الوحدة الأفريقية والانتخابات اليمنية وجولة باول العربية   
الجمعة 1425/4/15 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:18 (مكة المكرمة)، 23:18 (غرينتش)

مقدم الحلقة

جميل عازر

تاريخ الحلقة

04/03/2001

جميل عازر

جميل عازر:

مشاهدينا الكرام، نرحب بكم إلى هذا العدد الجديد من الملف الأسبوعي، وفيه:

مشروع الوحدة الإفريقية بين الواقع المر والأحلام البعيدة عن التحقيق.

اليمن: تجارب في الديموقراطية بين التطلعات التقدمية والممارسات القبلية الراسخة.

كولن باول فى الشرق الأوسط، رسائل عربية في محطاته المختلفة، لا غموض في مآخذها على السياسة الأمريكية.

لا يستطيع أحد أن يتهم الزعيم الليبي- العقيد معمر القذافي- بأنه رجل غير وحدوي على الصعيدين القومي العربي والإفريقي العام، فمشاريعه الوحدويه العديدة علي الصعيد الثنائي والإقليمي ثم القاري تشهد له بذلك، وإن لم يتحقق واحد منها حتى الآن.

ولا بد من القول إن مشروعه من أجل إقامة اتحاد إفريقي سيحتاج إلى الكثير من الجهد لإنجاحه، فطبيعية التركيبة الإفريقية-ليس بين دولها بل وبين مجتمعاتها في الدولة الواحدة- تجعل الوصول إلى هذا الهدف عملية شاقة إن لم تكن مستحيلة.

معمر القذافي يتحدث لجمع من الناس في تشاد (أرشيف)
تقرير / حسن إبراهيم:

قد يكون من التجني التشكك فى نوايا الزعماء الأفارقة الذين تقاطروا علي مدينة سرت الليبية.

فبعضهم يؤمن حقيقةً بأهداف الاتحاد الإفريقي المزمع إنشاؤه، ومنهم ربما جاء أملاً فى الحصول علي دور أكبر فى الشئون الإفريقية.

وما توجه الزعيم الليبي معمر القذافي إلي إفريقيا إلا رد فعل علي ما منى به من فشل فى تحقيق حلم الوحدة العربية، حيث كان شعار مثاله الأعلى -جمال عبد الناصر- في الستينات.

ولكن توجه القذافي نحو دول أفريقيا كان عاطفياً بسب وقوف زعماء بعض تلك الدول لجانبه إبان أزمة لوكيربى. وكان الزعماء الأفارقة –وليس العرب- هم أول من وصل بطائراتهم إلى ليبيا في تحد لحظر الطيران الذي كان مفروضاً عليها،وكثف القذافي بدوره من رحلاته الإفريقية في شبه غياب عن الساحة العربية. لكن هل يكون التقارب السياسي وبادرة التعاطف مسوغاً كافياً لوحدة اندماجية أو حتى اتحاد كونفيدرالي، أليس في هذا تجاوز للمراحل؟!

فلو أحذنا من القرائن مؤشراً إلي مستقبل فإن الاتحاد الأوربي مثلاً لم يتطور إلي الشكل الذي هو فيه الآن إلا بعد مرور حوالي نصف قرن منذ التوقيع علي معاهدة روما.

ربما كان الفقر- أكثر من الاعتبارات الاستراتيجية- الدافع الأول وراء إقبال بعض الزعماء الأفارقة علي هذا الاتحاد،وربما كان الإحباط من عجز منظمة الوحدة الإفريقية- التي أنشئت عام 63 – عن حل المشاكل بين دول القارة دافعاً آخر، فعجز المنظمة كان واضحاً في نزاعات من أبرزها الحروب الطاحنة في منطقة البحيرات، والحروب الأهلية في أنجولا، وسيراليون أو بين إثيوبيا وإرتريا أو الحرب الأهلية السودانية.

وأصبح البحث عن بديل فعال مسألة مريحة، وكما في أي تجمعات كبيرة تحاول الدول التي ترى نفسها مركزية أو الأقوى فرض مرجعيتها علي الجميع وفي هذا الصدد يدور تنافس بين الجزائر ومصر وجنوب إفريقيا على استضافة المقر، وقد يتراضى الجميع على ليبيا تكريماً للقذافي صاحب الفكرة، وإذا تحقق إجماع لتكوين اتحاد بشكل أو آخر فإن عملية تحويل منظمة الوحدة الإفريقية إلى المؤسسة الجديدة قد تستغرق عاماً على أقل تقدير، غير أن هناك علامات استفهام وشكوكاً حول ناحية التنفيذ الفعلي لاتحاد شامل نظراً إلى الخلفيات الثقافية والعرقية والسياسية المختلفة، والمتضاربة أحياناً في إفريقيا قاطبة، وربما تحقق الفكرة نجاحاً لو كان مفهوم الوحدة أو الاتحاد أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال.

جميل عازر:

وكنت قد تحدثت إلى سيدي أمين نياس مدير تحرير صحيفة "الفجر" السنغالية الناطقة بالعربية في داكار، وسألته أولاً: كيف تبدو له قمة سرت ومحاولة تكوين اتحاد إفريقي؟

سيدي أمين نياس:

أولاً: كما تعرفون فالوحدة تحتاج إلى عدة تساؤلات منها وراء من؟ وحول ماذا؟ ثم هناك أيضاً تاريخ، فبداية الاستقلال كانت فيها أحلام حول هذه الوحدة، وهناك (منظرون) أوائل أمثال الدكتور كوامن كرومو، وأمثال اللمبومبا، والشيخ تورى، ثم فشلت هذه أمام الاءات الغربية، إلى جانب ذلك كانت الأحزاب الإفريقية كلها أحزاب يعني إفريقية لم تكن محلية، ولكن كل هذه الأحزاب ذهبت وأصبحت الأحزاب محلية.

جميل عازر:

طيب كيف تفسر -سيدي أمين- كيف تفسر إقبال القادة الأفارقة على القبول بفكرة تكوين اتحاد من قبيل ما هو مقترح عليهم؟

سيدي أمين نياس:

فالقادة اليوم في إفريقيا كما هو الحال في العالم العربي ينظر إليها على أن خطاب صالوني بعيد كل البعد عن الشعوب، لأننا اليوم إذا تابعنا في السنغال وفي الدول الإفريقية الإعلام الذي أصبح حراً، هذا الإعلام لم يتحدث عن ما حدث في سرت وما جرى في تلك الصالونات، فالأحاديث اليوم الإعلام كلها والشارع أيضاً اهتماماته تدور حول.. حالات محلية، أما حديث سرت لا تجده إلا خبر بسيط في الإعلام المحلي.

جميل عازر:

سيدي أمين، هل تقول أنه ربما كان من الأجدى بالنسبة للقادة الأفارقة أن يركزوا على مثلاً إصلاحات منظمة الوحدة الإفريقية بدلاً من التركيز على مشروع أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع؟

سيدي أمين نياس:

هذا جانب، لا شك أنه ينظر إليه وهو تصليح ولكن أيضاً النزول إلى الشعوب -كما قلت- الشعوب تعيش نوع من خيبة الأمل، فهي تحتاج إلى اهتمامات.. المعاش اليومي، ثم -كما قلت- المشاكل الموجودة بين دولة ودولة، وبين الأجانب مثلاً الذين يغادرون دولة إفريقية إلى دولة أخرى ما يعيشون فيها من مشاكل مثلاً بين بوركينا فاسو وساحل العاج، ما جرى أخيراً في ليبيا، كل هذه الأشياء تدل على أن قبل الاجتماع في الصالونات هناك واقع ميداني يجب الاهتمام به.

جميل عازر:

سيدي أمين، ألا تعتقد أن القارة الإفريقية بحاجة إلى مؤسسة لـ.. –على الأقل- لم شملها ومحاولة فض النزاعات ومعالجة المشاكل التي تواجه القارة؟

سيدي أمين نياس:

بكل تأكيد لا خلاف في ذلك، نحن لا نقول من حيث الضرورة ومن حيث الواجب، ولكن الأساس التي تقوم عليه هذه الوحدة، هذا ما نتحدث قلت: أن المنظرون الأوائل كان عندهم هذه الأرضية وكان حديث الوحدة، حديث الشارع، في الستينات كان الشارع يتكلم عن الوحدة الإفريقية، اليوم لم يعد الشارع يتكلم عن هذا، إذن ليس من حيث الفكرة، ولكن من حيث الأساس التي تنبني عليه فهناك يدور النقاش.

جميل عازر:

طيب هل تعتقد.. سيدي أمين هل تعتقد أن مشكلة إفريقيا تكمن في قادتها أكثر مما تكمن في قدرتها على التلاقي؟

سيدي أمين نياس:

لنقول الاثنين معاً، لأن القادة لو خلقوا طاقة جديدة وقدرة جديدة فقدراتها يعني قد يكتفى بها، أو قد تدفع إلى نوعٍ ما، ولكن القادة والقدرة الاثنين معاً لا أقول الواحدة دون الأخرى، ولكن القادة مهمة جداً اليوم في الاكتفاء على الأقل بهذه القدرة.

جميل عازر:

طيب سيدي أمين، أخيراً يعني هل أنت تقول إن محاولة تكوين اتحاد إفريقي إن كان اتحاداً كونفدرالياً أو اتحاداً اندماجياً ستؤول إلى فشل؟

سيدي أمين نياس:

اعتقادي كمن يعيش في الميدان، لا أقول حتى بأنه سيؤول إلى فشل، أقول: بأنه درب من أدراب... من الخيال، فهو جاء ظرفي ليعالج، لعله مشكلة ظرفية، مشكلة (لوكيربي) أو غيرها يعني من المشاكل، والقادة قد يأتون أيضاً لمعالجة مشاكل داخلية عندهم، قد تكون اقتصادية، قد تكون الانتفاح من صندوق (...) إلى غير ذلك، أما من حيث الأساس فهي درب من دروب الخيال، ليس هناك نظرية أيديولوجية، أو ثقافة، أو إعداد معين حتى ترى هذه الفكرة... مثلاً القدرات اللازمة أو الاستعداد اللازم للنجاح على أرض الواقع.

جميل عازر:

خاض اليمن، بل الشعب اليمني غمار انتخابات لمجالس الحكومات المحلية أو البلديات، ورافقه استفتاء على تعديلات دستورية، وإذ جرت الانتخابات في جو من المنافسة الشديدة، كان لابد أن تلقي النزعات القبلية والحزبية بظلالها على مناخ لم يصبح حتى الآن مألوفاً تماماً للمواطن اليمني، ففي الممارسة الديمقراطية ما يتناقض مع حمل السلام في وجه القبيل معارضة كان أم حكومة، وفي الممارسة الديمقراطية بمعناها الحديث انقلاب على الولاءات القبلية لأنها لا تشكل بديلاً عن الأحزاب.

تقرير/ أنور العنسي (مراسل الجزيرة –صنعاء):

عشر سنوات مضت على إعلان التعددية السياسية في اليمن شهدت البلاد خلالها 4 دورات انتخابية مختلفة، اثنتين تشريعتيين، وثالثة رئاسية، وأخرى محلية انتهت منذ أيام وترافقت مع استفتاء على بعض التعديلات الدستورية، كل واحدة من هذه العمليات الانتخابية لم تخلو من تبعات ومصاعب رافقتها أو تلتها، غير أن الانتخابات المحلية المنقضية منذ أيام والتي تزامنت مع استفاء دستوري وما صاحبها من أخطاء وتجاوزات وأعمال عنف اضطرت اليمنيين إلى إعادة تقييم تجربتهم بقدر أفضل من الجرأة والواقعية.

علي عبد الله صالح
علي عبد الله صالح (الرئيس اليمني، صنعاء):

الحزبية فعلاً لها دور داخل العملية الديمقراطية، لكن لا تركن الأحزاب السياسية إنه... إنها جمهورها في الساحة، الجمهور هو الشعب، الأحزاب مش بهذا الحجم، والذي انتخبوا وصوتوا ما.. في بعض الأوقات مش للحزب، للشخص، والقروية عادت، والمناطقية عاد لها دور، وأنا أقول إذا استطعنا نفرز فبالحزبية نركز عليها في المدن الرئيسية: صنعاء، عدن، تعز، آب، المكلى حضرموت.

أنور العنسي:

أحزاب المعارضة نفسها لا تنكر هذا ولا تعترض على تقييمه كذلك، لكنها ترى أن تحول الأحزاب إلى بديل موضوعي للقبيلة لن يتحقق إلا بتعزيز دورها وافساح المجال أمامها لتنافس شريف ومتكافئ.

جار الله عمر (الحزب الاشتراكي –صنعاء):

يحتاج إلى جملة من الإجراءات من بينها التزام المؤتمر الشعبي العام بعدم استخدام مؤسستي الجيش والأمن ضد الأحزاب الأخرى، وفي الإدلاء بالأصوات جزافاً، وعدم استخدام المال العام وأجهزة الدولة لصالح المؤتمر الشعبي العام، أيضاً إلغاء وزارة الإعلام وإدارة.. تشكيل إدارة وطنية محايدة للإعلام، لأنه هذه المرة أثبت عدم حياده، كذلك أعتقد إنه من أجل انتخابات حرة ونزيهة -نوعاً ما- أعتقد أن من الأصلح.. من الصالح العام أن يتخلى الأخ رئيس الجمهورية عن رئاسة المؤتمر الشعبي العام حتى يكون رئيساً للجميع.

أنور العنسي:

المفارقة في نظر كثيرين هي أن حزب الإصلاح الذي عادة ما يتهم بمملائة حزب المؤتمر الحاكم لم يكن كذلك خلال الانتخابات الأخيرة مما جر عليه تهماً كثيرة، تبدأ بوصفه بالتعصب وبما يوصف بتعبئته الخاطئة لكوادرة، ولا تنتهي عند تخوين رموزه وزعمائه.

د. محمد السعدي (قيادي في الإصلاح –صنعاء):

الشعب اليمني عبر عن إرادته وكان واضحاً في إعطائه للصوت، ولو أن الانتخابات خرجت عن استخدام وسائل التزوير، أو القوى، أو الضوابط المختلفة لكانت النتيجة أفضل بكثير مما وصلت إليه الآن.

أنور العنسي:

انتخابات عام 1993 في اليمن (أرشيف)
ثمة من يرى أن تحالف حزب الإصلاح الإسلامي المعارض مع حزب المؤتمر الحاكم قد أضر بتطور التجربة الديمقراطية ردحاً من الزمن إذ حال دون وجود حكومة قوية من ناحية، ودون بروز معارضة مؤثرة من ناحية أخرى، من الواضح أنه لم يعد بمقدور اليمينيين التراجع عن مشروعهم الديمقراطية هذا والعودة به إلى الوراء، ولكن كيف يمكن لهم التقدم به إلى الإمام وسط كل هذا الكم الهائل من الاحباطات والمصاعب؟ هذا هو السؤال، وذلك هو التحدي الذي يقف أمامهم اليوم، لننتظر ونرى، وإن غداً لناظره قريب.

أنور العنسي -(الجزيرة) لبرنامج (الملف الأسبوعي)- صنعاء.

جميل عازر:

ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في الملف الأسبوعي، وفيه أيضاً: الحمى القلاعية بعد جنون البقر كارثة اقتصادية ومخاوف عالمية على سلامة أغذية الإنسان.

يمكن قراءة العديد من المدلولات والمؤشرات في زيارة وزير الخارجية الأميركية الجديد (كولن باول) لمنطقة الشرق الأوسط بالنظر إلى ما سبقها وما رافقها من تصريحات بل وإجراءات اتخذتها الإدارة الأميركية، فإن كان القصد من الغارات الجوية على العراق تبليغ رسالة إلى بغداد حول اسلوب التعامل بين الجانبين مستقبلاً، فإن الإجراء ارتد على الأميركيين بشكل لم يتوقعه باول، حتى من أوثق حلفائه في المنطقة.

تقرير/ خالد القضاة:

كولن باول
منذ محطته الأولى في القاهرة ركز باول مهمته على كسب تأييد عربي للقصف البريطاني الأخير على العراق، وفرض مزيد من إجراءات احتواء النظام العراقي، لكن القاهرة منذ البداية أيضاً أعربت علناً عن مواقف مختلفة تماماً تجاه المسألة العراقية، فالقيادة المصرية -كما يبدو- تريد في المرحلة الراهنة إعادة تأهيل العراق لا ضربه ولا زيادة معاناة شعبه، وهي التي وقعت منذ فترة وجيزة اتفاقاً للتجارة الحرة مع بغداد كأرضية ممهدة لرفع العقوبات بعد عشر سنوات من الحصار، وفي محطته الثانية أعاد باول التأكيد على ضرورة وقفت العنف، وحث القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية على التحرك، في هذا الاتجاه، غير أنه غادر المنطقة من دون إعطاء فكرة حول كيفية تنفيذ هذا التحرك ولم تكن الرسالة التي تلقاها من الأردن أثناء زيارته عمان مختلفة عما وجدها في القاهرة، فالأردن الذي اتخذ أثناء حرب الخليج الثانية موقفاً مختلفاً عن كل الدول التي زارها باول سيستضيف القمة العربية القامة، والتي يتوقع الجميع أن تشهد تحولاً ملحوظاً في المواقف من العراق.

أولى المحطتين الخليجيتين في جولة باول كانت الكويت التي تزامنت زيارته لها مع احتفالها بالذكرى العاشرة لتحريرها وإن يكن في الزيارة عنصر مجاملة من شخصية دبلوماسية، فإن فيها أيضاً رسالة إلى بغداد من جنرال كان المسؤول عن وضع الاستراتيجية العسكرية لتحرير الكويت، وربما فوجئ باول بموقف الرياض، حيث تشير مصادرة دبلوماسية إلى أن القيادة السعودية تتحفظ على تكرار أي غارات جوية على العراق، تماشياً مع المواقف العربية الرسمية والشعبية بوجه عام.

وفي دمشق محطته الأخيرة في الشرق الأوسط استمع إلى نفس الرسالة التي تلقاها في مختلف محطات جولته، ومفادها: أن المبالغة في العقوبات المفروضة على العراق لا تؤثر إلا على الشعب العراقي، كما أن سوريا لا تستسيغ وضع الملف العراقي في رأس قائمة أولويات الإدارة الجديدة على حساب الاهتمام بعملية السلام في الشرق الأوسط، وخلاصة القول هي أن باول عادل بانطباعات واستنتاجات ربما لم يتوقع أن تكون بهذا القدر من الوضوح، فالتأييد العربي لاستمرار العقوبات المفروضة على العراق قد تلاش تقريباً الآن.

جميل عازر:

وبالطبع لم يكن أحدٌ يتوقع أن يأتي كولن باول في أول زيارة منه إلى المنطقة بحل لقضية استعصت على الحل طوال أكثر من نصف قرن، وهناك سبب وجيه، حتى ولو كان في جعبة الوزير الأميركي عصاً سحرية لتحقيق ما لم يحققه أحد من قبل، فعدم وجود حكومة في إسرائيل، بل وحالة الترقب التي تسود الأوساط المعنية في النزاع العربي -الإسرائيلي يوفران لواشنطن الذريعة وراء الانتظار، والظرف الزمني لإعادة النظر في كيفية رؤيتها لتنشيط المفاوضات المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تقرير/ سمير خضر:

هذا هو الرجل الذي وقع عليه الاختيار لتنفيذ سياسة شارون (بنيامين بن إليعازر) الماهجر العراقي الذي تبوء أعلى المناصب العسكرية في إسرائيل لن يكون سوى جنرال آخر يتحمل مسؤولية القمع، إذ إن الوظيفة الرئيسية التي أصبحت مناطة الآن بوزراء الدفاع في إسرائيل هي قمع الفلسطينيين وتشديد الحصار عليهم، وهذا ما يريد شارون الاستمرار فيه بل وتعزيزه، ولكن شريطة أن يتحمل آخرون هذا الوزر أمام الرأي العام المحلي والدولي، ومن أفضل من وزير دفاع من معسكر الأعداء -معسكر حزب العمل -ليتحمل هذا العبء، حزب العمل خضع في النهاية لإغراءات شارون وقبل الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية، رغم التحذيرات الشديدة التي وجهها بعض زعماؤه من أمثال (شلومو بن عامي) و (يوسي بيلين) الذين لا يرون في مثل هذه الحكومة سوى استيعابهم من قبل اليمين المتطرف الذي يتزعمه شارون، لكن الشغف بالسلطة لا يقاوم، وزعماء العمل لا يشذون عن هذه القاعدة، وقاد شمعون بيريز الحملة، حملة شرسة لا هوادة فيها ضد من لم يستوعب -في نظره- بعد حقيقة أن حزب العمل مني بهزيمة ساحقة وضد زعامات الحزب التي ساندت باراك بدلاً من بيريز نفسه، وأوصلت الأمور إلى ما آلت إليها، وبهذا يبدو المنظر الإسرائيلي، وكأنه يتلذذ بلحظات الأثر ولكنه يعتقد جازماً في الوقت نفسه أنه منقذ حلم السلام في الشرق الأوسط، هذا الحلم الذي لم يعد أحدُ يشاطره إياه لا في الشارع الإسرائيلي ولا في الشارع الفلسطيني، وقد تصطدم أحلام بيريز بالواقع المرير، واقع قدرة شارون على تفريغ حقيبة الخارجية التي وعد بها من كل مضامينها على غرار ما فعله كل رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقين، كما أن خمسة أشهر من الانتفاضة أعادت عقارب الساعة سبع سنوات إلى الوراء، إلى ما قبل أوسلو، وعادت المواجهات إلى سابق عهدها، ولم يعد أحد يتحدث عن صنع السلام، بل أن أحداً لا يتحدث مع الآخر إلا من خلال الحجارة وفوهة البندقية والمدفع، ولم يعد أحد يرى أو يتحسس ذلك السلام الذي بنيت عليه كثير من الآمال، وإنما هناك حمام من الدم اليومي، وقوافل من الضحايا وحصار اقتصادي صارم، قد يؤدي يوماً إلى تفشي المجاعة في صفوف الفلسطينيين وبالتالي إلى يأس يطيح بالجميع في إسرائيل، في فلسطين، وربما في أماكن أخرى. هذا هو الوضع الذي ستتعامل معه حكومة شارون، وهذا هو الوضع الذي سيتعامل معه حزب العمل الشريك الكامل في السلطة، وسواء كانت الحكومة من اليمين أو اليسار أو كليهما، فإن الهدف أصبح واحداً إخضاع الشارع الفلسطيني رغم إدراكهما لصعوبة أو بالأحرى استحالة ذلك.

جميل عازر:

كارثة اقتصادية بكل المعايير، وحصار بيئي للريف البريطاني، وحالة طواريء في مزارع تربية الماشية في عموم الجزر البريطانية كل ذلك بفضل فيروس الحمى القلاعية، الذي عاد بطريقة أو أخرى ليعيث دماراً في الثروة الحيوانية البريطانية والأوروبية، ولكن أكثر ما ينبغي أن يقلق المستهلكين هو ذلك الاستهتار في التعامل مع مصادر الغذاء البشري، فإرغام الماشية على أكل أعلاف تدخل فيها عناصر حيوانية بدلاً من كونها نباتية خالصة يخالف ناموس الطبيعة.

تقرير/ حسن إبراهيم:

لا يمكن وصف ما حل بالثروة الحيوانية البريطانية في السنوات العشر الماضية إلا بكارثة، فبعد أن كادت تتعافى من أزمة مرض جنون البقر، أصيبت الآن بآفة الحمى القلاعية شديدة الفتك بالأبقار والأغنام والخنازير، ويخشى من احتمال انتقال عدواها إلى الإنسان، والفيروس المسبب للقلاع سهل الانتشار، إذ يتخذ من الغبار وحتى الإنسان وأطعمته الملوثة مطية، فبينما تم اكتشافه أولاً في شمال شرقي إنجلترا وصل في غضون أيام إلى مقاطعة (ديفون) في الجنوب الغربي وهي أغزر مناطق تربية حيوانات اللحوم والحليب في بريطانيا، وإذ استخلصت الحكومة البريطانية بتجربتها مع جنون البقر درساً في كيفية التعامل مع كوارث من هذا القبيل، بادرت إلى اتخاذ إجراءات عملية للحد من انتشار الوباء، وبالتالي من الإضرار، وفرضت وزارة الزراعة احتياطات صارمة على مزارع تربية الماشية والمسالخ، ويجري قتل وحرق آلاف من الحيوانات في المزارع التي وصل إليها الفيروس لحصره ثم التغلب على انتشاره، كما فرضت قيود على تحركات الناس في المناطق الريفية بما في ذلك الصيد وسباقات الخيول، وأغلقت أسواق بيع الماشية وأوقف تصديرها.

والحمى القلاعية ليست جديدة على أوروبا فقد تفشت في عدد من دولها عام 67، وأدت في بريطانيا وحدها إلى ذبح والتخلص من نصف مليون رأس من الماشية، وأعلن التفير في دول الاتحاد الأوروبي، واتسع نطاق الحظر على اللحوم البريطانية، وأعلنت مفوضية الزراعة سلسلة إجراءات لا تقل صرامة عما أعلنته الحكومة البريطانية، وبغض النظر عن كيفية عودة الوباء إلى مزارع في بريطانيا هذه المرة فإن هناك تنسيق أفضل مع الدول الأوروبية في التعامل مع هذه الحالة، فالفيروس الذي يسبب دمامل في فم، وأقدام الأبقار، والأغنام، والخنازير يخترق الحدود ويشكل عدواً مشتركاً ليس للحكومات فقط، بل ولمربي الماشية الأوروبية قاطبة، وإعدام آلاف من رؤوس الماشية أبقاراً، وخرافاً، وحتى الغزلان، إنما يسلط الأضواء على التداعيات الاقتصادية لهذه الكارثة، وعلى صناعة اللحوم بوجه عام، كما تثير تساؤلات حول اعتماد الكثير من المجتمعات على الماشية ليس كمصدر للغذاء فقط بل وكمصدر رزق للمعنيين في تربيتها، وتصنيع منتجاتها من اللحوم والألبان ومشتقاتها أيضاً، ولم تعد القضية محصورة في بلد واحد أو حتى قارة بعينها، بل أصبحت عالمية الأبعاد والمضاعفات، ولعل أكثر ما يبعث على القلق هو احتمال انتقال أمراض كانت محصورة في الحيوان إلى الإنسان كما حدث في حالة جنون البقر.

جميل عازر:

وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونشير إلى أنه بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة