السنغال بين العلمانية والصوفية ج2   
الأربعاء 1426/10/29 هـ - الموافق 30/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:09 (مكة المكرمة)، 9:09 (غرينتش)

- سطوة الطوائف الصوفية
- تبدل أقنعة الاستعمار في عيون الإسلام

- العلمانيون والإسلاميون والسلطة


أسعد طه: هذه قسمتي لك، لك الأشياء كلها إلا واحدة, لك الحشود التابعة المطيعة, لك المدائح ومنشدوها والأوراد وذاكروها والولائم وكل ما فيها, فإذا ما متَ فلك المقام ولك الذكرى الخالدة, لك الأشياء كلها إلا واحدة, هذا ليس لك إن الحكم ليس لك إن الحكم ليس لك, هذا المسجد نازلٌ من السماء, غريب أمر السنغاليين صحيح أن التدين سمتهم لكن لهم قدرة عجيبة على دمج الخرافة مع المعتقد منذ أن كانوا يعبدون النار والنصب والأصنام وإلى أن وصلهم الإسلام على يد التجار والطرق الصوفية حوالي القرن العاشر الميلادي, تسير في شوارع العاصمة دكَار فتلحظ أن المركبات العامة والخاصة زُيِنَت بالعبارات الحامدة لله المستعيذة به تعالى من شرور الناس, فيما هنا وهناك مؤسسات معنية بالشأن الديني ومكتبات تضم كتباً إسلامية منوعة وأحياناً صور هي أقرب للمنشورات.

إبراهيم جوب- الأمين العام لمنظمة علماء المغرب والسنغال: الإسلام أولاً في السنغال وجوده حوالي ستة أو حوالي 96% من السكان مسلمون, لو كانت العبرة بالكثرة لكُنا بألف خير والإسلام في السنغال إسلام عقيدةِ سنية على خلاف ما يظن بعض الناس, العقيدة الأشعرية كما فُهِمت هنا وفي المغرب العربي عقيدة أهل السنة والجماعة توحد الله في ذاته في صفاته في أسمائه في أفعاله لا ريب ولا شك ولا توقف والإسلام في السنغال مذهبه مذهب موحد المذهب المالكي.

أسعد طه: غير أن ما يلفت انتباهك هنا هو اهتمام الناس بأمر الصلاة وهي مسألة يستوي فيها الجميع في أي وقت وفي أي مكان ستجد من يؤدى الفريضة, صياد عائد لتوه من رحلة صيد أو بائعة في سوق أو سائق تاكسي في طريق عام, أما الكُتَاب التقليدي بتلاميذه الصغار وألواحه العتيقة وشيخه الجليل فتجده في كل مكان فإذا ما ضاقت الأبنية فإن في الشارع العام متسع ولو تحت ظل شجرة, لكن احذر أن تعتقد أن ذلك يعكس التزاماً دينياً عاماً أو صحوة إسلامية فالأمر في أغلب الأحوال لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال التدين التقليدي, لكن اللافت بالفعل حقيقة أن الشعب السنغالي شعب متصوف, كل فرد فيه ينتمي إلى طريقة صوفية ما وليس بوسع أحد هنا أن يتصور إسلاماً غير ذلك الممارس من خلال التصوف بل إن المرء يتشكك في إسلام شخص لا ينتمي إلى إحدى الطرق الصوفية.



سطوة الطوائف الصوفية

إبراهيم جوب: كل مسلم في ديارنا في السنغال تجده ينتسب بشكل أو بآخر إلى قيادة من القيادات الروحية التي هي صوفيته, حتى وجدتني يوماً أبحث مع أحد الزوار قلت له أنا أشك في أننا صوفيةٌ, لأن إن كنا صوفية فما هو الإسلام إذاً؟

أسعد طه: حيثما تذهب ستدرك أن الدور الذي تلعبه الصوفية ليس محصوراً في مستوى الحياة الدينية بل يمتد إلى المجتمع كله الذي لا مكان فيه لفرد لا يتبع طريقة صوفية ما إليها ينتسب وبها يفتخر وبطقوسها يتميز عن غيره وبفضلها ينال المزايا والمنافع, حتى قيل أن ولاء السنغالي إلى الطريقة قبل الشريعة.

عبد القادر سيلا- مدير مدرسة إسلامية: أريد أن أنوه إلى شيء مهم هو عندنا الطريقة هي المشهورة لأن الطريقة تختلف عن الصوفية, فالصوفية فيه نوع من التنظير يعني أن هناك صور تتعلق بالفلسفة وبالأفكار وأما عندنا الطريقة عبارة عن مجموعة من الناس يطبقون الأذكار ويمارسونها ليل ومساء بدون أن تكون هناك خلفية فلسفية أو شيء من هذا القبيل ولذلك أنا أفضل الحديث عن الطريقة التيجانية أو القادرية أو اللاينية أو المريدية بدلاً من الصوفية في السنغال.

أسعد طه: الطرق الصوفية في السنغال متعددة لكن أهمها التيجانية والمريدية والقادرية واللاينية وكل واحدة منها لها طقوسها المميزة واستحقاقاتها المالية التي تلزم بها أتباعها, كنا في طريقنا إلى مدينة طوبة التي جرى فيها ما شاهدتموه من لقاء الرئيس مع شيخ الطريقة المريدية التي يدين لها الرئيس بالولاء ولعل غرابة الواقعة استدعت من ذاكرتي ما كنت قد شاهدته من صور أرشيفية, إنه يوم الحج الذي يتوجه فيه مئات آلاف من أتباع الطريقة المريدية إلى مدينة طوبة في العشرين من سبتمبر أيلول من كل عام وهو ذكرى إبعاد مؤسس الطريقة أحمد بامبا إلى الجابون من قِبَلِ الاستعمار قبل أن يتصالح معه لاحقاً ويصدر فتوى تحصر الجهاد في جهاد النفس والترفع عن كل ما هو دنيوي ومادي, تقول الراويات أن الشيخ أحمد بامبا بنى مدينة طوبة عندما رأى نوراً يُغشِى الأبصار عند شجرة معينة وأن جبريل عليه السلام وعده بأن المكان حول هذه الشجرة سوف يتحول إلى مدينة مركزية روحية لها شهرة كونية ويأتي إليها العالم كله للتوبة والاستغفار ويُنتَقد الشيخ أحمد بامبا ضمن ما ينتقد به بأنه ترك مريديه يعتقدون بأن العمل الزراعي الذي يعود ريعه إلى شيوخ الطريقة يعفيهم من أداء الفروض الدينية وأنه تركهم يبالغون في تقديسه, على كل حال فإن هذه الطقوس التي تحاكي طقوس الحج ليست حكراً على المريدية فلكل طريقة مدينتها المقدسة التي يحج إليها الأتباع بالآلاف كل عام, صلاة الجمعة في المسجد الرئيسي بمدينة كولاك معقل الطريقة التيجانية التي أسسها الشيخ محمد بن مختار بن سلم التيجاني الذي أعلن لأصحابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زاره بنفسه ومنحه الإذن بنشر التيجانية وبحسب ما يعتقده أتباع هذه الطريقة فإن مكانة مؤسسها بين أولياء الله الصالحين كمكانة محمد بين الأنبياء وأنه الوحيد الذي يحظى بمعرفة اسم الله الخفي والأعظم الذي يجيئوا بعد الأسماء التسعة والتسعين, عقب الصلاة يلتف المصلون حول الأضرحة والمقامات التي يضمها المسجد لشيوخ الطريقة التيجانية ويتكرر المشهد الذي نراه في بلادنا حول أضرحة من تعارف عليهم الناس بأنهم أولياء الله الصالحون فيما خارج المسجد يتزاحم المصلون حول أئمة الطريقة الذين يبجلونهم ويعظمونهم.

"
الطريقة التيجانية هي طريقة المولى محمد التيجاني رضي الله تعالى عنه أخذها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي طريقة الذكر والفكر والسلفية الصالحة وطريقة أهل التوحيد
"
   أحمد التيجاني

أحمد التيجاني نياس- شيخ الطريقة التيجانية: وهذه الطريقة التي اتبعناها هي طريقة المولى محمد التيجاني رضي الله تعالى عنه أخذها عن رسول الله صلى اللي عليه وسلم, وهو رضي الله عنه كان منذ عنفوان شبابه كان مولعاً بحب الأولياء والمشايخ والعلماء وقَلاَ أن يسمع بواحد منهم إلا والتقى به وأخذ عنه, والتقى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يعطي طريقته فأعطاه هذه الطريقة بشروطها وطريقة التيجانية هي طريقة الذكر والفكر والسلفية الصالحة, طريقة الصفاء والوفاء طريقة الصدق والإخلاص, طريقة الفناء والبقاء, طريقة أهل التوحيد أهل لا إله إلا الله.

أسعد طه: قبيل صلاة المغرب يلتقي التابعون في صحن المسجد لتلاوة الأوراد الخاصة بالطريقة التيجانية، هنا مظهر آخر من مظاهر الصوفية إنه المولد واحد من سلسلة احتفالات تقام نهاية كل أسبوع وعلى مدار العام يبدأ قبيل منتصف الليل ويستمر حتى بزوغ الفجر وهو مناسبة تستعرض فيها كل طريقة قدرتها على حشد الأتباع والأنصار وفرصة لجمع المزيد من الأموال التي تقدم للشيوخ في شكل هدايا وهبات، هذا الاحتفال هو للطريقة القادرية التي أسسها محمد عبد القادر الجيلاني المولود في إيران والمتعلم في العراق والمعروف بعلمه الواسع والمشهور بكونه الولي الأكثر شعبيةً في التاريخ الإسلامي ورغم أن القادرية في دول أخرى مثل مالي والنيجر ونيجريا هي أكثر الطرق الصوفية انتشاراً إلا أنها في السنغال لم تعرف النجاح والانتشار الذي عرفت التيجانية والموريدية بل إنها تعاني منذ عدة عقود من تدني عدد مريديها ولذلك فإن قوتها السياسية محدودة.

إبراهيم جوب: والتصوف في السنغال تصوف يعتمد على قيادات هي روحية وعلمية في آن واحد في نطاق ما يسمى بالطرق أو الطوائف, مثلاً في السنغال طريقة..الطريقة القادرية والطريقة الموريدية منبثقة منها وطريقة التيجانية واللاهينية منبثقة منها وقلما تجد انتماءات إلى غير هذه الطرق من الطرق الكثيرة القدد المتكاثرة في العالم الإسلامي هنا قلة قليلة فهذه هؤلاء القادة هم الذين توارثوا نشر تعاليم الدين بعد نشر القرآن الكريم وتوسعوا قدر الإمكان في علوم الدين وفي الدعوة إلى كل ما يتعلق بالدين وثقافته والناس يذهبون إليهم ويستقبلونهم.



تبدل أقنعة الاستعمار في عيون الإسلام

أسعد طه: لن تعدم مكاناً في أرجاء العاصمة إلا وعليه صورة أو رسم لما مارابو والمارابو هو الاسم الذي يطلق على شيوخ الطريقة وقد أتت كلمة مارابو من مرابط أي المقاتل الذي يجاهد في سبيل الله وهو في ثقافة الصوفيين رجل مقدس ممثل لله على الأرض يتمتع بقدرة غير عادية ولقد كان لهذه الطبقة من الشيوخ والأئمة دور مهم في تاريخ الصوفية.

عبد القادر سيلا- مدير مدرسة إسلامية: لعبت دور كبير أولاً لمحاربة الوثنية التي كانت منتشرة في السنغال ثم بعد ذلك عندما انتشرت..انتصرت إلى حد ما على الوثنية فحاربت عندما جاء الاستعمار الفرنسي لينشر معها المسيحية, فقامت الطريقة أو الطرق الصوفية بدور كبير في محاربة الاستعمار فمن ذلك دور شيوخ مثل عمر الفوتي والشيخ أحمد البامبا وغيره من كبار الزعماء الطرق.

أسعد طه: صحيح هذا ما حدث لقد حارب زعماء الصوفية الاستعمار في الخمسينيات والستينيات القرن الثامن عشر, لكن الاستعمار نجح في أوائل القرن العشرين وحتى رحيله في ترويضهم بل بات لهؤلاء الشيوخ دور أساسي في مساندة السلطات الاستعمارية فكانوا يحثون الشعب على دفع الضرائب ويدفعون بالشباب إلى المشاركة في الحروب إلى جانب فرنسا, لكن الاستعمار الفرنسي كان يفهم أن هذا التعاون بينه وبين شيوخ الصوفية هو مسألة عارضة وكان شبح الشيخ عمر الفوتي يُطِل عليه دائماً وهو الزعيم الصوفي الذي حارب المستعمر ونادى بقيام دولةٍ إسلامية في السنغال, لذلك عندما قرر الاستعمار الرحيل قرر أيضاً أن يسلم الحكم إلى نيبولد سينغول الذي ينتمي إلى الأقلية المسيحية التي لا تزيد نسبتها عن 4% من عدد السكان، السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه عليك في ساعات سفرك الطويلة إذا كان لشيوخ الطرق الصوفية في السنغال كل هذا النفوذ السياسي الذي ليس له مثيل في كل إفريقيا, فلماذا لا يحكمون؟لماذا لا يعتلون سدة الحكم بأنفسهم؟لا يمكن أن تأتي إلى هنا دون أن تزور جزيرة غوريه, جمال الواقع يناقض قبح التاريخ هذه الجزيرة تبادل على احتلالها الإنجليز والفرنسيون والهولنديون والبرتغاليون لكن الأمر لم يقف عند حد الاحتلال, غوريه تقع في أقصى الغرب الإفريقي وهي بذلك تمثل أنسب نقطة لتزويد السفن المتجهة إلى الأميركيتين فضلاً عن أنه بوسع هذه السفن أن ترسو فيها مهما كانت ظروف الطقس سيئة ولذلك أحالها المستعمرون إلى مركز رئيسي لتصدير العبيد الذين يتم جلبهم من إفريقيا ويرحلون إلى أميركا, الجزيرة الآن مقصد السياح القادمين من شتى أنحاء العالم في طرقاتها الضيقة وبين مشاهدها الجميلة يتذكرون كيف أخضع الغرب الملايين من الأبرياء لذل ومهانة العبودية في انتهاك فاضح لحقوق الإنسان.

[موجز الأنباء]

أسعد طه: يطلق على هذا المبنى دار العبيد وهو بالأحرى سجن كان يتم فيه حبس العبيد الذين كان يتم جلبهم من إفريقيا ريثما تأتي السفن لتحملهم إلى أميركا وكان ذلك يستغرق أحياناً شهور طويلة.

جوزيف إندياي – مسؤول بيت العبيد: في هذه الزنازين كانوا يضعون من خمسة عشرة إلى عشرين رجل وكان مقاسها 2.60 في 2.60 كانوا يجلسون وظهورهم إلى الحائط مقيدين بالسلاسل في رقابهم وأذرعتهم وكانوا يخرجون مرة واحدة في اليوم لقضاء حاجتهم, أنت الآن لدى زنازين الأطفال وكان معدل وفياتهم أعلى معدل للوفيات في البيت هذه الغرفة تقود حتى العمق وفي هذه الحجرة كانوا ينامون على الأرض في وضع يشبه علبة السردين وكان تقدير عمر الطفل يعتمد على أسنانه لنقص الإثبات المدني, هنا كانت الشابات الصغيرات وكن يفصلن عن النساء لأنهن أغلى فثمن المرأة كان يعتمد على حجم صدرها وعذريتها, الآن أنتم أمام الحجز المؤقت, لماذا يسمى هكذا؟لأن قيمة الرجل كانت تعتمد على وزنه الوزن الأدنى عند الرجال كان محدد بستين كيلو غراماً وأي شخص أقل من هذا الوزن كان يوضع في هذه الزنزانة ليتم تسمينه كما الأوز, عبر هذا الباب بالنسبة إلى العبيد كانت تنتهي إفريقيا حيث كان هناك لوح من خشب النخيل يؤدي إلى المراكب ووقت الرحيل كان البعض يحاول الفرار بالقفز إلى الماء وقبل أن يقطع مسافة قصيرة يقتله الحراس أو تلتهمه القروش البحرية, لقد كان لي شرف استقبال البابا في فبراير عام 1992 ومن هذا الباب طلب البابا الغفران لإفريقيا لأن كثيراً من الإرساليات الكاثوليكية كانت ضالعة في تجارة العبيد.

أسعد طه: تمثال الحرية على مقربة من دار العبيد أمامه وحوله يفهم الزائرون أنه عبر ثلاثة قرون من تجارة العبيد تم ترحيل حوالي عشرين مليون إنسان أسود من بوريه إلى أميركا ستة ملايين منهم ماتوا أو قتلوا أثناء صيدهم أو نقلهم أو حبسهم, على كل حال انتهى عهد العبيد كما أن الاستعمار رحل منذ زمن بعيد, الاستعمار رحل هذا قول يشكك فيه البعض.

سي الأمين نياس – مدير إذاعة "والفجر" الإسلامية: الاستعمار خرج من الباب ليدخل من النافذة, فهناك ما يسميه الأفريقي الكبير من أحد المنظرون الأوائل وهو الدكتور كوامن كروما هناك ما يسميه بالاستعمار الجديد, فهذا الاستعمار الجديد موجود إذا اعتبرناه إذا اعتبرنا أن أسس السيادة في البلد هي الجيش والعملة واللغة, ففرنسا حاضرة بثلاث, جيشها موجود وعملتها هي المعمول بها ثم أن لغتها هي لغة الإدارة السائدة إذاً الاستعمار موجود.

أسعد طه: كل ما حولك ناطق بالفرنسية, لقد كان ديجول محقاً إذاً عندما قال أن اللغة الفرنسية حققت لفرنسا ما لم يحققه جنودها, اختفت اللغة المحلية واختفت العربية ألهم إلا من ذكرى هنا أو هناك.

"
اللغة السائدة في السنغال اللغة العربية وكانت الإدارة الاستعمارية مثلا تتراسل مع الأعيان في السنغال باللغة العربية, ولكن الأمور تحولت وأصبحت مفرنسة
"
      سي الأمين نياس

سي الأمين نياس: السنغال كانت في عهد من العهود يعني كلها عربي وكانت الإدارة الاستعمارية مثلاً تتراسل مع الأعيان في السنغال باللغة العربية, فعندنا مثلاً هنا في المخطوطات كثير من هذه الرسالات من أمير الدار يعني من المستعمر إلى فلان أحد الأعيان وهي بالعربية واصفة ولكن الأمور تحولت من ذلك الوضع إلى أن أصبحت كل الرسائل فرنسية وكل الإدارة مفرنسة وأصبحت المؤلفات أيضاً الفرنسية عديدة.

أسعد طه: في إحدى المدارس الحكومية في دكار سنفهم أن غالبية المسلمين رفضوا مع قدوم الاستعمار أن يعهدوا بمهمة تربية أبناءهم إلى الرهبان والقسس الكاثوليك الذين كانوا يديرون شأن التعليم وسعياً لاسترضائهم أقدمت السلطات الاستعمارية على استبعاد تدريس الدين من المناهج الدراسية وظل الأمر على ما هو عليه لكن شريحة لا بأس بها من السنغاليين ظلت على موقفها من رفض المدارس الفرنسية وهو الموقف الذي دفعت ثمنه لاحقاً.

عبد القادر سيلا– مدير مدرسة إسلامية: مشكلة هذه الجماعة أن المتفرنسين كانت لهم بالمرصاد, يعني سدوا أمامهم كل الأبواب, أهم باب من ذلك باب الوظيفة فمثلاً إذا كنت مستعرباً يطلبون منك أن تتقن الفرنسية حتى تستطيع أن توظف في مكان غير التعليم لأن كان باب التعليم هو وحده المفتوح أمامك.

إبراهيم جوب – الأمين العام لمنظمة علماء المغرب والسنغال: أجدادنا لما وصل الفرنسيون وعلموا أن هؤلاء جاءوا لا تجارة فقط ولكن تجار ودعاة حضارة وثقافة مغايرة, انطوى معظمهم ورفض المدارس الفرنسية, هذا الذي أدى بعد قرن إلى أن كثير من الصالحين وأبناءهم وأحفادهم ما كانوا في وضع يمكنهم في أن يشاركوا في الحكم.

أسعد طه: مركز الإشعاع الإسلامي للتربية والتعليم, صورة مخالفة للمدارس الحكومية, حيث للدين دور رئيسي والحقيقة أنه بعد الاستقلال توجهت نخب كثيرة من الشباب السنغالي إلى جامعات الزيتونة والأزهر الشريف وأم القرى وغيرها وهناك حصلت على تخصصاتها في القانون والأدب والشريعة ثم عادت لتؤسس مدارسها الخاصة كهذه المدرسة, كما شرعت في تكوين هيئات وجمعيات تضم مختلف عناصر النخبة المثقفة باللغة العربية فكانت قوة بدأت تناطح قوة المتفرنسين.

عبد القادر سيلا: طبعاً ميزان القوة في صالح الطرف المتفرنسين لماذا؟فهم عندهم مجلس الأمة التشريع بأيديهم يشرعون كما يشاءون وعندهم الحكومة يعني يديرون البلاد كما يشاءون وأكثر من هذا فهم مرتبطون بالطرق الصوفية أكثر من المستعربين.

أسعد طه: تتمتع بلمسة جمالية وسط جو صاخب, إنها كاتدرائية الذكرى الإفريقية التي أنشأت عام 1929 تكريما للجنود الأفارقة الذين فقدوا أرواحهم في الحرب من أجل فرنسا والذين لعب شيوخ الطرق الصوفية دوراً في تجنيدهم تماماً كما يلعبون اليوم دور في دعم التيار العلماني بثقافته الفرنسية والمتربع على سدة الحكم في البلاد.

سي الأمين نياس: المتصوف الذي يعمل من أجل نشر الدعوة قد يفهم بأنه لا يصل إلى الحكم بالدعوة ولا يصل إلى الحكم بالإسلام لأن هذه من الممنوعات غربياً واستعمارياً وأيضاً ورثته المستعمر وهذه الأشياء ما حرصنا عليها, إذاً هو يعرف الحدود الذي قد لا يتجاوزها هناك خطوط حمراء والعلماني أيضاً يعرف بأنه لا يستطيع أن يعزل الدين عن الدولة كما أرادها أقطاب مثلاً العلمانية كما أرادها مثلاً الماسونيون وغيرها, يعرف بأنه لا يستطيع أن يصل إلى هذه الغاية في هذا المجتمع إذاً هو في حاجة إلى هذا الدين هو في حاجة إلى..إذاً..هي تعامل وليست محبة هذا آثرت عليه, غريبة صحيح غريبة ولكن ما أكثر الغرائب وهي من بين هذه الغرائب.



العلمانيون والإسلاميون والسلطة

أسعد طه: تسير في شوارع دكار خمسة أعوام بعد عام 2000, الموعد الذي كان قد ضربه سنغور أول رئيس للبلاد لتصبح دكار مثل باريس, في الحقيقة مازال هناك اختلاف, لكن ذلك لن ينسينا مسألة التحالف غير المعلن بين العلمانيين وشيوخ الطرق الصوفية والذي بسببه ينتقد الصوفيون أشد انتقاد.

عبد القادر سيلا: السياسة تستغلهم وهم لا يستطيعون أن يستغلوها لصالحهم أنفسهم ولا لصالح الإسلام, هذا هو يعني التناقض الواضح بين استفادة السياسيين من الطريقة وعدم استفادة الطريقة منهم هذا تناقض وهم في الداخل الآن لا يمكن أن يمر أي شيء هنا بدون إشارة الشيوخ حتى في قيام حكومة لا بد من الاتصال بالشيوخ كبار الشيوخ واستشارتهم في تعيين فلان إلى آخره.

إمباي نياج – إمام مسجد: إنهم يساندون هؤلاء للوصول إلى الحكم وبعد وصولهم إلى الحكم لا يأخذوا هؤلاء بعين الاعتبار ما يهتم به رجال الدين, لأن رجال الدين منذ أن وُجِدَ هذا البلاد كانوا يعملون على تقوية الإسلام وبناء المجتمع السنغالي على قوام إسلامي, لكن الذين يطالبون بالحكم جلهم من العلمانيين يعتقدون بأن الدين لا مكان له في السياسة, إذاً يتخذون هؤلاء كسلم للوصول إلى الحكم فقط فبعد الوصول إلى الحكم يتناسون ما يهتم به هؤلاء..رجال هؤلاء رجال الدين.

عبد القادر سيلا: كان المفروض لهؤلاء الشيوخ وخصوصاً بعد الاستقلال أن يلعبوا دور كبير, فتصور أن الشيخ رئيس الموريدية ورئيس التيجانية في السنغال يمكن أن يجمعوا في لحظة ما أكثر من مليون نسمة يخضعون وينصاعون لأوامره فلو أمروهم بأمر ما فيما يتعلق بحياتهم اليومية, سواء كان يتعلق بالحياة الاجتماعية القوانين الخاصة بالاجتماع أو القوانين الخاصة بالحياة الاقتصادية فيستطيعون أن يغيروها لحظة.

أسعد طه: قاعة البرلمان الذي أقر مؤخراً قانوناً بإلغاء حكم الإعدام ضمن قوانين أخرى تحكم المعاملات العامة يراها المستعربون مخالفة للشريعة والحقيقة أن الصوفيين غير معنيين بمسألة قوانين المعاملات في الإسلام وهو يولون اهتماماً كبيراً للعبادات.

"
إلغاء حكم الإعدام ليس له علاقة بالشريعة, ومن سيتم مقاضاتهم في بلدنا تتم مقاضاتهم طبقا لقوانين علمانية تابعة للقانون الجزائي الذي أخذناه عن نابليون
"
   عبد لله واد

عبد الله واد-رئيس السنغال: يجب علي أن أوضح إن إلغاء حكم الإعدام ليس له علاقة بالشريعة, لأن من سيتم مقاضاتهم في بلدنا تتم مقاضاتهم طبقاً لقوانين علمانية للقانون الجزائي الذي أخذناه عن نابليون وذلك ليس له أي علاقة بالشريعة فأنا لا أتكلم عن الشريعة هذه مشكلة أخرى لست بصددها الآن.

أسعد طه: على كل حال فإن هذا التحالف بين الصوفيين والعلمانيين ليس إلا واحداً من غرائب المشهد السنغالي, إليكم واحدة أخرى العلمانيون يرفضون بطبيعة قناعتهم الفكرية توظيف الدين في السياسة ويدينون كل من يطالب بحكم ديني, لكنهم هنا في السنغال يبالغون في توظيف الدين لتحقيق أحلامهم للوصول إلى الحكم.

إمباي نياج: ليس هناك في هذا البلاد رجل سياسي لم يتحالف مع رجل ديني صوفي إما للوصول إلى الحكم أو للثبات فيه, منذ عهد الاستعمار مع جالوردوف ومع برزجاي ومع سنغور ولامنغاي وحتى بعد الاستقلال فتحالف رجال السياسة مع رجال الدين كان وثيقاً جداً.

إبراهيم جوب: لابد أن الساسة السياسيين المحترفين أمام هذه الكمية الهائلة من الطاقات باسم الدين تلامذة بالألوف المؤلفة والمشايخ مقدرون مطاعون يعني هذه فرصة لا يستهين بها سياسي فيحاولون التقرب إليهم بالحق أو بالباطل, إذا فهمت هذا واتباع منهجهم مخلصين أو مداهنين هذا موجود فحينئذ فسوف يبقى الشيخ وتلامذته وطاقاته في خدمة برنامج سياسي لست أدري هل فحص هل تمكن منه هل أيقن أنه يخدم الدين والدنيا.

إمباي نياج: لابد أن نعترف بأن مستحيل لأي حزب مهما كان أن يتخلى عن الدين لابد ونرى هذه ظاهرة في الحملات الانتخابية كل الأحزاب تستعمل الدين لجلب السنغاليين ولجلب..وللحصول على أصواتهم كل الأحزاب حتى الحزب هذا الذي هو الآن في الحكم يستعمل الدين لإقناع السنغاليين.

أسعد طه: نقف لنلتقط أنفاسنا عند ميناء دكار الذي افتتح عام 1866 وكان المنشأة الأولى في دكار وقد استهدف ربط أفريقيا الغربية تجارياً بالعالم الغربي وجعلها مركزاً لتجارة هذه المنطقة, التي أصبحت فيما بعد عاصمة للاستعمار الفرنسي والتي باتت الآن تشهد ميلاد تيار إسلام سياسي.

ما مادو ديانج- صحفي: منذ عدة أعوام لاحظنا تدخل الزعماء الدينيين وعلى وجه الخصوص الشباب منهم في الحياة السياسية, إنه أمر مزعج وأيضاً مثير للقلق لأننا لسنا قادرين على أن نرى هذه الشريحة من المجتمع تتدخل في أمور الحياة, نحن لدينا احترام كبير ومنزلة كبيرة للزعماء الدينيين فنحن نوقرهم ومن يأتي إلى السنغال للمرة الأولى يندهش من هذه المنزلة الكبيرة التي يخص السنغاليون بها زعماؤهم الدينيين ولأننا نوقرهم فنحن نريد أن نخرجهم من الحقل السياسي الذي عادة ما تحدث فيه حروب قاسية ومؤامرات وتحالفات ويجب البعد عن كل هذه الأشياء التي تتميز بها السياسة.

أسعد طه: صلاة الجمعة في مسجد بالقرب من مطار العاصمة أي خارج دكار والإمام هو الشخص الذي كان يحدثنا من قبل وهو في ذات الوقت رئيس حزب سياسي يدعو إلى أسلمة الدولة التي تحكمها قوانين علمانية, أليس في الأمر غرابة؟

إمباي نياج: السياسة والدين يمشيان بتوازي في هذه البلاد, إذاً ليس من الغريب أن أكون أنا أكون أنا إمام هذا المسجد ورئيس حزب, لأن الإمام وطني كذلك لابد أن يتمتع بحقوقه الوطنية فكل سنغالي له الحق في أن يُنشِئَ أو يشارك في حزب سياسي وأنا كسنغالي لي الحق في ذلك رغم كوني إمام.

أسعد طه: اللافت أن الرجل كان يتحدث بصراحة وشفافية فهو لا ينكر أن الوصول إلى الحكم هدف مباشر له.

إمباي نياج: نحن نريد أن نشارك مباشرة في الحياة السياسية للوصول إلى الحكم نحن نريد أن نصل إلى الحكم وبرغم من أن القانون الأساسي الجاري في البلاد يمنع من تكوين حزب على أساس ديني أو إقليمي أو عرقي فهذا القانون لا يمكن له أن يمنع الرجوع إلى ثقافة أو إلى دين لبناء أيديولوجية حزب, فهناك أحزاب يرجعون إلى شيوعيين وأحزاب أخرى يرجعون إلى اشتراكيين وحزبنا نحن نعتقد أن الثقافة والدين السائدين في هذه البلاد يمكن أن يكون المرجع الأساسي لبناء أيديولوجية تتمكن من إخراج هذا الشعب مما يعيش فيه من فتن الفقر والتخلف.

أسعد طه: إمام المسجد رئيس الحزب يطرح نفسه ورفاقه كبدائل للتيار الحاكم معتقداً أن إشكالية بلاده تكمن في الإدارة وأن السنغال في حاجة لرجال يعملون للمصلحة العامة وليس للمصلحة الخاصة, فهل يعتقد العلمانيون أن بوسع الإسلاميين منافستهم على الحكم؟

ما مادو ديانج: بالطبع لا بالطبع لا فهم ليس لديهم التعليم والتكوين الملائم حتى يدبروا على صعيد هذه المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها, إنهم رجال دين مجالهم هو الله والقرآن والسنة.

عبد اللطيف كوليبالي- صحفي: السنغاليون يفرقون بشكل كامل بين معتقداتهم وإيمانهم وبين السياسة كما أن أي تيار سياسي يولد على أساس إسلامي يجد نفسه في موقع مضاد للطرق الصوفية ومنذ اللحظة التي يصطدم فيها مع الصوفية لا تصبح لديه أي فرصة للنجاح في السنغال.

أسعد طه: أخيرا اتفق العلمانيون والإسلاميون على أمرا التحدي أمام الإسلاميين لا تمثله الحكومة كما هو الحال في إنحاء العالم الإسلامي وإنما الرأي العام السائد.

أمباي نياج: المشكل أساسا ليس مع الحكومة المشكل أساسا مع المفهوم العام تجاه السياسة وتجاه الدين لابد أن نعترف بأن جل الناس يرون بأن رجل الدين أو الإمام لا يصلح له أن يشارك في الحياة السياسية هذه الحياة التي لا نعرفها ألا باللعب والخيانة والمعاملات التي لا ترضي البشر إذا يرون بأن رجل الدين رجل صالح رجل مخلص ليس له مكان في هذه المعركة.

أسعد طه: معركة تجري في وطن يتمتع بذوق رفيع وبحس فني غير عادي بفضل أناس طيبين يبلغ تعدادهم تسعة ملايين 96% منهم مسلمون أغلبيتهم العظمى ينتمون إلى طرق صوفية متعددة يحكمون بتيار علماني يصل إلى الحكم ويبقى فيه مسنود من شيوخ هذه الطرق الصوفية فيما ينمو على استحياء تيار يعبر عما يسمى بالإسلام السياسي بفضل الديمقراطية التي أتى بها العلمانيون، يا للغرابة الإسلام والسياسة قبل الانتخابات يلتقيان بعد الانتخابات يفترقان الإمام إلى الأضرحة وحلقات الذكر والإنشاد والحاكم إلى قرار فوري هام تفصل السياسة عن الإسلام السلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة