موضوعات من فلسطين وأفغانستان والعراق   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:24 (مكة المكرمة)، 23:24 (غرينتش)

مقدم الحلقة

توفيق طه

تاريخ الحلقة

01/12/2001

- مذبحة السجناء العرب والأجانب في مزار الشريف
- مطامع دول الجوار في أفغانستان

- اجتماع الوفود الأفغانية في بون

- مهمة الجنرال زيني في فلسطين

- تهديد أميركا للعراق

توفيق طه
توفيق
طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ومعنا هذا الأسبوع مذبحة للسجناء العرب والأجانب في مزار الشريف، والقوات الأميركية ترفض إجراء تحقيق.. ومخاوف في الدول المجاورة من الانتشار العسكري الأميركي الكثيف في أفغانستان، ومؤتمر بون يفرض الإرادة الدولية على الفصائل الأفغانية التي أتت لمناقشة مستقبل أفغانستان ما بعد طالبان.

مذبحة السجناء العرب والأجانب في مزار الشريف

لم يستطع كثيرون تصديق أنباء الفظائع التي ارتكبتها قوات الأوزبك التي يقودها عبد الرشيد دستم في حق الأسرى العرب والأجانب في قلعة جانجي قرب مزار الشريف، فلا يوجد وصف لما حدث سوى أنها كانت مجزرة وقتلاً بدم بارد، اللافت في الأمر أن الدول العربية التي يعتقد أن بعض رعاياها كانوا من ضمن سجناء القتلى لم تبدي اعتراضاً أو احتجاجاً يذكر، ويعتقد المحللون أن ما حدث في مزار الشريف مقدمة لما يمكن أن يحدث في جميع أنحاء أفغانستان.

جثث سجناء من طالبان وأجانب موالين لها
تقرير/حسن إبراهيم: مذبحة مزار الشريف، مأساة تجل عن الوصف وسقطة أخلاقية في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد ما تسميه بـ"الإرهاب" وهذه الأشلاء التي تبعثرت في أرجاء القلعة تبقى شاهداً حيَّاً على الجريمة، مراقبوا الشأن الأفغاني يعتقدون أنه لا مبرر لما حدث فهو يتخطَّى المنطق، وعلى مختلف المقتضيات، فمن ناحية اتهموا الأوزبك الذين يقودهم عبد الرشيد دستم الذي كان وزير دفاع أخر رئيس شيوعي لأفغانستان نجيب الله أمين، اتهموا مقاتلي طالبان الذين استسلموا في قندوز بأنهم قد تمرَّدوا وأنهم قد أخفوا أسلحة في ثيابهم، وهنا يثور التساؤل: لماذا يتمرَّد من سلم سلاحه الثقيل؟

ثم على مستوى آخر، لماذا يتمرد المتطوعون العرب والأجانب على من فتحوا لهم ممراً آمناً؟ فقد اعتمدوا على أن الأوزبك بقيادة عبد الرشيد دستم وفي غمرة تنافس الأزوبك والطاجيك في التحالف الشمالي، قد يكونون أقل رغبة في قتلهم من جنود الطاجيك أتباع آخر بنشير.

أحمد شاه مسعود، الذي اغتيل على يدي صحفيين عربيين، وهو ما جعلهم يتفادون الاستسلام إلى الطاجيك مهما كلف الأمر، ويبدو أن جنود دستم قد بيَّتوا النية منذ اللحظة الأولى على الفتك بأسراهم، والقرائن كثيرة، موقع السجن نفسه كان بمثابة مصيدة، فالسجن كان قلعة قرب مزار الشريف، ثم تواترت الأنباء عن مقتل جميع الأسري بعد أن تمرَّدوا، فبالطبع فإن الرواية الوحيدة للأحداث عدى ما اختلسته كاميرات المصورين كانت رواية الجندي دستم ومن يعاونونه من الأميركيين، والرواية نفسها لا تستقيم عقلاً، فكيف يتمكن السجناء من القتال لمدة ثلاثة أيام بدون عون خارجي ولا إمدادات ذخيرة، خاصة وأن في ما حوزتهم من سلاح هو ما استولوا عليه من الحراس؟ قال المراقبون للشأن الأفغاني: إنه القتل بدم بارد، وقال بعض المحللين: إن السجناء العرب راحوا ضحية تعطش بعض قادة التحالف الشمالي إلى الدماء ورغبتهم في الانتقام، وأنه حتى لو كان دستم قد منحهم مرراً آمناً من قندوز فإنه يمكن أن يغير رأيه لو رأى أن مصلحته تستدعي ذلك، ولعلَّه تذكَّر نصائح وزير الدفاع الأميركي بعدم أخذ أسرى، فهل يا ترى كان هذا هو سبب قصف الطائرات الأميركية للسجناء بقنابلها الضخمة؟ وهل كان الأمر يستدعي ذلك؟ في ثم الذي يبرر قصف حشد من السجناء المحاصرين في قلعة محصنة بالجنود، المؤلم أن معظم الأسرى قتلوا، وهم مكبلو الأيدي من الخلف، فكيف يستقيم هذا مع رؤية التمرد؟ الدول العربية صمت عن محنة رعاياها، ولعل بعضها تنفس الصعداء، حيث أن من يسمون بـ"الأفغان العرب" في الأدبيات العربية كانوا وما زالوا يعتبرون حرجاً أمنياً، وبل أصبحوا المشجبة الذي تعلق عليه معظم حالات الانفلات الأمني أو المعارضة المسلحة في كثير من البلاد العربية، حتى إن الأزمة الجزائرية-بكل تعقيداتها- أُلقيت تبعاتها على عاتق الأفغان العرب أو العائدين من أفغانستان، ما يخشاه كثير من المراقبين أن تفجع الاحتياجات الواهية التي أبدتها بعض الدول العربية على هذه المجزرة أن تشجع التحالف الشمالي والولايات المتحدة على المزيد من المجازر في هذه الحرب.

مطامع دول الجوار في أفغانستان

توفيق طه: لاشك في أن معظم الدول التي تحيط بأفغانستان تعتبرها قنبلة موقوتة، فجيران أفغانستان يريدون اقتسام تركة طالبان، إيران ترغب في التمكين للشيعة الهزارا، وباكستان تنافح عن حقوق البشتون، وبينما تريد أقطار أسيا الوسطى علاقة طيبة بالحكومة القادمة فهي لا تريد نظاماً إسلامياً في كابول يحرض على الثورة الإسلامية عبر الحدود، ولا شك في أن روسيا تنظر نظرة خاصة لطبيعة الحملة الأميركية، فقد أعلنت مساندتها لها لكنها تخشى عواقبها، على صعيد أمنها الوطني.

ردود أفعال باكستانية على الهجوم الأميركي أفغانستان
خالد القضاة: طائرة
B1 إستراتيجية وهي تؤدي مهامها القتالية في قصف مواقع طالبان قد يبدوا المنظر طبيعياً في ظل أجواء الحرب التي تشهدها أفغانستان منذ نحو شهرين لولا أن هذا القصف باستخدام أحدث تقنيات الحرب الأميركية يجري ليس ببعيد عن حدود دول مثل روسيا والصين وإيران التي لا يمكنها أن تشعر بارتياح كبير لما قد تؤول إليه الأمور. روسيا وريثة للاتحاد السوفيتي صاحب المغامرة الشهيرة في أفغانستان أعلنت منذ البداية- مساندتها للحملة الأميركية ضد طالبان وتنظيم القاعدة، ولكن لأسباب غير تلك التي تصرح بها موسكو، فحرب واشنطن ضد ما تسميه بالإرهاب هي حرب روسية أيضاً ضد إرهاب من نوع آخر ترى موسكو أن العالم فشل في تأييدها فيها، وما العمليات الأميركية ضد طالبان إلا امتداد بنظر بوتن لحربه في الشيشان التي بدأت قبل عامين ولم تنته بعد، كذلك تشعر موسكو أن مساندتها لواشنطن قد تعيدها إلى البوابة الأفغانية وقد وصلت بالفعل طلائع القوات الروسية إلى كابول، بعد اثنى عشر عاماً من مغادرتها لها، وهذا بحد ذاته يشكل حلماً لكل أباطرة روسيا على مر العصور أما ما يقوله البعض من إن الدعم الروسي لواشنطن يخفي في طياته مؤامرة تستهدف استدراج الولايات المتحدة وتوريطها في المستنقع الأفغاني، فإن الدلائل تشير إلى أن واشنطن قد لا تركب الخطأ الذي ارتكبته موسكو في الثمانينات حتى هذه اللحظة لم تظهر على القيادة الروسية علامات الاستياء، لكنها تبقى في حالة ترقب وحذر، فوجود قوات أميركية مزودة بأحدث أنواع التكنولوجيا العسكرية على البوابة الروسية قد يسير حفيظة القيادة العسكرية في موسكو، إن لم يكن غداً فبعد غد، لكن موسكو تشعر أنها لا تزال تمتلك عدداً من الأوراق الرابحة، لعبت بعضها بذكاء منذ بدء الحملة الأميركية وعلى رأسها ورقة دول أسيا الوسطى التي أذنت لها موسكو بفتح قواعدها وأراضيها للقوات الأميركية بشكل أذهل الساسة الأميركيين أنفسهم، كما أن موسكو لعبت أيضاً بذكاء ورقة تحالف الشمالي من خلال تزويد قواته بالسلاح والعتاد والذخيرة والتموين، الأمر الذي مكنها من تسجيل الناجحات التي شاهدتها الساحة الأفغانية مؤخراً حرب أفغانستان لم تنته بعد، وهناك من يقول: إنها لم تبدأ بعد، فالحرب الحقيقية هي التي تدور في الخفاء، حرب النفوذ بين القوى الكبر لاقتسام الكعكة التي خالفتها هزيمة طالبان.

توفيق طه: ولبحث بعض زوايا المأساة الأفغانية عبر الهاتف إلى الدكتور الطيب زين العابدين في إسلام أباد وسألته أولاً عن القوة التي تحاول اقتسام السلطة والنفوذ في أفغانستان في نضم هذه الحرب.

د. الطيب زين العابدين: يمكن أن نقول بصورة عامة أن الوفود الأربعة الموجودة الآن في اجتماع بون وهي تحالف الشمال الذي يمثل الجبهة الإسلامية وحلفائها من الأوزبك والطاجيك، وبعض الباشتون بالإضافة إلى مجموعة قبرص التي تمثل الهزارا وهؤلاء شيعة تسندهم إيران، ثم هناك الملك ظاهر شاه، ويعتبر بصورة عامة يمثل قاعدة واسعة وسط الباشتون، وهناك المجموعة التي جاءت من بيشاور، وهي تمثل البشتون وبالتحديد الذين تسندهم باكستان، فهذه المجموعات الأربعة هي تقريباً التي ستقتسم السلطة فيما بينها في أفغانستان.

توفيق طه: نعم، هذه هي الأطراف الداخلية لكن الأطراف الخارجية التي تحاول يعني اقتسام النفوذ في أفغانستان، ما هي؟

د. الطيب زين العابدين: نستطيع أن نقول دول الجوار المعروفة، باكستان بها يعني تاريخ طويل في العلاقة في أفغانستان، وفي الحكومات هناك ثم إيران، والآن دخلت روسيا، بل روسيا يعني- جاء في الأخبار أنها بدأت ترسل جنود، دون أن تسـتأذن من أميركا أو تستأذن من الدول الأخرى، فيعني دخلت روسيا وبعض دول الجمهوريات الوسطى مثل أوزبكستان وطاجيكستان وتركمستان والهند التي كانت تسند تحالف الشمال لمدة طويلة، عندما كانت المعارضة..

توفيق طه: وماذا عن الولايات المتحدة؟

د. الطيب زين العابدين: طبعاً الولايات المتحدة هي المحرك لكل هذا التحالف الدولي لكن في تقديري أن اهتمام الولايات المتحدة سيضعف جداً بعد القضاء على حركة طالبان، وبعد أن تقبض أو تقتل قادة القاعدة.

توفيق طه: لكن، يعني ألا يهم الولايات المتحدة النفط الموجود في المنطقة؟

د. الطيب زين العابدين: يهمها، لكن أظن النفط بالنسبة لها يمكن أن يكون لها وجود في الدول النفطية نفسها، اللي هي أوزبكستان وكازاجستان وطاجيكستان، هذه الدول الآن بها قواعد تتحرك منها لقوات الأميركية، فهذا آمن لها من أن تتواجد داخل أفغانستان.

توفيق طه: طيب، بالنسبة لروسيا، يعني هناك الكثير من المراقبين الذين استغربوا الدعم الروسي لوجود قوات أميركية على أبوابها مسلحة بأحدث الأسلحة ودعمها لهذا التدخل الأميركي، كيف تفسر ذلك؟

د. الطيب زين العابدين: هو طبعاً من الصعب الوقوف في وجه أميركا، وفي هذا الوقت الحاضر الذي يعني أميركا تتحرك فيه بغضب شديد وبعنف، أحياناً تتجاوز فيه بعض القوانين، فليس من مصلحة روسيا، وهي دولة ضعيفة اقتصادياً، وتعتمد على ديون كبيرة من البنك الدولي، ومن صندوق النقد الدولي أن تقف في وجه أميركا.

توفيق طه: نعم، دكتور يعني الملاحظ أيضاً هذا التقارب المفاجئ بين إيران وباكستان يعني، ما هي مبررات هذا التقارب في الشأن الأفغاني؟

د. الطيب زين العابدين: والله أنا أظن أصلاً.. سبب الخلاف كان مساندة باكستان السابقة لحركة طالبان، الآن باكستان انقلبت تماماً على تلك الحركة، فزال أهم سبب للخلاف بينهما ولكن مازال هناك قدر من الخلاف يعني باكستان مثلاً تؤيد وجود قوة دولية كبيرة لحفظ السلام في أفغانستان، بينما إيران تعترض على هذا، ولكن الاتفاق الآن على حكومة أفغانية عريضة، والاتفاق أيضاً على إعمار أفغانستان فيما بعد، فإن اعتبره اتفاق، ولكن ليس اتفاقاً كاملاً تماماً.

توفيق طه: تحدثت عن حكومة عريضة، وهذا ما يسعى المجتمع الدولي وربما الولايات المتحدة قبل الجميع إلى فرضه على.. على التحالف الشمالي، ما مدى جدية التحالف في قبوله بهذا.. بهذا التشكيل؟

د. الطيب زين العابدين: التحالف الشمالي كان يأمل طالما عنده القوة العسكرية التي.. هي التي هزمت حركة طالبان أن يكون له القدح المعلى في تكوين الحكومة الجديدة برئاسة رباني خاصة وأن رباني كان هو رئيس أفغانستان، قبل استيلاء طالبان على كابول، ولكن الآن هذا التدخل أضعف من تمثيل التحالف الشمالي، فهو سيقبل على مضض، المعادلة الدولية هذه في شكل الحكومة وفي شكل المجلس، لكن أظن قي مستقبل قريب، هو سيحاول أن يستفيد من وجود العسكري ليقوى نفوذه بالفعل داخل أفغانستان، حتى ولو قبل بهذه الحكومة الآن، اللي هناك ضغط دولي لتكوينها في بون.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: هل سيحقق الجنرال السابق ما عجز عنه الدبلوماسيون المحترفون، زيني ما بين تل أبيب وغزة.

اجتماع الوفود الأفغانية في بون

الدرس الأول الذي فهمته الوفود الأفغانية في بون هو أن الدعم لن يأتي إلى بلادهم من دون تشكيل حكومة في كابول تمثل جميع العرقيات والقوى الأفغانية، وأن وجود القوات الدولية ضروري لضمان استقرار البلاد، ورغم الخلافات المتوقعة حول توزيع الحقائب الوزارية حسب الثقل القبلي، إلا أن الأوهام التي أتى بها البعض قد تبددت، فالتحالف الشمالي على وجه الخصوص كان يعتقد أن لا أحد يستطيع إملاء الشروط عليه بعد انتصاراته على حركة طالبان، ويبدوا أن الدول المانحة ذكرت الفصائل بالدور الرئيس الذي لعبته الولايات المتحدة في تلك الانتصارات.

وفود الفصائل الأفغانية في مؤتمر بون
تقرير/ حسن إبراهيم: رغم الوعود الوردية فإن الوفود الأفغانية التي ذهبت إلى بون تعلم أنه من المبكر بعد الحديث عن مشروع مارشال أميركي أوروبي ياباني لأفغانستان فالدول المانحة وعلى رأسها الولايات المتحدة تريد حكومة مستقرة تمثل معظم الفصائل الأفغانية، ويريدون ضمانات لعدم استمرار الحرب الأهلية الأفغانية، ويبدو أن الضغوط التي مورست على الأفغان كبيرة، ففي البداية كان ممثلوا التحالف الشمالي يصرون على رفض تواجد قوات دولية لحفظ السلام في أفغانستان، لكنهم عادوا وقبلوا وكانوا يتصرفون في البداية بمنطق المنتصر الذي يقبل بأن تملي عليه شروط من الخارج، لكنهم تراجعوا، ففي الأمس القريب قبل دخول الولايات المتحدة طرفاً في الصراع الدائر في أفغانستان كان التحالف الشمالي لا يسيطر إلا على جزء يسير من الأراضي الأفغانية، لكن يبدوا أن العصا لم تكن الحافز الأول، بقدر ما كانت الجذرة، فمليارات الدولارات التي وعدت الولايات المتحدة بإنفاقها على إعادة تغيير أفغانستان جعلت الكل يتسابق في خطب ود الدولة الكبرى، وأفغانستان في حاجة إلى برنامجي إغاثة وتنمية عاجلين وشاملين، فالبنية التحتية لا وجود لها، والدمار الشامل الذي لحق بكل جزء من أفغانستان يجعل إعادة الأعمار صعبة للغاية، أما في مجال القوى البشرية فالمهمة تبدو شبه مستحيلة، فمن يقوم بإعادة بناء أفغانستان عليه إعادة ثلاثة ملايين

لاجئ أفغاني في باكستان وما يزيد عن النصف مليون لاجئ في إيران ويجد لهم المأوى والمأكل والعلاج والخدمات الأساسية حتى يتمكنوا من إعادة أنفسهم وتبقى إزالة الألغام التي يزيد عددها على 10 ملايين لغم من أراضي أفغانستان تحديداً ضخماً سيستغرق سنوات عديدة، هذا إن توفرت الأدوات الحديثة لذلك، والفرق المدرية، ثم إن تشكيل حكومة في أفغانستان تجمع الفصائل والقوميات والأعراق كلها يجب أن يضع في عين الاعتبار مصالح ومخاوف حتى أطماع الدول المجاورة، باكستان ترفض أي حكومة لا يكون للبشتون فيها تمثيل كبير، وتخشى من قيام نظام معادي في كابول، أما إيران فهي تخشى أن يحرم الهزار االشيعة من حصتهم في السلطة، وتخشى من أن يؤدي النفوذ الأميركي الطاغي في أفغانستان إلى أن تصبح الأخيرة شوكة في خاصرتها، وهذا مهم للغاية للاستفادة منه عندما يبدأ النزاع الإيراني مع دول أسيا الصغرى حول نفط وغاز بحر قزوين، وهو ما تضعه الولايات المتحدة نصب عينيها، بل أن بعض المحللين يعتقدون أن الحصول على حقوق التنقيب عن النفط والغاز في بحر قزوين كان السبب الرئيسي وراء الحملة الأميركية على أفغانستان، لكل هذه العوامل المتداخلة فإن مؤتمر بون لن ينجح إلا في أن يحدد الإطر العامة لمستقبل أفغانستان المجهول.

مهمة الجنرال زيني في فلسطين

توفيق طه: يبدو أن الجنرال السابق أنتوني زيني سيحتاج إلى خبرته كمحصل ديون للمفايا مثلما حاجته إلى خبرته وانضباطه كرئيس سابق لهيئة أركان الجيش الأميركي، فالتعامل مع ملف شائك كالملف الفلسطيني الإسرائيلي يحتاج إلى درجة عالية من القوة وضبط النفس والكثير من الصبر، فإسرائيل تصر على استفزاز الشعب الفلسطيني باجتياحاتها المتكرر للأراضي الفلسطينية وتقتيلها للأبرياء، واغتيالها للناشطين السياسيين، وبالطبع يحاول الفلسطينيون الدفاع عن أنفسهم وهو ما تعتبره إسرائيل إرهاباً، وتبقى عملية السلام أسيرة لاستفزازات شارون وإصراره بعد ذلك على أسبوع كامل من الهدوء.

عرفات يصافح أنتوني زيني
تقرير/ سيد خضر: قد يكون الجنرال زيني محقاً عندما يقول: إن هناك من يريد إفشال مهمته في الشرق الأوسط، لكنه أخطأ حين أشار بأصابع الاتهام إلى بعض التنظيمات الفلسطينية التي تنفذ عمليات فدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي ، وقد يقول قائل: إن الزيني رجل عسكري تنقصه المهارة السياسية والدبلوماسية بالتعامل مع واحد من أصعب الملفات في العالم وأكثرها سخوناً وحساسية، وإن مهمته تقنية بحتة تقضي بإقناع الطرفين بالتواصل إلى وقف لإطلاق النار بأسرع وقت ممكن، لكن مثل هذا التحليل تنقصه الدقة، فهذا الجنرال يعتبر من الخبراء في شؤون الشرق الأوسط وخاصة في كل ما يتعلق بالمسائل الأمنية وقد تقلد مناصب أمنية رفيعة في الجيش الأميركي وتعامل مع معظم قيادات الشرق الأوسط، ولكن ومثل كثيرين ممن سبقوه وقع هذا الجنرال المحترف في فخ الحساسية الأميركية المفرطة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع إسرائيل، فبعد عملية الخضيرة انبري الجنرال زيني لانتقاد الجانب الفلسطيني دون الإشارة إلى الجانب إسرائيلي ومسؤوليته المباشرة عن استمرار العنف وكأنه كان يحاول بذلك تهدأة روع الإسرائيليين الذين رأوا في تعيينه محاولة جديدة من قبل الإدارة الأميركية لضغط عليهم، وربما لهذا السبب ورغم عملية الخضيرة قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي المضي قدماً في زيارته إلى الولايات المتحدة وكأن أرئيل شارون اتخذ قراراً بتحاشي ضغوط زيني من خلال ممارسة ضغوط مباشرة على رؤساء زيني في واشنطن، مهمة شارون في الولايات المتحدة ستمنحه الفرصة لتكرار مواقفه السابقة تجاه السلطة الفلسطينية التي يعتبرها منظمة إرهابية، لكنه بالتأكيد لن يجد آذاناً صاغية في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية، فهذه السلطة الفلسطينية هي أيضاً نتاج لجهود أميركية متواصلة في إرساء الاستقرار والأمن في المنطقة، والمساس بها يعني مساساً بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط وتهديداً لتماسك التحالف الدولي الهش الذي وضعت واشنطن لبناته لشن حربها ضد طالبان وتنظيم القاعدة، وآخر ما يريده جورج بوش هو رؤية شارون المتصلب العنيد يطلق رصاصة الرحمة على هذا التحالف، واشنطن تعرف تماماً أن السلام ليس من بين أهداف شارون وحكومته، وتعرف أيضاً أن الاحتلال الإسرائيلي يشكل العقبة الرئيسية أمام أي تقدم في العملية السلمية، وهي تعي جيداً حقيقة أن أيديها مكبلة بسلاسل الكونجرس وجماعات الضغط اليهودية، لذا فإنها تكتفي بالمناورة، ومن أفضل من يناور سوى جنرال أمضى حياته يمارس المناورات عسكرية كانت أو سياسية.

تهديد أميركا للعراق

توفيق طه: وأخيراً نأتي إلى العراق، حيث لوحت الولايات المتحدة بأنها ستوجه ضربة إلى العراق في حال رفضه السماح للمفتشين الدوليين بالعودة إلى أراضيهم، لكن العراق أعلن تماسكه بموقفه والذي تبلور كرد فعل على عملية ثعلب الصحراء عام 98، وكادت الأمور تسير في طريق التصعيد، لكن تعقيدات المشهد الدولي كبحت جماح الولايات المتحدة الأميركية خاصة في ظل العلاقات المتينة بين العراق وروسيا، والمصالح الاستراتيجية التي تربط البلدين، ورغم أن مجلس الأمن الدولي جدد اتفاقية النفط مقابل الغذاء كما هي إلا أن النقاش عاد في أروقة المجلس حول العقوبات الذكية التي تعتقد الولايات المتحدة أنها الكفيلة بكبح جماح العراق.

القوات الأميركية في الكويت
قبيل الانتشار لإجراء تدريبات عسكرية قرب الحدود العراقية
تقرير/ حسن إبراهيم: لم تتوقف الإدارة الأميركية عن اتهام العراق بتهديد الأمن الإقليمي والدولي رغم الحصار الخانق المضروب عليه منذ غزوة الكويت عام 90 ، بل وحاولت جهات أميركية كثيرة ربط العراق بأحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول وبرسائل الجمرة الخبيثة، ورغم غياب الأدلة، فإن الولايات المتحدة التي يبدو أنها في غمرة نشوتها بانتقامها السريع والكاسح في أفغانستان تصر على ربط العراق بالإرهاب، لكن لم تجري الرياح الرأي العام الدولي كما تشتهي سفن الإدارة الأميركية، فبعد أن هددت الولايات المتحدة بضرب العراق إن لم يسمح بعودة المفتشين الدوليين لتأكيد من خلوه من أسلحة الدمار الشامل، وبعد أن حذر الرئيس الأميركي جورج بوش الرئيس العراقي من مغبة عصيان الأوامر الأميركية يبدو أن الحسابات الإقليمية والخوف من تفكك التحالف الدولي ضد ما يسمى بالإرهاب جعلها تحجم عن العمل العسكري في هذه المرحلة، واختارت الولايات المتحدة التعامل مع الشأن العراقي عبر القنوات الدبلوماسية ومن هنا أتى التمديد، ستة أشهر لبرنامج النفط مقابل الغذاء، وبالطبع اقتضى الأمر المساومة مع روسيا التي أعلنت منذ بداية التهديدات الأميركية للعراق بأنها ترفض الضربة، فلروسيا مصالحها الاستراتيجية مع العراق سواء من ناحية الاستثمار في قطاعه النفطي والتي تأمل روسيا في الاستحواذ على نسبة كبيرة منها، وكذلك في مشاريع إعادة تعميره بعد انتهاء العقوبات، ومن ناحية أخرى يبقى العراق بوابة روسيا إلى الشرق الأوسط فتسليح الجيش العراقي روسي وتدريبه روسي وكانت هزيمته عام 91 على يد التحالف الدولي هزيمة لروسيا في أواخر أيام الاتحاد السوفيتي، سوريا وإيران ترفضان ضرب العراق، فالمصوغ لضربه سيفتح الباب أمام ضرب حزب الله اللبناني بعد أن وضعته الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية، وبالطبع هللت تركيا وإسرائيل لضرب العراق، إلا أن هناك دولاً لها عداء عميق معه مثل السعودية والكويت لم تتحمس لاحتمال الضربة، خاصة في هذه الأيام التي تتصاعد فيها موجة العداء لإسرائيل والغرب في ظل الهجمة على أفغانستان، ويبدوا أن كثيراً من الدول في المنطقة ترفض ضرب العراق ربما خوفاً من أن يأتي دورها في دائرة الانتقام الأميركية.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدين الكرام إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضارتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود إن شاء الله في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة