مجلة الآداب   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدمة الحلقة:

كوثر البشراوي

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

29/03/2002

- نشأة مجلة الآداب
- مسار المجلة في عهد د.سماح إدريس

- أهم موضوعات الآداب

- القراء ومدى قبولهم لعصر جديد للمجلة في عهد د.إدريس

- الأخطار التي تواجه الآداب

- كيف ساهمت الآداب في الحياة الثقافية العربية؟

سهيل إدريس
سماح إدريس
عبده الوازن
إلياس العطروني
كوثر البشراوي

كوثر البشراوي: أصدقاءنا المشاهدين في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما ارتبطت الحركة الثقافية العربية المعاصرة باسم كما ارتبطت بمجلة "الآداب" ومؤسسها الدكتور سهيل إدريس كصاحب مشروع ثقافي رائد ولصيق بما شهدته البلاد العربية من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية في العقود الخمسة الماضية، وما يدفعنا أيضاً إلى اختيار مجلة "الآداب" كإشراقة من إشراقات الأمس واليوم هو إدراكنا لقيمة الفعل المؤسساتي في الثقافة وإدراكنا أيضاً لقيمة التراكم الثقافي بما يمنع الانقطاع عن الزمان أو القطيعة مع الأصل، لذلك نخشى أن تتوقف مثل هذه المجلة.. مجلة "الآداب" عن الصدور بقطع النظر عن انتقاداتنا وآرائنا المختلفة حولها، وفي هذا الإطار نحاور في هذه الحلقة ، مؤسس مجلة "الآداب" وأديبها الدكتور سهيل إدريس فلننطلق إذن معاً إلى مدينة بيروت وإلى هذا اللقاء ..

بعد التحية والترحيب بضيوف هذه الحلقة اسمح لي دكتور أن أبدأ بطرح أول سؤال ..

نشأة مجلة الآداب

طبعاً أريد أن أعود قرابة الخمسين سنة إلى الوراء للتحدث عن الزمن الذي ولدت فيه مجلة "الآداب"، جميعنا نعرف أن الإبداعات الكبرى لا تولد مثل الفقاعات بل تحتاج إلى رحم ثقافي اجتماعي سياسي يساعد على ميلاد مثل هذه الإبداعات الكبيرة.

د. سهيل إدريس: كنت شغوفاً بالمجلات الأدبية التي تصدر في مختلف الأقطار العربية، وكنت أقتني باستمرار مجلتي الرسالة والثقافة المصريتين لأحمد حسن الزيات وأحمد أمين، ولكني كنت أطمح إلى أبعد من هذا حين ذهبت إلى باريس عام 53 وواجهت مجلة (طاموديرن) بتاعة سارتر فكنت أطمح إلى أن أنشئ مجلة قريبة منها من حيث الالتزام، لأن مجلة طاموديرن كانت ملتزمة بالدعوة على الصعيد السياسي إلى حرية الشعوب وإلى تبجيل نضال الشعوب ومنها كان -على سبيل المثال- نضال الشعب الجزائري، وهو ما جذبني في الحقيقة إلى (سارتر) بالدرجة الأولى أنه كان من أشد مؤيدي النضال الجزائري ضد فرنسا وضد الاستعمار الفرنسي وله في ذلك كتب عديدة ودراسات مختلفة وقد بدأت بترجمة هذه الكتب والدراسات من هذا المنطلق بالذات، ثم تطور العمل عندي إلى الاهتمام بالأدب الملتزم بشكل عام، الأدب الملتزم الذي يهتم.. يجعل همه الأساسي التعبير عن النضال الشعبي عن طريق الأدب والفكر، وقد بدأت وأنا على مقاعد الدراسة في (السوربون) أهتم.. أفكر بإصدار مجلة أدبية تتولى هذا الأمر وتتبناه وكتبت وأنا مازلت في باريس إلى عدد من الكتاب والأدباء العرب أستنجدهم في الموضوع وأطلعهم على مشروعي في إنشاء مجلة ثقافية شهرية، فشجعوني تشجيعاً كبيراً بذلك وحين عدت إلى.. إلى بيروت بعد مرور 3 أعوام قضيتها في باريس، كنت متشبعاً بالفكرة تماماً، فاتصلت بدار العلم للملايين وهم أصدقائي وأقنعتهم بالمغامرة معي بإصدار مجلة أدبية شهرية، كنت أرأس تحريرها، فوافقوا وصدرت مجلة "الآداب" عام 1953 في مطلع العام بعددها الأول وكان يضم نخبة من الأقلام العربية التي تتوجه كلها توجهاً شاملاً وقومياً في الوقت نفسه.

كوثر البشراوي: دكتور سهيل أنت الآن تحدثت عن الزمن الذاتي.. أنت العائد من الحي اللاتيني ولكن أسمح لي أن نضع الأمور في إطار الزمن الموضوعي عام 52 شهدت الدول العربية طبعاً فترة عصيبة وأنت أيضاً منذ البدء حرصت أن تكون مجلة "الآداب" ذات صيغة لبنانية عربية وعالمية، لنتحدث بالتحديد عن الزمن الموضوعي.

د. سهيل إدريس: هو الحقيقة أنا عبرت عن هذه.. عن هذا الهم في افتتاحية العدد الأول من المجلة بعنوان "رسالة الآداب" التي تحدثت فيها عن طموحات المجلة وغاياتها حين تنشر الإبداع العربي الحديث، وفي ذلك الوقت بالذات.. ولعل هذا من الصدفة سنة 52 قامت الثورة المصرية ثورة جمال عبد الناصر فتزامنت "الآداب" في صدورها معها وتبنينا نحن الفكر القومي المنطلق من الثورة الناصرية بالدرجة الأولى، وتطور بعد ذلك، ولكنه ظل محتفظاً بالتوجه القومي الذي تبنى في تلك الفترة.. في تلك الفترة أيضاً الفكر القومي للبعث العربي الاشتراكي، ولذلك فإن كثيرين من كتاب مجلة "الآداب" في سنواتها الأولى كانوا من البعثيين، ولذلك أقبل عليها القراء العرب في مختلف الأقطار، وكانت من الشمول بحيث أنها كانت تهتم بكل هموم المثقف العربي والمجتمع العربي على اختلاف بنياته.

كوثر البشراوي: سؤال مشروع جداً دكتور، المقارنة مع المجلات التي كانت موجودة في الساحة قبل ميلاد مجلة "الآداب"، هل نستطيع أن نستخدم مصطلح.. الاستنساخ مثلاً، هل حاولت أن تستنسخ نمط أنت كنت تحبه من المجلات السائدة آنذاك؟

د. سهيل إدريس: كان هناك.. كانت هناك رغبة في تجاوز هذه المجلات، كانت تصدر في.. في بيروت مجلة كنت أكتب فيها عنوانها مجلة "أديب" لصاحبها المرحوم (ألبير أديب)، ولكنها كانت تشكو -في رأيي- أنها لا تهتم بالهم القومي العربي التي تبنته مجلة الآداب، ولذلك كان في صدورها تجاوز لهذه الصيغة التي كانت صيغة الفن للفن أو الأدب للأدب، وفي تلك الفترة احتجبت مجلة "الرسالة" ومجلة "الثقافة" المصرية فكانت مناسبة لأن تبرز "الآداب" على الصعيد العربي بشكل عام، وبعدها بسنوات صدرت عدة مجلات ومنها على سبيل المثال مجلة "شعر" التي يحرص البعض على مقارنتها بمجلة "الآداب" على الأقل من حيث أنها خاضت مع "الآداب" معركة تتعلق بالأدب الحديث وبصورة خاصة بالشعر الحديث، ولكننا تجاوزناها نحن أيضاً لأن همنا كان أن لا ننقطع عن الإرث الثقافي العربي وعن التراث العربي فكانت "الآداب" امتداداً لهذا التراث مع تطوير لصيغه المختلفة، ولاسيما على الصعيد الشعري، وبدي.. ولذلك تبنت مجلة "الآداب" مثلاً على الصعيد الشعري قصيدة التفعيلة التي نشأ عليها عدد من كبار الشعراء فيما بعد ومنهم نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب ونذار قباني وخليل حاوي وسواهم، وكلهم تحلقوا حول المجلة وبدأوا يغذونها بإبداعهم الشعري.

كوثر البشراوي: دكتور سهيل أنا أقرأ شيء من التبرير المسبق في كلامك، ولكن على العموم أسمح لي إني أذكر أن النقاد سرعان ما.. في إطار تعاملهم مع محتويات مجلة "الآداب"، هم لا ينكرون أبداً مفهوم الالتزام لديك في العمل وفي المبادئ وفي الحياة، ولكن يشيرون بأصبع الاتهام إلى مفهوم القسوة، أنت تحاصر وتحارب كل الأشياء التي لا تستسيغها وهذا أعتقد إنه يتنافى شيئاً ما مع ما قلته في افتتاحية العدد الأول لما طالبت بفتح الباب على مصراعيه لمنبر حرية التعبير واختلاف الآراء، وهذه الورطة ممكن أبنك الدكتور سماح يدفع ثمنها أكثر خاصة في.. في عصر مختلف عن عصر الخمسينات.

د. سهيل إدريس: أبني هو الآن رئيس التحرير الحالي وله الحرية في أن ينشر في المجلة ما يراه مناسباً حتى ولو كان بعكس ما يؤمن به والده.

د. سماح إدريس: اسمحا لي ما دمتما تتحدثان عنى في حضوري فربما كان مناسباً أن أطرح وجهة نظري، أنا أتفق معكم أن.. أن مجلة "الآداب" قد أبدت تزمتاً ما حيال قصيدة النثر والآن في رأيي أنا بغض النظر عما إذا كان هناك إيقاع داخلي أم لم يكن هناك إيقاع داخلي في قصيدة النثر، فثمة صور شعرية أو شاعرية وبغض.. في قصيدة النثر وبغض النظر عما إذا كنا نريد أن نسميها قصيدة النثر أم نثيرة، أم نصاً شاعرياً، أم نصاً شعرياً أم ما هنالك من تسميات، فإن هذا الشكل من أشكال الإبداع الجديد قد أثبت وجوده وثبت قدميه و..عبر بعض الأسماء الكبيرة التي نشرت مجلة "الآداب" عندما كان سهيل إدريس رئيس تحريرها.. بعضاً من نماذجها، مثل نموذج جبرا إبراهيم جبرا، ونموذج محمد الماغوط وغيرهم.

كوثر البشراوي: لو سمحت لي دكتور سماح القضية مش قضية قصيدة النثر، الموضوع اللي أنا طرحته بالتحديد هو جيلين مختلفين، يعني الوالد عام 52، الابن عام 92، هل أنت تعتبر نفسك امتداد لهذا الهرم الكبير، أم قطيعة تحاول من خلالها إعادة صياغة هذا العمل الضخم وهذا الاسم الذي حمله الوالد عبر عقود طولية.

مسار المجلة في عصر سماح إدريس

د. سماح إدريس: أنا أطمح إلى أن أكون الاثنين، إلى أن أكون امتداداً وقطيعة، وفي واقع الأمر أن الامتداد الحقيقي لابد أن يكرس في جوانب ما قطيعة مع الماضي وإلا فإنه سيصبح تكراراً للماضي لا امتداداً وتوسيعاً.. توسيعاً لها، أنا مؤمن بالخيارات القومية الأساسية لمجلة "الآداب"، أنا مؤمن بأفكار أساسية فكرية وثقافية في مجلة "الآداب" مثل الدفاع عن حرية الأديب، مثل الاستقلال عن الأنظمة العربية، مثل الاستقلال عن.. عن الأحزاب العربية، مثل أن يكون الأدب معبراً عن نبض الشارع العربي وعن نبض الشباب، مثل أن يكون امتداداً أو انعكاساً لما يجرى في العالم الغربي بدون التقوقع داخل صدفة قوموية مصطنعة، ومن ناحية أخرى أنا أيضاً أنكر على "الآداب" أنها في دفاعها السياسي عن النهج القومي العربي وعن النهج الناصري وعن قضية فلسطين وإلى ما هنالك أنها تغاضت عن أخطاء وعن ثغرات كبيرة في المشروع النهضوي العربي وتحديداً في المشروع الناصري فمثلاً، أنا أخذ.. أنا أخذ على مجلة "الآداب" عدم دفاعها عن المعتقلين المصريين زمن عبد الناصر وعدم دفاعها عن المعتقلين العراقيين منذ سنوات طويلة، ولذلك.. وأنا.. وأنا عندما أدافع، أو عندما.. أو عندما أنكر على مجلة الآداب هذه الحوادث فإنما لأرسخ الفكرة القومية العربية التقدمية الجديدة التي حاولت أن تدافع عنها لأن كل هذه المحطات التي.. التي تغاضت عنها هي في حقيقتها إساءة للفكرة الأساسية التي كانت تدافع عنها.

أهم موضوعات الآداب

عبده الوازن (كاتب وصحفي): القضية التي شغلت بها الآداب أنها جعلت القومية العربية نوع من القضية الأيدلوجية، بمعنى أن بعض كتابها وبعض نقادها كانوا يأخذون على بعض التيارات أو بعض الحركات الأدبية عدم انغماسها أو عدم التزامها هذه القومية، وسأوضح أيضاً وأقول: إن بعض هؤلاء كانوا ينطلقون بمقاييسهم من هذه القومية ليجعلوا منها معياراً أدبياً أو مقياساً في النقد الأدبي، وأعتقد أن هذا الأمر لم يكن صحيحاً 100 % إذ أن الانتماء السياسي شيء والانتماء الأدبي شيء آخر، أستطيع اليوم أنا أن أكون عربياً ولكن دون أن أنتمي إلى.. إلى حركة القومية العربية، فالصراع الذي قام مثلاً بين مجلة "شعر" التي تأسست تقريباً في الفترة نفسها وبين مجلة "الآداب"، مجلة "الآداب" كانت هي صاحبة التيار العروبي القومي العربي، بينما مجلة "شعر" كانت منبراً ليبرالياً، وقع بين المجلتين نوع من السجال العنيف إلى حد أننا عُدت أخيراً وقرأت في مجلة "الآداب" في الأعداد.. بعض الأعداد القديمة مقالات لم أستطع أن.. أن أتحملها اليوم، بعض النقاد كانوا يخونون شعراء مجلة "شعر" لأنهم يكتبون قصيدة النثر، تصوري أن قصيدة النثر في تلك الفترة كانت تجعل منها.. كان أدباء مجلة "الآداب" يجعلون منها مادة للتخوين، هذا سؤال فعلاً مطروح.

كوثر البشراوي: لكن لو أعدت السياق في بروازه في إطاره لتفهمت أكثر، يعني قراءة عدد من عام 60 بعيون 2001 لا يمكن أيضاً، هناك إجحاف .

عبده الوازن: طبعاً تيار القومية العربية كان تياراً مهماً جداً، وكان تيَّاراً أصيلاً، ورواده هم فعلاً من خيرة المفكرين العرب، ولكن كان بالمقابل كان هناك حركات أخرى هناك الحركات الأيديولوجية الماركسية والقومية السورية، والحركات الليبرالية التي لم تحصر التزامها ضمن القومية العربية، المشكلة كانت أن هؤلاء القوميين العرب المثاليين كانت علاقتهم بالواقع علاقة مثالية، كان الواقع في مكان وهم في مكان آخر، ولعَّل الهزائم التي توالت منذ ما بعد ال67 جعلت هذا الواقع أقوى من الإيديولوجيا وأقوى من المثال، كل هذه الأفكار العظيمة أدت إلى نوع من الهزيمة الكبيرة هزيمة في حياتنا فكان على.. علينا نحن كجيل جديد أن نُعيد قراءة هذه المعطيات على ضوء واقعنا على ضوء المأساة التي نعانيها، من هنا كان موقفنا النقدي لهذا التيار، وهو لا ينم عن كراهية أو عن حقد، بالعكس نحن نحب عروبتنا، ولكننا علينا أن نقف موقف نقدي من الأشياء ومن الأفكار التي تبلورت وأدت إلى مثل هذه الهزيمة.

كوثر البشراوي: يعني عندك مجلة "الآداب"، عندك خمسين عام أعتقد لم تكن سهلة ولا هينة على أي واحد عاشها الخمسين عام، هزَّات ضخمة شهدتها الأمة الإسلامية والعربية، حكومات مشت، حكومات جت، زعماء اتوفوا، وزعماء جاءوا، استعمار أجنبي اختفي ليأخذ محله استعمار.. استعمار أبناء البلد، وهو ربما صنف أبشع من الأول، نجد هزَّات تاريخية يعني تعرف 67، 73 وغيره وغيره، كيف مررت سالماً سليماً في إطار وفي صلب هذه الهزات الضخمة؟

د. سهيل إدريس: هو في.. بالواقع لم نتخلف يوم من الأيام عن جدارنا الأساسي هذا نستند.. نستند إليه في مواقفنا، وهو الجدار القومي الذي يظل بالرغم من كل النكسات هو ملاذنا الأخير في المعضلات، يعني الآن الانتفاضة الفلسطينية هذه لا.. ليس لها إلا وجه قومي، لأنها ليست انتفاضة الشعب الفلسطيني وحدِه.. وحدَه، وإنما انتفاضة جميع الشعوب العربية التي ساندت النضال الفلسطيني، وتطورنا أيضاً إلى أننا نستفيد من تجارب الآخرين في هذا الميدان في.. عن نضال الآخرين، ولذلك أعداد "الآداب" -ولا سيما الأخيرة- تتبنى كثيراً من هذه التوجُّهات العالمية التي تصب في صالح الفكر القومي والقضية القومية، فيعني باختصار القول أننا مستمرون في خطنا وأشد التزاماً به مما كنا سابقاً وأشد إيماناً بحاجتنا إلى استمراره بمعنى أنه لا يزال "للآداب" دور هام في الفكر العربي الحديث هو الدور القومي الذي تحاول كل هذه الآفات التي ذكرها الإخوان أن تضربه، وهذا يقتضينا أن نشدد عليه، ونركز، ونطور وسائلنا لاجتذابه.

[فاصل إعلاني]

القراء ومدى قبولهم لعصر جديد للمجلة في عهد دكتور سماح إدريس

كوثر البشراوي: دكتور سماح، أنت كجيل جديد، هل تعتقد أنه أوفياء.. القرَّاء الأوفياء لمجلة "الآداب" والمتعودون على النمط الشهير اللي عرفوه عبر عقود، هل يقبلون بسهولة هذا الشرخ وهذه التعريجة الجديدة في نمط المجلة؟

د.سماح إدريس: أنا لا أعتقد أن هناك تناقضاً بين أن تكون المجلة مجلة تشجع الخط القومي العربي وبين أن تحرص على إبراز نماذج تجريبية وإبداعية داخل كل قطر بعينه، لنقل على الأقل إن هذا هو خطنا الجديد، وهو لنسميه مثلاً، لنسميه مثلاً أو لنسمه مثلاً خط العروبة الجديدة التي لا تُلغي الخصوصيات ولا تُلغي الأقليات وتعترف بالاختلاف، هذا هو التفكير القومي الأول التفكير الذي يجب أن يسود في الوقت الحاضر، لأن الخيارات الأخرى المتاحة أمامنا قد جُرِّبت هي الأخرى، لقد جُرِّب الخيار الطائفي والخيار المذهبي والخيار العسكري تاري، والخيار العولمي، وخيار التبعية والاستذلال لأميركا ولغيرها من الدول الغربية، وفشلت كلها وأدت إلى كوارث على الصعيد البشري وعلى الصعيد الاقتصادي إلى آخره، ليس هناك من حل إلا اعتماد مبدأ قومي جديد قد يبدأ بين قطرين، قد يبدأ بتكتل اقتصادي، قد يبدأ بـ.. باتحاد ثقافي من نوعٍ ما، يحرص على الجوانب الجديدة في تجربة الشباب لكي نكرِّس مبدأ التواصل ومبدأ الاتحاد العربي فيما بيننا، هذا هو الخيار الأصعب الآن، لأننا محاربون على الصعيد العالمي وعلى الصعيد القطري.

عبده الوازن: شخصياً لا أرتاح كثيراً إلى النهج الذي يتبعه الدكتور سماح، هل.. هل يريد من مجلة "الآداب" أن تكون مجلة أدبية أم فكرية؟

ماذا يريد منها؟ هل يريدها أن تكون مع التيارات الجديدة التي يشهدها العالم والعالم العربي خصوصاً، أم لا؟ هل.. هل يريد أن يطرح الأسئلة الذي.. التي يطرحها الجيل الجديد، أم أنه سيفرض وجهة نظره على هذه المجلة؟

كوثر البشراوي: أليس سماح واحد من هذا الجيل الجديد؟

عبده الوازن: هذه.. هذه أسئلة أطرحها، أعتقد، ولكنني أحس أنه أشد محافظةً من والده، أشد أصالة ربما، هذا.. هذا إحساس وأريد أن أعبر عنه فعلاً، لأن هذا ما ألمسه، يعني هو يقول أنه مع قصيدة النثر، ولكن حتى الآن لم نقرأ إلا بعض النصوص.

الأخطار التي تواجه الآداب

كوثر البشراوي: أعتقد أنه ما يُهدد أيضاً مجلة.. مجلة "الآداب" وشبيهاتها أنه أيضاً هناك الصفحات الثقافية التي أيضاً حطت إيدها على كل شيء، وتنافس مَنْ يطال الجمهور ومَنْ يستحوذ على القارئ قبل الآخر وأيضاً هذا خطر آخر.

عبده الوازن: نحن في صحافتنا اليومية نكتب ونتوجه إلى قارئ يومي لا نستطيع أن نملأ رأسه.. رأسه بالأفكار، بل يجب أن نقدم له رأينا وأن نقدم اقتراحاتنا وقراءاتنا، وأن نكون جسراً بينه وبين الأعمال الفنية، بينه وبين المسرح، بينه وبين السينما والكتب، هذا هو دور الصحافة الثقافية، أما الصحافة المتخصصة سواء في مجلة "الآداب" أم في المجلات الفصلية فدورها أن تتعمق أكثر، أن تأخذ وقتها، أن تُعيد النظر في المعطيات الثقافية، وأن تشق طريقاً أخرى مختلفة.

كوثر البشراوي: لو تحدثنا من النتاج الفكري، كيف تقيمه أنت؟

إلياس العطروني (كاتب وصحفي): المشكلة التي بدأت "الآداب".. يعني..

د. سماح إدريس: تعانيها..
إلياس العطروني: تتصدى لها منذ نشأتها هي نفس المشكلة القائمة الآن، يعني لا أعتقد إن شيء تغير، يعني بقيت المنطقة مستهدفة، وبدرجة أولى ثقافياً، وكان التركيز تركيز شديد على لبنان نظراً لوضعه المعروف، وبالتالي من لبنان إلى بقية أنحاء الوطن العربي، فنشأة "الآداب" كان بمثابة خط المواجهة الأول ثقافياً في وجه محاولات أخرى كثيرة جرت تشكل امتداداً لعملية التواجد الاستعماري ثقافياً الذي اصطُلح على تسميته "التغريب"، والذي تدخل ضمن إطاره في بعض المفاهيم عملية القصيدة الحديثة وعملية..، فكانت "الآداب" في طليعة القوى التي تصدت لهذا المشروع، الآن إذا أردنا عملية المقارنة، الوضع الحالي الآن لا أجده يبتعد كثيراً عن.. عن هذا الواقع الذي بدأت فيه "الآداب"، لذلك لا أجد تناقضاً في.. في الوضع، الآن في.. مع هذا التشتت العربي ومع هذا الاستهداف للمنطقة العربية بشكلها العام..

كوثر البشراوي: هذا ليس بجديد يعني..

إلياس العطروني: نعم، أنا مع الدكتور سماح في إيجاد منهجية جديدة للتعاطي المتصدي لهذا الواقع، طبعاً هذا يتطلب بعض التغييرات التكتيكية، ولكنه لا يتطلب أبداً تغيير استراتيجي في سياسة المجلة هذا في رأيي كي تبقى حصناً منيعاً رغم هذه الأزمة المؤقتة التي هي جزء من الأزمة العربية العامة، لا.. لا أفصلها عن الأزمة العربية العامة مطلقاً، أعتقد إن هذه المجلة سوف تتجاوز هذه المحنة، وسوف تستمر في خطها الذي بدأه الدكتور سهيل إدريس، لأن هذا قدرها.

كوثر البشراوي: أعتقد أنك محظوظ أو يعني جئت في عصر أحسن من عصر ابنك بكثير، أو هكذا يُخيل لنا نحن من جيل.. جيلنا إحنا، يعني بالنسبة لك أنت عشت في زمن الكبار، عرفت نزار قبَّاني، والبياتي، وفدوى طوقان، والأسماء الضخمة هذه، فياريت تحدثنا عن مدى المساهمات الحقيقية في صلب المجتمع.. المجتمع آنذاك والذي نختلف عنه أنا والدكتور سماح اليوم.

د. سهيل إدريس: في الحقيقة نحن ساهمنا في تجديد الثقافة العربية، وفي تطويرها، وفي ملاحقة كل أنواع التقدُّم الذي أحرزته الثقافة على الصعيد الإبداعي، فنشرنا إلى جانب ما تنشره مجلة "الآداب" كتباً كانت دعماً لمسيرة هذه المجلة، وكتبها عدد من كبار الكتاب العرب التنويريين الذين كانت لديهم خطة مماثلة لخطة "الآداب" على سبيل.. على في.. على صعيد النهضة والتنوير، وحتى أن عدداً من الكُتَّاب كانوا يعتقدون أن هذه المجلة تتميز عن سواها من المجلات العربية في أنها كانت صدراً مفتوحاً ورحباً لكل التوجُّهات الموجودة قومياً في البلدان العربية، بحيث أن الكاتب الذي لم يكن يستطيع أن ينشر ما يريد في بلده كان يلجأ إلى مجلة "الآداب" ليكتب فيها، وهذه هي شهادة الدكتور محمد النويهي مثلاً.

كيف ساهمت "الآداب" في الحياة الثقافية العربية؟

كوثر البشراوي: خمسين عام.. كل.. نعملوا نسبة بدون تفاصيل، كلها على بعضها إلى أي مدى ساهمت فعلياً في الحياة الثقافية العربية؟

عبده الوازن: مجلة الآداب؟

كوثر البشراوي: نعم.

عبده الوازن: طبعاً لعبت دور أساسي.. أساسي في تكوين الثقافة.. في تكوين الثقافة العربية الحديثة وفي فتح المجال أمام الأقلام الجديدة لكي.. لكي تنشر، وتطل، وتحاور القارئ، واستطاعت أيضاً أن تكون منبراً للأدب العالمي، ولكن هنا أضع الأدب العالمي بين مزدوجين، لأن.. لأنها حرصت أن تواكب الحركة الوجودية من خلال ( جون بول سارتر) و(سيمون ديبفوار) وسائر الوجوديين، ولكن من غير أن.. أن.. أن تُجيد تقديم الوجودية، وحتى الآن إذا عدنا إلى المقالات أو الأبحاث التي تناولت الوجودية الفرنسية يمكن.. يمكننا أن.. أن نسجَّل بعض الملاحظات وهذا طبيعي، لأن كل مجلة قابلة للنقد، استطاعت أن تُقدِّم مثلاً إلى القرَّاء العرب (البركنون) و(جون بول سارتر) في ترجمات جميلة وجيدة، ولكن طبعاً حتى الترجمات تحتاج إلى أن نُعيد النظر فيها، لأن.. لأن الترجمة تشيخ مثل ما يشيخ أي شيء، وهذه.. ويقول الشاعر (إليوت) أن على أي نص مترجم أن يُعاد.. أن تُعاد ترجمته بعد عشر سنوات هو نفسه، إذاً مجلة "الآداب" لعبت دوراً أساسياً في حياتنا، وهي تُشكل إرثاً حقيقياً نعود إليه، نستقي منه، ننتقده، ولكن أيضاً نستفيد منه، ولكن الآن السؤال الذي أطرحه هو: ما هي.. أين هي.. أين أصبحت المعايير التي اعتمدتها مجلة "الآداب"؟ أين أصبح الخطاب الأدبي الذي تبنته؟ لا أنكر أبداً أن مجلة "الآداب" تُشكل جزءاً مهماً من تراثنا، ولكن هذا التراث نستطيع أن نعود إليه ونقرأه بحرية.

كوثر البشراوي: دكتور سماح، هناك قضية أخرى أنت أثرتها يعني هل.. هل فعلاً نحن نحمل مشروع ثقافي حقيقي؟

د.سماح إدريس: الثقافة لم تدخل بنداً أساسياً في مخططات الدول العربية لا على مستوى الأنظمة ولا على مستوى الأحزاب التي تدعي التقدمية والديمقراطية، ما زال المثقف ينظر إليه على أنه تابع للسياسي، سواء السياسي في السلطة أو السياسي في حزب المعارضة، بدلاً من أن يكون مشاركاً رئيسياً في رسم التوجُّه العام للنضال الجديد، وما دمنا لم نعتمد الثقافة عنصراً أساسياً في التغيير، فإن كل تغيير سيكون.. سيبقي سطحياً، وسنستبدل... وما سنحصل عليه هو تغيير للنُخب ليس إلا، ستتغير نخبة وتجئ نخبة.. نخبة أخرى، ولكنها متشبعة بنفس العقلية الديكتاتورية، وبنفس عقلية إلغاء الآخر. الطريقة الوحيدة.. لإشاعة جو ديمقراطي حقيقي على مستوى القمة وعلى مستوى القاعدة هو في أن يطَّلع المثقفون الديمقراطيون الحقيقيون بمسألة التغيير، لا أن يُستغلوا عند مرحلةٍ ما، فتأتي الثورة وتنتصر ثم يُصبح المثقفون في السجون كما هو حال ثلاثة أرباع الأقطار العربية إن لم يكن كلها.

كوثر البشراوي: كما يقال أزيدك من الشعر بيت، هناك ظاهرة أخرى لا تخفى عنك ظاهرة المثقفين التجار، يتاجرون بالقضية، يتاجرون بأي شيء تحت مظلة الثقافة، وتحت مظلة الفكر.

د.سماح إدريس: معظم المثقفين الذين نراهم الآن شهيرين هم أتباع للسلطة، والسلطة في تنقلاتها. يعني وأنا وعندما أتكلم عن السلطة لا أقصد سلطة.. السلطة السياسية فقط، في أحيان كثيرة يصبح المثقف تابعاً للسلطة الاجتماعية، لسلطة الرأي العام، ماذا يريد الرأي العام؟، ولذلك ينكفئ ويبدأ بتملق المشاعر الشعبوية ويصبح منادياً بما يريده (الجماهير) بين قوسين.

كوثر البشراوي: الثقافة الشعبية، طبعاً هذه الثقافة التي تعيد صياغة نفسها من داخلها وبأسلوبها، كيف تفسر: أستطيع أن أقول ما يشبه إنهزام الثقافة الجادة بمفهوم الأدب، الشعر، المسرح أمام هذه الثقافة الشعبية التي.. مثلاً على سبيل المثال يمثلها فنان يغني أنا أكره إسرائيل وأحب عمرو موسى، وأشياء من هذا القبيل، يعني هل هذا انهزام حقيقي للفكر العربي؟

د.سماح إدريس: دائماً كان الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم أقوى من.. من.. من المقال المكتوب، دائماً كانت أغنية محمود درويش المغناة أكثر شيوعاً من القصيدة المكتوبة داخل ديوان، ولكن هذا لا يعني أننا.. أن.. أن.. أن ننكفئ أو أن نساير الأنماط الأخرى التي هي أنماط مهمة ويجب أن نبني الصلة معها، ويجب أن.. أن نعزز أواصر اللحمة بين هذه، كيف؟ أولاً: بمحاولة.. محاولة الدخول أكثر في الثقافة التي تُنتج، ولكن هناك شيء شديد الأهمية، عندما.. عندما نتوجه إلى هذا النوع من الثقافة لا ينبغي علينا أن.. أن نخسر مواقعنا وأن نصبح جزءاً من الثقافة الشعبية، أو التي أسميها الثقافة الشعبوية التي هي ثقافة حماسية أحياناً، عاطفية عنصرية.. عنصرية، يعني الآن إذا.. إذا أردتي أن تسايري الشارع العربي وتنزلي في الشارع..ستسمعين هُتافات ضد.. ضد اليهود كيهود، ضد الغرب كغرب، ضد أحياناً ضد النساء مثل: يا كلينتون يا جبان روح فتش على النسوان، يعني الثقافة الشعبية أحياناً ليست من الأشياء التي يجب أن نجاريها دون أي تمحيص، ولكن عندما أقول يجب أن ننخرط في هذه الثقافة، فلكي نستمد منها، وأيضاً لكي نُفيدها، لكي لا تنجرف إلى منطق الشعبوي والعنصري الذي نحن في غناً عنه.

كوثر البشراوي: أستاذ إلياس.

إلياس العطروني: نعم، يعني دائماً كان هناك الثقافة الشعبية، ولكن عندما ترجح الكفة لمصلحتها تكون مؤشر ودليل ساطع على إنهيار أو ضعف الثقافة الحقيقية.

كوثر البشراوي: طيب المفروض نعرف أيضاً دور المثقفين الذين سخَّروا أقلامهم وأنفسهم.. للثقافة، وين دورهم؟
إلياس العطروني: دورهم أن يستمروا، يعني عملي..

كوثر البشراوي: بعيداً عن الشعوب؟

إلياس العطروني: مش بعيداً عن الشعوب، لا شيء أساسنا الثقافة الأساسية لازم تكون منطلقة من.. من.. من القاعة القومية، والقاعة الشعبية لا تكون بعيدة، ولكن إحنا المشكل نعود إلى مطلع الحديث اللي تكلمت عنه أنا إلى الاستهداف، يعني الوضع الذي وصلنا إليه الآن لم نصل إليه من معطياتنا الخاصة، ولأسبابنا الخاصة. هناك أسباب كثيرة فُرضت علينا، يعني أُستهدف هذا المجتمع بشكل دائب، يعني وقت تيجي.. الستالايت، المحطات القضائية تركز على.. على الشعب العربي، أو على أمتنا كلها على مدار الساعة بنمط معين من الرقص النطناط. لا يمكن إلا أن تؤثر هذه في.. في.. في مشاعر الناس وفي..، فبالنهاية ستتحول -ولو بالتدريج- إلى نمطٍ ما يصح تسميته من ضمن.. الثقافة الشعبية اللي تكلمتي عنها، يعني فيه كثير استهداف متعدد الألوان، ومتعدد الأشكال، عرفت كيف، يؤثر على مدار الساعة في هذه الأمور.

كوثر البشراوي: ولكني أبقى مُصره على تحميل جزء من هذه المسؤولية على عاتق هؤلاء المثقفين، ولا إيش رأيك دكتور سماح؟

د.سماح إدريس: نستطيع فقط أن نحمل المسؤولية لمثقف السلطة، للمثقف التابع، للمثقف الذي يستكين ولا.. ولا يطلق صرخة في وجه الظلم الذي يهدد زميله المثقف الآخر.

كوثر البشراوي: دكتور سهيل أنت ما شاء الله طبعاً قدمت وأعطيت من الجهد الجميل والنوايا الحسنة، ويعني قدمت الكثير من ذاتك عبر 50 عام، قدمت الكثير للقارئ العربي و.. المستفيد من الفكر والثقافة العربية،
اسمح لي عبر ها الخمسين عام.. أن تعود إلى الذكريات وتبحث عن بعض الإشراقات الساطعة، بعض البؤر الضوئية التي تود نحن الموجودون هنا وكذلك جمهورنا الكريم أن يتذكرها معك.

د. سهيل إدريس: هناك في الحقيقة أشياء كثيرة تترك لدي انطباعاتٍ جميلة ومشرقة ليس في حياتنا الأسرية فقط، وإنما في حياة الشعوب أيضاً، وفي حياة الشعب العربي بشكل عام، من هذه الإشراقات مثلاً تحرير الجنوب اللبناني، هذه يعني الحقيقة فرحة كبيرة لا نزال نحس الآن بأهميتها في تاريخنا الحديث، وفي أنها ستكون قدوة لكثير من الشعوب العربية لطلب التحرر الذي وصلنا إليه بفضل المقاومة اللبنانية الحقيقية، أما على الصعيد الخاص فأنا اعتز بعدد من الصداقات التي عشتها مع فئةٍ من المثقفين والشعراء العرب وعلى أمل أن يتكرر -بدون استنساخ- أمثالهم في حياتنا الجديدة. على سبيل المثال أنا الحقيقة أُصبت بشبه انهيار حين بلغني نبأ وفاة صديقي نزار قباني، ومنذ وفاته حتى اليوم وأنا أُعاني.

نزار قباني:

وأبكي.. وأبكي لأنك فكرت فيَّ

لأنك من شُرفات الغيوب هتفت إلىَّ

ويوم أجئ إليك.. ويوم أجئ إليك لكي أستعير كتاب

لأزعم أني أتيت لكي أستعير كتاب

تمد أصابعك المتعبة إلى المكتبة

وأبقى أنا في ضباب الضباب

كأني سؤالٌ بغير جواب

أُحدِّق فيك وفي المكتبة

كما تفعل القطة الطيبة

تراك اكتشفت

تُراك عرفت

بأنيَّ جئتُ لغير الكتاب

وأنيَّ لست سوى كاذبا.

وأمضي سريعاً إلى مخدعي..

وأمضي سريعاً إلى مخدعي كأني حملتُ الوجود معي

وأُشعل ضوئي

وأُسدل حولي الستور

وأنبش بين السطور وخلف السطور

وأعدو وراء الفواصل

أعدو وراء نُقاطٍ تدور

ورأسي يدور

كأنيَّ عصفورةٍ جائعة تفتش عن فضلات البذور

لعلك.. لعلك يا.. يا صديقي الأسير تركت بإحدى الجوايا

عبارة حبٍ صغيرة

جُنينة شوقٍ صغيرة

لعلك بين الصحائف خبئت شيئاً

سلاماً صغيراً يُعيدُ السلام إليَّ.

كوثر البشراوي: دكتور سماح إدريس لو اعتبرنا أن الحادي عشر من سبتمبر يشكل فعلاً منعرج تاريخي هام، ويغير بطريقة فادحة ملامح هذا العالم، نحن على الأقل.. كأناس تابعنا هذه الأحداث بعيدين عن أصحاب القرار، بعيدين عن الفعل.. فعل التغيير الحقيقي نشعر ونعيش ونقرأ من خلال ما يحدث انهزام سياسي وانهزام اجتماعي ونفسي كبير، وإحباطات أعتقد أنها من الأثقل، ومن الأصعب اللي تمر بالوطن العربي، وبالأمة الإسلامية، مع كل هذه الاحباطات والانكسارات هل ما زال فينا حيل أن نجرؤ على.. على الحديث عن ثقافة عربية، عن مشروع ثقافي حقيقي؟

د.سماح إدريس: يعني أعتقد الآن أن.. أن.. أن.. أنه ليس علينا أن نُلقي بجميع مشاريعنا وبجميع أحلامنا لمجرد ما حدث في 11 أيلول، 11 أيلول هي محطة ثانية، هي محطة مهمة، ولكنها يجب أن لا تغير مشروعنا، هي محطة ثانية من محطات الوحشية الأميركية ضد الشعوب العربية، وضد الشعوب المسلمة، وقد استُغلت اعتداءات 11 أيلول الإجرامية، يجب أن نقول أنها إجرامية، وهي إرهابٍ مزدوج لأنه يستخدم مدنيين لقتل مدنيين، أقول إن الولايات المتحدة استغلت هذه الاعتداءات الإجرامية لكي تضع، لكي يكون لها.. موطأ.. موطؤ قدمٍ آخر في هذه المنطقة، ولكي تستطيع أن تتحكم أكثر فأكثر بمواردنا وبمصالحنا، ولكن أنا لا أعتقد أن طرح المشروع، مشروع العروبة الجديدة الآن هو في.. في.. في أقصى أهميته، ويجب أن يُولي أقصى الأهمية لأن لا سبيل لأن نُعيد بناء ذاتنا، ولأن.. ولأن نعيش حياةً كريمةً إلا إذا حاولنا أن نبني هذا الخيار الديمقراطي العربي الذي لا يستبعد الأقليات، الذي لا يستبعد النساء، الذي لا ينظر نظرة شوفينية إلى الغرب، ولكنه يأخذ جميع هذه العوامل في عين الاعتبار.

عبده الوازن: كل مجلة تموت، ليس من مجلةٍ تستطيع أن تخلد إلى الأبد، حتى لو عدنا إلى مجلة (جون بول سارتر) الأزمنة الحديثة (لطاموديرن) ماتت من دون أن تتوقف عن الصدور، لا تحتاج المجلة أن تموت بمعنى أن تتوقف عن الصدور، هناك مجلات ميتة، ولكنها تصدر، بمعنى أن قضاياها انتهت، لقد.. زمن "الآداب" انتهي، ولم تنتهي المجلة، ولكن حين ينتهي زمنها، حين ينتهي.. تنتهي القضايا التي عملت لها، و.. وناضلت من أجلها، وهي أصلاً قضايا خالدة، ولكن الطريقة التي عملت فيها، أو.. الطرح الذي حاولت من خلاله أن تعالج القضايا اختلفت. الآن.. الآن.. الآن..

كوثر البشراوي: ما هي المبرراتك للحكم بالموت؟ لماذا تجزم بهذا الشأن؟

عبده الوازن: يعني مثلاً هناك أراء متضاربة حول قضية "الآداب" لقد نشرنا مثلاً ملفاً في جريدة "الحياة" حول القضية، هناك، كانت هناك.. آراء.. ضد "الآداب"، وآراء مع "الآداب"، البعض يقول أن هذه مجلة لم تعد تعنيه، مجرد أن.. أنها مجرد.. لم.. أنه أصبحت بمعناً ما منبراً مفتوحاً لأي، لنشر أي.. أي مادة، لم تعد هناك قضية، لم تعد هناك مسألة تناضل المجلة من أجلها، هذا رأي البعض. البعض يجد أن المجلة ما زالت قائمة وما زالت منبراً مفتوحاً أمام التجارب الجديدة. شخصياً مثلاً لا أجد الكثير مما يجذبني في "الآداب"، لا.. لا أجد نفسي.. موثقاً إلى قرأتها أو إلى التمتع في قرأتها، أشعر أنها أصبحت منبراً مثل بقية المنابر، وهذا لا ينعكس فقط على "الآداب"، بل المجلات.. معظم المجلات الفصلية تعاني الآن من مرحلة موتٍ ما، صحيح أنها تصدر، ولكنها لا تعنينا مباشرةً كمثقفين و.. وكقراء.

كوثر البشراوي: في ختام هذه الحلقة أرجو أيها الأصدقاء أن نكون قد تمكنا وإياكم من رسم صورةٍ ولو مختصرة للمأزق الذي تعيشه مجلات جادة مثل مجلة "الآداب"، وليس من باب جبر الخاطر أن أقول وأضيف: إن هذا المأزق ليس حكراً على المجلات الجادة، بل تعيشه كل الأعمال الثقافية الجادة مسرحية كانت أو سينمائية أو إعلامية، وكما نقول الله يعين الجميع.

في الختام أذكر السادة المشاهدين بأنه بإمكانهم المشاركة في هذا البرنامج عن طريق صندوق بريد رقم 23123 قناة (الجزيرة) -الدوحة- قطر.

أما العنوان الإلكتروني فهو: Eshrakat@aljazeera.net

أيها الأصدقاء حتى موعدنا المقبل مع موضوعٍ جديد، أو ضيف جديد في سهرة الخميس المقبل أترككم في أمان الله ورعايته.

إلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة