عرفات بين الهجمات ودعوات الإصلاح   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:28 (مكة المكرمة)، 23:28 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

08/06/2002

- شارون وعرفات بين الهجمات الفدائية وترتيب أجهزة الأمن الفلسطينية
- زيارة مبارك لواشنطن وخطة جديدة لقيام الدولة الفلسطينية

- النزاع الهندي الباكستاني وتحديات التعاون الأمني الآسيوي

- تأثير النزاع الهندي الباكستاني على مصالح الدول الكبرى

- الاحتفال باليوبيل الذهبي للملكة اليزابيث الثانية

- فوز أمادو برئاسة مالي والتحديات التي تواجهه

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

هجوم فدائي جديد و(تينت) يبحث تركيبة أجهزة الأمن الفلسطينية، فمن يحمي الإسرائيليين من المقاومة؟

ومبارك في واشنطن وخطة جديدة لقيام دولة فلسطينية قبل.. فهل ترضى واشنطن بالخطة؟

القمة الآسيوية في كازاخستان النزاع الهندي-الباكستاني أول تحديات التعاون الأمني الآسيوي، فهل ينجح في إزالة تحديات شبح الحرب؟

شارون وعرفات بين الهجمات الفدائية وترتيب أجهزة الأمن الفلسطينية

لم يكن أحد بحاجة إلى تذكير بأن الوضع بين ياسر عرفات و(أرييل شارون) لا يزال على حاله، رغم النشاط الدبلوماسي المحموم، فالهجوم الفدائي على حافلة ركاب في (مجدُّو) وما لحقه يبقى أو يُبقى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس الحكومة الإسرائيلية في الحلقة المفرغة ذاتها، واحداً يندد بالإرهاب ولا يستطيع إيقافه وآخر يشن هجمات وحملات تدمير ضد الإرهاب ويعجز عن القضاء عليه، وفي هذه الأثناء كان (جورج تينت) يبحث توزيع المهام بين قادة أجهزة الأمن الفلسطينية بعد إعادة تنظيمها، وأصبح وقف العمليات الفدائية مهمة أمنية فلسطينية كما يريدها شارون.

شارون وعرفات
تقرير/حسن إبراهيم: أدى الانفجار أمام معتقل (مجدُّو) الرهيب ليسلط الضوء على الحيرة التي تحيط بالخصمين اللدودين، الأول هو (رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية) ياسر عرفات والثاني هو (رئيس وزراء إسرائيل) أرييل شارون، فعرفات استقبل جورج تينت (مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية) الذي جاء ليدشن الإصلاحات الأمنية التي وعد عرفات بإجرائها، لكن جهود عرفات هذه لم تشفع له إسرائيلياً، إذ مازال الإسرائيليون يلقون باللائمة عليه كلما نفذت المقاومة الفلسطينية عملية ضد إسرائيل، وقصف الإسرائيليون مقر عرفات، بل وأصابوا غرفة نومه، ولوح كثيرون في اليمين الإسرائيلي بورقة طرد الزعيم الفلسطيني من فلسطين كلها، عرفات نفسه يحاول لملمة أطراف الطيف السياسي الفلسطيني في حكومة موسعة قد تقيه شر الصدام مع الفصائل الراديكالية، لكن مشاركة هذه الفصائل في حكومة موسعة تبدو غير ممكنة بسبب شروطها التي يعتبرها عرفات تعجيزية، فبعض التنظيمات يشترط نبذ مرجعية اتفاقية أوسلو ويطالب آخرون بإصلاحات جذرية تطال معظم أركان رئاسته، ولعل رفض الرئيس عرفات تنفيذ حكم المحكمة العليا الفلسطينية القاضي بإطلاق أحمد سعدات (الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد وسَّع من الشقة ما بينه وبين التنظيمات المعارضة، وواضح أن اختلاف المنطلقات بين عرفات وهذه التنظيمات يجعل الحلول الوسطى مستحيلة وأن أقصى ما يستطيعه هو تجنيب الشعب الفلسطيني حرباً أهلية تكمل ما بدأته إسرائيل من تمزيق للجسد الفلسطيني، وشارون قبل غيره من الإسرائيليين يعلم أن فرصة التسوية الوحيدة مع الفلسطينيين تكمن في ياسر عرفات وأن حكومته الائتلافية لن يكون بوسعها تقديم أفكار تتجاوز واقع القتل المتبادل هذه الأيام، ومن المفارقات أن شارون الذي فشل في جلب الأمن لشعب إسرائيل يعلم أن قمع التنظيمات الفلسطينية المعارضة يجعله وعرفات في خندق واحد رغم رفضه الاعتراف بتلك الحقيقة المرة، الطرفان إذن في مأزق وآخر ما تريده الولايات المتحدة في ظل هذه الظروف أن يعود زمام المبادرة للمنظمات الراديكالية وهو ما قد يلقي بأعباء دبلوماسية على الإدارة الأميركية التي يستنزف تأمين الجبهة الداخلية ضد الإرهاب معظم طاقتها وإمكانياتها.

زيارة مبارك لواشنطن وخطة جديدة لقيام الدولة الفلسطينية

جميل عازر: وللخروج بالطرفين من المأزق تكاثرت المبادرات العربية وغير العربية إلى حد قد يجعل من التوصل إلى مخرج أكثر تعقيداً، فالخطة التي حملها الرئيس المصري معه إلى واشنطن تنطوي على عناصر لا يمكن أن يرضى بها شارون إلا تحت ضغوط أميركية بوجه خاص، اللهم إذا قبل بها أولاً الرئيس الأميركي الذي يتجاذبه الصقور والحمائم في إدارته.

بوش بجانب مبارك أثناء مؤتمر صحفي
تقرير/سمير خضير: اقتراح آخر وخطة سلام أخرى فما الذي يحمله حسني مبارك إلى الإدارة الأميركية؟ لا يمكن القول إن الرئيس المصري كان كتوماً فيما يتعلق برؤيته الخاصة لسبل حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، فقد أفصح عنها في عديد من المقابلات والتصريحات في شتى وسائل الإعلام وهي تتلخص ببساطة بخطوة رمزية ولكنها مليئة بالمعاني إعلان نظري لدولة فلسطينية مطلع العام المقبل على الأراضي التي حصل عليها الفلسطينيون بموجب اتفاقات أوسلو وملحقاتها على أن تتولى هذه الدولة مفاوضات مع إسرائيل حول كل القضايا العالقة، ولكن وفقاً لجدول زمني محدد، والاختلاف هنا جوهري عن كل المبادرات السابقة التي تنص على إعلان الدولة بعد سلسلة من المفاوضات، فالدولة تأتي عند مبارك أولاً، وربما كان الهدف من وراء هذه الصيغة الجديدة إعطاء شرعية أكبر للسلطة الفلسطينية من خلال الاعتراف بها كحكومة ممثلة في هيئة الأمم المتحدة، وبذلك تكون هناك ندية في المفاوضات بين الدولتين، لكن للرؤية المصرية محاذير عدة ومخاوف على الصعيد الفلسطيني الذي يخشى من أن تعلن الدولة على أراضٍ محدودة تصبح دائمة بفعل التقادم واستمرار سياسة فرض الأمر الواقع من قِبَل إسرائيل، ثم أن هناك عقبتين رئيستين، الأولى تتمثل في المنافسة الواضحة بين مصر والسعودية فالبعض يرى في المبادرة المصرية بديلاً عن خطة ولي العهد السعودي التي أصبحت خطة عربية في قمة بيروت، ولكن القاهرة لا ترى تعارضاً بينهما. ثم هناك موقف أرييل شارون الذي لازال يرفض التعامل مع الرئيس الفلسطيني ويطالب باستبداله أو على الأقل تحييده وهذا ما ترفضه القاهرة ومن ورائها معظم الدول العربية، وترى فيه سابقة خطيرة، أما الموقف الأميركي تجاه هذه المسائل فلا يزال يتأرجح بين هذا وذاك، فجورج بوش لم يحسم أمره بعد، وهو لا يزال مشتتاً بين معسكرين:

حمائم بزعامة وزير خارجيته (كولن باول) الذي يدفعه باتجاه استمرار التعامل مع ياسر عرفات ومحاولة الخروج من الأزمة من خلال مؤتمر دولي لم تُحدد بعد معالمه وأهدافه.

وصقور بزعامة نائب الرئيس (ديك تشيني) ووزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) اللذين يتبنيان موقف شارون قلباً وقالباً ويعتبران حربه ضد الفلسطينيين عامة وضد عرفات بشكل خاص جزءاً من حرب واشنطن على الإرهاب.

جميل عازر: ويبدو أن إعلان دولة فلسطينية أصبح هدفاً بحد ذاته لزيارة الرئيس المصري إلى واشنطن رغم وجود شكوك حول إمكانية إقناع الأميركيين بخطئه، وينضم إلينا من القاهرة الدكتور جمال عبد الجواد (من مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية)، دكتور جمال، بداية: هل إعلان الدولة الفلسطينية كما يُستفاد من خطة الرئيس مبارك قبل إجراء مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين أمر عملي؟

د.جمال عبد الجواد: هو له فائدة، ولكن من زاوية عمليته أعتقد إنه في الظروف الراهنة على الأقل بالذات في.. طالما استمرت حكومة شارون في الحكم لا يبدو مطلباً عملياً، ولكن هناك قطاعات في المجتمع الإسرائيلي في الجماعة السياسية الإسرائيلية يبدو هذا بالنسبة لها مطلباً مقبولاً كلنا أعتقد يذكر الوثيقة المعروفة بوثيقة بيريز أبو العلاء، اللي كان فيها بالضبط نفس هذه النص المتعلق بإقامة دولة فلسطينية في المنطقتين (أ)، (ب) ثم استكمال المفاوضات بعد ذلك على بقايا بقية قضايا الحل النهائي، أعتقد إنه المبادرة المصرية الخطة المصرية بتحاول تستفيد من وجود جزء من المجتمع السياسي الإسرائيلي حتى لو كان ضعيف في هذه المرحلة ممثلاً في حزب العمل، بيوافق على هذه الخطة وربما بين هنا وبين.. بين الآن وزمن أو اللحظة اللي بتتصور مصر أنها مناسبة لطرح أو لتنفيذ الدولة الفلسطينية أو إقامتها في بداية العام القادم جايز تكون هذه القوى قادرة على إنها تكتسب قدر من نفوذ كافي للحصول على موقف إسرائيلي.

جميل عازر: طيب دكتور جمال، ألا تعتقد أن مثل هذا الطرح يسحب البساط من تحت المبادرة العربية التي تدعو إلى التطبيع مع إسرائيل مقابل الانسحاب التام من الأراضي التي لا تزال تحتلها منذ عام 67؟

د.جمال عبد الجواد: لا أعتقد إنه.. إنه فيه سحب من البساط أو إنه فيه منافسة، أعتقد إنه العلاقة ما بين المبادرة المصرية والمبادرة السعودية علاقة ما بين المبادرة المصرية والمبادرة السعودية علاقة تكامل، المبادرة السعودية بتنصرف إلى وقف شكل العلاقة العربية.. الإسرائيلية عندما يتحقق انسحاب إسرائيلي كامل من.. لحدود 4 يونيه 67 دا يتضمن فلسطين، يتضمن سوريا أيضاً، المبادرة المصرية بتتعامل مع اللحظة الراهنة بتقول كيف يمكن تحريك الموقف الراهن، خطوات للأمام في اتجاه الوصول إلى هذه المرحلة، المبادرة المصرية -بعبارة أخرى- الهدف المباشر لها هو إقامة دولة فلسطينية على جزء من الأراضي الفلسطينية، جزء من الأراضي المحتلة في 67، ومن ثم هي لا تتعارض مع المبادرة السعودية ولكن تمثل بمعنى ما أو بشكل ما آلية لتنفيذ المبادرة السعودية أو لخلق أجواء مناسبة لتنفيذ المبادرة السعودية أو لخلق أجواء مناسبة لتنفيذ المبادرة السعودية.

جميل عازر: طيب، دكتور جمال -في تقديرك- إلى أي مدى يعتمد قبول البيت الأبيض بالخطة المصرية على الوضع بين الرئيس الأميركي نفسه مع الحمائم في إدارته من جهة ومع الصقور المتأثرين باللوبي الصهيوني من جهة ثانية؟

د. جمال عبد الجواد: أظن إنه الإدارة الأميركية لن تقبل الخطة المصرية بالكامل ولن ترفضها بالكامل، ولا أتصور إنه الرئيس مبارك أو الحكومة المصرية متصورة إن إحنا في موقف يسمح لنا أو يتيح لنا بأن نملي على الولايات المتحدة خطة ستقبلها بحذافيرها، هناك في داخل الإدارة الأميركية اتجاهات -زي ما حضرتك شرحت- ما بين اتجاهات يعني معتدلة أو حمائمية واتجاهات متشددة أو اتجاهات صقورية هذه الاتجاهات طول الوقت في حالة تنافس وصراع فيما بينها، هدف زيارة الرئيس مبارك ليس إملاء على الولايات المتحدة، ولكن المساهمة في تشكيل محصلة الصراع أو التنافس ما بين هذين الاتجاهين في داخل الإدارة الأميركية، بالإضافة بالتأكيد..

جميل عازر: دكتور.. نعم.

د. جمال عبد الجواد: إلى محاولة موازنة النفوذ الإسرائيلي على الحكومة الأميركية.

جميل عازر: دكتور جمال عبد الجواد في القاهرة، شكراً جزيلاً لك. ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً بعد فاصل:

الملكة اليزابيث الثانية تحتفل والشعب البريطاني معها بيوبيلها الذهبي،ولكن هل المراسم كافية لرد الاعتبار إلى الأسرة الملكية؟

[فاصل إعلاني]

النزاع الهندي الباكستاني وتحديات التعاون الأمني الآسيوي

جميل عازر: وإلى كازاخستان حيث انعقد مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا ليضع أول لبنات نظام للأمن والتعاون بين الدول الآسيوية، وكاد النزاع بين الهند وباكستان بشأن كشمير يستحوذ على أعمال المؤتمر الذي شاركت فيه ست عشرة دولة لولا أن الإرهاب احتل بالتالي مكان الصدارة في البيان الختامي الذي التزم فيه الموقعون بالتنديد بالإرهاب بكل أشكاله ومظاهره.

الأزمة الهندية الباكستانية
تقرير/ أكرم خزام: لولا إعلان الرئيس الباكستاني ورئيس الوزراء الهندي عن مشاركتهما في قمة (المآتي) للتعاون وتعميق أجواء الثقة بين البلدان الآسيوية لما اكتسبت هذه القمة اهتماماً بالغ المستوى من حيث درجة تمثيل الدول المشاركة ومن حيث انخراط وسائل الإعلام الأجنبية في تغطية أعمال القمة. رئيس كازاخستان ومنذ عام 92 طرح فكرة الدعوة إلى تشكيل منظمة بين الدول الآسيوية تشبه منظمة التعاون والأمن الأوروبي، لكنها -أي فكرة نور سلطان نزار بايف- ارتطمت بعوائق عدة إلى أن حان الوقت ولربما الظروف الموضوعية والذاتية للموافقة على المشاركة في قمة (المآتي) التي وعبر النتائج المتمخضة عنها أدانت الإرهاب ودعت إلى حوار الحضارات بدلاً عن النزاعات الإقليمية، واعتبرت النتائج أن الأمم المتحدة حصراً تعتبر المركز العالمي الوحيد لحل تلك النزاعات، وأن استخدام مفهوم الإرهاب كسبيل لتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة أو تلك مرفوض تماماً، مع أن في جوهر الأمر محاولة لصد التفرد الأميركي في تقرير شؤون العالم والمضي قدماً في عائلة الدول الآسيوية المشاركة في قمة (المآتي) لتنفيذ مشاريع اقتصادية ضخمة مستقبلاً شريط القضاء على الإرهاب و قطع الطريق على استخدام أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الاتجار بالأسلحة والمخدرات.

الأمر الإيجابي في هذه القمة يتمثل في إطلاق مبادرة روسية صينية كازاخستانية لحل النزاع الهندي الباكستاني تمخض عنها وعود من باكستان بعدم استخدام أراضيها لنشاط المنظمات الإرهابية ودعوة هندية للاتفاق بين الهند وباكستان الامتناع عن استخدام الأسلحة النووية، ناهيك عن الاستعداد للحوار المباشر بغية حل ملف الخلافات الهندية الباكستانية.

قمة (المآتي) وضعت الأسس العامة لكيفية حل النزاع الباكستاني الهندي، وأفسحت المجال لتصورات مستقبلية حول كيفية حل النزاعات الإقليمية في الدول الآسيوية، لكنها ظلت أسيرة العموميات بانتظار حدوث صيرورة تؤهلها لاتخاذ قرارات ملزمة.

أكرم خزام -(الجزيرة)- برنامج (الملف الأسبوعي)- المآتي- كازاخستان.

تأثير النزاع الهندي الباكستاني على مصالح الدول الكبرى

جميل عازر: وبينما يشكل النزاع الهندي الباكستاني أول التحديات، وربما أكبرها للتنظيم الآسيوي الجديد، يبدو أن الجهود الدولية بدأت تؤثر على موقفي الجانبين، اللذين أصبحا أكثر قناعة بأن المواجهة نووية كانت أم غير نووية لا يمكن أن تحل النزاع بينهما على كشمير، ولعل في استقراء مصالح الدول الكبرى الاستراتيجية في جنوبي آسيا ما يشير إلى أن نشوب حرب بين إسلام آباد ودلهي سيصب في صالح التطرف، الأمر الذي لا يتماشى مع الحفاظ على تلك المصالح.

الأزمة الهندية الباكستانية
تقرير/سمير خضر: من المؤكد أصبحا بعيدين عن سيناريو الكارثة.. عن شبح الحرب النووية التي كانت ستعقب لا محالة أي مواجهة عسكرية تقليدية بينهما، ولئن بات كلا البلدين مقتنعين اليوم بعبثية المواجهة النووية، فإن سيناريو الحرب التقليدية كان وارداً في حسابات قيادتي الجيش في دلهي وإسلام آباد، لكن المجتمع الدولي لم يكن ليترك لهما الفرصة لإخراج هذه الخطط إلى حيز التنفيذ، لا لأن هناك حلولاً جاهزة لأزمة كشمير المستفحلة بينهما، بل لأن آثار المواجهات لن تقتصر هذه المرة على الهند وباكستان، كل القوى الدولية والإقليمية معنية اليوم بالاستقرار في جنوب آسيا، وكلها لها مصالح استراتيجية واقتصادية وتجارية، أولى هذه القوى الولايات المتحدة التي لا تزال تخوض في أفغانستان حربا لا تلوح في الأفق أي بوادر لنهايتها، تلك الحرب التي فتحت لها أبواباً ظلت موصدة في وجهها طيلة 5 عقود، ولم تسمح لأحد بإغلاقها مرة أخرى، واشنطن لجأت هذه المرة إلى دبلوماسية القبضة الحديدية لمنع دلهي وإسلام آباد من الوقوع في المحظور، فهي بحاجة للبلدين في تنفيذ استراتيجيتها في المنطقة، تحتاج باكستان لتأمين مصالحها في أفغانستان، وتحتاج الهند لاستكمال حصار المارد الصيني، لكنها لا تخفي تعاطفها مع موقف الهند المتشدد حيال الرئيس الباكستاني، فواشنطن تريده أداة طيعة لضرب الحركات الإسلامية المتشددة ليس فقط في كشمير بل وفي كل أنحاء باكستان، لكن الولايات المتحدة لن تسمح للهند بزعزعة نظام الرئيس مشرف، فسيناريو الكارثة لا يكمن بنظر واشنطن في مواجهة نووية بين الهند وباكستان بقدر خشيتها من سقوط نظام مشرف ووصول متشددين إلى الحكم في إسلام آباد يكونون أداة في أيدي أنصار ومؤيدي طالبان والقاعدة، الاستراتيجية الأميركية ليست بخافية عن أنظار صناع القرار في موسكو وبكين، إذ رغم العلاقات الاستراتيجية التي تربط روسيا بالهند، وتربط الصين بباكستان فإن (بوتين) و(جيانج زيمين) يعرفان جيداً أن تنافر سياستهما تجاه الوضع في جنوب آسيا لن يكون إلا في صالح صقور الإدارة الأميركية.

الاحتفال باليوبيل الذهبي للملكة اليزابيث الثانية

جميل عازر: وإلى بريطانيا التي أقام سكانها في طول البلاد وعرضها احتفالات بمناسبة مرور 50 عاماً منذ اعتلاء الملكة اليزابيث الثانية العرش، وبالطبع كان أكبر الاحتفالات في لندن، حيث تجلت براعة البريطانيين في إتقان المراسم وإحياء التقاليد، رغم أن مشاركة الملايين في هذه الاحتفالات تعتبر تجديداً للعلاقة بين الملكة شخصياً والمواطنين، يظل هناك مشككون في دور مؤسسة العرش في الشؤون البريطانية.

إليزابيث الثانية أثناء الاحتفالات
تقرير/حسن إبراهيم: رغم الغصة في قلب ملكة بريطانيا بوفاة أمها الملكة الأم، ووفاة شقيقتها الأميرة (مارجريت) قبل ذلك، مضت الاحتفالات بمرور 50 عاماً منذ اعتلائها العرش كما كان مقرراً لها، واندفعت الجماهير إلى الشوارع لتحية ملكتهم ورمز اتحادهم رغم التحولات الهامة التي شهدها المجتمع البريطاني، والتي غيرت نظر الكثيرين فيه إلى المؤسسة الملكية، كانت الشمس قد بدأت في الغروب عن بريطانيا الإمبراطورية في بداية عهد الملكة، رغم أنها لا تزال تعتبر زعيمة الكومنولث والتاج رمز للسيادة في دول كبيرة مثل استراليا وكندا من نيوزيلندا. وقد بدأت تفكك الإمبراطورية في أعقاب الحرب العالمة الثانية، ولكنه تسارع الخطى في السنوات الأولى من عهد اليزابيث، وكانت حرب السويس عام 56 إثر تأمين جمال عبد الناصر لقناة السويس بمثابة محاولة لاستعادة النفوذ البريطاني في المنطقة، ولم تختلف حرب الفوكلاند والأرجنتين، عام 82 كثيراً عن ذلك الهدف بغض النظر عن النتيجة، وشهدت بريطانيا في عهد اليزابيث تولي (مارجريت تاتشر) رئاسة الحكومة، فتمكنت المرأة الحديدية من تغيير معالم رئيسة في المجتمع البريطاني أهمها كان الحد من سطوة النقابات العمالية، والهزات السياسية والعائلية لم تكن غريبة على الأسرة الملكية، أبرزها كان تنازل الملك (إدوارد الثامن) عن العرش في عام 36، وهو ما جعل من الأميرة آنذاك ولياً للعهد ثم صاحبة للتاج بعد وفاة والدها عام 52.

اليزابيث الثانية عاشقة ركوب الخيل، كما كانت أمها من قبلها تمتلك مجموعة من أهم الخيول في بريطانيا، ومشهدها وهي تمتطي صهوة حصنيها من المشاهد المحببة لكثير من البريطانيين، إلا أن الملكة رمز الاستقرار السياسي في المملكة المتحدة لم تستطع تفادي هزات زعزعت ثقة الجمهور في العائلة المالكة من قبيل طلاق ولي العهد الأمير (تشارلز) من (ديانا) أميرة (ويلز) ثم طلاق نجلها الثاني الأمير (أنجلو) من زوجته (سانا فيرجسون)، ويعتقد مراقبو الشأن البريطاني أن الحزن الذي أبداه الجمهور البريطاني على وفاة أميرة (ويلز) في حادث سيارة في نفق باريسي كان من ملامح تلك الهزة، ومع ذلك فإن المناسبة أظهرت مدى تعلُّق الشعب البريطاني برمز سيادته، وكان في مظاهر الاحتفال بما فيها من مراسم تقليدية أتقنها البريطانيون وربما أكثر من غيرهم ما يشير إلى أن العلاقة بين الملكة شخصياً والمواطن البريطاني أقوى بكثير مما أوحت به الأزمات.

فوز أمادو برئاسة مالي والتحديات التي تواجهه

جميل عازر: وأخيراً إلى (بماكو) عاصمة مالي التي انتخبت الجنرال (أمادو توماتي توري) بأغلبية ساحقة بعد أن فاز على منافسه الرئيس السابق (ألفاعمر كوناري) وتواجه (أمادو) تحديات جسام، لعل أبرزها تحقيق تآلف وطني في البلاد التي كادت تنزلق إلى حرب أهلية بين العرب من سكانها والأفارقة، ويعتقد المراقبون أن الانعتاق من نفوذ المؤسسة العسكرية شرط هام لنجاح (أمادو) في قيادة بلد يعاني من الجفاف والفقر وضعف الموارد.

خارطة مالي
تقرير/عبد الله ولد محمدي: مرةً أخرى يعود حاكم عسكري سابق في إفريقيا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع بعد وصوله إلى ذات المقعد بحراب الجيش.

الجنرال (أمادو توماتي توري) هو الرئيس الرابع لجمهورية مالي منذ استقلالها عن فرنسا، الجنرال ذو الشعبية الكبيرة، والذي استطاع تجاوز كافة الأحزاب السياسية يجد نفسه في موقع مليء بالمصاعب والتحديات، فعليه المحافظة على مناخ السلم الذي أرساه سلفه، (ألفاعمر كوناري)، وهو المتهم بإثارة حرب ضد الأقليات العربية والطريقية حين تسلَّم السلطة في انقلاب عسكري سنة 1991، ورغم استتباب الأمن والاستقرار في المناطق الصحراوية التي شهدت في الماضي حرباً شرسة بين المجموعات العربية والطريقية من جهة والحكومة المالية من جهة أخرى على خلفية الصراع من أجل إثبات حقوق هذه الأقليات، فإن الجنرال يَعِدُ اليوم بالمحافظة على مناخ الاستقرار وإعطاء الأقليات مكانةً أوسع في الحياة السياسية والاقتصادية للبلد، وبالإضافة إلى ملف التوازنات العرقية ومطامح الأقليات فإن تبعات غياب سياسة تنموية فاعلة تخفف من وطأة الفقر المستشري بين أغلب مكونات الشعب تُلقي بظلالها على المرحلة المقبلة من حكم الجنرال، ويبقى التحدي الأكبر هو قدرة الجنرال على الانسلاخ من وطأة تأثير المؤسسة العسكرية التي أوصلته ذات مرة إلى السلطة.

ليس بالديمقراطية وحدها تعيش مالي، فالتحديات كبيرة لإنعاش اقتصادي يفتقد للموارد، ولتحسين أحوال شعب يعيش تحت عتبة الفقر.

عبد الله ولد محمدي- الجزيرة- خاص لبرنامج (الملف الأسبوعي)- بماكو- مالي.

جميل عازر: وبهذا نختتم الجولة في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون إلى هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة