تشارل أندرلان، مراسل التلفزيون الفرنسي في القدس   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)
مقدم الحلقة سامي كليب
ضيف الحلقة تشارل أندرلان، مراسل التلفزيون الفرنسي في القدس
تاريخ الحلقة 21/02/2000


تشارل أندرلان
سامي كليب
سامي كليب:

متى بدأت المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، هل خسر العرب كل حروبهم ضد الدولة العبرية، لنقص في الإمكانيات، أم بسبب الخيانات فيما بينهم، هل من زعيم عربي واحد لم يفاوض إسرائيل سراً؟! في الواقع إن لمعلومات التي سيقدمها لنا ضيفنا اليوم، قد تصدم الكثيرين، لكنها لاشك ستزيل الكثير من الأقنعة عن أوهامنا حول الصراع العربي الإسرائيلي، إنه واضع واحد من أهم الكتب حول المفاوضات العربية الإسرائيلية منذ العام سبعة عشر حتى العام سبعة وتسعين.

وهو مراسل للقناة التليفزيونية الفرنسية الثانية في القدس، وفي بعض العواصم العربية هو تشارل أوندرلان الذي يقول في كتابه ما لم يقله غيره حول تلك الحقبة الطويلة من المفاوضات السرية، العربية- الإسرائيلية، فلنر ما عنده.

من منشأه – فرنسا- الذي درس فيها الصحافة اختار تشارل أرندرلان الانتقال إلى إسرائيل بدايةً تعاطفاً معها، ثم ليصبح فيها مراسل القناة الثانية للتلفزة الفرنسية، وفيها تعرف تشارل أندرلان على كبار قادة الدولة العبرية، وصادق الكثير منهم تماماً، كما تقرب لاحقاً من معظم المسؤولين العرب والفلسطينيين، فكان كتابه عن أسرار التفاوض أفضل وثيقة حاملة خصوصاً للرواية الإسرائيلية بذاك التاريخ الطويل لما يقارب الستين عاماً.

متى بدأت هذه المفاوضات العربية – الإسرائيلية؟

تشارل أندرلان:

في شهر نيسان أبريل من عام ثمانية عشر وتسعمائة وألف التقى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان بالزعيم الهاشمي فيصل، وكان معه لورانس البريطاني في العقبة، والمعروف بلورانس العرب، وكان ذلك أول لقاء بين زعيم صهيوني، وحاكم قومي عربي، في العام التالي أي عام تسعة عشر وعلى هامش مؤتمر فيرساي تمت لقاءات على غاية من الأهمية بين فيصل، وقادة الحركة الصهيونية انتهت إلى وضع وثيقة اعتبرتها الحركة الصهيونية وثيقة تأسيسية.

إذ أن هذه الحركة تؤكد في دعايتها السياسية أن وعد (بلفور) حول إنشاء دولة لليهود في فلسطين إنما هو نابع منها. لقد أضاف فيصل لهذه الوثيقة التي تؤسس لاعتراف عربي بكيان قومي صهيوني بخط يده عبارة: في حال احترمت شروطي، وهذه الشروط هي طبعاً تنازل الدولتين الحليفتين فرنسا وبريطانيا عن سوريا والضفة الغربية، طبعاً لم يتنازلوا له عن سوريا.

سامي كليب:

قبل الدخول في كل هذه التفاصيل أود أن أسألك سؤالا عما أوردته من وثائق في الكتاب، تذكر العديد من الوثائق، وأيضاً العديد من الشهادات، كيف يمكن أن نتأكد أنها صادقة، خصوصاً أنها تأتي من إسرائيل؟

تشارل أندرلان:

سؤال وجيه، لقد حاولت قدر جهدي أن أتحقق من الوثائق من الجانب العربي، أما عندما كان الأمر يتعلق بوثائق تعود إلى خمسين أو ستين أو سبعين سنة، فإن المهمة كانت مستحيلة، ولذا كان علىّ التثبت من صحتها من صحة الوثائق، وكلما وجد أكثر من مشارك في لقاء ما حاولت الاتصال بكل واحد منهم إذا كانوا على قيد الحياة طبعاً، أدركت أن عليّ أن أتعامل بحذر مع محاضر الجلسات، وتأكدت من ذلك منذ عام تسعة وسبعين إبان (كامب ديفيد الثانية) مع موشى ديان وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، إذ علمت أنه كان يعيد كتابة محاضر الجلسات التي يرسلها إلى مناحم بيجين، في القدس أو في تل أبيب، وعليه فإن محضر الجلسة ليس مصدر ثقة تامة.

إذن فضلت أن لا أعتمد على هذه النصوص كليًا، وسعيت للحصول على نص أو رواية عربية، كلما أمكن ذلك حتى أتأكد من صدق الوثائق الإسرائيلية، وأذكر على سبيل المثال أنه خلال أول لقاء بين جمال عبد الناصر وشخصية إسرائيلية في (فالوجا) روى كل منهما التفاصيل بطريقته فنشرت الروايتين، وبعد ذلك أمكنني الحصول على رواية الطرفين بخصوص مفاوضات عملية السلام، والتقيت بكل من شارك في المفاوضات السرية في عامي 85 و 86.

وهنا أذكر مثلاً أنه خلال هذه المفاوضات السرية بين ممثلين عن إسرائيل، وممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، مدَّني مصدر إسرائيلي بمحضر جلسة، ولما عرضته على مصدر إسرائيلي آخر قال: إنه غير صحيح !! كان عليّ أن ألتقي بالطرف الفلسطيني حتى أجزم بالصحة إحدى الروايتين، خلال مفاوضات وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر مع الوفد الفلسطيني – قبل مؤتمر مدريد عام 91- حصلت على محاضر الجلسات من الجانب الفلسطيني، فشعرت بأنها كانت معتدلة جداً، ولا تعكس واقع الأمور، عندها التقيت بمشاركين فلسطينيين آخرون، فأعلموني أن حنان عشراوي التي كانت في الوفد الفلسطيني تقيد كتابة هذه المحاضر قبل إرسالها إلى أبو عمار، لأن جيمس بيكر كان يبدو أحياناً على قدر كبير من العنف في تهديده للفلسطينيين، حتى أنه شتم ذات مرة القادة الفلسطينيين في تونس، وعليه كانت حنان عشراوي تعيد كتابة النصوص حتى لا تعيق تقدم المفاوضات، وحتى أتوصل إلى رواية تقترب أكثر ما يمكن الحقيقة كان علي أن أتحدث مع أكثر من مشارك.

سامي كليب:

في –طبعاً- في كل الوثائق التي نشرتها في الكتاب تتحدث عن الأردن، وكأنه كان أول بلد عربي أقام اتصالات مباشرة، ولكن –أيضاً- عميقة مع إسرائيل، وخصوصاً عبد الله، متى بدأت هذه الاتصالات؟ ومتى بدأت تعطي نتائج؟ ولماذا؟

تشارل أندرلان:

لقد وصل البريطانيون إلى المنطقة مع الهاشميين واستقر الأمير عبد الله في عمان، ثم أنشأ الأردن، وكان التفاهم سائدًا بينه، وبين الحليف الآخر البريطانيين، أي الحركة الصهيونية، ففي العشرينات –مثلاً- التقى المدير العام للوكالة اليهودية بوفد عربي قاده إلى القصر الأمير في تلك القرية الصغيرة التي كانت تسمى عمان.

إذن كان ذلك منذ بداية الحضور البريطاني في المنطقة، أما فيما يتعلق باللقاءات الجدية بين الصهيونية والهاشميين، فإنها تمت قبل حرب عام ثمانية وأربعين وبعدها، وقد نشرت نصوص موثوق بصحتها حول تحالف أردني – صهيوني بهدف منع قيام الدولة الفلسطينية التي أقرتها الأمم المتحدة عام 47.

عبد الله كان يرغب في إلحاق باقي أراضي المنطقة بالمملكة، ولم يمنعه الإسرائيليون من ذلك، وفي هذه النقطة بالذات أعطى التعاون الأردني – الإسرائيلي ثماره للمرة الأولى، كان ذلك على حساب الفلسطينيين.

سامي كليب [مقاطعاً]:

تحدثت –أيضاً- عن مساعدات مالية إسرائيلية للأردن.

تشارل أندرلان:

نعم للأردن، منذ العشرينات قرر عبد الله شراء طائرات ألمانية، حتى ينتصر في حربه ضد السعوديين، وربما لمهاجمة سوريا إلا أن الإسرائيليين رفضوا ذلك، إذن كان الحديث عن المال واردًا، كلما تم ذكر اللقاءات السرية، التي عقدت خلال الأربعينات بين الصهيونيين والعرب.

سامي كليب:

في ذاك الوقت ربما لم تكن الفواتير موجودة؟

تشارل أندرلان:

كان على الصهيونيين أن يدونوا ما دفعوه، لذا لابد من وجود توقيع شخص ما.

سامي كليب:

تحدثت، تحدثت –أيضاً- عن مثال واضح عن مساعدات مالية إسرائيلية للانتخابات بالنسبة للأمير عبد الله.

تشارل أندرلان:

بالفعل تحدث عن ذلك كاتبان، أولهما (إلياهو ساسون)، وكان أحد أهم من فاوض الهاشميين آنذاك، الرجل نشأ في سوريا، وناضل في حزب فيصل هناك عام 19، وأصبح صهيونياً فيما بعد، أما ثانيهما فهو (بيشا لاهيم) الذي تحدث عن المساعدات المالية، والهدايا التي تم تبادلها آنذاك، يبدو أن البريطانيين شجعوا ذلك.

سامي كليب:

أعطى مثالاً عن أشخاص كانوا مع العرب خلال الثورة العربية، ثم أصبحوا مع الحركة الصهيونية، هل هناك أمثلة عديدة غير (ساسون)؟

تشارل أندرلان:

كانت هذه مسألة جوهرية في إسرائيل في ذاك الوقت، أشخاص مثل (إلياهو ساسون) (ويولاند هارمر) في القاهرة، تلك المرأة التي كانت لها اتصالات بكامل أعضاء الجامعة العربية، وبأرقى الشخصيات المصرية.

سامي كليب:

حتى مع الأمين العام آنذاك للجامعة العربية؟

تشارل أندرلان:

فعلاً مع عزام باشا، والبعض الآخر كانوا في الصف الأول للمفاوضات والاتصالات ثم أبعدوا فيما بعد. خلال مؤتمر (لوزان) في بداية عام تسعة وأربعين، أرسل مسؤول عن الشؤون الخارجية الإسرائيلية برقية إلى ابن جوريون يطلب فيها عدم تكليف (إلياهو ساسون) بقيادة الوفد الإسرائيلي، لأنه قريب جداً من العرب.

طبعاً قام (ساسون) بواجبه في (لوزان) إذ التقى بجميع الوفود العربية في الكواليس لعدم إمكانية لقائهم رسمياً، وللأسف انتهى سريعاً أمر هذه المشاركة لذوي الأصل العربي، الذين كانوا يدركون جيداً لغة الحوار والتعامل مع العالم العربي، هذا ما فقده الإسرائيليون منذ الخمسينات.

سامي كليب:

تحدثت –أيضاً- عن علاقات خاصة استمرت بين الأردن وإسرائيل حتى بعد مجزرة (دير ياسين)، هل تعتقد أن الأردن كان يفكر بعلاقة خاصة مع إسرائيل حتى لو كان ذلك ضد العرب؟

تشارل أندرلان:

أعتقد أن التاريخ وحده يمكن أن يصدر حكمه بهذا الموضوع، عندما يصبح بالإمكان الإطلاع على الأرشيف والوثائق الأردنية، حول هذه الفترة، هذا في حال وجودها، مهما يكن من أمر، فإن مصالح عبد الله، والأردن كانت بالنسبة إليه أكبر مما حصل في مجزرة (دير ياسين)، وأعتقد أن عبد الله فسر أمر المجزرة أنه من فعل حركة صهيونية تنتمي إلى اليمين الإسرائيلي المتطرف، وأنه ليس لـ(الهاجانا الميليشيا) التابع لحزب العمال أي مسؤولية فيها، أعتقد أنه رأى أن المعارضين لـ(بن جوريون) هم من فعل ذلك.

سامي كليب:

هنا يبدأ الضجة عالية جداً، أقترح عليك أن نسير قليلاً في عمان، لنتحدث عن المواضيع الأخرى، وعن الحلقات الأخرى في المفاوضات السرية العربية – الإسرائيلية، تفضل.. أنت تحدثت عن الحاج أمين الحسيني الذي قام في الواقع في الثورة الكبيرة، وأيضاً قاتل، كان الوحيد الذي قام بالقتال، أول من قام بالقتال ضد إسرائيل.

تحدثت في الكتاب عن علاقته الخاصة في فترة معينة بالاستخبارات الفرنسية، تقول أنها حمته، تحدثت –أيضاً- عن بعض الاتصالات بين (محيطة وإسرائيل).

تشارل أندرلان:

في الثلاثينات كان لبعض أقرباء الحاج أمين الحسيني اتصالات بشخصيات صهيونية، وبعد عام 1940 انقطعت هذه الاتصالات، كان شخص يعمل لحساب إسرائيل ويوفر لها المعلومات، على أن ذلك لم يكن مرغوباً فيه من الجانب الأردني.

سامي كليب [مقاطعاً]:

كان إسرائيلي أو عربي؟

تشارل أندرلان:

هو عربي.

سامي كليب:

هل لديك الاسم؟

تشارل أندرلان:

ليس بعد، ولكنني سأحصل عليه، وأرجو أن أنشر ذلك في طبعة مقبلة لكتابي، ومهما يكن من أمر، فإن الأمر المؤكد أنه في حرب 39 – 45 لم تحسن اختيار الفريق الذي يعمل معه، ذلك أنه اختار أن يؤيد الألمان، فاعتبره البريطانيون بأنه مجرم حرب وبحثوا عنه طويلاً، ولهذا السبب بالذات حماه الفرنسيون، ذلك أن الصراع كان قائماً في الكواليس بين المصالح الفرنسية والمصالح البريطانية.

سامي كليب:

قلت: أنه أخطأ في اختيار الفريق الذي عمل معه، وتقصد –طبعاً- الألمان، ولكن اليهود –أيضاً- عملوا مع الألمان؟

تشارل أندرلان:

ليس اليهود، ولكن مجموعة (افراهام استارم) التي كانت تعتبر أن الصراع ضد الاستعمار البريطاني أهم من الصراع ضد النازيين، وقد انشق عن (منظمة الأرجون) الذي أشرف عليه (مناحم بيغن) فيما بعد، حين وصوله إلى فلسطين، جزء من (الأرجون) اختار القتال إلى جانب البريطانيين تماماً مثل (الهاجانا).

ويذكر أن موشى ديان فقد عينه خلال معركة ضد قوات فرنسية تابعة لحكومة (فيشي)، كانت مرابطة في سوريا آنذاك، أساء الحاج أمين الحسيني اختيار حليفه، وكذلك (برايم ستارن) الذي أعدمه البوليس البريطاني باكرًا، إذ أنشأ -إذا جاز القول- ظلت مجموعته في عجز تام حتى سنة اثنين وأربعين عندما هرب إسحق شامير من السجن، ليواصل المعركة ضد البريطانيين.

سامي كليب:

هل الملك عبد الله آنذاك أخذ جانب الإسرائيليين في الواقع من أجل أن يكون أو أن يضع حد لهيمنة الحاج أمين الحسيني وشعبيته الكبيرة؟

تشارل أندرلان:

كانت توجد مصلحة إستراتيجية مشتركة، لم يكن الإسرائيليون ولا الهاشميون يريدون قيام الدولة الفلسطينية التي أقرتها الأمم المتحدة، ومنذ البداية اختار الإسرائيليون الجانب الأردني، وكان العدو المشترك هو الحاج أمين الحسيني.

سامي كليب:

في الحادي والعشرين من شهر أيلول سبتمبر من العام 48 يذهب كامل رياض كمبعوث للملك المصري آنذاك، من أجل لقاء الإسرائيليين، ويقول أنه كان يود تطويق ما يمكن أن يقوم كإمارة أو مملكة هاشمية على كل المنطقة، ما الذي حصل؟ وهل كان ذلك -أول- اتصال بين المصريين والإسرائيليين؟

تشارل أندرلان:

أعتقد أنه أجل، لأن مجمل القادة الإسرائيليين أخذوا على محمل الجد محاضر الجلسات التي أرسلت إليهم وقاموا بمتابعتها، وهنا جدير بالذكر أنه كان لكمال رياض اتصالات مع الإسرائيليين في القاهرة قبل عام ثمانية وأربعين، كان إحدى الشخصيات التي تلتقي بالصهاينة قبل إنشاء دولة إسرائيل، وتحديداً صهاينة فلسطين الذين زاروا القاهرة قبل عام ثمانية وأربعين، إذن مبدئيا تبدو القصة حقيقية خصوصاً أن ذلك تم في زمن كان فيه الإسرائيليون يأخذون قرارات استراتيجية وجوهرية.

وكانت لهم اتصالات سرية على أعلى المستويات مع حاشية الملك فاروق في مصر، كما كانوا يفاوضون سر الملك الأردني عبد الله ، وبين الاثنين اختاروا الملك عبد الله.

سامي كليب:

إسرائيل في الواقع هي التي حذرت الملك عبد الله آنذاك من احتمال اغتياله، وقد اغتيل بالطريقة نفسها التي حذر منها، كيف حصل ذلك؟

تشارل أندرلان:

كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية آنذاك نشيطة جداً، وكان هناك من المقربين من المفتي من يعمل لصالحها، وبالفعل الإسرائيليون حذروا الملك عبد الله وبدا الأمر منطقياً وجدياً.

سامي كليب:

في ذاك الوقت بدأ الحديث عن احتمال إدخال إسرائيل إلى جامعة الدول العربية، هل كان الموضوع جدياً؟

تشارل أندرلان:

لا أعتقد ذلك، كان هذا الأمر موضوع نقاش، وهي فكرة من أفكار (الياهو ساسون)، ومن بعض الإسرائيليين المولودين من دول في الشرق الأوسط، والذين كانوا يؤمنون فعلاً بسلام في المنطقة، لا أعتقد أن (بن جوريون) كان يسعى لذلك، بل على العكس إذ أنه رغب في قيام الحرب من جديد لما كان يشعر به في نفسه من القوة، وفي تشرين الأول أكتوبر من عام ثمانية وأربعين قرر أن يشن هجوماً لضم القدس الشرقية والخليل، وكل الأراضي الأردنية وصولاً حتى البحر الميت.

سامي كليب:

أولى الاتصالات بين الرئيس جمال عبد الناصر.. الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والإسرائيليين، متى بدأت؟ وأين؟

تشارل أندرلان:

في نهاية أكتوبر تشرين الأول من عام ثمانية وأربعين دارت معركة الفالوجا التي قاتل فيها أربعة آلاف جندي مصري ببسالة، كانوا محاصرين من قبل الإسرائيليين وينقصهم السلاح، خلال هذه المعركة تعرف ضابط في الاستخبارات الإسرائيلية وهو (جوهاكيما كوهين) على الضابط الشاب جمال عبد الناصر، وحول هذا اللقاء كان لكل منهما رواتيه، رواية مكتوبة للإسرائيليين، وأخرى كتبها أيضاً جمال عبد الناصر، أما عبد الناصر فإنه يقول: بأنه كان سعيداً بلقاء الضابط الإسرائيليين المعتز بنفسه، والذي طلب منه أن يلقي السلاح، وأن يستسلم لأنه يرغب في سحب القوات الإسرائيلية حفظاً للأرواح البشرية، يقول عبد الناصر إنه قَبِل ذلك.

أما الرواية الإسرائيلية فإنها تختلف بعض الشيء، إذ تقول: إن الاتصالات قد شغلت وقتاً أطول، وأن حوارات عميقة قد دارت مع الإسرائيليين، وأن الضابط الشاب جمال عبد الناصر قد وجد نفسه في وضع مستحيل في (فالوجا)، لأن القيادة العليا المصرية، ولأن أعوان الملك لم يوفروا له الوسائل الكافية للقتال، ووفق هذه الرواية، فإن ما كان يهم عبد الناصر هو معرفة الطريقة التي اعتمدها الإسرائيليون للتخلص من الإمبرالية والاحتلال البريطاني، الذي كان يسيطر –أيضاً- على بلاده.

إذن نشرت الروايتين وعلى القارئ أن يحكم، أنا نشرتها كذلك على أني أميل شخصيا إلى تصديق رواية (جوهاكيم كوهين)، لأنها نشرت قبل رواية عبد الناصر، ثم لأن الأمر يتعلق بطبع عبد الناصر وبإرادته في تخليص بلاده من الاحتلال البريطاني.

سامي كليب:

وطلب –أيضاً- معنى الوسام الموجود على سترة الضابط؟

تشارل أندرلان:

كان ذلك خلال لقاء حضرة –أيضاً- (ايفا لالون) و(اسحق رابين)، وأراد عبد الناصر معرفة اسم الوحدة التي كان يقاتل ضدها، وكانت من أهم وحدات الجيش الإسرائيلي، وكان ذلك اللقاء محطة مهمة في تاريخ المنطقة، لأنه ضم الجميع، أظن أن عرفات كان على بعد كيلو مترات من مكان اللقاء، إذ أنه كان يحارب مع الإخوان المسلمين في غزة، وحضر الاجتماع -أيضاً- (ايفا لالون) والشاب (اسحق رابين) وجمال عبد الناصر، واليساريون الإسرائيليون (يوري افنيري)، وهو صحفي أصبح فيما بعد من دعاة السلام و(ماتيتيا دوبالاد) الذي أصبح جنرالاً فيما بعد، وأحد أهم رجال الحوار مع الفلسطينيين من أجل السلام، كانوا مجتمعين في مكان واحد وكان الأمر مهم.

سامي كليب:

يجب.. ربما ينبغي التذكير أن هذه الاتصالات، أو هذا الاتصال الأول على الجبهة تم في خلال عهد الملك فاروق حين كان عبد الناصر ضابطاً في الجيش، ولكن حين أصبح رئيساً، هل استمر في الاتصالات مع الإسرائيليين؟

تشارل أندرلان:

انعقدت في البداية لقاءات عن طريق وسطاء ودبلوماسيين توجهوا إلى القاهرة قادمين من تل أبيب والقدس، وفيما بعد انعقدت لقاءات مباشرة عام 56 مع عضو من مجلس الثورة المصرية، وهو زميل جمال عبد الناصر، إنه (الكولونيل عكاشة)، الذي كان ملحقاً عسكرياً في باريس، اللقاءات تمت –أيضاً- عن طريق صحفي فرنسي اتصل بالـ(كولونيل عكاشة)، وبأحد المقربين من (ناعوم جولدمان)، وهو (جوجولان) إنه إسرائيلي مكلف بالاتصالات مع العالم العربي، في المؤتمر الدولي اليهودي.

وفي عام 56 تم الإعداد لزيارة (ناعوم جولدمان) إلى القاهرة، ولكن العدوان الثلاثي على سيناء أدى إلى إلغاء هذه الزيارة، ولشهور طويلة ظن المصريون أن هذه الزيارة لم تكن إلا خدعة لتحويل أنظار المصريين عن الهجوم، وهنا علينا أن نذكر أن لقاء جمع (جو جولان) بمحمد حسنين هيكل قبل عام 56، اللقاء تم في (نوك لوزون) في (بلجيكا)، ولم تجر أي اتصالات مع المصريين لمدة طويلة وحاول جو (جولان) و(ناعون جولدمان) إقناع الإدارة المصرية بأنهم لم يكونوا على علم بالهجوم الإسرائيلي، اكتشفت أن اتصالات سرية قد جمعت عام 66 أن قبل حرب (جوان) حزيران عام 67 لـ(مائير أميتا) رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) بالمشير عامر وجمال عبد الناصر.

سامي كليب:

حين تقول عامر يعني عبد الحكيم عامر؟

تشارل أندرلان:

بالتأكيد ولأسباب داخلية خاصة بإسرائيل لم تعط حكومة (ليفي شكول) الضوء الأخضر لـ(مائير أميتا) لمواصلة الاتصالات، ولذا فهو يقول: إنه يتحسر على تلك الفرصة التي كانت من الممكن أن تؤدي إلى السلام، أو إلى منع حرب حزيران عام 67، مباشرة بعد تلك الحرب أرسل جمال عبد الناصر أحد زملائه في الثورة، وهو الكولونيل أحمد حمروش الشيوعي السابق إلى باريس لتجديد الاتصالات مع الإسرائيليين بعد الهزيمة المصرية.

ذهب أحمد حمروش إلى لقاء أحد أصدقائه القدامى في الحزب ماري كوريال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي المصري، والذي طرد من مصر، تم اللقاء بتنسيق مع الصحفي الإسرائيلي (كابيلوك)، هذا الصحفي هو أول إسرائيلي يلتقي بأحمد حمروش.

سامي كليب:

استكمال الحديث عن اتصالات لاحقة بين جمال عبد الناصر، والإسرائيليون إذا كانت صحيحة، تقول –أيضاً- أنه حين كان على جبهة (فالوجا)، قال لأحد الضباط الإسرائيليين الذين انتقاهم أنه يود أن يراه سفيراً لإسرائيل في القاهرة فيما بعد، من أين أتيت بهذه القصة؟

تشارل أندرلان:

إنها الرواية الإسرائيلية، قلت: إني نشرت الروايتين، أي رواية جمال عبد الناصر ورواية (جوهاكيم كوهين) في الرواية الإسرائيلية، بدا أن عبد الناصر يبحث عن السلام، وقد قال ذلك لمحاوره الإسرائيلي خلال عشاء مجاملة، ربما حصل ذلك، على القارئ أن يحكم.

سامي كليب:

ألا تعتقد أنك في بعض المرات ربما كنت وسيلة لتسريب بعض المعلومات الإسرائيلية أيضاً؟

تشارل أندرلان:

ليس فيما يتعلق بالأشياء الجوهرية ذات العلاقة بالسياسة، بل ربما في أدوار الأطراف، إذ كلما أدرك الآخرون أن العناصر الكافية تتوفر في رواية ما، سواء في التسعينات أو في الثمانينات أو قبلها، كلما حاولوا أن يجدوا دورا مهما لهم إما بالسلب أو بالإيجاب من وجهة نظرهم، وهنا كان عليّ أن أتحقق مما يقولون ولك بمضاعفة الشهادات، من الإسرائيليين أو العرب أو الفلسطينيين.

سامي كليب:

إذن، الاتصالات انحصرت فقط بـ(جولدمان) بين الإسرائيليين والمصريين؟

تشارل أندرلان:

هناك اتصالات عام 66 وقد فشلت، وفي إثر ذلك قامت حرب عام 67 التي لم يكن يريدها لا الإسرائيليون ولا المصريون ولا السوريون، وحين قامت هذه الحرب استغلها الإسرائيليون أحسن استغلال..

لنعد إلى الاتصالات مع مصر، ذكرتُ أنها استمرت مع أحمد حمروش، ثم أراد نعوم (جولدمان) أن يزور القاهرة عام 70 من أجل محاولة إحلال السلام، لكن (جولدا مائير) رفضت ذلك.

سامي كليب:

تعتقد أن (جولدا مائير) لم تكن تريد الاتصال مع العرب؟

تشارل أندرلان:

كانت تريد الاحتفاظ بالضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة والجولان وسيناء، كانت هذه سياستها على ما أعتقد، ولهذا فشلت المفاوضات الطويلة التي قام بها (ولدر روجرز) وغيره، ومن المؤكد أن الاتفاق كان ممكنا قبل عام 73، ولما أدرك أنور السادات أن الدبلوماسية لن تنتهي إلى أي اتفاق أعلن حرب أكتوبر 73 باتفاق مع سوريا وبمشاركتها.

سامي كليب:

ابتداءً من العام 49 نرى في كتابك اسم حسني الزعيم، وتقول: أن المخابرات الأمريكية الـ(C I A) هي التي سعت لتقريب وجهات النظر، أو لعقد اتصالات بين السوريين وبين الإسرائيليين ما الذي حصل تحديداً؟

تشارل أندرلان:

مصدر أمريكي أنه (كوك لاند) الذي اكتسب مصداقية من خلال روايات أخرى، ولقد نقلت ذلك عنه..

سامي كليب [مقاطعاً]:

من هو؟

تشارل أندرلان:

أحد قدماء جهاز الاستخبارات الأمريكية.

سامي كليب:

ابتداءً من العام 51 أيضاً تذكر اسم العقيد السوري حسن جديد كمفاوض للإسرائيليين، أين حصلت هذه المفاوضات؟ ومتى؟

تشارل أندرلان:

حصلت على خط الهدنة بين الإسرائيليين والسوريين، تحديداً على مستوى نهر الأردن، وبفضل لجنة السلم التي تشرف عليها الأمم المتحدة، لقد بدأ السوريون الإسرائيليون حواراً جدياً، بدأ ذلك مع حسني الزعيم، وهنا نذكر الكولونيل الإسرائيلي الذي أصبح فيما بعد وزير للمالية في حكومة (مناحم بيجن)، وهو (اسحق موردخاي) الذي شارك في هذا الحوار، ربما هي فرصة أخرى للسلم قد تم إهدارها.

سامي كليب:

في الواقع نفاجأ في كتابك –أيضاً- أن اسم السوريين منذ تولي الرئيس السوري حافظ الأسد النظام، لم يذكر مطلقاً في الاتصالات السرية؟ إذن، لم تحصل أي اتصالات بين دمشق .. دمشق الأسد، وإسرائيل سرية؟

تشارل أندرلان:

كل من حاورتهم -حتى الآن- وممن ذكرتهم، ومِن مَن لا أستطيع أن أذكرهم أكدوا إليّ أنه لم يحصل أي مفاوضات سرية بين إسرائيل وسوريا، كان هناك تبادل للرسائل ومناقشات عن طريق وسطاء.

سامي كليب:

محاولات ربما،

تشارل أندرلان:

محاولات ربما عن طريق وزراء خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، والمبعوثين الأوربيين، ولكن سوريا رفضت دائماً أي مفاوضات سرية مباشرة مع إسرائيل، وكانت تلك سياسة الرئيس حافظ الأسد هذه هي وجهة نظري، أما إذا وجد من يقول عكس ذلك، فإني مستعد للقائه ولإدراج شهادته في الطبعة القادمة من كتابي، صحيح أن أستاذاً سورياً في واشنطن مقرب من النظام السوري التقى (ببيريز) في تل أبيب، ولكن هذا لا يعني بالنسبة لي مفاوضات.

سامي كليب:

خلافاً لسوريا.. لبنان كانت له علاقات على ما يبدو واسعة مع إسرائيل، بعض الأطراف اللبنانية طبعاً، متى بدأت هذه الاتصالات؟ أين؟ ومع من؟

تشارل أندرلان:

لن أتعرض إلى التفاصيل لأنها طويلة، وتتعلق بأطراف عدة ومختلفة، لكن بإمكاننا القول: أنها بدأت في لبنان مع الدبلوماسين اللبنانيين العاملين في قنصلية لبنان في القاهرة خلال الأربعينات، أذكر هنا (شارل مالك)، وتقي الدين الصلح، وكانا صديقين شخصين لـ(أولاند هاجر) الممثلة غير الرسمية للحركة الصهيونية في القاهرة.

وأملك وثائق عديدة بهذا الشأن، ثم رياض الصلح ذاته كانت له مفاوضات سرية مع الإسرائيليين، خلال زيارته للقاهرة التقى اللبنانيون والإسرائيليين سراً على هامش مؤتمر لوزان وتحدثوا طويلاً، تذكر كذلك الكنيسة المارونية التي كان لها اتفاقات سرية مع الإسرائيليين بخصوص ممتلكاتها في شمال الخليل.

سامي كليب:

في الواقع ذكرت العديد من الأسماء المسلمة اللبنانية، إذن الاتصالات لم تبدأ مع المسيحيين اللبنانيين؟

تشارل أندرلان:

بالطبع.. بالطبع وكان هناك كثير من المسيحيين جرت هذه الاتصالات خلال الأربعينات، عندما كان البريطانيون يديرون شؤون القاهرة التي كانت مركز اللقاءات. لم يكن غريباً يومها أن يقوم المسؤول عن الشؤون الخارجية للوكالة اليهودية (موشى شارتون) مثلاً، والذي أصبح فيما بعد وزيراً للشؤون الخارجية الإسرائيلية، أن يقوم بالاتصال برياض الصلح، أو بالاجتماع به، كان هذا من قبيل اللقاءات العادية.

سامي كليب:

ربما هنا ينبغي التوضيح أنك حين تقول: السنوات الأربعينات في الواقع، وتقول في الوقت نفسه دبلوماسيين لبنانيين، نعلم أن لبنان أخذ استقلاله، نال استقلاله عام 43، هل حصلت الاتصالات قبل، أو بعد الاستقلال؟

تشارل أندرلان:

في الحالتين أملك محاضر جلسات على قدر كبير من الأهمية بخصوص رياض الصلح، ونتعلق بفترة ما بعد الاستقلال، وهي تحتوي على أشياء مهمة مثل هل ستقوم الحرب، ما الذي تنون فعله أنتم كحركة صهيونية، أما الاتصالات فإنها كانت سرية واستمرت حتى أواخر الخمسينات على ما أعتقد.

سامي كليب:

(بن جوريون) يقول منذ العام 48 أن لبنان الماروني يمكن أن يكون حليفاً لإسرائيل، هل فعلاً إسرائيل فكرت في لبنان الماروني فقط، أم أنها أرادت شرذمة لبنان؟

تشارل أندرلان:

كان ذلك حلماً من أحلام الفكر السياسي الإسرائيلي في تلك السنوات، أي قيام تحالف الأقليات في الشرق الأوسط من مارونيين، ودروز، وعلويين، ومسيحيين ويهود، تحالف ضد العالم الإسلامي، لكن هذه المحاولة لم تنجح، في المرة الوحيدة التي حاول فيها الإسرائيليون ذلك خلال حرب لبنان انتهى أمرهم إلى فشل ذريع.

سامي كليب:

تقول أن الموساد، والجيش الإسرائيلي ساعدا في انتخاب بشير جميل رئيساً للبنان، حُكي الكثير عن هذه القضية في الواقع، ولكن أنت على ما استندت حين قلت مثل هذا الكلام؟

تشارل أندرلان:

على كل ما كتب في تلك الفترة وعلى شهادات الإسرائيليين الذين التقيتهم ممن شاركوا مباشرة في الحدث، وكذلك على الانتقادات التي وجهت إلى هذا الإجراء الحكومي داخل أجهزة الحكم الإسرائيلية، كانت تلك سياسة (آرييل شارون) وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، وصانع الحرب في لبنان، وقد وُجهت إليه انتقادات حتى داخل الجيش وجهاز الاستخبارات الإسرائيلية.

سامي كليب:

لنمر قليلاً إلى الفلسطينيين في الواقع هم الأساس حالياً .. متى بدأت الاتصالات السرية بين إسرائيل والفلسطينيين؟ وحين أعني الفلسطينيين أعني طبعاً ياسر عرفات أبو عمار أو القيادات الفلسطينية التي قامت بالثورة والحرب من أجل استعادة أراضها.

تشارل أندرلان:

إذا تركنا جانباً الاتصالات المهمة التي أجراها عصام سرطاوي مع اليسار الإسرائيلي، وكانت لها قيمة رمزية فقط في نظر الشعب الإسرائيلي والحركة الفلسطينية، ولكن إذا ما تحدثنا عن مفاوضات حقيقية بين ممثلين عن الطرفين فعلينا أن نذكر أنها بدأت عام 85 واستمرت حتى عام 86، كان ذلك من خلال لقاء في نيويورك بين (يوسي جنيوسار) الذي كان ممثلاً لـ(الشين بيت) في الولايات المتحدة الأمريكية، وسعيد كمال المسؤول الفلسطيني الذي كان قبل ذلك قريباً جداً من الرئيس أنور السادات.

سامي كليب:

على ما يبدو سعيد كمال لعب دوراً كبيراً في المفاوضات السرية بين العرب والإسرائيليين بشكل عام؟

تشارل أندرلان:

دور سعيد كمال كان جوهرياً، ولكن الرجل كان دائم التكتم حول هذا الدور، هو أول من كانت له اتصالات مع مسؤولين سياسيين إسرائيليين عن طريق يهودي أمريكي من اليسار هو (ستيف كوهين) الذي يتابع -حتى اليوم- جهود الوساطة في المنطقة، وهو من كان وراء مفاوضات الأولى وأصبح قريباً جداً من السادات.

جرى إذن أول لقاء في نيويورك بين (جينوسار) الممثل عن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي وسعيد كمال، ثم تلته أولى المفاوضات الجدية في (باريس) في مقر سري للموساد ذلك أن الفلسطينيين قرروا أن يتركوا المسألة الأمنية للإسرائيليين، وقد اجتمع هاني الحسن أحد المسئولين الفلسطينيين وسعيد كمال و(شلومو جازيتا) الجنرال والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية و(جينوسار)، وتم ذلك في حضور (ستيفن كوهين)، وكانت تلك أول المفاوضات الجدية، أنا أعتبرها (أوسلو) الأولى لأنها تضمنت المحاور الكبرى التي طرحتها اتفاقات أوسلو عام 93 فيما بعد، برأيي كان يمكن اختصار سنوات عديدة للوصول إلى اتفاقات أوسلو.

سامي كليب:

طبعاً مررنا على الأردن، ونحن اليوم نصور في عَمَّان في الواقع دون أن نذكر الاتصالات بين الملك حسين وإسرائيل، هو نفسه الملك الراحل تحدث طويلاً عنها، ولكن متى بدأت؟ تحديداً فقط للتاريخ، متى بدأت هذه الاتصالات، وكيف كانت تنظر إسرائيل للملك حسين؟

تشارل أندرلان:

واصل الملك حسين الاتصالات التي بدأها جده ولكن على مستوى آخر، ذلك أنه كان متحفظاً، ولم ينس أن جده قد قُتِل في وقت كان يسعى فيه لاتفاق سلام مع إسرائيل .. لقد أدرك الملك حسين سريعاً أنه لن يكون أول من يوقع على اتفاق سلام مع إسرائيل، لكنه أجرى اتصالات في الخمسينات مع أحد الإسرائيليين المدعو (جاكو فالسوك) والذي كان على رأس الموساد.

ومنذ الستينات وقبل حرب عام 67 كان الملك الأردني يزور إسرائيل سراً، بدأت زياراته على الحدود أولاً بين البلدين، ثم تجول في (تل أبيب) ليلاً وفق رواية سائقه الخاص، في حزيران عام 67 اعتقد الملك حسين أن بإمكان عبد الناصر أن يحقق انتصارات عسكرية وسياسية، لكن حساباته كانت خاطئة فخسر، وسريعاً عاد لإجراء اتصالات مع الإسرائيليين، ولسنوات طويلة كان يلتقي سراً بوزراء الخارجية الإسرائيليين منهم مثلاً (باي بان).

سامي كليب:

تحدثنا عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان آنذاك محمد حسنين هيكل الصحافي والكاتب العربي الكبير أحد مساعديه، هل كان على علم بالاتصالات السرية مع إسرائيل؟

تشارل أندرلان:

أحترم جداً أعمال محمد حسنين هيكل، لم يتسنَ لي أن أحاوره، وربما يحصل ذلك خلال لقاء قريب في الأشهر المقبلة. مهما يكن من أمر فهو يؤكد أنه لم يلتقِ أبداً بالإسرائيليين، وهذا ليس صحيحاً على الأقل فيما يخص لقاءه سنة 56 بـ (جوجوران) مبعوث (ناعوم جولدمان) في منتجع (نبلوزيت) في (بلجيكا) لبحث أمر زيارة (جولدمان) إلى القاهرة.

سامي كليب:

هل الإسرائيليين ساعدوا المصريين مالياً؟ -كما تقول في كتابك- ذكرت مثلاً طلب إسرائيل من البنك الألماني ومن ألمانيا أن تساعد مصر آنذاك في الستينات .. ما هي حقيقة هذه المعلومات؟

تشارل أندرلان:

كان ذلك عام 66، وبعد الاقتراح المصري الذي أتى به ممثل مصر محمود خليل قرر قائد الموساد (مائير أميت) أن يعد مشروعاً كاملاً لمساعدة عبد الناصر الذي وثق به لمساعدة مصر، مصر التي كانت تعاني من متاعب اقتصادية، وبما أن إسرائيل كانت قريبة جداً من ألمانيا الغربية آنذاك من جهة، ومن جهة أخرى كانت (بون) تحاول تحسين علاقتها مع العالم العربي، علاقتهم كانت سيئة جداً بسبب مساعداتها لإسرائيل، فإن (مائير أميت) حصل من البنك المركزي الألماني على قسط أول من مجموع قروض كانت مخصصة لمصر في حال نجاح مبادرة السلام مع إسرائيل، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت أن يزور (مائير أميت) القاهرة.

سامي كليب:

أنت طبعاً مراسل في القدس، وأيضاً في بعض دول المنطقة منذ احدى وعشرين سنة سنة، هل -ولا شك أنك على اتصال بالأجهزة الإسرائيلية- هل تعتقد أن الموساد دخل في العالم العربي عبر مؤسسات خاصة شركات، صحفيين.. رجال أعمال مثلاً كما يقال؟

تشارل أندرلان:

ليس لي أي اتصال مع الأجهزة الحالية، ففي كتابي حاورت القدماء من المتقاعدين كـ (فايم شالوم) المدير الأسبق لـ(لشين بيت) عام 85 و86 أو (مائير أميت)، ليس لدي الكثير من المعلومات حول نشاطات الموساد في الدول العربية، ولكن بإمكاني القول إنه خلال الأربعينات والخمسينات كانت توجد شبكة مهمة في القاهرة تأخذ صوراً، وتعد تقارير حول ما كان يدور في مقر الجامعة العربية، كان ذلك قبل عام 48، وكانت ترسلها إلى الوكالة اليهودية في تل أبيب، أو في (القدس) فيما بعد برزت مسألة الجواسيس الإسرائيليين الذين تم القبض عليهم.

أعتقد أن الموساد التي بالغ البعض إلى حد بعيد في تقرير إمكاناته ليس أسطورة إلى هذا الحد، ولكن علينا أن نعترف أن أغلب رؤساء الموساد قد تحدثوا عن السلام، وقد احترموا الطرف الأخر، نذكر -على سبيل المثال- (مائير أميت) الذي شارك في مفاوضات سرية، كما هو الحال أيضاً بالنسبة لـ(فارايم شالوم) و(هاروني أريف) الذي قاد المخابرات العسكرية وكان جنرالاً، وقد شاركوا في المفاوضات، وأخيراً -وتحديداً خلال فترة حكم (بنيامين نتنياهو) كانت رئاسة مجلس الوزراء الإسرائيلي في خلاف دائم مع أجهزة الاستخبارات السرية التي كانت تحث (نتنياهو) على التقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين.

وكان مسؤولون في الموساد والشين بيت يخالفون (نتنياهو) الرأي عندما كان يتهم الفلسطينيين بعدم محاربة الإرهاب، في نهاية فترة حكم (نتنياهو) تغير خطاب .. وقد أصبحنا حينها نرى شيئاً من التواصل بين الجنرالات، ونذكر -على سبيل المثال- أن اللقاءات الأولى بين الجنرالات الإسرائيليين والمصريين تمت في ظروف جيدة، وكذلك اللقاءات التي جمعت بين المسؤولين العسكريين الفلسطينيين ونظرائهم الإسرائيليين كانت إيجابية، وأدت إلى إقامة روابط.

سامي كليب:

في الحديث عن جمال عبد الناصر وعن الملك حسين، تقول إن الموساد نجح في تسجيل المكالمات و..خلال الحرب، وكان ذلك سبباً في خسارة الحرب ضد إسرائيل، ما الذي جرى تحديداً؟

تشارل أندرلان:

لقد التقطت أجهزة التنصت الإسرائيلية كل ذلك وبثته في كل الإذاعات، لأن تلك المعلومات فقدت صفة السرية، بمعنى الإسرائيليين قد انتصروا في الحرب.. كما أن في ذلك دعاية مهمة لإسرائيل، إذ تحتوي التسجيلات على حديث للرئيس المصري والملك الأردني، أعتقد أن مصالح التنصت أكثر نشاطاً اليوم من رجال الموساد في العالم العربي، واليوم أصبح جمع المعلومات تقنياً أمر مهم جدًا، سواءً بالنسبة للأمريكيين أو للإسرائيليين الذين يتعاونون في هذا الميدان.

وخلال مفاوضات عام 50 كان لدى الإسرائيليين التقارير التي أرسلها رياض إلى مصر، بمعنى أنهم يعلمون مسبقاً بما سيتحدثون مع محاوريهم، لقد ذكرت في كتابي أنه خلال مفاوضات (أوسلو) الفلسطينية- الإسرائيلية، لقد تم وضع (ميكروفون) في كرسي أبو مازن، وكان (اسحق رابين) رئيس الوزراء، وكان مدير جهاز الاستخبارات يعلم بما يجري في مكتب أبو مازن، وكان رئيس الوزراء (اسحق رابين) وكذلك مدير جهاز الاستخبارات يعلمان بما يجري في مكتب أبو مازن.. لقد شجعهما اطلاعهما على المناقشات الأكثر سرية في مكتب أبو مازن على اتخاذ قرار بتوقيع اتفاق سلام مع منظمة التحرير.

يمكن أن نذكر أيضاً مثالاً آخر، قبل انتخابات عام 92 في إسرائيل، التقى أحد المقربين من اسحق رابين، وهو (فرايم سلاي) بأحد معاوني أبو مازن، وهو رجل أعمال من (نابلس) يدعى سعيد كنعان وسلمه رسالة من (رابين) إلى أبو مازن وحذره من التحدث بشأنها إلى أبو مازن في مكتبه، وطلب منه أن يهمس له بذلك في أذنه خارج المكتب، روى لي سعيد كنعان أنه حاول استدراج أبو مازن خارج المكتب ولكنه رفض، وتبين له لاحقاً أن (فرايم سلاي) و(رابين) لم يكونا يحذران من تنصت الأجهزة المصرية على ما يدور من نقاش داخل مكتب أبو مازن، بل تنصت الأجهزة الإسرائيلية، ذلك أن (اسحق شامير) -خصم اسحق رابين السياسي- كان سيطَّلع حتماً على محتوى الرسالة التي كلِّف كنعان بنقلها وهو ما كان يخشاه (رابين).

سامي كليب:

بالطبع في كتابك: السلام وحروب المفاوضات السرية منذ عام 17 حتى 97، تحدثت عن الكثير من الأسماء، لم نمر على المغرب مع الحسن الثاني، حكى الكثير عنه، ولكن محمد الخامس -على ما يبدو- كان له اتصال مباشر مع الإسرائيليين أو على الأقل محيطه؟

تشارل أندرلان:

في عام 66 عاد محمد الخامس من منفاه في (مدغشقر)، واكتشف أن منظمة صهيونية وهي: المؤتمر اليهودي العالمي، كانت بصدد ترحيل اليهود، حضر مبعوث عن المؤتمر إلى المغرب وهو (جوجولان) الرجل الذي التقى محمد حسنين هيكل، وتحدث إلى الملك، عندها أجابه محمد الخامس: لماذا تأخذون يهود بلدي وتضعونهم في مخيمات؟! إنهم لن يعرفوا السعادة عندكم .. إلا أن الهجرة اليهودية من المغرب إلى إسرائيل تواصلت، وكان المغرب قد قبل بها مكرهاً ولم يعارضها، غير أن تعاوناً فعلياً قام فيما بعد بين المخابرات المغربية وجهاز الموساد، وقد أصبح معلوماً لدى الجميع الآن كل التفاصيل بشأن (أفقيرا) و(دليمي)اللذين تعاونا مع إسرائيل.

سامي كليب:

هل كانت فقط الأجهزة المغربية في كل المغرب العربي التي كان لها اتصالات مع الموساد؟

تشارل أندرلان:

لا أعتقد ذلك بالنسبة لتونس والجزائر، كانت هناك بعض الاتصالات مع جبهة التحرير الجزائرية بخصوص شؤون اليهود في الجزائر، ذلك أن كريم بلقاسم قد التقى (جوجولان) الذي مُنِع بسبب هذا اللقاء من دخول الأراضي الفرنسية حتى عام 81، كان يوجد تعاون فعلي مع المغرب، والكل يعلم بذلك حتى في العالم العربي، كانت المملكة المغربية نقطة الالتقاء بين مختلف الأجهزة.

وبعد انتخابه عام 77 اطلع (مناحم بيغن) على معلومات حصلت عليها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وفحواها أن ليبيا كانت بصدد إعداد مخطط ضد مصر، وفي الحال أعطى بيجن أوامره لرئيس الموساد لنقل هذه المعلومات إلى مصر، وكان اللقاء طبعاً في المغرب حيث يلتقي الجميع سراً.

الخلافات لم تتجاوز حدوداً معينة في الشرق الأوسط، والكل كان يلتقي بطريقة أو بأخرى، بطريقة مباشرة أو عبر وساطات، المعلومات التي نقلتها إسرائيل إلى السادات في خصوص المخطط الليبي ساهمت في إقامة علاقات ثقة، وفي سبتمبر /أيلول عام 77 شاهدنا اللقاء الأول في المغرب بين (موشي ديان) وحسن التهامي وفي نوفمبر/ تشرين الثاني حصلت زيارة السادات إلى القدس، كانت هناك ثقة متبادلة، لأن كل طرف يحمل للطرف الآخر معلومات حول الخصم.

سامي كليب:

سؤالي الأخير شارل أندرلان -قبل أن أشكرك على كل هذه المقابلة- هل تعتقد أن العرب خسروا كل الحروب ضد إسرائيل بسبب عجزهم عن محاربة إسرائيل أو بسبب الخيانات فيما بينهم؟

تشارل أندرلان:

لنستعرض الحروب واحدة تلو الأخرى، عام 48 لم تكن الجيوش العربية مستعدة على أكمل وجه، لا على مستوى التنسيق والمعلومات، ولا على مستوى العتاد. لقد روى عبد الناصر أنه كان يرى من (فالوجا) التي كان محاصراً فيها هضبات الخليل التي كانت ترابط فيها قوات أردنية، وكان بإمكان القوات الأردنية أن تساعد الجيش المصري ولكنها لم تفعل، هذا ما يبين أن إشكالاً ما كان موجوداً بين العرب.

عام 56 كان الهجوم الإسرائيلي مفاجئاً، خلال المفاوضات التي تلت الحرب كان المصريون يسألون الإسرائيليون عن سبب قيام الحرب، لأن عبد الناصر لم يكن ليعلنها على إسرائيل. عام 67 هاجمت إسرائيل بشكل مفاجئ، كان الجيش الإسرائيلي أكثر عدة واستعداداً من الجيوش العربية. عام 73 كان استعداد الجيوش العربية جيداً، وحققت مكاسب على الميدان أدت إلى اتفاقات ثانوية مع سوريا وإلى اتفاق سلام مع مصر.

وفي عام 82 كانت الخيبة لإسرائيل، كانت إسرائيل تسعى إلى تغيير الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ولم يتم لها ذلك ولا زالت إلى حد الآن متورطة في جنوب لبنان، أما إذا قارنا الحروب في الشرق الأوسط بالحروب التي قامت في السنوات الثلاثة الأخيرة في أوروبا فإننا ندرك أن الشعوب المتحضرة فعلاً موجودة في الشرق الأوسط، ذلك أن كل الحروب انتهت بتدخل لجمعيات الهلال الأحمر أو الصليب الأحمر، وبتبادل الأسرى وباتفاقات سلام وهدنة، أما في أوروبا فليس بإمكاننا أن نتصور ذلك بين الصرب والبوسنيين أو في (كوسوفو).

سامي كليب:

شكراً لك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة