الإيمان وأثره في حياة الشعوب   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 1:44 (مكة المكرمة)، 22:44 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: مفكر وداعية إسلامي

تاريخ الحلقة:

08/06/2003

- المقصود بالإيمان وكيفية إسقاطه على واقع الأمة الحالي
- الإيمان وآليات نهوض الأمة وتطورها

- دور النموذج وأهميته في تقوية الإيمان وتجديده

- دور الإيمان في بعث الأمل في مواجهة الأخطار والتحديات

- زيادة ونقصان الإيمان

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوعنا لهذا اليوم سيكون عن الإيمان وأثره في حياة الأمة، الإيمان هو محور هذه العقيدة، هو جوهر الإسلام الذي نعتز به، والذي نشعر -وليس من فترة بسيطة على مدار قرن أو يزيد- ونحن نشعر أن الإسلام مهدد، كان في العادة التهديد يشمل شعوب الإسلام، أراضي الإسلام، خيرات الإسلام، في الآونة الأخيرة يبدو أن الحملة تجاوزت كل ذلك بعد ما بدا وأن جزء كبير من جسد هذه الأمة ضعيف على التحمل، يبدو أن هناك نخر و محاولة تأثير وهجوم حتى على الإيمان من حيث هو جوهر هذه الأمة، في نفس الوقت يبقى هذا الإيمان هو الذي يميز الطريقة التي نتعرف بها ونُعِّرف بها الله في عقيدتنا الإسلامية، الطريقة التي نرتبط بها بالله، بأنبيائه، برسله، باليوم الآخر هي التي تُميِّزنا عن غيرنا من الأمم وهي الملاذ الأخير لنا وهي الملجأ الأخير لنا، فهل بقي هذا الإيمان الغيبي المطلق الذي نُعوِّل عليه هو فقط ما نملك؟ وإذا كان هو فقط ما نملك هل يكفي؟ هل نحن نلجأ إلى غيبيات -إذا جاز التعبير- للهروب من واقع مُر، أم أن فيه فعلاً مكمن لانطلاقتنا من جديد لنعود كما يجب أن نكون أو على الأقل كما نحلم أن نكون؟

لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي دائماً فضيلة العلاَّمة الدكتور يوسف القرضاوي، سيدي أهلاً وسهلاً بك.

د. يوسف القرضاوي: مرحباً بك يا أخ ماهر.

المقصود بالإيمان وكيفية إسقاطه على واقع الأمة الحالي

ماهر عبد الله: سيدي، عندما نتحدث عن الإيمان كمؤمنين كيف نُعرِّفه؟ ما الذي نقصده عندما نقول: الإيمان وأثره في حياتنا؟ عن أي إيمان نتحدث؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد.

فكلمة الإيمان كلمة كبيرة يستعملها الناس في استعمالات شتى، ولكن حينما نذكر نحن الإيمان نقصد الإيمان الديني وبالذات الإيمان الإسلامي، والإيمان الإسلامي هو الذي ربط الله به كل خير في الدنيا والآخرة، يعني النصر، النجاة، الدفاع، العزة، القوة، المعَيَّة، (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ)، (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)، (وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ)، (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ عَلَيْنَا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ)، (وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ) إلى آخره، كل خير في الدنيا والآخرة مربوط بالإيمان، هذا الإيمان هو الذي يصل الإنسان برب السماوات والأرض، الخالق الأعظم، أساس الإيمان هو الإيمان بالله، وكل ما يأتي بعد ذلك من متعلقات الإيمان مرتبط بالله، تقول الإيمان بالله وملائكته يعني هؤلاء جند الله الذين لا يعلم عددهم إلا.. إلا هو، وكتبه.. كل الإيمان في الإسلام لا يتم إلا إذا آمن الإنسان بكل كتاب أُنزل وبكل نبي أرسل، كتبه ورسله واليوم الآخر، اليوم الآخر يعني أيه؟ يعني لقائه، وحسابه، وجزائه، وجنته، وناره، فكل متعلقات الإيمان كلها مرتبطة بالله، أساس الإيمان إذن هو الإيمان بالله تبارك وتعالى، والإيمان بالله تبارك وتعالى في نظر الإسلام الإيمان أيضاً بمحمد -صلى الله عليه وسلم- إنه إيمان برسله وبخاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وبكتبه يعني بآخر كتاب أنزله وبآخر نبي أرسله فبكل ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يتم الإيمان إلا بهذا، هذا الإيمان الذي نريده، وطبعاً نريده في مستواه الحي الإيجابي، هو فيه إيمان موروث، فيه بعض الناس ترث الإيمان هو وجد نفسه مؤمناً ومسلماً كما وجد أباه وجده وكذا، ولكن هذا الإيمان إيمان ميت أحياناً أو مخدر أو نائم أو سقيم، هذا الإيمان ليس هو الإيمان الذي ننشده، نحن نريد الإيمان في مستواه الإيجابي، في مستواه الحي، في مستواه القوي، مستواه الذي يحرك السواكن ويهيج الكوامن ويفجر الطاقات، الإيمان القوي، الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير"، إنما نريد إحنا الإيمان القوي، الإيمان الذي صنع هذه الأمة أول ما تأسست، هذه الأمة أول ما تأسست تأسست بأناس مؤمنين قليلين جداً، ولكن كانوا هم يعني يكوِّنون حجر الزاوية، يكوِّنون أساس البنيان المتين الذي سيرتفع ويسمق بعد ذلك، المجموعة الأولى التي تربت في مكة وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم، وظل الرسول ثلاثة عشر عاماً يتعهد هذه المجموعة القليلة بغرس الإيمان في قلوبها، يصب الإيمان في عروقها صباً، يتعهدها ليلاً ونهاراً بالإيمان، يعني في العهد المكي وهو ثلاثة عشر عاماً، والعهد المكي [المدني] عشرة أعوام، الثلاثة عشر عاماً كان مهمتها تأسيس الإيمان، نزل فيه أكثر من ثمانين سورة من القرآن الكريم كلها - السور المكية هذه - كلها تعمل على تثبيت الإيمان بالله وباليوم الآخر وبلقاء الله، وبقَدَر الله، وبملائكة الله، وكتب الله، ورسل الله، يعني لم يكن للرسول مهمة إلا هذا الأمر، الشرائع ما نزلت يعني الأحكام التي تنظم المجتمع وتنظم العلاقات وتنظم العقوبات هذه تمت في ماذا؟ في المدينة، إنما في مكة كانت تؤسس العقائد، تؤسس هذه الركائز الأساسية، ولذلك يعني الإيمان تم تأسيسه في مكة واستثمر في المدينة، المفسرون يقولون: لم ينزل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا في المدينة، ما فيش (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) في مكة أبداً، في مكة كنا لسه بنؤسس الـ.. لما تأسس الإيمان وأصبحت جماعة مؤمنة أصبحت تخاطب بهذا الخطاب الإلهي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُم تُفْلِحُون) كل التعاليم والتكاليف التي جاءت في المدينة أسست على الإيمان، إن هناك.. أصبح هناك إنسان مؤمن قادر على أن يتحمل التكاليف والأعباء، أصبح هناك مجتمع مؤمن ربط الإيمان فيما بين أفراده بعضهم وبعض، لأن أيضاً من مهمة الإيمان إنه كما أنه هو يعني قوة هادية وكما أنه هو قوة محركة وكما أنه قوة ضابطة تضبط الإنسان وتردعه عن فعل الشر، تدفعه إلى فعل الخير وتلجمه عن فعل الشر، ولكن مع هذا هو قوة مجمعة أيضاً تجمع أهل.. أهل الإيمان بعضهم مع بعض.

ماهر عبد الله: تسمح لي بس في النقطة اللي.. اللي قبل هذه بنرجع لمهمة الإيمان ما تفضلت به عن أنه أسس في مكة واستثمر في المدينة، وتغير حتى الخطاب من (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) إلى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كيف نسقطه على.. على واقعنا اليوم؟ كيف نفهم هذا المعني في ضوء ما نعيشه اليوم من.. من تطورات؟

د. يوسف القرضاوي: آه، هو اليوم إذا نظرنا إلى واقعنا وموقع الإيمان منه نرى طبعاً هناك مفارقات، الإيمان الذي ننشده لا نراه إلا في فئات قليلة، يعني الأمة مليار وثلث مليار من البشر، إنما هذه الأمة كم فيها من المؤمنين؟ يعني أنا لي قصيدة بأقول فيها:

يا أمة الإسلام هبوا وانهضوا فالوقت راح

يا ألف مليونٍ وأين هم إذا دعت الجراح؟

هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح

من كل ألفٍ واحداً أغزوا بهم في كل……

ادِّي له من الألف واحد، ما فيش حتى من الألف واحد، لأنه مافيش مليون مؤمن، إحنا يعني نريد فيه.. فيه المؤمن الصحيح، بنقول صحاحاً من صحاح، مش كسور المؤمنين، وكان الشيخ حسن البنا -رحمة الله- كان يقول: هاتوا لي 12 ألف مؤمن وأنا أحقق بهم الآمال وأغزوا بهم الدنيا، بس مؤمن كامل، يعني فيه 12 ألف مؤمن ما تجيبليش 24 ألف نصف مؤمن، أو 48 ألف ربع مؤمن، أو 96 ألف ثمن مؤمن، أو ملايين من كسور المؤمنين، لأن هذه الكسور دي لا.. هو مستشفى من المرضى لا تساوي واحد سليم قوي، يعني أو مستشفى من المجانين ما يجيش واحد عاقل.

ماهر عبد الله: طيب، التعبير تعبير جميل، طيب يعني هذه الفترة المكية كيف نريد أن نعيشها؟ كيف نصل بالألف مريض إلى أن.. أن نخرج منهم عشرة أصحاء؟

د. يوسف القرضاوي: أنا لا أريد أن أقول ما.. كما يقول بعض الناس إن إحنا لازلنا في الفترة المكية و..، لأنه الدين اكتمل، يعني (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)، وتم التشريع ومن غير شك وحفظ الله مصادر التشريع ومصادر التوجيه لهذه الأمة، يعني من خصائص هذه الأمة إن مصادرها محفوظة ومعصومة (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، فالقرآن محفوظ والسنة محفوظة، الإمام الشاطبي قال: إن تكفُّل الله -تعالى- بحفظ القرآن يتضمن ويستلزم بالضرورة حفظ السُّنة، لأنها المبينة للقرآن، وحفظ المُبين يستلزم حفظ بيانه، فالأمة مصادرها معصومة، ولكن المشكلة أن الأمة يعني في حاجة إلى علماء ودعاة ومُربِّين يعكفون على تأسيس الإيمان القوي البصير المتفتح لهذه الأمة، لأننا نشكو من.. فيه إيمان.. لا.. لا نقول إن الأمة فقدت الإيمان، ولكن إيمان يحتاج إلى بصيرة، إلى أن ينظر إلى الواقع، إلى أن يراعي سنن الله -تبارك وتعالى- ليتعامل مع قانون الأسباب و.. والمسببات، يعني لا ينتظر إن هو يعني كما قال سيدنا عمر حينما وجد في المسجد بعد صلاة الجمعة جماعة قابعين في المسجد بيذكروا الله بعد صلاة الجمعة، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا نحن متوكِّلون، قال: بل أنتم متأكِّلون، بتتأكلوا من غيركم، لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض، أما سمعتم قول الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ) روح انتشر يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وابتغي من فضل الله، التمسوا الرزق في خبايا الأرض، وعلاهم بالدُّرة قال لهم: أخرجوا من المسجد، فهذا الإيمان اللي.. اللي عايز السماء تمطر ذهب وفضة أو إن النصر يجي له وهو جالس يعني في بيته، أو إن التقدم يأتيه من غير كدِّ اليمين وعرق الجبين، الأمم اللي تقدمت وسخَّرت العلم لخدمة الإنسان وتسهيل.. تسهيل الأمور واختصار الزمان والمكان و.. إلى آخره ما.. ما عملتش هذا وهي قاعدة متقاعسة إنما أدت هذا بعمل وعمل متقن وعمل مستمر.

[فاصل إعلاني]

الإيمان وآليات نهوض الأمة وتطورها

ماهر عبد الله: نود أن نذكركم قبل أن نواصل هذا الحوار مع فضيلة العلامة الدكتور القرضاوي بأنه بإمكانكم المشاركة معنا بعد قليل في هذه الحلقة إما على رقم الهاتف: 4888873، أو على رقم الفاكس: 4890865، طبعاً بعد المفتاح الدولي لدولة قطر، أو على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي:www.aljazeera.net

سيدي، كيف وصلت الأمة.. كيف استطاع.. يعني لو ابتدأنا بالنموذج الأول، ما جاء به محمد بين يدينا اليوم، يعني لا.. لا يمكن ربطها به بوجوده الشخصي لأنه مات وكان لابد أن.. أن يموت، لابد أنه وظَّف مجموعة من الآليات القابلة للتوظيف بمفهوم الأسوة وأنه نبي، ما الذي فعله ويبدو أننا نفشل في فعله لنصل بمن حولنا إلى ما وصل إليه -صلى الله عليه وسلم- بمن حوله؟

د. يوسف القرضاوي: لأ، هو بدأ بالتربية، يعني لا شك أن نهضات الأمم وانتصار الرسالات والدعوات الكبرى يحتاج أول ما يحتاج إلى الرجال المؤمنين الصادقين، هذا يعني أمر لا شك فيه، وما ورد عن سيدنا عمر إنه جلس مع مجموعة من الصحابة فقال لهم: تمنوا، قاعدين في دار من الدور كده، قال لهم: تمنوا، كل واحد يقول أمنيته أيه. فقال أحدهم: والله أتمنى أن تكون هذه الدار مليئة بالدراهم والفضة فأنفقها في سبيل الله. والآخر قال: أتمنى أن تكون هذه الدار مليئة بالدنانير الذهبية لأنفقها في سبيل الله. وكل واحد تمنى تمنيات من هذا النوع. ماذا قال سيدنا عمر؟ قال لهم: أما أنا فأتمنى أن تمتلئ هذه الدار برجال مثل أبي عُبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة فأجندهم في سبيل الله. لم يتمنى مالاً وإنما تمنى رجالاً، ولذلك بعض الناس الذين درسوا الإسلام من الغربيين أنفسهم حينما يعني رأوا تعاليم الإسلام ومبادئه يعني قالوا في.. بعضهم قال في إعجاب: ياله من دينٍ لو كان له رجال، ولذلك أول ما فعل الرسول أول ما وَجَّه إليه همه وهمته أن يبني الرجال، أن يؤسس هؤلاء الرجال، فظل ثلاثة عشر عاماً ليس له عمل، وكما قلت مافيش تشريع، التشريع الوحيد أو العمل الوحيد اللي نزل في.. في.. الصلاة، والصلاة أيضاً دورها في تثبيت الإيمان وإيجاد الإيمان و.. وتقوية الإيمان دور معروف، فظل يعني مجموعة قليلة يقوم على توجيهها وتربيتها وتعهدها التعهد المستمر وأولاً بأول كما تتعهد النبتة، والنبتة لابد أن تمر بأدوار، يعني هي بذرة، والبذرة تنبت النبتة، تورق الورقة، تزهر الزهرة، تثمر الثمرة، تنضج.. تأخذ هذه الأدوار ظل يسقيها ويُسمدها ويتعهدها بهذا الإيمان والقرآن هو أكبر موجه وأكبر مصدر له ينزل باستمرار، ده كان من حكمة إن القرآن ما نزلش مرة واحدة، لو.. نزل بالتدرج (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)، (وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ) يفسر الأشياء ويرد على التساؤلات، ويتعهد الأمة في بداية أمورها، الأمة في.. في.. في المرحلة المكية تعرضت لامتحانات خطيرة وبلاءات هائلة، ما كان يمكن أن تصبر عليها إلا بالإيمان، الإيمان هو الشيء الوحيد اللي يجعل الإنسان يواجه الشدائد والمحن مهما غلظت وتفاقمت، وحينما ضاق بعض.. بعض المسلمين نزل القرآن يقول: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ) جاء خباب بن الأرت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد رداءه في ظل الكعبة وكان خباب بن الأرت مولى، يعني..

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدي، يعني قاطعتك وأنت على وشك أن تذكر لنا قصة الخباب بن الأرت مع .. مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، كنا نتحدث عن معاناة المسلمين في مكة في فجر الدعوة الإسلامية، ولولا الإيمان الذي تأسس عليه الإسلام وقامت عليه الجماعة الإسلامية من أول الأمر ما صمد الإسلام في وجه هذه العواصف والأعاصير لإنه قام دين جديد في مجتمع يرفضه يعني تماماً مجتمع وثني، ولذلك كانت حصيلة الـ 13 سنة كلها يعني عشرات من الناس يعني ما.. فلولا هذا الإيمان ما كان هذا الصمود البطولي، وذكرنا نموذجاً لهؤلاء الذين عانوا وعذبوا في سبيل الله خباب بن الأرت يعني فيه أشخاص في العهد المكي معروفين، عمار بن ياسر، بلال بن رباح، خباب بن الأرت، كانت له مولاة شديدة القسوة، كانت تكوية بمحاوير من النار، فالرجل صبر كثيراً ثم يعني الضعف البشري جاء يشكو للنبي -صلى الله عليه وسلم- و.. وكان الرسول في.. حول الكعبة.. بجوار الكعبة ومتوسد رداءه في ظل الكعبة، فجاءه قال له: يا رسول الله ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ الله، سايبنا كده لا دعوة.. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قام يعني وجلس.. كان متكئاً فجلس، وقال له:" إن من كان قبلكم كان أحدهم يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب وكان ينشر أحدهم بالمنشار فلقتين ما يصرفه ذلك عن دينه" ثم قال: " والذي نفسي بيده ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"، فالرسول أيضاً كان يعني مهمة الإيمان أنه يبعث الأمل، وهذه من أدوار الإيمان الأساسية بعث الأمل، كنا بنتكلم في الأسبوع اللي فات عن الإحباط الذي حاق بالأمة وأشعرها باليأس والقنوط، وإن الدنيا مظلمة وإن المستقبل غائم، وإن كذا، لأ الإيمان لا يعرف هذا، مهما غامت الدنيا فبعد الغيم صحو، مهما أعسرت فبعد العسر يسر، إن مع العسر.. (فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً)، بعد الظلام لابد أن يأتي الفجر، فالإيمان دائماً باعث للأمل والرجاء، لا يعرف اليأس، (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ)، يعني فيه تناقض بين اليأس و.. والإيمان. نعم.

ماهر عبد الله: ولكن فيه.. فيه يعني الكلام هذا يعني يشتمل على مفارقة غريبة ومعادلة صعبة من ناحية الفتنة والمحنة ضرورية لتكريس الإيمان ولتثبيته.

د.يوسف القرضاوي: من ناحية أيه؟

ماهر عبد الله: الفتنة لتثبيت الإيمان لابد من فتنة، يعني كل الفتن التي تعرضوا لم تكن عشوائية، كانت جزء من اختبار، ومازال الفتنة فلسفة مهمة في الإسلام، من ناحية أخرى أنت بحاجة إلى التطمين، فكيف الجمع؟ كيف يستشعر الإنسان أنه يُفتن؟ وبالتالي لابد ما يكون عنده الأمل.. لأنه في بعض الأحيان..

د.يوسف القرضاوي: ما هو ده شغل الإيمان، شغل الإيمان إنك ما.. مادمت تحمل رسالة جديدة، ورسالة تغيير وإصلاح وتجديد فلابد أن يقاومها الناس، إن كنت بتدعو للحق لازم يقاومك أهل الباطل، بتدعو للفضيلة يقاومك أهل الرذيلة، بتدعو للعدالة يقاومك الظالمون للناس، بتدعو للخير يقاومك الأشرار، بتدعو للتوحيد يقاومك الطواغيت، فهذه طبيعة الإيمان، الإيمان نفسه هو بيعطيك أمام هذه الفتن و.. والمحن هذا المصل المقوي أو هذا الدواء أو هذا الشعاع الذي يُنير لك الطريق، ويشعرك إن المستقبل دائماً لك، وهذا يعني النبي -عليه الصلاة والسلام- هو المثال الأعلى لهذا، يعني هو.. هو من.. من قلبه يفيض على قلوب الآخرين، ومن آماله يعني يبعث آمال الآخرين، وهو مهاجر خارجاً من.. من بلده مطارداً، ويأتي سراقة يريد أن يكسب المائتي ناقة التي جعلتها قريش لمن يأتي بمحمد وأبو بكر، وبعدين يغوص فرسه ويعني كذا، وبعدين يقول له: خلاص يا محمد أنا سأخذِّل عنك، يقول له: كيف بك يا سراقة إذا ألبسك الله سواري كسرى وقيصر.. سواري كسرى بن هرمز؟ يقول له: كسرى.. كسرى بن هرمز؟! يقول له: آه، فهو يعني مطارد مش.. يعني لم يصل إلى مستقره بعد، وبعدين يؤمن بأن الله سيوِّرثه مال كسرى، كذلك في أيام غزوة الخندق، هذا هو صنع الإيمان، الإيمان لا يعرف يعني..

ماهر عبد الله: طب في.. في هذه النقطة تحديداً يعني محمد -صلى الله عليه وسلم- كان موجوداً، وهو له ما له من حضور طاغي في حياة الناس، حتى الذين لم يكونوا يحبونه كانوا يشعرون بقوة شخصيته بصدقه وبـ.. كان هو مبعث هذا التطمين، جزء من مبعث هذا التطمين، هو الذي بشَّره بالسوارين، هو الذي بشَّرهم في الخندق بالفتوحات، من الذي يبشرنا اليوم؟ من هو البديل لإدخال هذا التطمين في نفوس الذين يستشعرون جو الفتنة؟

د.يوسف القرضاوي: هو القرآن نفسه عالج هذه القضية حينما يعني تعلَّق بعض المسلمين برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة أحد حينما انتشرت الشائعة إن محمداً مات، إن محمداً قُتل، وفتَّ ذلك في عضد يعني كثير من الناس، وفر بعض الناس، ولكن يعني عدد من الصحابة وقفوا كالجبال الشُّم، وقاتلوا، وبعضهم رأى بعض الناس فر فقال له.. قال له: مات الرسول، قال له: ولماذا لا تموت على ما مات عليه؟ وما حاجتكم إلى الحياة من بعده؟ هؤلاء أمثال أنس بن النضر، وأبو دجانة، وطلحة بن عُبيد الله، وغير هؤلاء الذين يعني اللي.. اللي أظهروا بطولات فارعة في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا وبعدين نزل القرآن يقول لهم: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أنتو بتؤمنوا بأشخاص أم بتؤمنوا بمبادئ وبرسالة؟ حب إنهم ما يكونش ارتباطهم بشخص النبي، ولذلك حينما مات الرسول بالفعل، وبعض الصحابة فقد وعيه، حتى عمر نفسه يقول: من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه، فيقوم -سبحان الله- يثبِّت الله رجلاً مثل أبي بكر، ويقف هذه الوقفة التاريخية، ويقول: "أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم يتلو الآية (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ). بعض الصحابة يقول: كأننا لم نسمع هذه الآية، مع أنها نزلت عليهم وقرءوها وحفظوها، إنما هذا ولذلك الصحابة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمسكوا بالزمام، ومضوا في الطريق نفسه، هؤلاء هم الذين ربَّاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحفظ بهم الإسلام، وقفة أبو بكر جعلت عمر والصحابة يرجعون إليه ويحاربون المرتدين، ويحاربون مانعي الزكاة، ويجهِّزون أحد عشر لواءً لمقاتلة هؤلاء، وينتصرون عليهم و..

دور النموذج وأهميته في تقوية الإيمان وتجديده

ماهر عبد الله: طيب يعني هذا.. هذا بيفتح باب يعني سؤالين، الأول: عن دور النموذج، أبو بكر في هذه القصة الأخيرة كان هو النموذج، وفي كل مرحلة ودور المجدد على رأس كل..، من.. من ناحية أخرى -يعني حتى بس ما أنساش السؤال أنا- عندما نتحدث عن التربية لتقوية الإيمان، لخلق هذه الكتلة التي ستكون نموذج للناس، يقابلها مفهوم آخر منتشر، وأعتقد فيه كثير من الوجاهة، يعني شوف الأخ محمد مثلاً بيقول: الإيمان منحة إلهية، لا يتمتع بها إلا من رحمه ربه في هذا الزمن، وأراد به الخير. فهل الإيمان منحة إلهية، وبالتالي لا نستطيع أن نكتسبه، إما أن يختارك الله أو لا يختارك، أم أنه شيء مكتسب بفضل الله يمكن أن نطوِّره وأن نحسِّنه، وأن نقويه بالتربية؟ احكي لي أولاً عن النموذج، أهمية وجود إنسان مثل أبو بكر، وما الذي يمكن أن يقوم في.. في هذا اليوم، ثم نعود إلى أن هل هو مكتسب، وبالتالي نطوِّره ونقويه ونقتدي بالنموذج، أم أنه منحة إلهية لا دور لنا فيها؟

د.يوسف القرضاوي: أولاً من ناحية النموذج، يعني النماذج في هذه الأمة مستمرة، هذه الأمة أمة ولود، يعني هي أمة ممكن تنام، ولكنها لا تموت، دائماً ولاَّدة تأتي بالنماذج، كل عصر له نماذجه، وحينما ذهب أبو بكر جاء عمر، وحينما.. ولم يكن أبو بكر ولا عمر وحدهم، الصحابة هؤلاء جميعاً كلهم نماذج...

ماهر عبد الله: صحيح.

د.يوسف القرضاوي: و.. وتظهر هذه الأمة أكثر ما تظهر أو.. في أوقات المحن، المحن هي اللي بتصقل جوهر الأمة، وتكشف عن مكنوناتها عندما تأتي المحن والشدائد تظهر معادن الأمة الصلبة الصحيحة والنفيسة عند الشدائد، وأنا.... أحب أن.. أن أقول لك أن هناك نماذج كثيرة في هذه الأمة وفي هذا العصر، ورأينا هذه النماذج في الحروب التي تمت في حرب فلسطين سنة 48 رأينا نماذج رائعة، الإنسان اللي يعني تُقطع ساقه دانة مدفع.. و(تتقطع) وينظر إليها ويقول:

ولست أبالي حين أُقتل مسلماً

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شِلْوٍ ممزَّعِ

الآن النماذج اللي بنراها في الانتفاضة الفلسطينية، هؤلاء الشباب الذين يفجِّرون أنفسهم، لأ، هذه.. هذه أليست نماذج الإنسان أغلى شيء عنده حياته، و.. ومع هذا يضحي بحياته قرير العين منشرح الصدر، وأكثر من ذلك إن أهله يعني يشجعونه، وأمه تقول له: اذهب يا بني، وتستقبل خبر شهادته بالزغاريد، لماذا.. لا.. لا نريد أن نستهين بالنماذج.. الأمة -كما قلت- أمة ولاَّدة، والنماذج يعني موجودة، وإذا كان الصحابة يعني طبعاً تميزوا بحكم التربية المباشرة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن التلاميذ بيأخذوا النفحات من أستاذهم، وأستاذهم رسول الله هم الذين عايشوا السيرة النبوية، وشاهدوا القرآن ينزل، وشاهدوا الوقائع، وشاهدوا الآيات القرآنية، وجبريل روَّاح بها غدَّاء، ولكن أقول إنه أيضاً الصحابة ليسوا وحدهم، الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال لبعض الصحابة في أواخر حياته، قال لهم: "أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: "ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟" لا.. لا عندهم يعني شهوات، ولا غرائز، ولا دنيا تشغلهم، ولا زينة، ولا زخارف، قالوا: فالأنبياء، قال: ومالهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟" قالوا: فنحن، قال: "ومالكم لا تؤمنون ورسول الله بين أظهركم"، قالوا: فمن؟ الله، مادام لا الملائكة أعجب الخلق إيماناً ولا الأنبياء، ولا إحنا، مَن هم؟ فقال: أعجب الخلق إيماناً قوم يأتون من بعد، يجدون كتاباً بين لوحين يؤمنون بما.. يؤمنون به، ويعملون بما فيه أولئك أعظم أجراً"، وفي بعض حديث آخر يقول، وشوقه إلى إخوانه: "وددت لو أني رأيت إخواني"، قالوا: أََوَ لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: لأ، أنتم أصحابي، إخواني الذين يأتون بعد، فنحن في هذا العصر إخوان رسول الله ممكن أن نكون صحابة جدداً.

ماهر عبد الله: طب خلينا نؤجِّل الحديث.. خلينا نؤجِّل الحديث عنها، لأنه هاي النقطة يعني مهمة على الأقل مرتبطة بموضوع الأمل أهم وظيفة للإيمان.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: لنستمع إلى بعض المشاركات من بعض الإخوة على الهاتف، نعتذر لهم أولاً على التأخير، الأخ محمد إبراهيم من السعودية، أخ محمد، اتفضل.

محمد إبراهيم: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د.يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

محمد إبراهيم: أحب أسأل الشيخ، الرسول -اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه- بالنسبة للإيمان عندما سُئل هل يسرق المؤمن أو يزني؟ أجاب بنعم، وعندما سُئل: هل يكذب، أجاب بلا، فما هي يعني الكذب، هل ينزع صفة الإيمان عن المؤمن؟ وأليس الكذب هو أعظم مصيبة أصابت هذه الأمة من شيوخها إلى أطفالها؟ وجزاكم الله خيراً.

ماهر عبد الله: طيب مشكور يا أخ محمد، نسمع من الأخ شملان الشملان من البحرين.

شملان الشملان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: السلام والرحمة.

د.يوسف القرضاوي: مش سامع كويس.

شملان الشملان: أول شيء: فضيلة الشيخ، نحبكم في الله الذي نسأل الله -سبحانه- أن يجمعنا وإياكم في مقر رحمته.

ثاني شيء: نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن ذكرهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- شوقاً إلى إخوانه، عليه الصلاة والسلام أو كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام..

د.يوسف القرضاوي: أنا مش سامع.

ماهر عبد الله: راح أقول لك.

شملان الشملان: فضيلة الشيخ، بالنسبة إلى موضوع الإيمان، والبعض ينظر بأن على.. على الجميع أن يصبر ويعاني كما عانى الرسول -عليه الصلاة والسلام- في بدء الدعوة الإسلامية، الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما فيه شك عانى، وكما أشرتم فضيلتكم قبل لحظات، و.. ولكن بعد قيام الدولة الإسلامية وانتشار الإسلام إلى.. إلى هذه البقاع، إلى بقاع.. جميع بقاع الشرق والغرب في العالم، الآن نحن الآن نواجه تغريب، ونواجه رِدَّة، ونواجه كثير من العقبات وكثير من المصائب التي ما فيه شك هي امتحان إلى الإيمان، إلى مدى إيمان المسلمين، ولكن هل يتحتَّم علينا أن نأخذ أن.. أن نأخذ الدنية في ديننا؟ هل يتحتم علينا أن نرضى بالذل والهوان على الرغم من الدين الإسلامي هو دين عزة وكرامة؟ نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن.. أن.. أن يوفِّق الجميع إلى ما يحبه ويرضاه، وجزاكم الله خيراً.

ماهر عبد الله: طيب مشكور أخ الشملان. معايا الأخ صبري معروف من مصر، أخ صبري، اتفضل.

صبري معروف: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د.يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

صبري معروف: كيف حال فضيلة الإمام الدكتور القرضاوي، الحمد لله على سلامتكم.

د.يوسف القرضاوي: الله يسلِّمك يا أخي.

صبري معروف: وكيف حالك يا أخ ماهر، وعوداً مباركاً إن شاء الله.

ماهر عبد الله: بارك الله فيك.

صبري معروف: الحقيقة الأمل هذا شيء طيب وجميل، ويعني يعتبر هو من أولويات الحركة الإسلامية المعاصرة أن تبعث الأمل في نفوس الشباب ونفوس المسلمين، وكذلك من مظاهر الأمل اللي تفضل.... الإسلامية الحالية، ولكن يا سيدي كيف يتم البناء يوماً إذا كنت أنت تبني وغيرك..

ماهر عبد الله: طيب يبدو أنه يعني حظنا مع الأخ صبري، أو حظه معانا غير.. لكن على كل الأحوال أعتقد جوهر السؤال.. جوهر السؤال وصل، كون الأخ..

د.يوسف القرضاوي: أنا لم أسمع هذه الأسئلة..

ماهر عبد الله: أنا هأقول لك الأسئلة..

د.يوسف القرضاوي: للأسف السماعة مش مظبطة معايا..

دور الإيمان في بعث الأمل في مواجهة الأخطار والتحديات

ماهر عبد الله: أنا هأعيد لك.. هأعيد لك الأسئلة مرة ثانية، السؤال الثاني سؤال الأخ شملان، لأنه له علاقة بما انتهينا إليه من حديث قبل الفاصل: هل يشترط أن نصبر وأن نعاني كما عانى الأوائل، وإن كان هذا في البداية، لكن بعد قيام الدولة الإسلامية وانتشار الإسلام في كافة أصقاع المعمورة كما تحدث الأخ، نحن الآن نواجه ما هو أدهى وأمرّ، نحو نواجه تغريب وردَّة، نواجه تغريب ونواجه ردَّة، هل هذا يعني أن جزء من صبرنا أن نعطي الدنِيِّة في ديننا، أن نقبل بما هو مفروض علينا؟ قارننا الأخ.. بجزء مما تحدثت عنه بإخواني عندما تحدث رسول الله صلى.. ما تحدثت عنه في الحديث الذي سبق الفاصل...

د.يوسف القرضاوي: آه، دي في الأول.

ماهر عبد الله: الذين يؤمنون بي ولا.. ولا يروني..

د.يوسف القرضاوي: ولم يروني، نعم.

ماهر عبد الله: يعني هل بإمكان هؤلاء أن.. أن يصبحوا مثل هؤلاء، وهل يعني ذلك في بعض الوقت أن نعطي الدنية في ديننا؟

د.يوسف القرضاوي: لا، لا يعني هذا أبداً، لا يعني أن نعطي الدنية في ديننا، إحنا قلنا إن الإيمان هو مصدر العزة والكرامة للإنسان المؤمن (وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) بالعكس المؤمن يعني كما قال بعضهم:

ومما زادني شرفاً وتيهاً

وكدت بأخمصي أطأ الثريَّا

دخولي تحت قولك: يا عبادي

وأن أرسلت أحمد لي نبيًّا

يعني هو بيعتز بالتوحيد، وأنه عبد الله تعالى، وأنه مؤمن بمحمد، صلى الله عليه وسلم، فالمؤمن لا يعطي الدنية في دينه، يعني ولكن أحياناً يعني قد تُفسَّر بعض الأشياء على غير حقيقتها، يعني مثلاً سيدنا عمر اعترض على صلح الحديبية، وقال لرسول الله: لماذا نعطي الدنية في ديننا؟ لأن الرسول كان أبعد منه نظراً، وقَبِل من الشروط ما يرى بعضه فيه نوعاً من الإجحاف على المسلمين، وأنه نوع من إعطاء الدنية، فأنا لذلك أنا أقول: إنه أحياناً يعني الإيمان يقتضي من الإنسان أن يحاور ويداور، ويعني ويأخذ بـ.. يرتكب أخف الضررين، ويرضى بأهون الشرين، ويفوِّت أدنى المصلحتين، يعني أيضاً الإيمان ليس معناه أن المؤمن مغلق أو مقفل، لأ يعني إنما الدنيِّة لا يعطي الإنسان الدنية في دينه أبداً، آه.

ماهر عبد الله: طيب كونك تحدثت عن الأمل الأخ صبري كان سؤاله إنه يعني شيء جميل هذا الموضوع، لكن كيف يمكن لك أن.. أن.. أن تستمر مع هذا الأمل -كما قال- إذا كنت تبني وغيرك يهدم، في.. في مواجهة الهدم المتواصل؟

د.يوسف القرضاوي: حتى لو أنت بتبني وغيرك يهدم، خليه يهدم، وأنا أبني ثاني يعني سنظل يعني في صراع، ولكن في النهاية مَنْ المنتصر؟ الحق هو المنتصر، الله تعالى يقول: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ). النافع هو.. البقاء للأصلح، هذه الآية تعبِّر عما يُعبِّر عنه بعض الفلاسفة المعاصرين أو بتاع إن البقاء للأصلح، فالقرآن يقول: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ). الأخ بيقول بنواجه ردِّة، صحيح بنواجه ردَّة، وهي من أخطر الأشياء التي نواجهها، وقد ألَّف العلاَّمة الشيخ أبو الحسن الندوي -رحمه الله- رسالة لطيفة تحت عنوان: "ردَّةٌ ولا أبا بكر لها"، وتحدث عن الردَّة، خاصة الردَّة الفكرية، إحنا يعني لا نواجه ردَّة يعني دينية بمعنى إن واحد يعني يكفر ويقول: خلاص، بعد ما كان اسمه محمد يبقى اسمه جورج أو كذا لأ، ما بيحصلش هذا إلا شيء نادراً في بعض.. بعض البلاد نتيجة أوضاع معينة، إنما الأخطر من هذا الرِّدة الفكرية إن الإنسان يبقى مؤمن، ويرفض الإسلام، ويرفض شريعة الله، يرفض أحكام الله، يوالي أعداء الله، يعني هذه هي الردَّة الخطرة، كيف نواجهها؟ نواجهها بالإيمان الذي يبعث الأمل، لأنه منين يأتي الأمل؟ الإيمان مهمته إنه يعطي للإنسان قوة، وهذه القوة قوة مصدرها الإيمان بالله نفسه، مادام الله معي، إذا كان مثلاً دلوقتي لو واحد سفير أميركاني في بلد من البلدان تلاقيه بيفرض يعني ما يريده على السلطات المختصة، لأنه بيمثل أكبر قوة في الأرض، طب أنا بأمثِّل الله، المؤمن ده مندوب الله في.. في.. في الأرض، فبيشعر بالقوة، يشعر أن الله معه، ومن كان الله معه فلن يضيع ولن يذل، (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ)، سيدنا موسى حينما خرج بقومه من مصر، وتبعه فرعون وجنوده حتى وصل إلى البحر، خلاص البحر من أمامكم والعدو من أيه؟ من خلفكم، فرعون وجنوده (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) قالوا له: خلاص، أدركنا فرعون وجيشه، ولا خلاص لنا. ماذا قال سيدنا موسى؟ قال: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، هيهديني.. هيشوف لي حل، وكان الحل (اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ)، وهذا ما حدث في الغار النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال سيدنا أبو بكر: يعني لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تخزن إن الله معنا"، هذه هي القوة اللي تأتي.. من الإيمان، وتأتي أيضاً من الإيمان بالقدر، لأن إيمان المؤمن بالقدر يعطيه قوة إن كل شيء بقدر الله، لا يستطيع أحد أن يفرض عليه، "لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد.."، الآجال محتومة والأرزاق مقسومة، فلا يخاف على رزقه ولا يخاف على عمره، هذا بيعطيك قوة هائلة، فلذلك هذا عمل الإيمان.

ماهر عبد الله: طيب أنا هأؤجل سؤال الأخ محمد إبراهيم بعض الوقت، لأنه عندي مجموعة من الإخوة على الهاتف من فترة طويلة، نسمع من الأخ مأمون العلوي من المغرب، أخ مأمون، اتفضل.

مأمون العلوي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

مأمون العلوي: مساء الخير.

ماهر عبد الله: عليكم السلام، وأهلاً بك.

مأمون العلوي: كنا نود السماع من فضيلة الشيخ يعني منهج عملي للأشخاص أولاً في مجال تقوية الإيمان، ثم كنا كذلك نود السماع منه ما يجعل مستوى الأمة..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: عيد.. عيد لي الأولى أخ.. أخ مأمون، تعيد بس النقطة الأولى لو سمحت.

مأمون العلوي: نعم، أنا أرجع فأقول: كنا نود من فضيلة الشيخ أن يحدثنا شيئاً ما عن المنهج العملي الفردي لكل أحدٍ من أفراد الأمة كي يتقوى إيمانه، ثم كنا نود منه، سماع.. السماع كذلك للمنهج العام الذي يجب أن.. أن تطبِّقه الأمة في هذا الظرف الحرج الذي تكالبت فيه الأمم علينا، وكذلك أنه أود التذكرة فقط أن الإيمان يزيد وينقص بالطاعات أو بعدم الطاعات، يعني النقطتان الأول.. الأولتين كنا نود السماع التفصيل فيهما..

ماهر عبد الله: إن شاء الله.. إن شاء الله تسمع أخ.. أخ مأمون..

مأمون العلوي: خاصة أن مثلاً شيخ الإسلام بن تيمية خصص كتاباً للإيمان في فتاواه، بارك الله فيكم، والسلام عليكم.

ماهر عبد الله: مشكور جداً يا سيدي، نسمع من الأخ هادي أبو عامرية من السعودية، أخ هادي تفضل.

هادي أبو عامريه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

هادي أبو عامرية: لقد سبقني الأخ مأمون والله فقال كل ما في نفسي.

ماهر عبد الله: الله يبارك فيك.

هادي أبو عامرية: وإن كان من إضافة فأنا أقول إن أعداءنا يعلمون علم اليقين أنهم لن ينتصروا علينا ما لم.. إلا بإيآسنا من النصر، فيعني فلن أضيف شيئاً إلا أن أقول: الأمل وحده لا يكفي، لابد من العمل أيضاً، فهل يحضر الشيخ شيئاً ما عن أسلوب عمل ما يعيد للأمة مجدها؟ فأن حيرتنا الآن في العمل أكثر منها في الأمل والله.

ماهر عبد الله: مشكور جداً يا يا أخ هادي، نسمع من الأخ محمد إسماعيل أيضاً من السعودية تفضل.

محمد إسماعيل: مرحباً يا أخ ماهر.

ماهر عبد الله: حياك الله.

محمد إسماعيل: مساك الله بالخير.

ماهر عبد الله: مساء النور.

محمد إسماعيل: قناتي المفضلة (الجزيرة).

ماهر عبد الله: أهلاً بك.

محمد إسماعيل: سماحة الشيخ السلام عليك والمحبة.

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

محمد إسماعيل: الله يطول عمرك ويجزاك عنا خير الجزاء.

د. يوسف القرضاوي: الله يبارك فيك.

محمد إسماعيل: أنا بدوي وفي البادية، أريد أن أسألك فيما يخصني أنا والقبائل في الصحرا، الله يطول عمرك وأكرمك الله، عندنا كلاب الصيد كنا نعرفها سابقاً إنه نطلقه يمسك صيدة ونأكلها، ثم الآن طلع كلب صيد ثاني يخرج الصيدة من مخبأها ونرميها بالبارودة، هذا نريد إفتاءك، هل هذا اللي يخرج الصيدة من مخبأها ثم إحنا نرميها بالبارودة، هل هي حلال كما الصيد.. كلب الصيد الأول؟ الله يعزك ويطول عمرك.

ماهر عبد الله: طيب أخ محمد يعني رغم خروج الموضوع كثيراً عن.. عن موضوعنا، لكن يعني إكراماً لقبائل الجزيرة العربية وجزيرته المفضلة نسمع من الشيخ و..، سمع.. سمعت السؤال يا سيدي؟

د. يوسف القرضاوي: لا والله ما.

ماهر عبد الله: السؤال خارج عن الموضوع تماماً، بس.. قال إنه الأخ بدوي يعيش في.. في قبائل ومجموعة من القبائل عندها مشكلة فقهية بسيطة، إنه في السابق كانوا يعني يصيدون الصيد.

د. يوسف القرضاوي: يأتوه الكلاب.

ماهر عبد الله: فتأتي به الكلاب، الآن الكلب هو الذي يخرج الصيد من مخبأه حتى يقتلونه بعد ذلك بالبندقية، فهل مازال هذا جائز؟ وبالتالي هذا صيد حلال، يخرجه الكلب من مخبأه ليقتلوه.

د. يوسف القرضاوي: هو يعني السؤال معناه إنه هل القتل بالبندقية يعني يحل الصيد أو لأ، يعني فهل.. هل البندقية محدد أو غير محدد؟ هذا يعني خلاف بين العلماء، أنا أرى إنه الصيد بالبندقية يحل الصيد، لأنه بالاختراق، قوة الاختراق تجعله مثل السكين يعني تماماً، ولا مانع إنه يعني يستثار عن.. عن.. عن طريق الكلب أو عن طريق الطير أو أي شيء، ثم يصيبه ببندقيته، لا مانع من هذا.

زيادة ونقصان الإيمان

ماهر عبد الله: طيب، لو عدنا لسؤال الأخ محمد ابراهيم من أول.. أول ما سألنا على الهاتف: هل يزني؟ قال نعم، هل يكذب؟ قال لا، هل ينتزع الإيمان بالكذب؟

د. يوسف القرضاوي: ينتزع الإيمان..

ماهر عبد الله: بالكذب.. هل.. الكذب هل ينزع الإيمان؟

د. يوسف القرضاوي: لأ.. يعني الإيمان يعني له أصل، وله ثمرة، أصل الإيمان يعني هو يعني العقيدة والتصديق بوجود الله ووحدانيته وصفاته وكمالاته، والإيمان بالآخرة، يعني هذا مستقر في القلب، كما قال بعض الإخوة اللي اتصلوا إنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والقرآن يقول: (زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً (، (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً) فبالمعاصي بيخدش الإيمان وينقص، إنما هل يزول بالكلية؟ لأ، لا يزول بالكلية إنما ينقل الإنسان من درجة إلى درجة أقل، ويصبح ويعني فيه خصلة من خصال النفاق، لأن الحديث الصحيح يقول: "أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، واذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ودا نفاق اللي بيسموه العلماء نفاق العمل، فيه نفاق العقيدة ونفاق العمل، نفاق العقيدة إنه يظهر الإيمان ويُبطن الكفر، لأ هو مؤمن ولم يكفر بالله ولا برسوله، ولكن لم يصدِّق يعني عمله إيمانه، ولذلك يعني بعض الإخوة اللي تحدثوا عن العمل، الحقيقة الإيمان القرآني يتجسد في أعمال، يعني مش مجرد إيمان نظري لأ، لما يقول لك: "قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)، (وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) يعني فيه أخلاق وأعمال (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) إيمان ينشئ آثاره في الحياة، ينشئ واقع جديد، يغير الإنسان ويجعله يبذل نفسه وماله مجاهداً في سبيل الله، (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).. (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا) .. (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاًّ) فذكر صفات باطنة وصفات ظاهرة، أعمال من أعمال القلوب، وأعمال من أعمال الأجساد، ومن جمع هذه كله (أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاّ) فالإيمان القرآني ليس مجرد إيمان نظري إيمان يتجسد في أعمال ملموسة يراها الناس في واقع الحياة.

ماهر عبد الله: يعني.. دخلتنا في.. في سؤال الأخ مأمون، أشرت قليلاً لا يزيد وينقص بالطاعات كان جزء من.. من كلامه، الأكثر من سؤال الأخ عبادي أحمد أيضاً يسأل الإيمان يزيد وينقص فكيف.. كيف يزيد؟ دور هذه الطاعات إذا كان هذا الكلام هو المعتمد، والمقبول.

د. يوسف القرضاوي: الإيمان يزيد بأمرين، بزيادة المعرفة يعني أنت مؤمن بوجود الله؟ إنما حينما تقرأ الكتب التي تبين لك النظام الهائل الرائع الذي أقام الله عليه هذا الكون، مثل الراجل صاحب كتاب "العلم يدعو إلى الإيمان"، اللي بين لك إن الكرة الأرضية ديت وكل ما حولها بُني على أساس أن توجد حياة على هذه الكرة، ولو أن أي شيء اختل عن ما هو عليه، لو كانت الأرض أكبر مما هي عليه أو أصغر مما هي عليه، أو كانت تدور بسرعة أقل أو بسرعة أكثر، أو كان الماء أكثر مما هو، أو الأوكسجين أو الغازات أو أي.. أي يعني حاجة تغيرت، ما قامت حياة على ظهر...، فبهذه القراءات وبهذه المعرفة تزداد إيماناً ثم يزداد الإنسان إيماناً بالطاعات لله تبارك وتعالى، إذا يعني أقام الصلاة وآتي الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت، ووصل الأرحام، وبر الوالدين، وأكرم الجيران، وأحسن إلى المسيئين، وأشفق على..على المساكين، ورعى اليتامى وعمل..، كل هذا يزيد الإيمان وينمِّيه، فكأنه يعني بيسقي هذه الشجرة حتى تمتد فروعها وتزهر أزهارها وتنضج ثمراتها.

ماهر عبد الله: طيب قبل أن.. أن نجيب على أسئلة الأخوة الآخرين إنه مشاركات الإنترنت، اسمح لي نأخذ الدفعة الأخيرة من الهواتف، نبدأ بالأخ سالم عبد الله من بريطانيا، أخ سالم تفضل.

سالم عبد الله: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام، تفضل.

سالم عبد الله: أخي العزيز، يعني الرسول -صلوات الله عليه وسلم- عندما حمل الدعوة في مكة -كما تفضل الشيخ- أن كانت حصيلة هذه الدعوة أن أهل مكة كان تزداد قلوبهم قساوة، وابتعدوا عن الدعوة ولم يستجيبوا له...

ماهر عبد الله: أخ سالم، يبدوا فقدنا الإتصال بالأخ سالم، نسمع من الأخ أحمد بهنسي من السعودية، أخ أحمد تفضل.

أحمد بهنسي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

أحمد بهنسي: عودٌ حميد لك ولضيفك الكريم وجزاكم الله عنا خيراً.

ماهر عبد الله: أهلاً بك.

أحمد بهنسي: أريد فضيلة الشيخ أن يجيب عن.. لي ولكثير من إخواني من.. من المسلمين على المعادلة الصعبة، ما نراه الآن في زماننا كلما زاد الإيمان لدى الإخوة المخلصين المستعدون بإخلاصهم للتضحية بحياتهم قلَّ عندهم الوعي، ووصلوا بهذا الإيمان إلى تفجير ليس أنفسهم ولكن أحياناً المشروع الإسلامي الحضاري كله، وكلما قل الإيمان أو قل إخلاص النية وأنا أمثل بنفسي أحياناً يعني أقول أن من يزيد الوعي.. عندما يزيد الوعي في.. لدى الإخوة ومن أراهم من زملائي وأحبائي يقل القدرة على التضحية وتنكير الذات والتضحية بالذات في سبيل الإيمان، كيف نوازن بين تلك المعادلة؟ الإيمان الطالباني البن لادني، الإيمان الذين نحسبهم على خير إيماناً مع الانغلاق أو نقص الوعي والعكس زيادة الوعي تكاد تستلزم نقص الإيمان؟

ماهر عبد الله: أخ.. أخ أحمد سؤال.. سؤال واضح وسؤال جميل جداً، وأظن إنه مهم جداً، نسمع المكالمة الأخيرة من الأخ طاهر الشريف من السعودية، أخ طاهر تفضل.

طاهر الشريف: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام والرحمة والإكرام.

طاهر الشريف: السلام عليكم ضيفك الكريم.

ماهر عبد الله: أهلاً بك يا سيدي.

طاهر الشريف: الله يكرمك، لي سؤالان يا أخي العزيز، السؤال الأول لفضيلة الشيخ: نحتاج إلى وصية توصي بها الأمة في قضية الإيمان للرعية أولاً، للحكومات ثانياً، للعلماء ثالثاً، هذا السؤال الأول.

السؤال الثاني: سمعت حديثاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يُهزم جيش من اثني عشر ألف مقاتل من قلة" ما علاقة ذلك بالإيمان؟ وشكراً.

ماهر عبد الله: طيب مشكور جداً يا أخ طاهر، سؤال برضو مهم يا سيدي، يعني الوقت.. الوقت شوية بدأ يدركنا والأسئلة سيدي.

د. يوسف القرضاوي: نعم.

ماهر عبد الله: الوقت بدأ يدركنا والأسئلة كثيرة، فأتمنى عليك الاختصار في.. في الأجوبة، نبدأ بالأخ.. سؤال الأخ أحمد بهنسي، يعني نسمعه كثيراً هذه الأيام، سؤال منطقي جداً، يقول من ملاحظته وسمعتها من.. من كثيرين، الملاحظة تقول: أنه كلما ازداد الإيمان -وأظن أنه يقصد كلما ازدادت الجوانب الروحانية- عند كثير من.. من الأشخاص عندما يزهدون في الدنيا أكثر يلاحظ إنه فيه لازمة مع ذلك، أنه يقل وعيهم بضرورات الحياة. فقال إنه لا يفجرون أنفسهم فقط في.. في بعض العمليات كما حصل في الرياض و.. والمغرب مثلاً، إنما يفجرون المشروع الإسلامي كله، لأنه بلغ من الإيمان والإخلاص درجة أن.. أن فجر نفسه، لكن لا يدرك تبعات هذا التفجير بغض النظر عن الإخلاص المتضمن، والمعادلة المقلوبة لهذه.. المعاكِسة لها، أنه في بعض الأحيان كلما زاد الوعي بضرورة فهم الإسلام بشموليته، بخدمته في كل جوانبه، يلاحظ الأخ أحمد أنه تقل المقدرة الشخصية على التضحية، فهل تتفق مع التوصيف أولاً؟ وهل عندك؟

د. يوسف القرضاوي: لا.. لا.. لا أتفق، إحنا يعني أنا قلت من أول الأمر، نحن نريد الإيمان البصير، الإيمان المتفتح، قلنا إن الإيمان قوة هادية، لأن القرآن يقول: (وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعني الإنسان الشخص الإيمان، الإنسان نير البصيرة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً) يعطيه فرقان يفرق به بين المتشابهات، ويعطيه مصباحً ينير له الظلمات، فالإيمان الذي نريده ليس هذا النوع من الإيمان، إيمان الصحابة طب ما الصحابة كانوا أقوياء الإيمان، ماكانوش يعني بينظروا إلى الأمور..، أنا لا أريد إنه بس واحد يفجر نفسه، أنا أتكلم على هؤلاء أبطال الانتفاضة، الذين دوخوا إسرائيل وزلزلوهم، يعني هؤلاء الذين.. القنابل البشرية هذه اللي ضحت بأنفسها في سبيل قضيتها، فهذا ما.. ما أريد، إنما لا أريد إن واحد يروح يفجر نفسه في أي حاجة دون وعي، لأ، ما.. ما نريد لا، أنا أريد إيماناً بصيراً، أي أمر لازم يدرسه ويدرسه مع أهل العلم والحكمة، هل يجوز أو لا يجوز؟ وإذا كان يجوز يعني حتى، علشان تعرف قبل هل ينفع أو يضر؟ يعني قد يفعل بعض الناس وهو مخلص، وبعض الناس يفعل هذا مخلصين، بنيَّة حسنة، ولكن النية الحسنة ليست وحدها المنجية، لابد من طلب الصواب مع الإخلاص، ولذلك لما سُئل أبو علي الفضيل بن عياض عن قوله تعالى (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ما أحسن العمل؟ قال أحسن العمل أخلصه وأصوبه، إن الله لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً صواباً، وخلوصه أن يكون لله وصوابه أن يكون على السُّنَّة، يعني على المنهج الشرعي، إنما ما يكفيش النية الخالصة، وأنت بتعمل عمل مش مضبوط نفسه.

ماهر عبد الله: إذن يعني.. إذن يمكن للإنسان أن يكون على درجة عالية جداً من الإيمان ولكن درجة منخفضة جداً من الوعي.

د. يوسف القرضاوي: من الوعي؟

ماهر عبد الله: آه.

د. يوسف القرضاوي: لأ..، ليس هذا الإيمان الذي ننشده، الإيمان لابد أن يكون معه البصيرة والوعي، وكلما ازداد إيماناً ازداد نوراً وتفتُّحاً، يعني إحنا مش عايزين إيمان، يعني إحنا.. بيتكلم الأخ عن الدراويش، إيمان الدراويش، إنما لأ، إحنا ما نتكلمش عن إيمان الدراويش، عن إيمان الصحابة أو إخوان رسول الله كما سماهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هؤلاء الذين يقبضون على دينهم كالقابض على الجمر، واللي الواحد منهم أجره خمسين كما قال النبي، عليه الصلاة والسلام، هم دُول الصحابة الجدد الذي.. الذين نريدهم، آه.

ماهر عبد الله: طيب لو جمعنا سؤال الأخ مأمون واللي يعني أعتقد إنه كان سؤال مهم جداً مع السؤال الأخير للأخ طاهر الشريف وكان فيه مجموعة أسئلة، مرة أخرى راح أطلب منك الاختصار لإنه فيه عندي أسئلة كتير على..، الأخ طاهر يريد منك وصية للأمة، للحكومات، للشعوب فيما يتعلق بالإيمان كيف تقويه؟ ونربطه بسؤال الأخ مأمون اللي يعني كان يود أن يسمع كلام عن منهج فردي لتقوية الإيمان والانتقال به من الإيمان السلبي إلى إيمان إيجابي فعال، تريد منهج عام للأمة من حيث هو.. هي أمة لتخرج من حالها إلى.. إلى حال أفضل.

د. يوسف القرضاوي: والله إحنا هذا المنهج يجب أن يتعاون عليه أهل العلم والفكر والتربية والإعلام، لأن مشكلتنا إنه كما قال أحد الإخوة في المداخلة له إن بعض الناس تبني والآخرين يهدمون، نحاول نبني في المسجد تأتي الصحافة أو يأتي التليفزيون أو يأتي المذياع أو.. فيهدم ما نبني.

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

ويقول الشاعر:

فلو ألف بانٍ خلفهم هادمٌ كفى فكيف ببانٍ خلفه ألفُ هادمٍ

لو واحد.. لو ألف بيبنوا ووراهم واحد بيهد وخصوصاً الهدم في عصرنا بالألغام مش بالفأس ولا بالمعول، فكذلك الهدم في الجانب المعنوي المشكلة إن إحنا نريد إن تتفق الأجهزة التوجيهية والتربوية والتثقيفية، إنها تسير بالأمة في خط واضح، وتحاول إنها تُعمِّق هذه الجذور، صحيح أعداء الأمة لا يريدون لنا هذا، هم بيحاولوا بيبنوا حياتهم على أساس من الإيمان والدين، هكذا نرى الأميركان الآن اللي بيُسيِّر أميركا اليمين المسيحي المتطرف والمتشدد واللي بيحكم إسرائيل هو اليمين المتطرف، وإسرائيل قامت على أساس ديني من أول الأمر إنها أرض الميعاد، فأعداؤنا يريدون أن يبنوا حياتهم على أسس دينية، ويريدوننا أن نفرغ الأمة من المضمون الديني، نحن لا يمكن أن نقف أمام الهجمة الشرسة ضدنا إلا إذا استمسكنا بجذورنا وعدنا إلى أصولنا هيسمونا أصوليين، خليهم يسمونا كما يسمون، أحياناً هيقولوا متطرفين، أحياناً أصوليين، أحياناً إرهابيين، أحياناً، ولكن الأسماء لا تهمنا، لابد أن نستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، العروة تتمثل في الإيمان، الإيمان الإسلامي والإيمان القرآني الذي يتجسد في أخلاقٍ وأعمال.

ماهر عبد الله: طب دóخِّل لي في هذا يعني، أضف لي عليه سؤال الأخ طاهر حديث: "لا يهزم اثني عشر ألف من قلة"، ما علاقته بالإيمان وبما تفضلت؟

د. يوسف القرضاوي: هذا دا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يعني خير الأصحاب.. قال: الراكب شيطان -اللي يسافر لوحده شيطان- والراكبان شيطانان والثلاثة ركب، وخير الأصحاب الأربعة، وخير السرايا -مش عارف كام- ولن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة" يعني اثنا عشر زي ما قلت لك بس 12 ألف مؤمن حقيقي مش.. مش كسور المؤمنين، هؤلاء إذا وُجدوا لابد أن يعملوا عملاً.

ماهر عبد الله: الأخ عبد العظيم المراغي من مصر يقول: هل ما نحن به من محن وابتلاءات -وبقي لنا أقل من.. من ثلاث دقائق- يعبر عن نقص أو ضعف في إيماننا كمسلمين أم هي ابتلاءات حتى مع وجود إيمان قوي وليس لضعف الإيمان؟

د. يوسف القرضاوي: هو بعضها، بعض هذه الابتلاءات يمثل ضعف ويمثل انحراف ويمثل إهمالنا لسنن الله، ويمثل مخالفاتنا لشرع الله، والقرآن الكريم حينما عاتب المسلمين في غزوة أُحُد بعد أن انكسروا في الغزوة وفقدوا سبعين من الصحابة، قال: (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) و.. ومع هذا قال في الآية اللي بعدها: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ) هو بقَدَر الله، ولكن قدر الله بيأتي بأسباب، لا بد أن نقف وقفة مراجعة ومحاسبة، التخلف الذي نحن فيه هذا يعني مش.. مش مجرد إنه ربنا ابتلانا به لأ، الأمة انحرفت عن النهج الصحيح فتخلفت، وكان يجب أن تتقدم، وظلت عشرة قرون هي الأمة الأولى والعالم الأول ثم نامت واستيقظ غيرها، وصمتت وتكَّلم غيرها، وتكاسلت وعمل غيرها، فتخلفت وتقدم غيرها.

ماهر عبد الله: سيدي، نص دقيقة، جاوبني على الأخت سارة حسن هذا الإيمان الذي تتحدث عنه في هذا الزمن الذي نعيشه هل يمكن فعلاً أن نتمسك بالإيمان إلى هذه الدرجة؟ هل.. هل أنت متفائل أن يمكن لنا أن نكون مؤمنين حقاً كما تريد؟

د. يوسف القرضاوي: نعم، وأرى إنه هناك مؤمنين موجودين في هذه الأمة في كل أنحاء الأمة مؤمنين ويتكاثرون، وتمثلهم هذه الصحوة الإسلامية المعاصرة التي ملأت المساجد بالمصلين، وملأت مواسم الحج والعمرة بالحجاج والمعتمرين، من الشباب، كان زمان لا يحج إلا الشيوخ الكبار، ولا يروح يذهب إلى المساجد إلا الذين أحيلوا على التقاعد، الآن المساجد تمتلئ بالشباب ومواسم الحج تمتلئ بالشباب، والفتيات يقبلن على الحجاب، كل هذا يدل على إن الأمة بخير، ولازال الإيمان...

ماهر عبد الله: طيب سيدي.

د. يوسف القرضاوي: صحيح نطمع في الأكثر والأكثر والأقوى والأقوى، ولكن الأمة بخير وعلينا أن نستفيد من هذا الخير ونستثمره ونوجهه إلى طريقه الصحيح حتى يؤتي أكله بإذن ربه إن شاء الله.

ماهر عبد الله: طيب، عند هذه العبارة المليئة بالأمل نتوقف، شكراً لك وشكراً لكم أنتم أيضاً، إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم، تحية منى، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة