توزيع الثروة في السودان   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

حسن جمول

ضيوف الحلقة:

ياسر عرمان: الناطق باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان
مطرف صديق: عضو الوفد المفاوض الحكومي-نيفاشا
عبد الوهاب الأفندي: باحث متخصص في القضايا السودانية

تاريخ الحلقة:

24/12/2003

- ملامح الاتفاق حول تقاسم الثروة في السودان
- أسباب تقسيم الثروة في السودان

- ملامح دولة السلام السودانية القادمة

- تقييم اتفاق تقاسم السلطة في السودان

حسن جمول: سيداتي وسادتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم إلى الحلقة الثانية في برنامج (المشهد السوداني).

وقبل أن نطل على مشهدنا نود أن نلفت عناية السادة المشاهدين إلى أن سلطات الأمن السودانية أطلقت قبل قليل مراسل (الجزيرة) في الخرطوم إسلام صالح المحتجز منذ أسبوع، لكن مكتب (الجزيرة) هناك ما يزال مغلقاً بقرار أمني، مما حال دون تمكننا من استضافة المشاركين في حلقة البرنامج لهذا الأسبوع من العاصمة السودانية.

ملامح الاتفاق حول تقاسم الثروة في السودان

تأتي هذه الحلقة ويكاد يكون اتفاق الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان على اقتسام الثروة والموارد يكاد أن يصبح حقيقة ماثلة، بعد أن كان واحداً من أشد الموضوعات الخلافية بين الجانبين منذ سنوات، وقد وُلدت ملامح هذا الاتفاق بعد مخاض عسير استمر لعشرات الجولات المضنية، ويمثِّل الاتفاق المرتقب حول اقتسام الثروة والموارد وبروتوكول مشاكوس الموقَّع سابقاً يمثلان أكثر من نصف المشوار باتجاه توقيع الاتفاق النهائي الذي ينهي الحرب الأهلية في السودان، ويقتصر المتبقي على مسألتي اقتسام السلطة ومصير مناطق جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة وأرديل، وهو ما ستدور حوله المفاوضات الآن.

ومعنا من نيفاشا حيث تُعقد مباحثات السلام السودانية ياسر عرمان ( الناطق باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان)، سيد ياسر، ما هي ملامح الاتفاق حول تقاسم الثروة والذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من التوقيع؟

ياسر عرمان: أولاً التهنئة لكل المشاهدين و-بالأخص المسيحيين منهم- بأعياد الميلاد، أما.. أما ملامح اتفاق الثروة، فإن الكثير من قضاياه العالقة والمهمة قد تم حسمها، ولكن تبقت بعض القضايا التي عملت اللجنة على الفراغ منها، ثم أُعطيت لرئيسي وفدي التفاوض الدكتور (جون جارانج) والأستاذ علي عثمان، واليوم عقدا اجتماعين بصدد هذه القضية، ولكن تم تعليق المفاوضات بمناسبة أعياد الميلاد، حتى بعد ظهر يوم الجمعة ستُستأنف، توصَّل الطرفان لحسم قضية توزيع نسب عائدات النفط المنتج في الجنوب، الاتفاق بشكل عام لأول مرة في تاريخ السودان منذ الاستقلال يعطي الأقاليم المنتجة للثروات بعض من ثرواتها، وهذا فيما يخص الجنوب سيساهم في إعادة ما دمرته الحرب وإعادة التعمير، وكذلك سيعطي الحكم اللامركزي، بمعنى لأنه سيوفِّر للأقاليم موارد ليس في الجنوب، إنما هذه الصيغة يمكن أن تؤخذ في المستقبل في كل أقاليم السودان، حتى في مناطق مثل مشروع الجزيرة، قال المنتجون فيها: لا توجد علاقات إنتاج منصفة للمزارعين ممكن أن تحل بديلاً لها علاقات تعطي المنتجين بعض من إنتاجها.

حسن جمول: نعم، طيب سيد ياسر، ألا تعتقد بأن مبدأ تقاسم أو تقسيم الثروة، إنما هو عملياً تقسيم مُقَّنع لوحدة السودان بدل الحديث عن إنماء متوازن مثلاً في هذا البلد الذي قد تضعف ثروته أو قد تقوى ثروته بحسب الظروف؟

ياسر عرمان: ليس صحيحاً يا سيدي، أنت تعلم أن السودان أكبر قطر في إفريقيا ومساحته تبلغ تقريباً حوالي مليون ميل مربع، ولا يمكن أن يُحكم بواسطة سلطة مركزية حتى ولو لم يُطرح موضوع الانفصال، علم الإدارة الحديث، وكذلك التسويات التي تجري في كل العالم تعطي الأقاليم الحق في حكم نفسها والتمتع ببعض ثرواتها وتطوير نفسها، لأن تطوير الجنوب والشرق والغرب والوسط والشمال يعني عملياً تطوير السودان، والمحافظة على وحدة السودان لا تتأتى إلا بأن.. أن نجعل من وحدته وحدة طوعية قائمة على الرضا وعلى توازن المصالح وعلى أن تدير الأقاليم نفسها بنفسها لا أن تُحكم مركزياً في عاصمة لا تستطيع أن تصل إلى كل هذه الأقاليم، وخذ التجربة السويسرية والأميركية، ستجد إن هنالك حكم مركزي فاعل، وهنالك حكم لا مركزي فاعل أيضاً.

حسن جمول: نعم، طيب قلت بأنه اقترب كثيراً موعد.. موعد التوقيع على اتفاق تقاسم الثروة، هل هذا الاتفاق يفتح المجال واسعاً أمام الاتفاق وبسرعة أمام الاتفاق على تقاسم السلطة وعلى تقرير المصير؟

ياسر عرمان: آه، طبعاً تقرير المصير تم الاتفاق عليه، ما تبقى هو ممارسته، أما موضوع السلطة والمناطق الثلاث، فنحن من قبل قلنا إن هذه القضايا شائكة ومعقدة تحتاج إلى صبر، لأن لا نستطيع أن نسرع في قضايا ستؤثر على مستقبل السودان وعلى مستقبل أجياله، يجب أن تحل بطريق صحيح، ونصل لاتفاق قابل للتوقيع.

المهم إن أجواء المفاوضات جيدة وودية، واليوم لأول مرة أصدرنا بيان مشترك بين الطرفين حول تعليق المفاوضات ليوم واحد بمناسبة أعياد الميلاد، نحن متأكدين إننا على وشك الدخول إلى سلام ينهي حرب استمرت هي أطول حرب في إفريقيا لمدة عشرين عاماً، المهم أن.. أن.. أن يعمل كل أبناء السودان بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية والإقليمية أن يعملوا على توحيد السودان على أسس جديدة، وهذا يحتاج أن نعبئ مواردنا بمختلف أشكالها ونعبئ الجهد الرسمي والشعبي في هذه المهمة الصعبة التي سترجع السودان إلى منصة التتويج.

حسن جمول: نعم، ياسر عرمان من نيفاشا شكراً جزيلاً لك.

هذا وقد ظل موضوع الثروة في السودان على مدار الحقب السياسية المختلفة التي شهدتها البلاد ظل موضوعاً مثيراً للجدل، فالسودان على الرغم من كونه بلداً زراعياً غنياً بالأرض والماء والموارد الطبيعية الأخرى، إلا أن ضعف الإمكانات الاقتصادية والظروف السياسية المضطربة لطالما حالت دون ظهور الثروة الحقيقية للسودان إلى حيز الوجود، وكانت المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في جولات سابقة لا تذكر أمر الثروة إلا على هوامش اللقاءات، ولكن الحال تبدِّل بعد ظهور النفط في البلاد ودخوله مباشرة كعنصر أساسي يحدد مصير أي تسوية، ولكن ظهرت أيضاً جوانب أخرى تتعلق ببقية أجزاء السودان، خاصة وأن البترول المكتشَف في السودان ليس كله في الجنوب، ويقول المتفاوضون في نيفاشا: إن إطار اقتسام الثروة الذي لا يحمل الخير للجنوب وحده، بل يمكن أن يكون نموذجاً لكل ولايات السودان.

تقرير/ حامد عبد الرؤوف: مما لا شك فيه أن أي اتفاق يوقف الحرب الأهلية الدائرة في السودان هو مكسب ولو مؤقَّت لأهل السودان، وهو بالضرورة يصب في مصلحة حل قضايا الصراع، ولكنه في ذات الوقت يترك كثيراً من الأسئلة الحائرة أو حتى المخاوف من المستقبل حيث يُنتظر أن يُظهر الاتفاق تطوره على الصعيد التنفيذي.

ومن أهم الممارسات التي سوف تلقي بظلالها على مستقبل العلاقة بين أطراف الصراع في حالة السلم، الممارسات في مجال الثروة التي هي عامل مؤرِّق في حياة الناس عموماً والدول بطبيعة الحال، وهي على هذا النحو من الأهمية تبدو في بعض جوانبها على قدر كبير من الغموض، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بتوزيعها في بلد لم يوصف بها أصلاً، فالسودان معروف في الأوساط الاقتصادية بأنه يمتلك موارد كبيرة، ولكنه لم يُعرف بعد بالثراء، وكانت فكرة المطالبة بتقسيم الثروة على الرغم من أنها ليست جديدة كانت مستغربة في حوار أطراف من بلد لم يُعرف عنه الثراء وبالكاد تكفي عائداته لتسيير بعض الشؤون اليومية لا غير.

إضافة إلى كل ذلك فإن الصراع نفسه استنزف كثيراً من الموارد التي كان من شأنها أن تعمل على تخفيف المعاناة في شمال وجنوب السودان على السواء، ولكن في حالة السلم فقط، فقد دمَّرت الحرب كثيراً من وجوه الحياة في جنوب السودان بشكل مباشر، وأسهمت في تدهور الظروف الاقتصادية في شماله بشكل كبير، ولا يتوقع المرء والحال هذه أن تكون هناك تنمية في المنطقة محل الصراع.

تاريخ هذا التدهور يعود في حقبة ما بعد الاستعمار إلى الحرب الأهلية الأولى التي اشتعلت عام 1955 إثر ما عُرف بتمُّرد (توريت)، وتوقفت مع اتفاقية أديس أبابا عام 72 لتعود من جديد عام 83، هذه السنوات أغلقت الباب أمام كل ما من شأنه أن يُنشِّط حركة الإعمار، ومن بينها البنية الأساسية المطلوبة للتطوير المرتقب.

ومع أن جنوب السودان يعتبر بيئة زراعية متميزة فيها مصادر مياه وفيرة وظروف مناخية مواتية، لكن لم يعرف عنه الإسهام بشكل فاعل في دعم اقتصاد الدولة في المجمل لكونه يعوزه الاستقرار إضافة إلى عدد من العوامل البيئية وتلك المرتبطة بالموروث إلى جانب ضعف القدرات المعرفية والفنية.

وقد تأرجحت عائدات السودان من صادراته من القطاعات التقليدية كافة، مثل صادراته في القطاع الزراعي والحيواني وبعض المعادن والمصنوعات تأرجحت بشكل كبير في حقبة الصراع، بحيث لم يعد يستطيع الاعتماد على الموارد التقليدية في تغطية احتياجاته.

والواقع أنه لم يكن قادراً في يوم أن يغطي تلك الاحتياجات إلا بعض منها عن طريق بعض العائدات المحدودة، وبعض القروض التي أضافت ديوناً واجبة السداد زادت العبء على كاهل الاقتصاد، إلى جانب نفقات الحرب، مضافاً إلى كل ذلك الحصار الاقتصادي الذي فُرِضَ على السودان في السنوات الأخيرة بسبب ما زُعِمَ من دعمه للإرهاب، هذا عدا عن تعطُّل قطاعات عديدة أو تكاد، مثل قطاع السياحة بسبب كل ذلك عن المساهمة في عائدات السودان، ولكن بدت بوادر الأزمة تنفرج قليلاً بعد أن تم اكتشاف النفط في بعض مناطق السودان، ومنها مناطق الجنوب، حيث أصبحت حصة السودان من عائداته الزهيدة تذهب في سداد بعض الديون والوفاء ببعض الالتزامات، ونسبةً للصراع القائم والتطورات السياسية والأوضاع الأمنية في البلاد وخصوصاً في جنوب السودان، إضافة إلى علاقات السودان الدولية، ترتَّب على كل ذلك أن تفقد البلاد أسواقاً كثيرة كانت تلج إليها حتى مع قلة المعروض من إنتاجها والمنافسة غير المتكافئة في تلك الأسواق.

وبالعودة إلى مسألة تقسيم الثروة فإن المراقب يتساءل أولاً عن كُنه الثروة التي يُراد تقسيمها، أهي موجودة بالفعل؟ ثم ما هي ضرورات التقسيم؟ ولماذا لا توظَّف -إن وجدت- للتنمية المتوازنة في البلاد؟

كثير من الدراسات تؤكد أن السودان قطر فيه إمكانات طفرة إنمائية هائلة إذا حدث فيه استقرار سياسي وأمني واقتصادي، وإذا تمكن من استغلال موارده وترشيد عائداته، ووجد المساندة في المجالات التكنولوجية والإدارية، وانفتحت له السوق العالمية، ولكن كل ذلك قدر مخبوء، وفكرة تقسيم الثروة قد تكون تشير إلى توزيع المتاح من العائدات بشكل متوازن، وأن يختص الجنوب منها بحصة مناسبة، تُقدَّر وفق اتفاق، ولكن ضرورات التنمية المتوازنة تقتضي أن تولي الدولة اهتمامها بكل المناطق وخصوصاً ذات الاحتياجات الملِّحة، وهي في السودان غالبية، وإذا لم تتفهم أطراف القضية وهي تمضي نحو الممارسة العملية للاتفاقات أن التعاون في التنمية هو الأولى وليس النظر إلى تقسيم الثروة على أنه جُعل مناسب لكل صاحب حاجة، وأن يذهب كل بحصته فإن ذلك لن يؤدي إلى استقرار حقيقي، وقد يقود إلى صراعات قد تعصف بحلم الاستقرار والنماء الذي يجعل الأطراف تتفق ربما على توفير ثمن القذيفة لبناء مدرسة قد تعين على ازدهار المستقبل.

أسباب تقسيم الثروة في السودان

حسن جمول: ومعي من نيفاشا مطرف صديق (عضو الوفد الحكومي المشارك في مفاوضات نيفاشا)، سيد مطرف، لماذا وهذا يعني سؤال ورد في هذا التقرير، لماذا تُقسَّم الثروة ولا يتم استخدامها في الإنماء المتوازن؟

مطرف صديق: هذا التعبير بالتأكيد في مصدره غير شامل، عندما نتحدث عن تقسيم الثروة، السودان الآن فيه نظام اتحادي رضى بقسمة السلطات على مستويات حكم مختلفة، منها المستوى القومي، ومنها مستوى الإقليم في الجنوب، ومنها مستوى الولايات في السودان، التقسيم يقتضي إعطاء إمكانات لمستويات الحكم المختلفة حتى تستطيع أن تقوم بواجبها كاملاً في أداء مهامها بمختلف الأبعاد.. أبعاد التسيير لدولاب الدولة بمختلف مستوياته، دولاب الخدمات الضرورية للمواطن السوداني أينما كان، ودولاب تنمية وتربية الموارد المتاحة والموجودة على مستوى السودان ككل حتى يتم استغلال أكبر قدر من آليات الوطن والمواطنين في دفع عجلة التنمية للأمام.

حسن جمول: ولكن هذا لا يشجع قوى وأطراف أخرى في مناطق أخرى قد تكون تشعر بالحرمان على أن تحذو حذو الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتأخذ حصة من هذه الثروة بعد.. بعد معارك أو حروب تخوضها في مناطقها؟

مطرف صديق: حتى نتفادى هذا الفهم، وهذا الزعم نحن نتحدث عن قسمة عادلة للثروة والسلطة لكل أنحاء السودان لا نتحدث عن الجنوب فقط، الجنوب الآن نموذج، سيحتذى هذا النموذج، ويطبَّق في أنحاء مختلفة من.. من.. من السودان، لكن الجنوب حالة خاصة باعتبار إنه عانى من الحرب لفترات طويلة جداً، عشية الاستقلال الجنوب كان يشهد عدم استقرار وحرب لأن الحرب بدأت –كما تعلم- سنة 55، فترات الاستقرار التي شهدناها في الجنوب فترات بسيطة جداً لا تقارن بالاستقرار الذي شهدته أنحاء السودان المختلفة

حسن جمول: هل..

مطرف صديق: وبالتالي الجنوب له خصوصية معيَّنة تقتضي أن يُعطى مزيد من الموارد حتى يُعاد البناء والإعمار ويرتفع لمستوى أنحاء السودان المختلفة.

حسن جمول: نعم، طب هل من ضمانات متوافرة لديكم بأن باقي الأطراف ستقبل بهذه القسمة التي اتفقتم عليها في نيفاشا؟

مطرف صديق: لا أستطيع بالتأكيد أن أقول أن هنالك ضمانات، لكن الضمانة الوحيدة نحن الآن نتحدث عن السودان ككل، عندما نتحدث عن التنمية المتوازنة ونتحدث عن قسمة السلطة والثروة لا.. لا نتحدث عن مستوى الشمال والجنوب، إنما نتحدث عن مستويات حكم مختلفة، المستوى القومي والمستوى الإقليمي في الجنوب ومستوى الولايات في السودان ككل شمالاً وجنوباً، فهذه كل المستويات يشملها.. تشملها (..) قسمة السلطة والثروة

حسن جمول: مطرف صديق من نيفاشا شكراً جزيلاً لك.

[فاصل إعلاني]

ملامح دولة السلام السودانية القادمة

حسن جمول: أهلاً بكم.

مع استمرار إيقاع السلام القادم في السودان وإرهاصات قرب الوصول إلى تسوية سياسية، تزداد الأسئلة المطروحة والمتعلقة بشكل دولة السلام القادمة في السودان، وما هي ملامحها؟

وكيف يتحدد اشتراك القوى السياسية المختلفة في هذه الدولة؟

وعند الحديث بكل هذه المعطيات عن اشتراك القوى السياسية السودانية المختلفة في دولة السلام القادمة، تبرز كل علامات الاستفهام المتعلقة باقتسام السلطة، أحد موضوعات الخلاف والحوار الرئيسية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان.

تقرير/ محمد الكبير الكتبي: بدأ الحديث يتكثف عن اقتسام السلطة بين كل أبناء السودان من ناحية، وتداولها من ناحية ثانية في عهد الحكومة الشمولية التي أنشأها نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري في السودان، خاصةً وأنها ورثت حرباً أهلية ضروساً في جنوب السودان كان لابد لها من التعامل مع معطياتها المختلفة، خاصة وأنها طرحت برامج سياسية واقتصادية واجتماعية طموحة لكل السودان، نجحت حكومة (مايو) بعد مفاوضات مكثَّفة مع متمردي حركة (الأنانيا) وبرعاية الإمبراطور الإثيوبي (هيلا سيلاسي) في توقيع اتفاقية (أديس أبابا) الشهيرة التي أنهت عقدين من الحرب الأهلية، وقامت تلك الاتفاقية التي وُقِّعت عام 72 على مبدأ اقتسام السلطة بين أبناء الشمال والجنوب في سودان واحد، مع تمكين الجنوبيين من حكم أنفسهم بأنفسهم، ويُعتقد على نطاق واسع أن تمرُّد الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي برز عام 1983، نشأ لأن حكومة جعفر نميري تنكرت لمبادئ اتفاقية أديس أبابا، ونكصت بالتزاماتها المتعلقة باقتسام السلطة مع الجنوبيين، حينما قسمت الجنوب إلى أقاليم وعيَّنت حكاماً موالين للاتحاد الاشتراكي، بعد أن ضمنت ولاء متمردي أنانيا وكسبتهم إلى صفها، ومنذ ذلك الحين دارت الحرب كأعنف ما تكون في جنوب السودان، وانتقلت إلى الشرق وبعض مناطق النيل الأزرق، وكان القاسم المشترك هو البحث عن التنمية المتوازنة والقسمة العادلة للسلطة والثروة، وفي هذا السياق تمت جولات مختلفة من المباحثات بين الحكومات السودانية المتعاقبة، والحركة الشعبية لتحرير السودان، اختلفت كل الأحزاب السياسية السودانية والكيانات المعارضة الأخرى مع حكومة الإنقاذ الوطني التي يتزعمها الفريق عمر حسن أحمد البشير منذ الثلاثين من يونيو عام 89، ومن هذه الكيانات –بالطبع- الحركة الشعبية لتحرير السودان، الطرف الثاني في الحرب الأهلية في السودان.

دب الخلاف ببساطة لأن الإنقاذ الوطني انتزعت السلطة في انقلاب عسكري، وكرَّستها في أيدي أفراد هم أهل الإنقاذ الوطني من القوات المسلحة أولاً، ثم انتقلت السلطة منهم لاحقاً لحزب واحد دون سائر الأحزاب والكيانات هو الذي يمثِّل الحركة الإسلامية في السودان.

واجهت الإنقاذ الوطني الحرب الأهلية في جنوب السودان بحشد جموع المقاتلين، حتى من خارج صفوف القوات المسلَّحة السودانية، ومع ازدياد ضراوة الحرب تكثَّفت المساعي لاحتوائها، وعُقدت العديد من جولات المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية تمخضت –أخيراً- عن ملامح الاتفاق الذي تُنسج خيوطه حالياً في نيفاشا بكينيا.

كان موضوع اقتسام السلطة من أبرز الموضوعات الخلافية، والتي استغرقت من المتفاوضين وقتاً طويلاً، ولكن ما يجري في نيفاشا تم بمعزل عن كل القوى السياسية المؤثرة في السودان، والشريكة –بالضرورة- في اقتسام وتداول السلطة في أي زمان، وعلى الرغم من أن طرفي مباحثات نيفاشا أعلنا في مناسبات مختلفة حرصهما على اشتراك كل الكيانات السياسية المعارضة في المرحلة القادمة، إلا أنه لا أحد يعرف حتى الآن كيفية هذه المشاركة وعلى أي أسس تتم.

حزب المؤتمر الشعبي الذي انشق عن الإنقاذ الوطني، والذي يعتبر زعيمه حسن الترابي، عراب ثورة الإنقاذ الوطني والمخطِّط لقيامها عام 89، يؤيِّد –بلا تحفُّظ- جهود السلام الحالية، ولكنه كرَّر الحديث في الكثير من المنابر بضرورة الاستفادة من تجارب الماضي، وعدم تكريس الاتفاق فقط لدى الطرفين.

ومن الأحزاب الكبرى التي غابت رؤيتها عن ملاح المرحلة الجديدة حزب الأمة الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، صحيح أن الحزب أيَّد جهود السلام، ولكن غموضاً كبيراً يكتنف شكل انتسابه إلى المرحلة القادمة، وإن كان الرئيس السوداني بدأ مهتماً جداً بدعم انتساب حزب الأمة لركب السلام، على الرغم من أن البشير هو الذي أطاح بالحزب وحكومته الائتلافية عام 89، إلا أنه عاد الآن وبعد كل هذه السنوات، والتقى برئيس الحزب الصادق المهدي، وشدَّد على دور حزب الأمة في المرحلة القادمة.

الفريق/ عمر البشير (الرئيس السوداني): نحن مقبلين على مرحلة جديدة إن شاء الله، فيها توحيد للصف الوطني، لتحقيق السلام وتحقيق الوفاق الكامل والشامل إن شاء الله، ونحن تحدثنا مع.. مع الأخ الصادق الآن، وتباحثنا حول المرحلة الراهنة والمستقبلية إن شاء الله، فالآن اتفقنا أنه فعلاً كل الجهود المبذولة الآن لتوحيد الصف الوطني، يجب أنها تستمر حتى الناس يتواضعوا على ممارسة سياسية تُخرج السودان –إن شاء الله- من الأزمات السياسية اللي عاش فيها الفترة السابقة.

محمد الكبير الكتبي: وكذا الحال بالنسبة للتجمُّع الوطني الديمقراطي الذي ظل يحارب الحكومة من الخارج، ويعتبر أي اتفاق بينها والحركة الشعبية اتفاقاً مغلقاً يحتكر الأمر بينهما، فالموقف بالنسبة له لا يزال غامضاً، خاصة وأنه يضم في مظلته أحزاباً وكيانات سياسية كثيرة لكل منها وجهة نظره، وقياساً على ذلك يبدو المستقبل القريب في تاريخ السودان السياسي –برأي كثيرين- غير واضح المعالم، ويستدعي الترقُّب والحذر، وقد يتحول اتفاق الحكومة والحركة الشعبية على اقتسام السلطة اختلافًا عليها مع الأحزاب والكيانات السياسية الأخرى المؤثرة في السودان، فالسلام لن يتحقق بسكوت صوت البندقية في الجنوب فقط، إنما بتأييد كل القوى السياسية له قولاً وفعلاً.

تقييم اتفاق تقاسم السلطة في السودان

حسن جمول: ومعي من لندن عبد الوهاب الأفندي (الباحث المتخصص بالقضايا السودانية)، سيد عبد الوهاب، كيف يمكن ترجمة تقاسم السلطة؟ على أي أساس ووفق وأي معايير يتم ذلك؟

عبد الوهاب الأفندي: هو طبعاً الحديث عن تقاسم السلطة نفسه، يعني فيه خطأ، لأنه السلطة صعب تقاسمها، ليست مثل الثروة يعني تقاسم الثروة أمر مقبول ويمكن الحديث عنه، ولو أنه أيضاً يعبر عن.. عن مشكلة هوية ومشكلة تمايز هويات في هذه القضية، وأحياناً قد يستر خلافات أخرى، لكن الحديث يجب أن يكون عن شكل السلطة التي يجب أن تكون في حد ذاتها، يعني منفصلة عن الأطراف التي تريد أن تشارك فيها الآن، هناك بالطبع مرحلة انتقالية، يجب أن يكون، ويحتمل أن يكون شكل السلطة فيها هو ائتلافي بين الحكومة والحركة الشعبية، وهناك اتفاق أيضاً على إشراك القوى الأخرى، تبقى المشكلة هو ما هو البرنامج الذي سيتفق عليه هؤلاء؟

المشكلة الأخرى ستأتي إذا كان الاتفاق أيضاً على أن يكون شكل الحكم ديمقراطي، فأن يكون تداول السلطة يكون فيها انتخابات يحتاج الأمر إلى ضمانات أن تداول السلطة مثلاً إذا جاءت انتخابات وسقط فيها الائتلاف الحكومي و.. والائتلاف بين الجيش الشعبي، ألا يؤدي ذلك إلى إشكال آخر.

حسن جمول: نعم، دكتور عبد الوهاب الأفندي من لندن، شكراً جزيلاً لك.

وبهذا مشاهدينا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من (المشهد السوداني)، إلى أن نلتقي في الحلقة المقبلة، هذه تحية وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة