ملف التسلح العربي.. تجارة السلاح والفساد ج5   
الثلاثاء 14/11/1427 هـ - الموافق 5/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:09 (مكة المكرمة)، 10:09 (غرينتش)

- صفقات التسلح ووثائق الفساد
- صفقات الأسلحة بين العمولات والرشى

- تجارة السلاح وتفشي الفساد

إن لنا أن نصر على أن الفكر البشري ضعيف إذا ما قيس بالغرائز البشرية ومع ذلك فإن لهذا الضعف ميزة خاصة هي أن صوت الفكر خافت ولكنه لا يفتأ يتحدث حتى يسيطر على الآذان.

سيجموند فرويد

مستقبل التوهم

[تعليق صوتي]

بعد أن استقرّت العديد من الأنظمة في المنطقة واستراحة على مقاعد الحكم حتى التصقت بل وتماهت معها صار الحصول على السلاح محل سؤال حول الهدف، هل هو للدفاع عن سيادة الأمة أم وسيلة لمآرب أخرى تتعدد باختلاف دوافع وأهداف رجالات الحكم؟ فبعد كل هذا الركب داخل الأروقة المعتمة المكدسة بأوراقها الصفراء وما تنطق به من حقيقة مخيفة ومرعبة نصل إلى نقطة النهاية لهذا الملف الذي اضطررنا فيه إلى تناول بعض مما تموج به تلك الرفوف ليخرج من الثنايا ما يُزكِم الأنوف.

ملف العرب والسلاح

[تعليق صوتي]

لا تقتصر مهام فرق البحث على العمل داخل الأرشيفات فحسب وإنما بالتوازي مع تلك المهمة تقوم كذلك بالتفتيش وراء الأخبار أو الادعاءات الصحفية حتى نتمكن من الحكم عليها بالتثبيت أو النفي وهكذا وجدنا في أرشيف الغاردين البريطانية بتاريخ العاشر من سبتمبر عام 1974 خبر يقول أكد رئيس الحكومة أمس أن الأردن لم تفكر يوم في بيع أي نوع من أنواع الأسلحة الجوية أو الدفاعية إلى جنوب إفريقيا أو إلى روديسان وليس لديها النية لفعل ذلك في المستقبل معبّر عن مدى مفاجئته من صدور بعض التقارير الملفقة أحياناً ولقد نتج عن اتهام الأردن بالتورط في صفقة الأسلحة هذه ردود فعل عديدة أهمها زيارة الملك حسين إلى مقر مجلس الوزراء مساء يوم الاثنين قبل ساعات من عودته إلى عمّان، أما رد الفعل الثاني فيكمن في حكومة جنوب إفريقيا التي روّعها تفاوت الأسعار بين المبالغ التي دفعتها وتلك التي حصل عليها الأردن.

الجزء الخامس

تلكَ الرَائحَة

صفقات التسلح ووثائق الفساد

[تعليق صوتي]

عثورنا على أخبار الغاردين حول تورط الأردن في صفقة السلاح البريطاني إلى النظام العنصري في جنوب إفريقيا جاء بالتزامن مع الوصول إلى تقرير كامل حول الموضوع لدى الأرشيف البريطاني حيث دخلت جهات عدة على الخط، فقد أبدى دكتور سيد نوفل من مكتب الجامعة العربية توضيحاته في العشرين من أكتوبر عام 1974 والتي نقلها أحد رجال الخارجية إلى لندن عبر تقريره حيث ينقل عن لسان نوفل؛ موقف المملكة المتحدة يسعى إلى البلبلة حول ادعاءات تسليح الأردن لجنوب إفريقيا وإثباتات وثائق تلك الصفقة محل التساؤل خاصة في وجود شبهة استراتيجية صهيونية في وقت تبدأ فيه القضية الفلسطينية في البروز كما ينبغي على الساحة الدولية. وفي وثيقة أخرى بتاريخ السادس من سبتمبر عام 1974 يرد أنه تم الاعتراض على الصفقة من قِبل الملك حسين إثر محادثة طويلة بينه وبين الرئيس السادات في الحادي والعشرين من يوليو، في الصفقة الأصلية كانت هناك فاتورتان منفصلتان واحدة رسمية أردنية سعرت الطائرات وقطع الغيار بإجمالي قدرة أربعة عشر مليون جنية إسترليني والأخرى إلى الجنوب إفريقيين أي المبلغ الواجب دفعه بإجمالي قدره ثمانية عشر مليون.

غوديث كيبر - معهد دراسات الشرق الأوسط - واشنطن: أعتقد أن أية دولة ستبيع أسلحة إلى دولة تحت حظر من الأمم المتحدة تمارس قرارها السيادي ومن الواضح أن الولايات المتحدة لم تكن سعيدة بذلك ولم يكن بيدها الكثير لتفعله خاصة أن الحظر كان مفروض من الأمم المتحدة مما يمكِّن مجلس الأمن الدولي من اتخاذ أي إجراء ضد الدول التي تخرق هذا الحظر.

"
يعتمد سوق السلاح العالمي على وصول المنتج إلى المستهلك بطريقة غير مباشرة
"
مارك فايثيان
مارك فايثيان - أستاذ دراسات سياسية بجامعة وولفر هامبتون: سوق السلاح العالمي تعتمد على وصول المنتج إلى المستهلك بطريقة غير مباشرة، يعلم الجميع أن هذا ما ينظم السوق وما يفعلونه هو إعطاء شهادة براءة فهم يبيعون الأسلحة دولة مثل الأردن على الرغم من معرفتهم بوجود مَن سيشتريها وأن دور الأردن هو بيعها لدولة ثالثة وهذه هي ضمانتهم وهناك أمثلة بالطبع يُعتبر فيه بيع الأسلحة لطرف ثالث متطابق مع مصالح السياسة الأجنبية للدول التي أعطت الأسلحة إلى دول أخرى ستقوم ببيعها وقد يكون هناك عوائق سياسية تمنعهم من إتمام الصفقة بشكل مباشر.

مايك لويس - منظمة الحملة ضد تجارة الأسلحة البريطانية: أعتقد أنهم لم يكونوا على علم بالجهة التي كانت الأسلحة تُصدَّر إليها في النهاية خصوصاً إذا انتقلت عبر طرق سرية لكن ذلك لا يقلل من ذنبهم أنهم أصدروا في حالات عدة رخص تصدير السلاح إلى دول كانوا يعرفون تمام المعرفة بأنها ترتبط بصلات وثيقة بتجارة الأسلحة غير المشروعة، إذاً المسألة ليست المعرفة بالجهة التي ستذهب إليها الأسلحة بقدر ما هي غض النظر عن الجهة التي يمكن أن تنتهي إليها.

[تعليق صوتي]

يتابع السيد ريتشاردسون في الصفحة الثالثة عشر من التقرير أن أربعة من كبار ضباط الجيش الأردني تقاسموا الغنيمة بما فيهم حكيم الخضرة الذي طلب ألف دولار على كل دبابة يتم بيعها، كما تذكر الوثيقة بأن الموقعين على صفقة الهانتر كانوا منذر وموريس وعبود حسن وعبد الحكيم الخضرة وضابطان آخران، ثمن الصفقة أربعة عشر مليون جنية، توقيع مزور للمثلين الأردنيين مع علم حسن عبود بالطبع على الوثائق المتعلقة بالأسعار والثمن النهائي للصفقة أصبح ثمانية عشر مليون إسترليني بالإضافة إلى عمولة ضخمة وأرباح كبيرة إلى منذر البلبيسي حصل عليها من تحميل السلطات الرسمية جانب من نفقات العملية التي جاءت على النحو التالي؛ يقوم سلاح الجو الملكي الأردني بتفكيك وتغليف ونقل الطائرات والمعدات بدون مقابل بينما يقول البلبيسي بتحميل حكومة جنوب إفريقيا تكاليف عملية النقل برمتها.

مارتن والكر - وكالة يونايتد برس إنترناشونال: تم التفاوض على صفقة بيع الصواريخ وكذلك بعض الدبابات والطائرات الحربية مع النظام الحاكم غير الشرعي والذي كانت بريطانيا وعدة دول أخرى تعارضه تحت ظل نظام العقوبات الذي تعمل وفقه الأمم المتحدة وقد أخبرتني وزيرة الخارجية البريطانية آنذاك وكان اسمها جون ليستر إن الحكومة البريطانية لم تعرف شيء عن وجود تلك الصفقة ولم أصدقها آنذاك ولست أصدقها الآن ويبدو أنه من المستحيل أن يبيع بلد حليف كالأردن أسلحة مشابهة من دون علم البريطانيين وكان أحد المسؤولين الهامين وأحد العملاء الأساسيين في الصفقة ضابط متقاعد في سلاح الجو الملكي ومع أنه توجب عليّ نشر الإنكار الرسمي لتورط الحكومة البريطانية إلا أنني لا أشك البتة في علم بعض عناصر حكومية وكذلك المخابرات البريطانية بما كان يحدث.

[تعليق صوتي]

يأتي تقرير ريتشاردسون في الصفحة الرابعة عشر منه على ذكر تفاصيل دقيقة عن قيمة العمولات التي توزّعت في الصفقة ومقدرها أربعة ملايين جنية على الشكل التالي 60% على الجنرال حسن عبود رئيس أركان سلاح الجو الأردني السابق، 40% للآخرين منذر وموريس وعليهم أن يتكفلوا برشوة الضباط على طول السلسلة، كما يأتي التقرير على ذكر الجنرال شاكر في أكثر من صفحة منه والمقصود به الشريف أو فيما بعد الأمير زيد بن شاكر رئيس أركان الجيش الأردني لعقود طويلة الذي يُعد من الأسرة المالكة ويوضح التقرير أن الشريف زيد بن شاكر لم يكن حاضر في المفاوضات ولكن العقود مُررت إليه قبل التوقيع من قبل الطرفين كما وصف حكيم الخضرة بأنه الشخصية الأهم والأقوى بين كل الضباط الأردنيين لما لديه من معرفة تقنية ولكنه فاسد كما يقول التقرير وقد اشتراه منذر البلبيسي للتأثير على جميع الصفقات وكان من بين الذي زاروا جنوب إفريقيا وتلقى حصته من عمولة صفقة الإحدى وأربعين دبابة مع أربعة من الضباط الآخرين.

نزار عبد القادر - باحث متخصص في شؤون التسلح: جرى الحديث في مناسب معينة بأن الأردن قد باع لجنوب إفريقيا بعض صواريخ أرض جو، أنا أعتقد بأن مثل هذا الاحتمال قد يكون قد ورد لأن الأردن كان يمتلك صواريخ قصيرة المدى بريطانية الصنع مضادة للجويات وعندما استطاع الأردن استيراد صواريخ هوك المتطورة والأميركية الصنع إلى الأردن لم تعد هذه الصواريخ ذات منفعة وعادة الجيش الأردني بالوقع يتخلى عن الأسلحة التي لا يعود بحاجة لها.

[تعليق صوتي]

في النهاية يظهر التفاوت الحاد في ردود الأفعال بين الجانبين بين الكشف أو التعتيم الكامل، في الثاني عشر من سبتمبر عام 1975 واصلت الغاردين نشر أخبار تلك الفضائح حيث نقرأ.. بالرغم من النفي الصادر عن السفير الأردني في لندن تابعت السفارة الأردنية أمس نفيها لحيازة أي معلومات حول صفقة الأسلحة بيد أنها رفضت القيام بأي تعليق على التصريحات الصادرة حول الأشخاص المتورطين في الصفقة كالكولونيل السابق رار فولن الذي صرّح أمس أنه دعي إلى الأردن من قبل تاجر الأسلحة الأردني منذر البلبيسي لكي يتفقد صاروخ تايغر كات البريطاني الصنع وإحدى وأربعين دبابة سريون وأكد أن تلك هي الأسلحة التي سُلِمت إلى جنوب إفريقيا.

مارك فايثيان: كان هناك جدل كبير في بريطانيا حول أخلاقيات بيع الأسلحة إلى جنوب إفريقيا عندما كانت الحكومة محافظة برئاسة إدوارد هيث وكانت تتعاطف مع فكرة بيع الأسلحة جنوب إفريقيا من قبل حكومة العمال السابقة برئاسة هاورد ويلسون وفي تلك الحالة من المعقول أن تكون الأسلحة قد مرّت عبر الأردن إلى جنوب إفريقيا محققة المصالح البريطانية والتي ما كنت تستطيع القيام بهذا مباشرة من لندن.

"
الحكومات الغربية تصرح عادة بأن مبيعاتها من الأسلحة تخضع للسيطرة التامة وتتبع بدقة اتفاقيات الاستعمال النهائي والضوابط المتعلقة بإعادة التصدير لكن الواقع مختلف
"
مايك لويس
مايك لويس: الحكومة الغربية تُصرِّح عادة بأن مبيعاتها من الأسلحة تخضع للسيطرة التامة وتتبع بدقة اتفاقيات الاستعمال النهائي والضوابط المتعلقة بإعادة التصدير لكن الواقع مختلف وما هو واضح أن هذا النظام يتيح المجال لنوع من التبادل بين تجارة السلاح القانونية وغير القانونية وهكذا فإن 90% من تجارة الأسلحة غير المشروعة تبدأ عادة كتجارة قانونية وبالطبع فإن معظم ما يسمى بالمبيعات القانونية للأسلحة تأتي من الدول الغربية الغنية الأعضاء في مجموعة الدول الثمانية، إذاً هذا مثال واضح على إمكان ذهاب التجارة في الاتجاه المعاكس للمصالح الاستراتيجية للغرب وانتهاء هذه الأسلحة في أيدي من لا يجب أن يحصل عليها.

[تعليق صوتي]

أثار اندهاشنا مدى الحرص الألماني في الحديث عن صفقات التسلّح فأرشيف ألمانيا الديمقراطي أحياناً لا يذكر تاريخ الوثيقة مع أن حجم الفساد في الصفقات المذكورة ليده لا يكشف إلا عن نزر قليل ومسائل أصبحت شبه معتادة في جميع الصفقات المعقودة بين الدول الصناعية والفقيرة عموماً وهو ما ينطبق على الوثيقة التي تتناول محادثة مع الوسيط المصري نبوي في الخامس من فبراير عام 1989 حيث تقول إن نبوي يتوقع تحقيق صفقات لدى سلاح الجيش المصري وإنه يعتمد على وسطاء ذوي نفوذ داخل الجيش وفيما يتعلق بمكافآته المالية فإنه يرغب في الإبقاء على الاتفاق المعمول به حتى الآن خمسمائة دولار كراتب شهري وقال نبوي إن له اتصالات مع مؤسسات عسكرية أخرى لبيع أنواع أخرى من الأسلحة.

أوتفريد ناسير: إن طريقة عمل وزارة التجارة الخارجية آن ذاك وجود السيد ألكسندر شاليك أو شركة إيميس التي كانت تعمل في التجارة الخارجية لا تختلف عن طريقة عمل أي مؤسسة رأسمالية تقوم بدافع المكافآت المالية من عمولات وسمسرة على صفقات التصدير وإن كانت النسبة في هذه الحالة 5% فهي لا شيء مقارنة مع ما يُدفع في المنطقة العربية تصل النسب إلى 10 و15%.

جورج جوفي - أستاذ تاريخ وسياسات الشرق الأوسط جامعتي لندن وكمبردج: كانت فكرة دفع العمولات والتي هي على شكل رشوة عالمية تنطبق على شركة أميركية أيضاً وبالتأكيد تنطبق على شركات أوروبية، كانت هناك فضيحة لوكيت في هولندا مثلاً لم يكن الموضوع موضوع الشرق الأوسط فحسب.

[تعليق صوتي]

لا يزال الأرشيف الألماني يمدنا بمعلومات عن أنواع أخرى من العمولات كما يتضح من الوثيقة المحررة في برلين بتاريخ الـ 15 من آب/أغسطس عام 1984 والوجهة من إدارة الجمارك في ألمانيا الديمقراطية إلى السيد إرسينغ دير قسم المراقبة في وزارة التجارة الخارجية حيث يقول أخبرتكم من خلال رسالة بتاريخ الثلاثين من يناير عام 1984 ببعض الملاحظات المسجلة من جانب إدارة الجمارك التي تحققت من أن مواطنين مصريين يشحنون لدى مغادرتهم كميات كبيرة من البضائع التي تتجاوز حدود حاجتهم الشخصية ويتعلق الأمر في الغالب ببضاعة يحظر تصديرها، كما سُجلت بعض الملاحظات المشابهة بشان موظفين عسكريين من جمهورية مصر العربية ومن العراق أقاموا بصفة مؤقتة في ألمانيا الديمقراطية في إطار إبرام عقود تجارية خاصة والوثيقة مصحوبة بوصف مفصل لحجم البضائع ونوعيتها وقيمتها المالية، في وثيقة ألمانية أخرى بتاريخ العشرين من يوليو/تموز عام 1988 موجهة من قسم التمويل إلى السيد هيبتش تقول الوثيقة إنه تم اعتماد وديعة مالية من مستحقات شركة كند لتغطية مصاريف العلاج الطبي لأعضاء الوفد المكون من عضوين قياديين في وزارة الدفاع اليمنية بقية عشرة آلاف مارك ألماني غربي وتقول الرسالة إن أعضاء الوفد طلبوا شراء بعض الأغراض الشخصية ونظراً للمبلغ المتبقي من الوديعة المالية نطلب الموافقة على شراء الهدايا التي يرغب أعضاء الوفد في شرائها. وبخصوص العراق نجد وثيقة حُررت في برلين بتاريخ السادس من تشرين الأول أكتوبر عام 1983 موجهة من السيد فيشر إلى أوليش وهي تقول عن اتفاقية 142 المبرمة مع العراق وتصرح في خاتمتها أنه من الضروري دفع مبلغ مالي بقيمة 2% من إجمالي القيمة إلى وسيط يدعى جالا جافا والمؤسسة لا تتحفظ على توصيه بهذا الشأن.

هنري مارتر: ليسوا وسطاء بالمعنى الدقيق فالصفقة بين المُصنِّع والدولة لا تجري من خلالهم إنما يتم توقيع العقد مباشرة بين الدول والمصنِّع ويكون هؤلاء مشرعين ورجال اقتصاد وتجار يقدمون مشورتهم ويفتحون سُبل لذلك فمن الطبيعي أن يتم دفع التعويضات لذلك فهناك تعويضات للجان تجارية طبيعية وشرعية وبجانب ذلك أنتِ محقة بالقول إن هناك الفساد.

[تعليق صوتي]

يعج الأرشيف البريطاني بنماذج مختلفة ومتنوعة من أشكال وثائق الفساد المرتبط بصفقات التسلح ونتائجه على بلدان المنطقة جميعها من دون أن يستثني منها أحد سواء كان الحكم فيه وراثياً أو جمهورياً أو إسلامياً أو حتى علمانياً ففي وثيقة بريطانية تحمل تاريخ الـ 17 من سبتمبر عام 1973 يرد.. لقد سمعنا من الوسيط اللبناني أن قراراً قد اتخذ بشراء طائرتي هامتر ولكن وزير الدفاع طالب بنسبة من العمولة وهذه المعلومات ترافقت مع تهديدات معتادة بأنه إذا لم تُدفع عمولة فلا مكان لصفقة وهنا تشير الوثيقة إلى أن لندن ترفض إبرام صفقة يمكن أن تُترجم من قبل الحكومة البريطانية على أنها عمل من أجل الأرباح وتقترح الوثيقة بأن يتم إعلام قائد الجيش اللبناني باستعداد لندن لتزويدهم بالطائرات عن طريق اتفاق بين حكومتين ولكن من دون عمولات كما كان دائماً مع صفقات السلاح البريطانية.

مارتن والكر: عادة عندما تطلب حكومة تشتري الأسلحة التعامل مع عميل بدلاً من التعامل المباشر قد يكون السبب مادياً كالفساد مثلاً ولكن عادة عندما يتعلق الأمر بتعامل الحكومات مع بعضها البعض فهي تفضل التعامل المباشر وهناك جانب آخر للأمر وهو أنه في الغرب في بريطانيا وفرنسا وأميركا فإن معظم شركات إنتاج الأسلحة لا تملكها الحكومة ويُفترض أنها مستقلة ويكون هذا الاستقلال محدوداً جداً أحياناً وعادة لا يبيع صانعوا الأسلحة منتجاتهم للدول الأخرى من دون أن تعرف حكوماتهم ما يقومون به.

[تعليق صوتي]

تشير بعض الدلائل إلى احتمال أن يكون للوثيقة البريطانية السابقة علاقة بصفقة الكروتال الشهيرة لما دُفع فيها من عمولات في مطلع السبعينيات وقد يكون وزير الدفاع نفسه المعني بالصفقتين، فضيحة صواريخ كروتال الفرنسية التي قيل فهيا إن سمة عمولة غير قانونية قبضت وقيمتها نحو تسعة ملايين دولار وإن مخالفات عديدة تضمنها العقد ووجهت أصابع الاتهام إلى قائد الجيش آن ذاك العماد إيميل البستاني، ناقش مجلس النواب موضوع الصفقة وأحالها على لجنة التحقيق النيابية خلصت في تقريرها إلى إدانة قائد الجيش السابق.

آلان مينار: إنه لبناني ويتبع القانون اللبناني ولا دخل للفرنسيين بالأمر فلا يمكن لفرنسا أن تتكبد بالإضافة إلى مسؤولياتها كبائع وكمشتري مسؤولية الوسطاء، لقد لجأ الجنرال بستاني إلى دمشق وهو لبناني ومشكلته حدثت مع اللبنانيين وليس مع الفرنسيين.

مايك لويس: في الحقيقة ثمة شيء يستحق الاهتمام في الوثيقة فهي تؤكد أنه لا يوجد مانع قانوني للشركات بريطانية من استخدام موظفين تابعين لحومات أخرى في الوقت الذي يكونون فيه على رأس عملهم ولا يُتصور أن تسمح حكومة غربية لموظف بالسعي للحصول على عقود حكومية في الوقت الذي يكون فيه على رأس عمله مع ذلك هذا شيء تسمح به الحكومات الغربية أو تحميه عندما يكون الهدف هو ترويج مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط.

نزار عبد القادر: كان هناك بالواقع برامج لتمويل صواريخ كروتال واللي بالفعل دُفع قسم من الأموال العربية لثمنها ولكن لم تأتي إلى لبنان في نهاية الأمر لأسباب عديدة رُبطت في ذلك الحين من أجل إلغاء الصفقة بموضوع العمولات والفساد ولكن كان هناك أيضاً أسباب إستراتيجية وسياسية وتتعلق بالواقع بالإستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة المنظمات الفلسطينية التي كانت قد بدأت بالتمركز بكثافة في لبنان، أي أن الطيران الإسرائيلي كان يريد أن تبقى له حرية العمل فوق الأراضي اللبنانية وإن حصول لبنان والظروف السياسية في لبنان وحصول لبنان على صواريخ كروتال يشكل خطر جداً على أي طيران إسرائيلي قد يخترق الأجواء اللبنانية، أنا أعتقد بأن السبب الأساسي هو سبب سياسي وليس سبب العمولات.


[فاصل إعلاني]

صفقات الأسلحة بين العمولات والرشى

[تعليق صوتي]

في إطار جولات البحث المطولة داخل الأرشيف البريطاني جاءت سلسلة طويلة من الوثائق التي وضح محاولة لصنع قصة وهمية حول الفساد في صفقات الأسلحة وقد جاءت بداية ذلك الكشف عبر مذكرة عن اجتماع بعد الغداء في تشيكرز بتاريخ الـ 22 من مايو عام 1977 حضره رئيس الوزراء مع العديد من وزرائه حيث يقول رئيس الوزراء إن المسألة العاجلة هي ما يجب على الحكومة القيام به الآن فقد ذال بعض الضغط حين انكشف تزوير خطاب الديلي ميل لكنه لا يشك في استمرار الضغط في كل من الصحافة والبرلمان وكان رأي السيد هيلي هو ضرورة السماح للورد رايدر باستكمال تحقيقه أولاً ثم يتخذ النائب العام إجرائه الناسب وقد أضاف أن هذه ثاني قضية يتورط فيها رئيس تحرير الديلي ميل في نشر وثيقة مزورة ورأيه الخاص هو أن تلتزم الكومة بنص تصريح السكرتير الرئيسي بتاريخ الـ 18 من مايو عام 1976 وإذا تطلب الأمر إجراء إضافي في تلك الأثناء فقد يجدر برئيس الوزراء أن يستشير حكومة الظل، لا يوجد شك في أن الرشوة تدور على نطاق واسع منذ سنوات في الشرق الأوسط وإفريقيا وفي أن بعض المنظمات المسؤولة أمام الحكومة بما فيها مبيعات الدفاع والصناعات المؤمنة قد تورطت فيها وهو يرى أنه من المهم إشراك المحافظين في أي قرار وقد قام هو بنفسه اليوم بالحديث عن المشكلة مع وزير والمالية السعودي الذي قال إنه يحاول تطبيق قانون في السعودية يُلزم الوكلاء بالتسجيل وقبول معايير معينة.

مارك فايثيان: لم تشعر الحكومة البريطانية بالراحة بل تشعر بالقلق حيال موضوع العمولة فمن ناحية تُصر على أن العمولة هي نفقات تجارية شرعية وأنه لا خطب فيها عندما تقدَّم مقابل خدمة لذلك فإن تقديم العمولات قانوني ولكن المثير للاهتمام أنه عندما يطلب المسؤولون في بريطانيا في وزارة الدفاع مثلا دفعة مالية لعقد صفقة مع أحد البائعين المتنافسين فإنها تُدعى رشوة فهي لا تتعرض لاقتطاع ضريبة عادية ولا يحبذونها لذلك توجد معايير مزدوجة فهي تدعى عمولة عندما تنطبق على الصادرات ورشوة عندما تنطبق على الواردات أو البضائع التي يتم شراؤها.

[تعليق صوتي]

على الجانب الآخر كان الموقف كذلك في أعلى هرم السلطة وعبر الملك فيصل ذاته يقف ضد الفساد على طول الخط وهو ما يكشفه أيضاً الأرشيف البريطاني خلال رسالة السادس والعشرين من أكتوبر عام 1972 التي تقول: قابلت عمر السقّاف في أواخر الصباح وأوضحت له رأيي بأن حكومة جلالتها استجابت بسرعة وبقوة لمفاتحة سعودية تمت قبل أقل من ستة أسابيع وأعقب ذلك حوار يتسم بالتشوش وإن كان لا يعبث عليه وفحواه كما يلي: أبدى الملك عدم رضاه المتزايد عن حالة الدفاع الجوي السعودي حيث أن مخطط لايتينغ الذي يكاد يكون قد فُرض على السعودية في صفقة أنغلو أميركية أثبت إخفاقه الذي ضاعف منه الأداء غير المرضي لشركة إيرورب كما أن شراء طائرات نورثروب الـ (F5) لم يبعث على الرضا أيضا بدوره رغم أن اللوم وقع في هذه الحالة على المنسقين المعهودين وهكذا أمتعض الملك والأمير فهد من جحافل الوسطاء الذين أقحموا أنفسهم في شؤون الدفاع ولم يؤدي هذا إلا إلى صفقات قذرة فعزما على إبرام صفقات نظيفة من نوعية الجاغور التي كانا يشرعان فيها بواسطة حكومة جلالتها.

لوكاس إيفور - ديبلوماسي سابق في المنطقة: قال لنا السعوديون بكل صراحة لدينا العديد من الأعمال وأنتم لديكم العديد من الشركات التي تتنافس على الحصول على عقود لدينا ونحن لسنا مهيؤون لتحديد أياً من هذه الشركات الأصلح لذلك نطلب من حكومة جلالتها أن تختار لنا الأفضل.

[تعليق صوتي]

التحجج بروائح الفساد المتصاعدة اضطر الحكومة البريطانية إلى فتح تحقيقات موسعة حول كل الصفقات المعقودة مع المنطقة والتي تتحدث عنها وثيقة الثاني عشر من يناير عام 1977 التي تقول: كان رأي المجلس في حالة (MTS) هو أن تُعفى من اشتراط القانون الإيراني الإعلان عن أسم الوكيل وتفاصيل ما يدفع إليه لكنني أعرف بوجود اشتراط مماثل في القانون السعودي، لقد حدد المجلس ثلاثة معايير رئيسة على العمولات أن تستوفيها لتجنب شبهة الفساد، يجب أن يكون معدل العمولة معقولا بالنسبة إلى المعايير المعاصرة، لا يجب تسديد أي مبالغ لموظف أو خادم أو وكيل لطرف التعاقد الآخر إلا بعمل الطرفين بالوضع، لا يجب إخفاء المدفوعات في دفاتر الطرف الرئيس وعليه التحلي بأقصى ما يمكن من الحيطة إذا شك أو في الحالة الأسوأ إذا علم أن المدفوعات تُستغل للرشوة. وبتطبيق هذه المعايير على مدفوعات (BAC) ألاحظ أن أسعار العمولات الواردة في الفقرة اثنين أعلاه تفوق بكثير ما تم دفعه بالبيع إلى إيران والكويت، الأوراق الوزارية التي رأيتها لا تفسح عن هوية متلقي الأتعاب ولا تبيّن علم الحكومة السعودية بها من عدمه، بطلب من (BAC) قامت الوزارة بتعديل عقدها بحيث تُضفى السرية على المدفوعات باستثنائها من عملية التحقق من تكاليف العقد النصف سنوية وترتيب ظهورها المنفصل في التقارير وقد قرر المراجعون الذين يفحصون تكاليف (BAC) نيابة عن الوزارة أنهم لا يملكون وسيلة لتحقق من هوية المتلقين وهكذا فإنهم لا يعرفون الغرض الذي يمكن فيما بعد استغلال العمولة فيه، يبدو لي أن موافقة الوزارة على ترتيبات خاصة فيما يتعلق بتوثيق مدفوعات (BAC) إضافة إلى ممارستها الحكم التقديري من حيث مستوى العمولة الذي يمكن السماح به كتكاليف مقبولة يورط الوزارة في تلك الترتيبات ويحتاج إلى الدرس في علاقته بموقف الحكومة البريطانية في ظل مذكرة التفاهم مع الحكومة السعودية.

مايك لويس: العمولات أمر قانوني لكن ما هو واضح من الوثيقة هو أن القواعد التي تضبط عمل الوكلاء قد وضِعت في الحقيقة خصيصاً بحيث لا يكون من الضروري الكشف عن الجانب غير القانوني، أي أنه لا يتعيّن عليهم الكشف عن العملاء ولا أن يذكرا أسماء الذي قبضوا العمولات، إذاً من الطريف أنه كان هناك هذا النوع من إساءة التقدير حول تبرير الحاجة إلى دفع الرشاوى في الشرق الأوسط.

"
تمت صفقات الأسلحة في بريطانيا على مستوى شركات وهذا يعني قيام شركات تحظى بقبول من الحكومة البريطانية بالتقارب من شركات في المنطقة لإقناعها بالدخول في صفقات أسلحة
"
جورج جوفي
جورج جوفي - أستاذ تاريخ وسياسات الشرق الأوسط جامعتي لندن وكمبردج : صفقات الأسلحة كانت إحدى كبرى أولويات مجلس النواب والعموم ليس في السعودية فحسب بل في المنطقة ككل ويعود ذلك جزئياً بالنسبة إلى طبيعتها، تمت تلك الصفقات في بريطانيا على مستوى شركات هذا يعني قيام شركات تحظى بقول من الحكومة البريطانية بالتقارب من شركات في المنطقة لإقناعها بالدخول في صفقات أسلحة مما يتطلب عندئذ دعم الحكومة البريطانية الذي يتم منحه بناء على اعتبارات تجارية واستراتيجية، أحيانا لم يكن الموضوع يتعلق بشركة (BEA) التي تم ذكرها، الشركة طبعا بأخذ حصة الأسد من العقد ولكن كانت هناك شركات مثل لونجلو في شمال أفريقيا وكانت هناك شركات أخرى متورطة.

[تعليق صوتي]

يمدنا الأرشيف البريطاني بوثيقة تُظهر الجانب المشرق من هذه القصة المعقدة إذ تحمل إحدى الوثائق رأي للخارجية البريطانية في الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز آل سعود قائلة: في صيف 1963 أظهرت صحته التحسن لحسن الحظ وهو الآن بفضل نظام غذائي حريص في صحة معقولة وإن كان ضعيفا فأن ذهنه بقي على حدته وهو في غاية الدهاء وأكثر أفراد العائلة المالكة إثارة للإعجاب ويشاع عنه أنه فوق الفساد إنه أساسا رجل يتمتع بذوق بسيط بل يقترب من التقشف. ومرة أخرى نعثر على برقية في تاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر التي يبعث بها السيد موريس رئيس مبيعات الدفاع إلى الخارجية البريطانية حيث يذكر: قابلت كلا من الملك فيصل والأمير سلطان مع السير روان في جدة يوم السابع والعشرين من أكتوبر، قلت للملك فيصل أن السير روان حضر بدعوة من الأمير سلطان ليحاول إثارة اهتمام الحكومة السعودية بشراء دبابات فيكرز وكانت الملك ودودا وتمنى الخير للسير روان وقال إن الشركات التي تتعامل مع الحكومة السعودية يجب أن تتمكن من تغطية تكاليفها وتحقيق ربح معقول لكنه حذّر السير روان من الوكلاء والوسطاء ومحاولاتهم لتحقيق أرباح غير مشروعة فقال السير ليزلي روان إن فيكرز يسرها أن تتعامل مع الحكومة السعودية مباشرة فقال الملك فيصل إنه لا يقصد الوكلاء التجاريين فقط بل الموظفين الحكوميين الذين يزعمون القدرة على التأثير في عملية اتخاذ القرار.

مارك فايثيان: التجار الغربيون الذين أرادوا بيع بضائعهم في الشرق الأوسط لم يفهموا الاقتصاد أو الثقافة المحلية أو طرق التجارة لذلك قاموا بتوظيف وكلاء محليين يستطيعون الوصول إلى متخذي القرار وكان هؤلاء الوكلاء يستخدمون وسطاء قريبين من صانعي القرار وربما من أقربائهم الذين يضمنون أن يكون القرار لصالحهم مقابل دفعة من المال وبالمقابل فقد بحث صانعوا القرار عن متخصصين يستطيعون الوثوق بهم ولهم خبرة بطرق التجارة الغربية ما يمكِّنهم من استخلاص أفضل سعر بأفضل الشروط مقابل عقد صفقة.


تجارة السلاح وتفشي الفساد

[تعليق صوتي]

من ناحية أخرى كان السيد عدنان خاشقجي عنوان بارز لأحد فصول هذه القصة ومن ثم فقد جيء على ذكره في العديد من الوثائق البريطانية مثل تلك الموجّهة إلى وزارة الخارجية البريطانية في الخامس من يوليو عام 1971 والتي تقول: لا أعتقد أن أحد هنا سيختلف مع تقييمك لأنشطة عدنان خاشقجي وأساليبه كما لا يشك أحد في سعيه إلى أن يبيع لنا توجّه بإدارة النظم للصناعات الأنغلو أميركية وأنا أرى أيضا أن سياسته الأساسية هي الاستحواذ على كل الخيول حتى يفوز بصرف النظر عن الحصان الفائز، إن عيشه الأساس يأتي من تمثيله لأهم الشركات الأميركية وعلى الشركات البريطانية المتعاملة معه أن تتذكر هذا، قد لا يكون مدى نفوذه في السعودية واسع كما يزعم لكنني لست واثقا من إمكانية إسقاطه من الحسبان.

شالوم بروم - مركز دراسات النزاعات - واشنطن: يجب التمييز بين ما تقوم به الحكومات من أعمال وما يقوم به رجال الأعمال على صعيد خاص فأنا لست واثقاً من أن ما كان يقوم به خاشقجي من أعمال خاصة كان يلقى دعم حكومته.

[تعليق صوتي]

ها هو الأرشيف البريطاني يقدم إلينا الدليل الدامغ على أن البريطانيين لا يمانعون في التحالف مع أياً كان في سبيل السعي للفوز بالصفقات فأثناء عرض أحد مسؤولي المبيعات في وزارة الدفاع لنتائج رحلته إلى جدة ولقاءه حينها مع خاشقجي يذكر في تقريره بتاريخ الحادي عشر من يناير عام 1972، لعل السفارة تتفق معي على أننا فور تحديدنا للاتجاه الأرجح فرصا سيكون علينا أن نسعى إليه بكل ما في أيدينا وإذا لزم الاتفاق مع خاشقجي فلنتفق معه ستكون مطالبه الشخصية مرتفعة لكن هذه هي طريقة التعامل في السعودية بصرف النظر عن المرسوم الملكي حول أصحاب الـ 25% إما أن نعرض على خاشقجي الإتاوة التي يريدها أو ننسحب.

مايك لويس: هذا أمراً مدهش حول السجلات الموجودة في الأرشيف تحدثنا سابقاً عن أن المصالح الاستراتيجية ليست لها علاقة بكثير من صفقات الأسلحة والآن نأتي إلى المحرّك الرئيس لتجارة السلاح خصوصاً مع الشرق الأوسط ودول أخرى من الواضح أن الفساد والمصالح الشخصية والرشاوى كانت وراء عدد من صفقات الأسلحة.

[تعليق صوتي]

في وثيقة بريطانية أخرى بتاريخ الأول من مايو عام 1971 يواصل السفير البريطاني ذاته توزيع اتهاماته هنا وهناك حول السعي لتحقيق المكاسب والمصالح المالية الشخصية داخل الأسرة المالكة حيث تتحدث الوثيقة طويلا عن رغبة الملك فيصل في تنويع مصادر السلاح السعودي ويتطرق السفير لمواقف أجنحة الحكم السعودي ووزارة الدفاع حيث يقول: لقد عرفنا الآن من مصدر لا يتطرق إليه الشك أن الأمير سلطان حذّر أخاه عبد الله في خطاب شديد اللهجة من مساوئ التعامل مع البريطانيين كما تعلم من خبرته في مخطط الدفاع الجوي السعودي فالشركات البريطانية كما قال لا يعنيها سوى جمع المال ولا يوجد تنظيم إشرافي فعّال كما أن تطميناتهم الحكومية بلا قيمة وأضاف سلطان أن هذا لا يعني أن يقطع علاقته بالشركات البريطانية في الدفاع الجوي لأن سياسة الحكومة السعودية كما يعرف عبد الله هي تنويع مصادر التوريد، لم يتأثر عبد الله بالخطاب لكنه دليل مهم على مشاعر سلطان الحقيقية، سلطان مساوم بارع وقد ثارت دائما شكوك في الماضي حول مدى صدقه في إظهار التقزز والاستياء من الشركات وندمه على مسايراته لمكنمار في توقيع عقود الدفاع الجوي حتى وهو يبدي هذا الندم سراً للسفير الأميركي فقد كان الاحتمال قائما دائما في أن يكون كل هذا عرض مسرحي لصالحنا إلا أن هذا الدليل الأخير لا يقبل التأويل حول صدق مشاعر سلطان سواء كانت مبررة أم غير ذلك وأنا استنتج منه أننا طالما دام هذا الشعور لن نحصل على طلبيات كبرى من وزارة الدفاع السعودية خارج مجال الدفاع الجوي، لسلطان طبعاً مصلحة فاسدة في كافة العقود لكنها مصلحة يمكن أن تخدمها أية جنسية.

لوكاس إيفور: إن تجارة السلاح عمل به منافسة شديدة وإلى حدٍ ما مظلم وهذا ما يمكنني شرحه باستفاضة لاحقا فأنا أصبحت أنظر لها على أنها أحداث مؤسفة وأطلقت عليها الكلب الوفي المُدافع عن السياسة الخارجية، فأنا أعتقد أنك لو قررت السير في هذا الاتجاه فليس هناك أي داعي للشعور بالتقزز تجاه كيفية إداراتك لهذا العمل ونحن لم نكن الوحيدين الذين نفعل ذلك.

[تعليق صوتي]

يحاول الجانب البريطاني إلغاء مسؤوليته عن القصور الواضح لديهم في تنفيذ تلك الصفقات السابقة بشأن مخطط الدفاع الجوي السعودي والتي أثارت استياء العائلة المالكة برمتها ولكن عوضاً عن التحقيق في قصورهم هذا بدأ السفير يحاول الخروج باستنتاج آخر، ما هو العامل المجهول إذاً؟ لا يسعنا سوى القيام بتكنهات تسعى إلى تفسير متماسك لهذه العوامل المعقدة بطبيعتها وتكهناتي هي كما قلت أعلاه سيعارض سلطان أي عقد بريطاني جديد يتجاوز ما هو ضروري لمجال الدفاع الجوي إلى أن تختلف رؤيته للأمور، أما شقيقاه تركي وأحمد فلهما مصلحة مادية في تغيير هذا الموقف وقد يكون هاشم مثلهما، هكذا كان السفير يلقي اتهاماته من خلال التكهنات حفظا لماء الوجه.

مارك فيثيان: من الواضح أن المشكلة كانت أن التقارير قد عرفت أين ذهبت العمولات ومقاديرها وثانياً كانت لديها القدرة على إحراج المتلقين وإزعاجهم لدرجة قد تؤدي إلى المخاطرة بالصفقة أو ربما فقدان نفوذهم أو تعليقه، حسب اعتقادي تم كبح محتوى التقرير لأنه يتضمن تفاصيل عن الحكومة المتلقية، ما تم التعتيم عليه كان مثار جدل كبير لأن نائب رئيس مجلس إدارة لجنة الإيرادات العامة روبرت شيلدون قابل المحافظ ووافق على التعتيم عليه وعدم إظهاره أمام بقية أعضاء اللجنة.

مارتن والكر: أنا مقتنع بأن شروط السعوديين لإتمام الصفقة كان سيتم قبولها لدي الحكومة البريطانية وكانت شركة الطيران البريطانية ستسيَّر رحلاتها إلى الرياض أما بخصوص التحقيق بأمر الفساد في صفقة اليمامة فقد استمر حسب معلوماتي لمدة تزيد عن عشر سنوات ولم يصل إلى أي نتيجة ولا أعتقد أنه سيفعل.

[تعليق صوتي]

تظل الوثائق السابقة تلقي باتهاماتها من دون أدلة حقيقية هذا ما دفعنا إلى العودة إلى البحث من جديد عن اعترافات بريطانية مؤكدة تستطيع أن تثبت انطلاق تجارة التسلح الرسمي في هذا البلد واعتمادها على دفع الرشوة للحصول على الصفقات، إلا أن ما حصلنا عليه في رسالة صادرة من السفير موريس في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1971 إلى رئيس قسم المبيعات في وزارة الدفاع يُعد اعترافا صريحا بالبراءة السعودية مقابل الفشل البريطاني حيث يقول: لعلي أعرف لأنك أخبرتني أنك لا تعتقد في إمكانية تبادل الانتقاد داخل الأسرة بدون تشكيك العميل في البضاعة لكنك مخطئ تماما في هذا بصدد هذه الصفقة كما بصدد الغرض منا ومن نشاطنا، نحن الذين قضينا أعمارنا في الترويج للمصالح البريطانية في الخارج ولا يعزيني كثيرا أن أعرف أن كيلون المسكين ظل أربعة أعوام يتعرّض لضغوط أشد تدور حول النغمة نفسها من جهة عمله بينما كان يتعرض في الوقت نفسه لهجوم كبير مثلنا من السعوديين بسبب الانحياز الدائم إلى الشركات، إنني أتسأل بدوري عن المنسقين وبقدر ما تعرضنا نحن أو الشركات إلى التضليل بحيث نظن خطأ أن الترتيب مع المنسقين من شأنه أن يوازن عدم الرضا السعودي عن أدائها فقد كنا على خطأ بالعكس. ويأتي الاعتراف الصريح من السفير ليقول لو كان مخطط الدفاع الجوي يسير جيدا في أعين السعوديين لما أثار الترتيب مع المنسقين أية صعوبات لكن دعني أسأل كم عقداً حصلنا عليه من دون ترتيبات من هذا النوع؟ الحل الذي ستجده في مراسلتنا هو حالتان بقدر علمنا وهو ما لا يُحتمل أن يتكرر كما استنتجنا للأسف، ربما نصل إلى الاستنتاج بأن الحصول على العقود السعودية أشد صعوبة من أن يساوي التعب لكننا لا نستطيع تغيير قواعد اللعبة على هوانا.

مايك لويس: سجل التعاملات في كل المجالات مع الشرق الأوسط لا يدل إطلاقا على صحة ذلك التعليق العنصري والورقة نفسها تشير إلى سلسلة من الرشاوى التي دُفعت في إندونيسيا وفنزويلا.

مارك فايثيان: في أوائل السبعينيات بعد أحداث عام 1973 قدَّم العمل بالأسلحة مع الشرق الأقصى فرصة كبيرة للثراء السريع وكسب الناس الكثير بتسهيل عقد الصفقات كوسطاء وهم أشخاص مشهورون وشخصيات واعدة في المجتمعات التي أتوا منها ونعم إنه عمل محترم جدا ولكن هناك تشويش كلامياً بين القيام بدفع الرشاوى وبين اتساع نطاق أعمال المرء الشرعية إنه خط رفيع وصعب، الحكومات في بريطانيا ليست راغبة حقا باستكشاف ذلك الخط الرفيع.

مايك لويس: الموظفون الحكوميون يعلمون بتورطهم في دفع رشاوى ويعرفون أن هذا ما يجرى لكنهم يبررون ذلك بالقول أن هذا هو ما يحصل في الشرق الأوسط إلا أن ما تكشفه الوثائق هو أن هذا ما يحصل في كل منطقة تتم معها تجارة أسلحة.

[تعليق صوتي]

السفير ويلي موريس كان هو صاحب القسط الأكبر من الوثائق التي عثرنا عليها لذا كان من المفيد العثور على وثيقة جامعة يمكن أن تقدم إلينا تصورا للذهنية التي أخرجت كل تقاريره السابقة، في نهاية خدمته في المملكة أعّد تقريرا عن تلك الفترة التي قضاها هناك بين عامي 1968 و1972 حيث ننتقي منه بعض الفقرات. التركيبة السعودية مغايرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وقد مثلت لي تجربة خلابة ما كنت لأرضى بتفويتها، إنها وهي تنحسر عن ذاكرتي أقرب إلى زمن عشته في مسرح مغلق يتكون ريبرتواره من مسرحيات تتسم كتابتها وتمثيلها بالمبالغة الشديدة وتتكرر باستمرار منها إلى زمن قضيته في العالم الحقيقي وهي حقا لمأساة بالنظر إلى احتياجات العالم أن تضع العناية الإلهية مثل هذا المورد الحيوي وتلك الثروة في أيد ما أقل احتياجها إليه وكأنه يحسد العرب على ثرواتهم.

"
لدى بريطانيا مسؤولية تاريخية تجاه المنطقة ولكن لديها مصالح إستراتيجية هي وبقية أوروبا الغربية وأميركا في استقرارها
"
مارك فايثيان
مارك فايثيان: أظن أن لدى بريطانيا مسؤولية تاريخية تجاه المنطقة ولكن لديها مصالح استراتيجية هي وبقية أوروبا الغربية وأميركا في استقرارها لذا لا أظن أنه كان لدينا الخيار في وجود موقف محايد سياسي تجاه السياسات هناك، إنها إحدى أكثر المناطق أهمية في العالم فالمصالح في الشرق الأوسط حيوية بدرجة كبيرة للغرب.

[تعليق صوتي]

في فقرة أخرى تفضح السفير موريس مشاعر الكره التي تعتريه تجاه مكان عمله طيلة ما يزيد على أربع سنوات. لم أكتسب حيال السعودية مشاعر ودية كالتي اكتسبتها في كل بلد آخر خدمت فيه، ثم يفيض بالكره قائلا السعوديون بعامة وأهل نجد بخاصة يتميزون بخصائص معينة تجعلهم أقل قابلية للحب من بقية الناس.

مارتن والكر: كان الأمر محرجاً جداً، ليس غريباً أن للدين دورا هاما في السعودية فهي بلاد الحرمين في مكة والمدينة وليس غريباً أيضاً وجود الفساد بين أعضاء الحكومة الملكية الذين كانوا يحصلون على منافع كبيرة أحيانا لذلك أهنئ البريطانيين على تمكنهم من فهم أن تلك الأمور لن تؤثر في بيع الأسلحة.

[تعليق صوتي]

الصورة على الدوام كانت تتأرجح لدى الغرب بين المحب العاشق والمستعمر الكاره، نتساءل عن الدبلوماسية وصورتنا لدى الآخر، عن سحر الشرق وعمق الكراهية بينما نظل نلهث لتحسين تلك الصورة ربما بلا جدوى، إلى ملف مقبل نغوص فيه في وثائق أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة