النظام المصرفي الإسلامي   
الأحد 19/11/1429 هـ - الموافق 16/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)

- أسباب الأزمة المالية وتأثيرها على النظام الرأسمالي والإسلامي
- الاقتصاد الإسلامي كبديل والضوابط التي تحميه

- دور النظام السياسي وأهمية تطوير المصارف الإسلامية

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم على الهواء مباشرة من الدوحة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. تأسس النظام المصرفي الإسلامي عام 1970 وهو نظام يستهدف تطوير النشاطات المصرفية والمواد المالية مع مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية ويشير بعض الخبراء إلى وجود تصاعد في الطلب على التمويل الإسلامي في أوروبا كما يشيرون إلى أن هناك أسبابا تقف وراء هذه اليقظة والطلب الجديد مثل نمو الثورة لدى الطبقة المتوسطة الإسلامية وتزايد الطلب على التمويل المالي الذي يحمل صفة الحلال حتى بين غير المسلمين، وحدوث تغير أو تحول في سياسات الحكومات تجاه هذا النوع من التمويل وكون التمويل الإسلامي يمثل فرصة عمل وكسب مربح. والآن جاءت الأزمة المالية العالمية لتضيف عاملا جديدا للإقبال على التمويل الإسلامي فقد ظهرت بالفعل دعوات لاعتماد النظام المصرفي الإسلامي كان من بينها دعوة مجلس الشيوخ الفرنسي مؤخرا إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي إلى النظام المصرفي في فرنسا وقال إن النظام الإسلامي المالي الذي يعتمد على قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه يعيش ازدهارا وهو قابل للتطبيق في فرنسا. وكانت بريطانيا قد أصدرت نصوصا تشريعية وضريبية بشأنها أن تشجع النظام الإسلامي المالي وفتح بها أول مصرف إسلامي عام 2004. حقق النظام المصرفي الإسلامي معدل نمو سنوي يتراوح بين 10% و15% وبلغ حجم أنشطة المصارف ومؤسسات التأمين الإسلامية نحو خمسمائة مليار دولار حتى نهاية عام 2007 بينما بلغت قيمة الأصول المتداولة التي تراعي أحكام الشريعة الإسلامية نحو سبعمائة مليار دولار في الوقت الراهن. وسنحاول في هذه الحلقة أن نعالج جملة من التساؤلات حول الأزمة المالية العالمية وأسبابها تتعلق جميعها بالمبادئ الإسلامية التي لم يراعها النظام الرأسمالي لنطرح تساؤلا كبيرا، هل يشكل الاقتصاد الإسلامي بديلا؟ وهل يمكن للبنوك الإسلامية أن تحل محل البنوك التقليدية الربوية؟ النظام المصرفي الإسلامي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك أخ عثمان.

عثمان عثمان: اسمح لنا قبل الدخول إلى محاور الحلقة أن نشاهد هذا التقرير الذي يلقي الضوء على الأزمة المالية العالمية.

[تقرير مسجل]

علاء الدين حماد: في ظل التداعيات الكبيرة للأزمة المالية العالمية ارتفعت أصوات غربية تطالب بدراسة النظام المصرفي الإسلامي نظرا إلى نجاته من الضربة الأولى للأزمة كما تحدثت افتتاحية مجلة تشالنجير الفرنسية ومجلس الشيوخ الفرنسي. فلماذا نجت هذه البنوك وكيف حدثت الأزمة أصلا؟ البنوك الاستثمارية وشركات التمويل العقاري الأميركية وبفضل تخفيض الفائدة قامت بمنح قروض كبيرة لأشخاص ولكي تمول هذه الديون حولتها إلى سندات وباعت الدين إلى مستثمرين، هذه السندات ضمنتها شركات تأمين عملاقة لكن ارتفاع نسبة الفائدة إلى 5% لاحقا أدى إلى عدم قدرة العديد على سداد الدفعات الشهرية والتي بدأت تتراكم بفضل مضاعفة الفائدة، انهار المقترض فانهارت البنوك ولجأ أصحاب السندات إلى شركات التأمين فأفلست، هذا الجشع المضاعف والمركب لدى هذه البنوك ساندته رأسمالية مطلقة ومهيمنة تؤمن بقدرة السوق على فعل المستحيل. البعض يجادل بأن وجها من أوجه الرأسمالية انهار وهو الوجه المؤمن بحرية الأسواق المطلقة وأن الرأسمالية لم تنهر بعد، بينما يرى آخرون أن الرأسمالية تضررت على أي حال من هذه الهزة. المصارف الإسلامية خرجت من الإعصار سليمة وأظهرت أرقامها المعلنة نموا في أرباحها وإن كان ذلك لا يعني بالمطلق أنها في مأمن من تداعيات الأزمة باعتبارها جزءا من منظومة مالية عالمية، وربما كان ينظر للبنوك الإسلامية في بادئ الأمر باعتبارها الأقل تأثرا لكن مع استمرار هذه الإضطرابات وبدء انتشار المرحلة الثانية من أثرها في المنطقة إما على شكل نقص  في السيولة أو تراجع لأسعار الأسهم فإن ذلك يبقيها عرضة للخطر. بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي تحدث عن تباطؤ في نمو القطاع المصرفي الإسلامي في أوروبا قادته الصكوك أو السندات الإسلامية بسبب ضعف الطلب عليها في ظل أزمة الائتمان، لكن احتمال تعرض الصيرفة الإسلامية لهزات وهي التي تدير أصولا تبلغ قيمتها نحو ترليون دولار أرجعه البعض إلى عوامل عديدة بينها عدم تمتعها بالمرونة التي تميز البنوك التقليدية في إدارة مخاطر كشوف الحسابات وتركز مخاطر القطاع المصرفي الإسلامي في قطاع العقارات المتقلب، رؤية متشائمة تقابلها أخرى متفائلة تقول إن البنوك الإسلامية محمية من الأزمة المالية لطبيعتها الخاصة والتي لا تتعامل بالفائدة إضافة إلى أن استثماراتها بعيدة عن مخاطر الرهن العقاري ولديها قيود انضباط صارمة تفرضها على تعاملاتها.

[نهاية التقرير المسجل]

أسباب الأزمة المالية وتأثيرها على النظام الرأسمالي والإسلامي

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور بعد الاستماع إلى هذا التقرير الذي يصور عمق الأزمة المالية العالمية، بعض المشتغلين بالاقتصاد الإسلامي يصف أو يصور سبب هذه الأزمة المالية العالمية بأنها عقوبة إلهية نتيجة انغماس أولئك في المحرمات يعني انطلاقا من قول الله عز وجل {يمحق الله الربا..}[البقرة:276]، {..فأذنوا بحرب من الله ورسوله..}[البقرة:279] هل ترون الأمر كذلك؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، أود أن أذكر مقدمة مهمة في هذه القضية يعني في وقت من الأوقات كان العالم العربي والعالم الإسلامي يرى أنه لا نجاة له ولا نهضة له ولا قوة له إلا إذا سار وراء الحضارة الغربية شبرا بشبر وذراعا بذراع وأخذ هذه الحضارة كما قال أحدهم بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب ومن ظن غير ذلك فهو خادع أو مخدوع. وقت من الأوقات تبعية مطلقة للحضارة الغربية، ثم بعد ذلك جاءت مرحلة يعني أفضل من هذه وقالوا نأخذ بالحضارة الإسلامية ولكن يعني أن نطور فيها ونعدل فيها بحيث لا تصطدم بالحضارة الغربية، يعني مرحلة التبرير أننا نريد أن نبرر ما نحن فيه ليتفق مع الحضارة الغربية وهذا في هذا الوقت الذي أراد من أراد فيه أن يعني نبيح الربا ونسوغ الربا بمسوغات شتى، بعضهم قال إن ربا الجاهلية غير الربا الحالي الآن، ربا القروض الإنتاجية غير ربا الاستهلاك وبعضهم قال إن الضرورة تبيح لنا أن نتعامل بالفوائد الربوية وهكذا واعتمدوا على مثل قوله تعالى {.. لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة..}[آل عمران:130] ورد عليهم من رد من علمائنا الكبار. ثم جاءت مرحلة أخرى قالوا يعني نريد أن نعتمد على أنفسنا وعلى نظمنا الطبيعية والشرعية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة وفي كل شيء نأخذ بالنظام الإسلامي بالمنهج الإسلامي، ثم تطور هذا إلى أن يصبح بدل مجرد ما هو فكرة نظرية يصبح شيئا عمليا، تعاون رجال الفكر مع رجال العمل، مع الاقتصاديين، مع رجال الشريعة، الاقتصاديون المؤمنون بالإسلام مع رجال الشريعة الذين يفهمون بالاقتصاد مع رجال المال الأعمال وتكون أول بنك إسلامي تجاري في دبي في أوائل السبعينيات ثم صارت، الآن نحن بعد أن أقمنا بدائل إسلامية للبنوك الربوية القائمة وكان بعضهم يقول هذا مستحيل لا تحلموا أن تقيموا بنكا بغير فائدة، لا حياة بغير اقتصاد ولا اقتصاد بغير بنوك ولا بنوك بغير فوائد ربوية، وبعدين استطاع الحمد لله المد الإسلامي والصحوة الإسلامية أن تقيم بنوكا بلا فوائد. نحن الآن في مرحلة تطوير هذه المؤسسات الإسلامية، تطويرها، لأنه في التطوير حدثت أخطاء وحدثت أشياء بعضها نظرية وبعضها عملية أكثرها عملي في التطبيق، الآن نحن نحاول أن نحسن ونطور هذه البدائل والمؤسسات الإسلامية مصارف وشركات، تأمين وتكافل وغيرها حتى تستطيع أن تقوم بالدور المطلوب منها للنهضة بالأمة الإسلامية. هذه أردت أن أذكر هذه المقدمة، أما ما ذكرته من مسألة أن ما أصاب الأميركيين هو عقوبة..

عثمان عثمان (مقاطعا): الاقتصاد الرأسمالي بشكل عام.

الاقتصاد الرأسمالي بشكل عام، هو عقوبة من الله،  فهناك قضية عامة وقضية خاصة، القضية العامة أن كل ما يصيب البشر من مصائب هو نتيجة سوء أعمالهم
يوسف القرضاوي:
الاقتصاد الرأسمالي بشكل عام، هو عقوبة من الله، أولا هناك قضية عامة وقضية خاصة، القضية العامة أن كل ما يصيب البشر من مصائب هو نتيجة سوء أعمالهم، يعني لازم نقرر هذه الحقيقة {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..}[الشوري:30] حتى إن الله تعالى خاطب رسوله بقوله {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك..}[النساء:79] وقال للمسلمين بعد غزوة أحد {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنىّ هذا..}[آل عمران:165] من جاءنا هذا؟ {قل هو من عند أنفسكم..} [آل عمران:165] أنه يريد أن يعلم الناس أن يفتشوا عن أخطائهم، إذا حدثت كارثة لا بد أن يكون هناك خطأ ما، لا بد أن يكون هاك انحراف ما، فمن واجب البشر أن يبحثوا في هذا، لا يدعون أنهم معصومون وأنهم كذا، فهذه قضية يجب أن نسلم بها في الأساس. أما من ناحية أن هذا عقوبة من الله لا شك أن هناك قدرا من العقاب الإلهي لأن النظام الذي يقوم على الربا وعلى الاحتكار وعلى افتراس القوي للضعيف، النظام الرأسمالي بطبيعته هو نظام توحشي يعني بعضهم قال الليبرالية المتوحشة وهي الرأسمالية أيضا المتوحشة إذا تركت دون أن تقلم أظفارها، يعني هم الغربيون في خلال مسيرتهم كثيرا ما قلموا من أظفار الرأسمالية ليست هي الرأسمالية التي نادى بها آدم سميث وتترك الأشياء على طبيعتها "دعه يعمل دعه يمر" والطبيعة نفسها هي التي حتصلح الأشياء وتضبط الأمور، لا هذا ليس هذا يعني مجرد حلم لأنه فعلا البشر حينما يقتدرون، في مثل يقول، القادر فاجر، وكما قال أبو الطيب:

والظلم من شيم النفوس   فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم

والله تعالى يقول عن الإنسان {..إنه كان ظلوما جهولا}[الأحزاب:72] فإذا تركت الإنسان دون أن توجهه هداية إلهية، دون أن يكون عنده ضمير حي صنعه إيمان بالله والدار الآخرة يمكن يحدث ما يحدث. فالنظام الرأسمالي الربوي ممكن أن تحدث له مثل هذه الأشياء ويجب على الناس في هذه الحالة أن تأخذ العظة وأن تعتبر فيما جرى لها وهذا هو الواجب في كل ما ينزل بالإنسان من بلاء، يفكر لماذا نزل به هذا البلاء؟ يعني الله تعالى يقول {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس..} [الروم:41] يعني الفساد والاضطراب والغلاء والبلاء والأمراض والأشياء دي كلها بما كسبت أيدي الناس {..ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}[الروم:41] يعني ليحاسبهم الله وليعاقبهم لكل ما عملوا، القرآن يقول {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى..}[النحل:61] فيؤاخذهم ببعض ما عملوا، ولماذا يذيقهم بعض ما عملوا؟ قال لعلهم يرجعون. حتى يراجعوا أنفسهم ويثوبوا إلى رشدهم ويعودوا إلى الله ويعرفوا حق الله عليهم وهذه فرصة أن الناس تتطهر وتتوب وتتعامل بإنسانية وبقيم أخلاقية بدل أن يكونوا كالسباع في الغابة يفترس القوي الضعيف أو كالأسماك في البحر يأكل الكبير الصغير.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني البعض شبه ما يجري الآن للنظام الاقتصادي الرأسمالي بانهيار جدار برلين الذي كان نهاية للشيوعية والاشتراكية، هل ترون فعلا أن هذه الأزمة الاقتصادية هي مؤشر لبداية الانهيار في النظام والفكر الرأسمالي؟

يوسف القرضاوي: أنا أرى أن بعضنا يعني يبالغ في هذا ويعتمد على الأحلام والأوهام. إنها أزمة اقتصادية هي أزمة كبيرة فعلا ولكن النظام الرأسمالي الديمقراطي الليبرالي أيضا عنده أشياء يدفع بها عن نفسه، يدافع بها عن نفسه، الجسم القوي لا تضره الأمراض تقتله الأمراض، الجسم الضعيف مثلا لو واحد مثلا زارع كبدا أو زارع كلية أو كذا يعني ممكن لو أخذ أنفلونزا ممكن يعني إذا لم يتداركه الله برحمته أن تقضي عليه، إنما الجسم القوي يتحمل مرضا واثنين وثلاثة ويقاوم ويشفى، وهؤلاء ناس يعني عندهم قوة وصلابة يعني من طبيعة النظام الرأسمالي أنه أيضا فيه الديمقراطية السياسية والديمقراطية السياسية تمكنه من أن يعالج أخطاءه بنفسه عن طريق الشفافية وعن طريق النقد وعن طريق القوى المعارضة وعن طريق، يعني ما يدفنش نفسه في الرمل وكما حدث، هم في سنة 1929 حدثت أزمة مثل هذه ويمكن أشد من هذه لأن البطالة كانت 26% والمرة دي 6% ومش عارف كم وكم، كم ألف بنك؟ ثلاثة آلاف بنك يعني أفلست، الآن بنك واحد وبعض الشركات، يعني الجسم القوي، هؤلاء الناس لا زالوا ينتجون يعني حينما تنظر إلى الاقتصاد الأميركي ترى الاقتصاد الأميركي لا زال ينتج ولا زال ينشئ، هناك كما قالوا في سنة 2007 حوالي 12 ترليون دولار الناتج القومي الإجمالي لأميركا، ما معنى ترليون؟ الترليون يعني ألف مليار، فإذا كانوا هم خصصوا سبعمائة مليار، سبعمائة مليار يعني ثلثي ترليون فلسه في 11 مليار. صحيح يعني خسروا في حرب العراق وأفغانستان 250 مليار أيضا لا تؤثر في هذا خصوصا الآن الاقتصاد العالمي، من أهم مقومات الاقتصاد العالمي ومقومات الإنتاج المعرفة، بعضهم بيسميها المعلومالية بدل ما كانوا يسميها الرأسمالي يقول لك الرأسمالية المعلومالية لأنها تقوم على المعلومات، على المعرفة، فهؤلاء هم الذين ينتجون المعرفة، انظر على النوابع عندهم انظر إلى الذين يحصلون على جائزة نوبل من الأميركان انظر، فعندهم كل مصادر المعرفة وكل مقومات المعرفة ومنتجات المعرفة فليس من السهل، هم طبعا هذه ضربة لا شك قاصمة ولكنها لن تقتلهم، سيفيقون منها وسيعالجونها خصوصا الغرب يتضامن بعضهم مع بعض. كانت ألمانيا في أول الأمر يعني رافضة أنها تدخل في الموضوع وتقول إنه لا نسوي بين المهمل والناجح، هناك بنوك أهملت وكذا إزاي ننقذها وهي لا تستحق الإنقاذ؟ ولكن رجعوا أخيرا وضخوا أربعمائة مليار يعني يورو مش دولار، فألمانيا لما تنضم، لما ينضم العالم الأوروبي إلى العالم الأميركي يصبحون قوة، فليس من السهل، يعني نحن يمكن نحن أميركا فعلت بنا ما فعلت ولا زالت تفعل بنا في العالم الإسلامي نتمنى لها أن تهوي وأن تسقط ولكن الأمور ليست بالتمني، الأمور ليست بالتمني.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك أزمة مالية خانقة الآن في أميركا وفي الدول الأوروبية في النظام الرأسمالي الاقتصادي، هذه الأزمة برأيكم هل ستنعكس على النظام الاقتصادي الإسلامي خاصة وأن البعض يقول إن هناك ارتباطا بين كل المصارف في العالم؟

النظام الإسلامي يقوم على أسس هامة جدا تخالف تماما النظام الرأسمالي وهي تحريم الربا والاحتكار
يوسف القرضاوي:
يعني هو طبعا العالم مرتبط بعضه ببعض ولا يستطيع أحد أن يعيش وحده ولكن هناك مستويات ونسب معينة، يعني نحن نظامنا الإسلامي بما فيه من ضمانات وما فيه من احتياطات والنظام الإسلامي لأنه يقوم على أسس هامة جدا تخالف تماما النظام الرأسمالي وما يقوم عليه، عندنا الأسس التي يقوم عليها النظام المصرفي الإسلامي أولا تحريم الربا والاحتكار، والربا والاحتكار هما الساقان اللتان تقوم عليهما الرأسمالية الغربية الأساسية، وتحريم الغش والتدليس والخداع، تحريم الظلم والغبن، تحريم الغرر والمقامرة والميسر، التقاسم في الربح والخسارة، يعني كل هذه الأشياء، اشتراط  التقابض في المصارفة، بيع النقود بالنقود، لازم يكون يبدا بيد، هذا عندنا حتى المجامع الفقهية الإسلامية وهيئات الرقابة الشرعية الإسلامية يعني من كم سنة قالوا يعني يعتبر الشيك المقبول للدفع مثل، لأنه كان أول يقول لك طيب الشيك ده حنعمل فيه إيه؟ كيف تودي شيكا من قطر إلى بريطانيا أو إلى أميركا؟ فبيقول لك الشيك بيعتبر بمثابة النقود في حدود معنا، في حدود الأيام التي إذا كان في آخر الأسبوع نعمله ثلاثة أيام أربعة أيام في وسط الأسبوع يومين، فأيضا تحريم بيع الديون إلا بشروط وقيود معينة. ومعظم البلوة التي جاءت إلى النظام الرأسمالي في أميركا وغيرها قائم على أساس بيع الديون وعلى أساس الغرق في هذه الأشياء، النظام الإسلامي بهذه الضوابط التي يقيمها فضلا عن أن النظام الإسلامي يقوم على شيء اسمه الأخلاق، الاقتصاد الإسلامي لما نيجي نذكر خصائصه نقول هو اقتصاد وسطي، اقتصاد تعاوني، اقتصاد إنساني، اقتصاد أخلاقي، يقوم على الأخلاق. العالم الغربي يفصل بين الاقتصاد والأخلاق، العالم الغربي يفصل بين الاقتصاد والأخلاق يقول لك لا، نحن الاقتصاد يجيب فلوس قبل كل شيء، المهم الربح، المهم أكبر كمية من النقود، ولا علاقة له بالجانب الأخلاقي، إنما نحن الجانب الأخلاقي الذي نراعي في الإنتاج، لا تنتج شيئا يضر الناس ويؤثر على صحتهم أو حياتهم، في الاستهلاك أيضا لا تستهلك استهلاكا يضر بالبشر، مش علشان عندك ماء تسرف في الماء، لا، لا تسرف وإن كنت على نهر جار، في الاستهلاك في التوزيع في التداول في.. اقتصاد أخلاقي.

عثمان عثمان: يعني هناك قيم أخلاقية تحمي التعاملات الاقتصادية، وفق هذه المبادئ والضوابط والقواعد التي تحدثتم عنها فضيلة الدكتور البعض يرى أن الاقتصاد الإسلامي يعتبر بديلا منجزا في مقابل الاقتصاد الرأسمالي لا يلزمنا إلا تطبيقه. هل ترون الأمر كذلك؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد هذا الفاصل.


[فاصل إعلاني]

الاقتصاد الإسلامي كبديل والضوابط التي تحميه

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن النظام المصرفي الإسلامي مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور البعض يرى أن هناك بديلا اقتصاديا إسلاميا ناجزا لا يجب إلا تطبيقه حتى تحل هذه المشكلة. يعني ما حمل على هذا الاعتقاد أو الحماس بعض ما جاء في الصحف الدولية منها صحيفة تشالنجز الاقتصادية حيث كتب رئيس تحرير هذه المجلة بوفي سفانسون يقول في الحادي عشر من سبتمبر "البابا أو القرآن" تساءل في كتابته عن أخلاقية الرأسمالية ودور الكنيسة في تكريس هذا المنزع وتساهلها في تبرير الفائدة قائلا "لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن لما حل بنا ما حل من كوارث لأن النقود لا تلد النقود" كيف يمكن فهم هذا الأمر؟

يوسف القرضاوي: هذا يعني كلام جيد جدا وهذا يؤكد لنا ما قاله لنا الله تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..} [فصلت:53] القرآن حرم الربا وآذن مرتكبيه بحرب من الله ورسوله، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات السبع، المهلكات للفرد وللجماعة لأن الربا ضد الفطرة، من قديم قال الفيلسوف الإغريقي الشهير أرسطو، إن النقود لا تلد النقود، المال في ذاته لا يلد المال، النقود إنما تنمو بالعمل، إنما علشان يكون معاك ألف لازم الألف يجيب مائة لوحده كده! هذا كلام ولذلك هذا ما جاء كينز بعد ذلك الفيلسوف الاقتصادي الشهير وقال إن العالم لا يمكن أن يتقدم إلا إذا صارت الفائدة صفرا، وكذلك أحد الاقتصاديين الفرنسيين الذين حصلوا على جائزة نوبل قال هذا، أنه يعني لا بد أن تصل الفائدة إلى صفر وأن تخفض الضرائب تكون 2%، لذلك يقول البعض يعني كأنها الزكاة، الزكاة 2,5%..

عثمان عثمان: يعني إلغاء الربا ودفع الزكاة.

البديل الإسلامي لا يكمن في  المصارف الإسلامية لأن المصارف نفسها فكرة غربية، فالنظام المصرفي لوحده لا يكفي إنما الاقتصاد الإسلامي مقرون بالنظام الإسلامي والمنهج الإسلامي للحياة
يوسف القرضاوي:
آه وجمع بين الأمرين كما يجمع القرآن دائما بين تحريم الربا وبين الصدقات، {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة:276]، {وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله..}[الروم:39] يعني لا يربوا في الحقيقة لأنه عمره المائة ما تجيب عشرة لوحدها كده، {..وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}[الروم:39] فالرجل يعني، فمن قديم قال هذا الفلاسفة من قديم ومن حديث، ولذلك نحن نقول إنه عندنا البديل الإسلامي، ولكن البديل ليس في مجرد المصارف الإسلامية لأن المصارف نفسها فكرة غربية يعني هي غربية الأصل وغربية الطابع، فالنظام المصرفي لوحده لا يكفي إنما نقول الاقتصاد الإسلامي مقرونا بالنظام الإسلامي والمنهج الإسلامي للحياة. يعني أنا حأضرب لك مثلا، الإسلام يعني لا يرغب الناس في أن يستدينوا، بالعكس ينفر الناس من الاستدانة، العكس، أصل الأزمة الاقتصادية التي أثرت في أميركا ما أثرت هذه أصلها إيه؟ الازدياد في القروض والازدياد في الديون، افتح الباب على مصراعيه، كل الناس يقرضوا، كل أسرة أميركية بمعدل 13 بطاقة ائتمان تأخذ منها من البنوك ومن المحلات ومن كذا، إغراق الناس. الإسلام يقول لك لا، أنت اقتصد {..وكلوا واشربوا ولا تسرفوا..}[الأعراف:31] {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط..}[الإسراء:29] لا تستدن بقدر الإمكان. النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من ضلع الدين، يعني من قوة الدين ومن غلبته، واحد من الصحابة قال له أصابتني هموم وديون فعلمه أن يدعو الله فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. وكان يقول، كان يستعيذ بالله من المأثم يعني المعصية ومن المغرم، من الاستدانة، فقالوا يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! قال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف" هذا دليل على أن الاقتصاد له يعني تأثير في الأخلاق، وهذا نتفق مع كارل ماركس في هذه القضية ولكن ليس هو المؤثر الوحيد، فإن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف، والدين هم في الليل ومذلة في النهار. ولذلك الإسلام يريد من المسلم أن لا يستدين إلا لضرورة أو حاجة، إنما إذا استطاع أن يعيش ولا دين عليه يبقى يقول الحمد لله، ومع هذا إذا ابتلي بالدين فإن الإسلام يحاول أن يخرجه من أسر هذا الدين، جعل  في مصارف الزكاة مصرفا اسمه والغارمين، الغارمين المدينين، يأخذ من الزكاة ما يخرج به عن دينه، لا ندعه يشهر إفلاسه ويغلق محله وتبور تجارته لأنه أغرقته الديون، الإسلام يقول له لا، ننتشلك من هذا الأمر. النبي عليه الصلاة والسلام كان في أول أمره حينما هاجر إلى المدينة إذا جاء ميت يصلون عليه يسأل أصحابه هل عليه دين؟ فإن قالوا لا صلى عليه، وإن قالوا نعم، قال هل ترك وفاء؟ يعني ترك في تركته ما يقضي هذا الدين ما يسد هذا الدين، إن قالوا نعم صلى عليه وإن قالوا لا يقول صلوا على صاحبكم، إلا واحد مرة لما قالوا عليه دين قال له أنا يا رسول الله أفي بدينه، أنا أتكفل بدينه، فصلى. فكان يعني إلى هذا الحد ينفرهم من أن الإنسان يموت وعليه دين، لما فتح الله عليه وجاءت الغنائم واتسع بيت مال المسلمين يقول من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا يعني عيال صغار ضائعين فإليّ وعلي هو الذي كان يتكفل بسداد ديون الغارمين. فهذا النظام الإسلامي، نظام تربوي يواري النظام الاقتصادي يجعل المسلم لا يتورط في الدين على خلاف النظام الذي يحاول أن يجعل الناس تدخل في قروض وتدخل في ديون وترهق نفسها وبعدين تضطر إلى أن ترهن بيوتها والرهن تضطر تدخله في مسائل أخرى ديون أخرى على حد ما قال الشاعر العربي

إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن  قضاء ولكن كان غرما على غرم

معظم الأزمة الاقتصادية الأميركية من هذا تقضي الدين بالدين، تدخل الناس، تدخلهم من متاهة، تخرجهم من متاهة تدخلهم في متاهة أخرى.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الدكتور رفيق المصري، مرحبا بك دكتور.

رفيق المصري/ باحث في مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي-جدة: السلام عليكم. أحب أولا أن أحيي فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي وأحييك الأخ عثمان، جزاكم الله خيركم، السلام عليكم ورحمة الله. يعني عقلاء النظام الرأسمالي أنفسهم يعترفون بضلال الفكر الاقتصادي الرأسمالي ولا سيما في مجال البنوك والبورصات وفي مجال التكاليف المالية، طبعا في البنوك يعني كما سمعنا مرات عديدة هناك توسع في الائتمان وإصدار النقود وخلق النقود من قبل البنوك والتوسع في الديون وبطاقات الائتمان وتشجيع الاستهلاك، المهم هنا أن المطبق في النظام الرأسمالي في عالمنا اليوم هو النسخة المتطرفة منه، المطبق نظام رأسمالي متطرف والذي ساعد على هذا التطرف هو سقوط النظام الاشتراكي، كان النظام الاشتراكي يفعل فعله بمثابة معارضة على الصعيد العالمي للنظام الرأسمالي، هذا في مجال البنوك، في مجال البورصات، البورصات يعني لها جانب لا شك طيب تساعد على التمويل وتساعد على التسييل أو ما يسمى بالفقه الإسلامي بالتنضيد يعني تحويل الأوراق بسرعة إلى نقود ولكن المشكلة في البورصات أيضا أن هناك مضاربة على الأسعار هناك قمار هناك خداع من خلال بعض العمليات التي أنا بنظري تحتاج إلى فحص مثل مثلا يعني صناع السوق، ما يسمى بـ market makers أيضا المطلعون على بواطن الأمور هؤلاء الذين يستأثرون بالمعلومات ويسبقون إلى المعلومات ويخدعون الصغار من المضاربين ومن المستثمرين. أيضا نقطة أخرى هناك العالم اليوم يشيع الفساد الإداري والتسيب الإداري أو الإهمال الإداري وهذا طبعا موضع تحقيق الآن في أميركا ونرجو أن يكشف عنه النقاب في الوقت القريب. النظام الرأسمالي بطبيعته أيضا يعني حتى في نسخه المعتدلة يقوم على الأزمات والدورات واليوم الآن بعد هذه الصدمة يتم البحث عن تخفيف غلواء هذا النظام بالاستمداد من النظم الأخرى، قد يكون النظام الاشتراكي قد يكون النظام الرأسمالي إلى آخره. أنا أود أن أقول إن الغرب مهتم بالبنوك الإسلامية والصكوك الإسلامية والأسواق المالية الإسلامية لكي يحصل كل بلد غربي على حصته من الكعكة. لا أحب أن أطيل يعني فيما سبق بيانه في خلال هذه الأزمة، بيانه من رجال العلم والإعلام أحب أن أقول ثلاث كلمات، كلمة لعموم المسلمين، أنا واحد من المسلمين الذين ليسوا من طلاب السلطة لا على المستوى العالمي ولا على المستوى المحلي ولكن على كل مسلم أن يعد نفسه في مجاله ومجال تخصصه ليكون جاهزا في كل لحظة، وعلينا أن نعلم أن الدولة الإسلامية لم تقم في صدر الإسلام ولا في أي عهد من عهود التاريخ على أساس قوة المسلمين أو قوة المؤمنين ولا حتى على أساس قوة الأنبياء والمرسلين..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور حبذا لو نختصر قليلا.

رفيق المصري: نعم دقيقة إن شاء الله. بل قامت على أساس أن يبذل كل مسلم جهده ولو كان ضعيفا فإن الله ينصره بجند من عنده سبحانه وعلى العكس إذا صار المسلم قويا في نظر نفسه واغتر بقوته بالمقاييس الدنيوية والمادية فلن ينصره الله ما لم يتكل عليه سبحانه ويستمد العون منه، فكما أن المسلم لا يدخل الجنة بعمله فكذلك لا ينصر بقوته..


دور النظام السياسي وأهمية تطوير المصارف الإسلامية

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا الدكتور رفيق المصري على هذه المداخلة الطيبة. فضيلة الدكتور البعض يقول إن النظام الاقتصادي الإسلامي لا يمكن له أن يقوم دون أن يكون هناك نظام سياسي يحمي هذا الاقتصاد، أن يكون هناك توافق بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي؟

يوسف القرضاوي: طبيعي هذا، لا بد من وجود حرية، يعني دائما نحن ننادي بالحرية لأن النظام الاقتصادي الإسلامي إذا قام وليس هناك قوة شعبية تحميه وليس هناك دولة تسنده فلن يستطيع أن يقوم، هناك التكامل بين الأنظمة وبعضها. أنا قلت من قريب إن النظام المصرفي لوحده لا يقوم لازم من النظام الاقتصادي الإسلامي والاقتصاد الاقتصادي لا بد له من النظام الإسلامي العام، نظام الإسلام في الحياة، منهج الإسلام الأخلاقي، هذه كلها يتكامل بعضها مع بعض ولذلك أنا ذكرت أنه ليه النظام الرأسمالي لا يهوي ولا يسقط بهذه الأزمة؟ لأن هناك نظاما سياسيا يحميه، الديمقراطية السياسية هي التي تحمي هذا لأنها هي التي تجعله ييستطيع أن يبحث في الأمور ويعرف أسبابها ويحقق في الأشياء، من الأشياء التي قالوها إنه في عملية خداع كبرى خدع بها المستثمرون العالميون الذين اشتروا السندات وهذه الأشياء نتيجة التوريق الذي عملوه، تسنيد هذه الأشياء وهي أشياء ليس لها من الأصول ما يقويها ويسندها، فدخل الناس على أن هذه الأشياء يعني ناجحة ومربحة ولم تكن كذلك، تعتبر هذه عملية خداع كبرى، هم الآن يحققون في هذا، هذا من فضائل النظام السياسي أنه يحقق في هذه الأمور.

عثمان عثمان: الدكتور المصري ربما أشار إلى هذه النقطة عن موضوع الفساد الإداري. فضيلة الدكتور، الباحثة الإيطالية لوريتا نابليوني اعتبرت في كتابها الصادر مؤخرا بعنوان "اقتصاد ابن آوى" أن مسؤولية الوضع الطارئ في الاقتصاد العالمي ناتج عن الفساد المستشري كما تقولون فضيلتكم الآن والمضاربات التي تتحكم بالسوق وأن التمويل الإسلامي يحقق التوازن في الأسواق. كيف يحقق التمويل الإسلامي التوازن؟

يوسف القرضاوي: هذا صحيح، الأشياء التي نحن ذكرناها هذه، الضوابط التي يضعها النظام الاقتصادي الإسلامي سواء كانت ضواب تشريعية أو ضوابط إيمانية وأخلاقية، هذه الضوابط من شأنها أنها تعمل توازنا بين المستهلك والمنتج، بين العامل ورب العمل، بين المالك والمستأجر يعني لا تجور على طائفة لحساب طائفة أخرى لأن هذا النظام لم يضعه أرباب المال حتى يجوروا على العمال أو الملاك حتى يجوروا على المستأجرين، ولكن وضعه رب الناس للناس فهو يمثل العدالة المطلقة إذا أحسن فهمه وأحسن تطبيقه أيضا، قد لا نحسن فهمه للأسف ونقع في الأخطاء ونتصورالأمور على غير حقيقتها وقد نقع في التطبيق، في سوء التطبيق وهذا ما يقع فيه كثير من المصارف الإسلامية وانتقدت المصارف الإسلامية في مواقف كثيرة لأنها لا تطبق الاقتصاد الإسلامي كما ينبغي، نقول بيع المرابحة بشروط كذا وكذا وعند التطبيق لا تتوفر هذه الشروط فهذا ليس عيب التشريع الإسلامي ولا الحكم الفقهي إنما عيب التطبيق.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني ألا ترون أنه إزاء الأزمة المالية العالمية الآن ودخول الاقتصاد الإسلامي ليكون بديلا أو منافسا لها، ألا ترون أن المصارف الإسلامية أو النظم الإسلامية القائمة بحاجة إلى بضع المرونة إلى التطوير في الآليات؟ لأن البعض يقول إن هناك ضوابطا وقيودا كثرة ربما تحد من هذه المرونة.

يوسف القرضاوي: التطوير مطلوب دائما والإسلام يأمرنا دائما أن نحسن الأشياء، يعني دائما الإسلام يطالب بالأحسن مش بالحسن، يعني ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ادفع بالتي هي  أحسن وجادلهم بالتي هي أحسن يعني إذا كانت هناك طريقتان، طريقة حسنة جيدة وطريقة أحسن منها وأجود فالمسلم مطالب أن يسلك الطريق الأحسن والأجود والأمثل، نحن المفروض أن نأخذ من العالم أحسن ما عنده يعني نحن المفروض نحن المسلمين، هذا النظام المصرفي لسنا الذين أسسناه والذي أسسه غيرنا، نحاول أن نأخذ منهم أفضل ما عندهم ونجتنب أسوأ ما عندهم وهذا شأن الإنسان المسلم في كل شيء، لا يقف الإسلام حجر عثرة، بعض الناس تعتبر الناس هو قيود، لا، هو قيود أخلاقية، قيود تردع الإنسان يفكر في الشر أو يسير في طريقه أو يطمع في الدنيا أو يستغفل الآخرين، لا، المسلم يمنعه إيمانه من ذلك وهذا يجعل معاملاته ترقى وترقى. فأما التطوير خصوصا التطوير الآلي، الآليات، الآليات دي دائما قابلة للتحسين والتطوير ونحن في عالم يكاد يتطور كل يوم فلازم نأخذ يعني الأحسن من كل شيء {..فبشر عبادي، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه..}[الزمر:17، 18] الأحسن هو المطلوب دائما.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في أقل من دقيقة لأن الوقت ضاق، ذكرتم أن من مصارف الزكاة الغارمين، هل تعتبر البنوك الإسلامية إذا تعرضت لا قدر الله إلى أزمة مالية بموقع الغارمين وواجب الحكومات أن تسعى لإنقاذها؟ في ثلاثين ثانية لو سمحتم.

يوسف القرضاوي: إذا، طبعا الغارم يعطى بس بشرط أن لا يكون غرمه في معصية أو في سفه ظاهر، بعدين يعطى بحيث لا يجور على المستحقين الآخرين، يعني ما أعطيش واحد يعني عليه دين نصف مليون وفي إنسان ثاني يحتاج إلى أن يأكل، يعني محتاج إلى اللقمة ليأكل، فلازم أوازن بين المصارف بعضها وبعض، والدولة إذا كان عندها سعة من المال بحيث تستطيع أن تنقذ هذه المصارف لأن في إنقاذها إنقاذ للشعب وإنقاذ لأشياء كثيرة كما فعلت أميركا وغيرها فعليها أن تفعل ذلك، والحمد لله.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني الأزمة شائكة وبحاجة إلى أكثر من حلقة لتبيان مفاصلها والمعالجة الإسلامية للأزمة الحالية، ربما يكون لنا لقاء بإذن الله تعالى حول هذا الموضوع لاحقا. أشكركم فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة