتها". كأنك أيضا في هذا الكتاب تلوم بعض وسائل الإعلام، بعض الفضائيات..

خالد الكركي: وبعض المثقفين العرب.

سامي كليب: وبعض المثقفين، خصوصا المثقفين.

خالد الكركي: ماذا تريد من الذين لم يستوعبوا حركة التاريخ ولا يريدون أن يروا الأمور كما يجب أن ترى من قبل المثقف؟ الاحتلال هو احتلال والغزو هو غزو والسطو على النفط سطو على النفط وضياع فلسطين، وهي لم تضع بعد، كمان قائم. الأمر ليس في صورة المثقف الحقيقي أن يساوم على الأساسيات التي يقدمها للناس.

سامي كليب: في مكتبة الدكتور خالد الكركي مئات الكتب التي قرأها وعشرات من تلك التي ألفها، ولكن الخط الواصل بين كل ما ألف إنما يتمحور حول استنباط التاريخ المجيد للعرب والمسلمين، لعلهم في قراءة التاريخ يحسنون صياغة الحاضر. وبين التاريخ والحاضر كتب خالد الكركي عن الشهداء الكبار في تاريخ هذه الأمة تحت عنوان "منازل الأرجوان، الشهداء القادة في الإسلام".

روح الشهادة هي الطريق إلى ثقافة المقاومة حتى لا تظل المعرفة الإسلامية أسيرة في حالة من الجمود، فالإسلام صحوة بالإيمان والعقل والشهادة صحوة الروح على قدسية الجهاد في سبيل الله

خالد الكركي:
"إن روح الشهادة هي الطريق إلى ثقافة المقاومة حتى لا تظل المعرفة الإسلامية أسيرة في حالة من الجمود، فالإسلام صحوة بالإيمان والعقل والشهادة صحوة الروح على قدسية الجهاد في سبيل الله. لذلك نقرأ دفاتر الشهداء كي نضيء الحاضر ونستشرف المستقبل ولا نستعيد رؤاهم ومصارعهم على صورة الرحيل في الماضي بل ندعو ونحن نسعى نحو أضرحتهم إلى نهضة الأمة على قواعد من العلم والتسامح والشورى والجهاد، فما يزال في هذا العالم فقر وقهر واستعمار واستلاب، وأمتنا في موضع المحنة والاتهام والتشظي، لذلك تعزز صورة المرحلة ضرورة القراءة الجديدة لصور الجهاد العظيم من أول صبر آل ياسر إلى صبر أهل فلسطين".

سامي كليب: فلسطين تبقى في البال مهما تغيرت الأحوال، وطالما أن في العالم العربي كتاب يدعمونها أو على الأقل يذكرونها فهي باقية متقدة، والمسافة بين الأردن حيث يعيش خالد الكركي وفلسطين قريبة جدا مهما باعدت النوائب، فمن اسمه خالد وكركي لا يمكن إلا أن يكون حريصا على العروبة وفيا للتاريخ والجغرافيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة