محمد مزالي.. الجمهورية التونيسية ج7   
الاثنين 1431/12/16 هـ - الموافق 22/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 10:15 (مكة المكرمة)، 7:15 (غرينتش)

- أسباب انتفاضة الخبز والإرهاصات التي سبقتها
- أحداث قضية الخبز والنتائج التي أدت إليها

- أسباب الصراع مع الحبيب عاشور


 أحمد منصور
محمد مزالي

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق. مرحبا سيد مزالي.

محمد مزالي: أهلا وسهلا.

أسباب انتفاضة الخبز والإرهاصات التي سبقتها

أحمد منصور: في الحلقة الماضية توقفنا عند حدث هام من الأحداث التي وقعت في تونس أثناء توليك لرئاسة الحكومة وهو انتفاضة الخبز أو ما أطلق عليها انتفاضة الخبز التي وقعت في الثالث من يناير عام 1984، ما هي الإرهاصات التي سبقت هذه الانتفاضة؟

محمد مزالي: أنا شخصيا أسميها أو أنعتها بمؤامرة الخبز لا انتفاضة، هي مؤامرة تذكرنا بمؤامرة 26 جانفيه 1978 وقد تحدثنا عنها، والبطانة جماعة القصر خططوا لإثارة الرئيس بورقيبة حول ما اعتبروه تبذيرا للقمح ولمشتقات القمح وخاصة الخبز..

أحمد منصور: من تعني بجماعة القصر؟

محمد مزالي: يعني وسيلة وبعض الوزراء وفي مقدمتهم وزير الداخلية السابق إدريس قيقه وغيرهم.

أحمد منصور: من غير إدريس قيقه؟

محمد مزالي: غيره معناها أشخاص ثانويين يعني..

أحمد منصور: لكن الدور الأساسي والعلاقة الوثيقة والمتينة كانت بين إدريس قيقه ووسيلة عمار؟

محمد مزالي: فيما أعتقد.

أحمد منصور: هل كان إدريس قيقه هو الرجل الأول بالنسبة لوسيلة في تلك المرحلة؟

محمد مزالي: لا، لا.

أحمد منصور: من كان الرجل الأول بالنسبة لها؟

محمد مزالي: يعني كان عندها رجال كثيرون يعني يعوض بعضهم البعض يعني تحدثنا في السابق عن الطاهر بلخوجة لكن أمره انتهى حينذاك، الباجقي السبسي..، عزوز الأصرم وخاصة الجماعة المنتسبين إلى تونس العاصمة.

أحمد منصور: في العام 1984 تحديدا من هم أبرز رجال وسيلة الموجودون في السلطة غير إدريس قيقه؟

محمد مزالي: الباجقي السبسي فيما أعتقد.

أحمد منصور: كان وزيرا؟

محمد مزالي: نعم، الخارجية.

أحمد منصور: الخارجية في ذلك الوقت.

محمد مزالي: نعم، وفي سبتمبر 1983 قبيل سفر بورقيبة إلى ألمانيا للاستراحة هاتفني خاطبني بالتلفون وقال لي شفت برنامجا في التلفزيون في تبذير كثير للخبز وللحد من هذا التبذير يجب مضاعفة سعر الخبز، مضاعفة 100%.

أحمد منصور: هكذا قرار فردي من دماغه؟

محمد مزالي: بالضبط.

أحمد منصور: لمجرد أن شاهد برنامجا؟

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: دون الشعور بمأساة الناس بحاجة الناس بموارد الناس..

محمد مزالي: أبدا.

أحمد منصور: والخبز هو السلعة الرئيسية بالنسبة لهم!

محمد مزالي: طبعا هو المادة الأصلية، ووسيلة أوحت لمدير الإذاعة والتلفزيون حينذاك -المرحوم توفي الآن فيما قيل لي- المنصف بلمحمود لينظم ريبورتاجا وصفا لبعض المزابل وخاصة بعض الأماكن التي يؤمها الفقراء ومقبرة الجلاس في تونس لتصوير أكداس من الخبز قطع الخبز يعني الفواضل وهكذا فعل وعندما خاطبني مدير الإذاعة قال لي إني أعددت برنامجا لترشيد المواطنين حتى يخففوا من التبذير وأنا صدقت هذا القول طبعا واعتبرت هذا من واجب التلفزة والإذاعة..

أحمد منصور (مقاطعا): هنا اسمح لي قبل أن نخرج من هذه النقطة، كأنه كان هناك عدة قوى رئيسية تدير السلطة في البلاد.

محمد مزالي: طبعا، طبعا.

أحمد منصور: أنت كرئيس وزراء كرئيس حكومة كوزير أول كنت تمثل أحد هذه القوى.

محمد مزالي: أنا والله يعني وقتها وحتى الآن بعد هذه السنوات الطويلة أعتبر نفسي وحيدا، لم يكن لي..

أحمد منصور (مقاطعا): وزراؤك أين؟

محمد مزالي: وزراء هم وزراء بورقيبة مرة أخرى يعني من الخطأ..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني أنت كنت مثلهم؟ يعني هل نستطيع أن نقول إن الوزير الأول مثل أي وزير في الحكومة؟

محمد مزالي: أنا كنت ربما أول الوزراء لكن ليس رئيس حكومة بالمعنى المتعارف الآن في أوروبا مثلا وفي الدول المتقدمة يعني بورقيبة في النظام الرئاسي هو كل شيء وكما سبق أن قلت وهذه عقيدتي إن الرئيس بورقيبة بقدر ما كان يشيخ ويكبر وتضعف قواه بقدر ما كان يتشنج ويحاول كل مرة أن يثبت أنه صاحب القرار الأول والأخير..

أحمد منصور: يعني رغم أنك رئيس حكومة لكنك لا تمثل أي سلطة أو قوة في نظام الدولة؟

محمد مزالي: لا، أبدا، أبدا..

أحمد منصور: ما هي القوى الأخرى غير وسيلة ومن حولها من الوزراء؟

محمد مزالي: يعني في بعض الوزراء خاصة أولئك الذين تولوا مسؤوليات طويلة في الزمن على رأس الحزب الاشتراكي الدستوري كونوا لأنفسهم يعني أصدقاء.

أحمد منصور: وهؤلاء من أين كانوا يستمدون قوتهم في السلطة؟

محمد مزالي: من يعني حرفيتهم إن صح التعبير احترافهم السياسة، أنا لم أحترف السياسة أنا كنت مناضلا أيام الكفاح من أجل الاستقلال ثم كنت طيلة البناء والتشييد أعتبر نفسي مناضلا من أجل بناء الدولة وخدمة المواطنين، لم أفكر أبدا في تكوين عصابة أو موالين أو جماعات أحتاج إليها في يوم من الأيام.

أحمد منصور: يعني في الوقت الذي وصلت فيه إلى أن أصبحت خليفة بورقيبة تقريبا أو ينظر إليك هكذا على أنك خليفة بورقيبة لم تحترف السياسة؟

محمد مزالي: لا، لا. وقد سألتني مرة مجلة جينافريك هل لي أنصار؟ قلت لها لا أنا وحدي ما عندي إلا أبنائي فقط أبنائي من عائلتي، البقية كلهم نعتبرهم مناضلين ومواطنين سواسية يعني لم أفكر في يوم من الأيام أن أكون لي رجالا أو نساء..

أحمد منصور: هل طبيعتك هي التي لم تؤهلك إلى تكوين رجال وتكوين وضع أم؟

محمد مزالي: ليس طبيعتي بل عقيدتي بأن السياسة أخلاق أو لا تكون، وكنت دائما ولا أزال أعتبر أن الغاية لا تبرر الوسيلة بحيث أقحمت دائما في البعد السياسي بعدا أخلاقيا وحضاريا وكدت أكون الوحيد، هناك بعض الزملاء مثلي لكن كدت أكون الوحيد في هذا الاتجاه.

أحمد منصور: يعني إذاً هناك الرئيس بورقيبة، هناك وسيلة عمار ومن حولها من بعض الوزراء, هناك بعض الوزراء الآخرين الذين احترفوا السياسة واستطاعوا أن يكونوا مراكز قوى لأنفسهم أما أنت كوزير أول وكرئيس حكومة فكنت وحيدا كما تقول.

محمد مزالي: وكنت أقول لنفسي كلما نبهت إلى الأخطار قلت أنا وزير أول اصطفاني الرئيس بورقيبة فإذا بان له أني لا أقدر على تأدية الرسالة فيكفي بكلمة أن أرجع إلى التعليم أو أتقاعد وأنا مرتاح البال هنيء الضمير يعني من غير أي أسف أو ندم.

أحمد منصور: لو رجعنا إلى ما سبق انتفاضة الخبز أو ما تطلق عليه أنت مؤامرة الخبز والتقرير الذي بث في التلفزيون حول عملية التبذير في استخدام الخبز.

محمد مزالي:يعني وهناك مسؤول كان ضمن القصر وكان يقرأ لبورقيبة الجرائد وبعد 7 نوفمبر ألقي عليه القبض فقيل لي إنه صرح في السجن بأنه شاهد بعيني رأسه مؤامرة وسيلة عندما نادت مدير الإذاعة أمام بعض الشهاد وقالت له يجب توريط مزالي ويجب إثارة بورقيبة بحيث بعد هذا قلت للرئيس سيدي الرئيس تفضل مشي مسافر وأنا سأرافقك إلى المطار وسندرس القضية هذه يلزمها دراسة، وعندما وصلنا إلى المطار واصطف الوزراء واحدا بجانب الآخر وكان من ضمن الحكومة والديوان السياسي الحبيب عاشور فكان..

أحمد منصور: الحبيب عاشور كان رئيس الاتحاد العام للشغل وهذا المنصب كان يؤهله لأن..

محمد مزالي: يحضر يعني باعتباره رئيس منظمة يعني المنظمات هي حول الحزب حينذاك، وكان يقول لبعض الوزراء وللحبيب عاشور وسمعه الناس، يجب مضاعفة سعر الخبز ورأى النظارة بورقيبة يحرك إصبعيه معناها رمزا للمضاعفة.

أحمد منصور: كان سعر الخبز كم وقتها؟

محمد مزالي: كان الباكيت يعني الصغرى ثمانين مليما والأخرى ضمن 110 أو شيء..

أحمد منصور: يعني إذاً ستكون مضاعفة.

محمد مزالي: 160 نعم مليما يعني.

أحمد منصور: ما أثر.. أنت كرئيس حكومة في ذلك الوقت ما هو الأثر الذي كنت تتوقعه لمضاعفة سعر الخبز بالنسبة للناس؟

محمد مزالي: أنا كنت أتوقع وهذا يعني واضح في الأرقام أن هذا من شأنه أن يهرئ أن يضعف الطاقة الشرائية للطبقات الكادحة وأعطيكم دليلا على هذا هو أنه في أبريل 1986 يعني خمسة أشهر تقريبا قبل أمر الرئيس بعد إثارته كان وزير التخطيط والمالية حينذاك الأخ منصور معلى في ندوة صحفية متلفزة يعني نقاش منبر وقال الأخ منصور معلى -وهذا مسجل وموجود ويمكن التأكد منه- قال يجب أن نفكر جديا أولا في تغيير أسعار القمح ومشتقاته، لم يقل مضاعفة وإنما قال رفع الأسعار لأن صندوق التعويض يعني كاد يفلس..

أحمد منصور: الدعم يعني.

محمد مزالي: صندوق الدعم طبعا، وثانيا قال يجب التراجع شيئا فشيئا في مجانية التعليم. وكنت أنا في بيتي وأخذت التلفون وكلمت منشط الإذاعة بنفسي وقد سمع صوتي من غير أن ترى صورتي كنت في بيتي، وقلت يا أستاذ يا حضرة الزميل في الحكومة قررنا ألا نمس هذه السنة لا سعر الخبز ولا مجانية التعليم، هذا معناه أني شخصيا لم أكن مقتنعا وإن كنت مقتنعا بضرورة الزيادة التدريجية شيئا فشيئا لا المضاعفة الفجئية.

أحمد منصور: رغم إدراكك تماما بأن هناك تيارا يدفع في اتجاه مضاعفة أسعار الخبز.

محمد مزالي: في تيار للزيادة التدريجية أما المضاعفة فقد كانت صدمة كبيرة للجميع يعني. وخاطبني بورقيبة من ألمانيا مرتين وفي كل مرة أجيب بأني بصدد الدرس..

أحمد منصور: ماذا قال لك؟

محمد مزالي: قال لي خرج بلاغ يعني يلزمها قرار يصدر في.. رسمي، قلت لا، قال لي لماذا؟ قلت لأن هذا يستدعي دراسة صندوق التعويض الدعم يجب مراجعة يعني هوامش ربح وخسارة الخبازين كذلك جماعة طحن القمح من تسمونهم في مصر الطحانة، الطحين نحن هذه الكلمة مستهجنة في تونس، ثم..

أحمد منصور: الطحين مستهجنة؟

محمد مزالي: مستهجنة نعم، هذه من مشاكل اللغات العامية في الدول العربية، بين قوسين. وكذلك أنا فكرت في ضرورة التعويض عن الخسارة في الطاقة الشرائية يعني فكرت في إسناد الطبقات الكادحة والمعوزين منحة لا أقول تساوي بالضرورة إنما تقارب ما يخسره هؤلاء المستضعفون من طاقة شرائية نتيجة لمضاعفة الخبز.

أحمد منصور: أنا أفهم من ذلك أن القرارات كانت تصدر بشكل هوجائي غير مدروسة هوائية لا تراعي مصالح الناس في الوقت الذي من المفترض فيه أن القائمين على السلطة هم يراعون مصالح الناس بالدرجة الأولى.

محمد مزالي: وعلى الأقل يدرسون ويتمعنون ويقلبون المشكلة من جميع جوانبها وهذه هي المشكلة مشكلة بورقيبة في أيامه الأخيرة في الحكم يعني القرارات الفجائية غير المدروسة ويشعر بورقيبة بأنه صاحب السلطان عندما يفاجئ الجميع باتخاذ هذه القرارات. فلما رجع إلى تونس قال لي أحب أن أرأس بنفسي مجلس الوزراء..

أحمد منصور: سافر في سبتمبر، متى رجع؟

محمد مزالي: في أكتوبر يعني في أوائل أكتوبر. وفعلا نزل إلى القصبة فرح به الجميع وقبل الدخول في قاعة مجلس الوزراء دخل إلى مكتب الوزير الأول الذي كان مكتبه في الستينات وثم أربعة أو خمسة وزراء منهم وزير الفلاحة.. بن عثمان، وزير الاقتصاد عزوز الاصرم وأظن السيد سفر وابنه الحبيب الابن أهم من حضر وقال لي الآن نعد القرار نعد النص فأقنعته بأن يمهلني إلى غرة يناير، قال لي لماذا نضيع الوقت؟ قلت لأن المسألة فيها دراسة.

أحداث قضية الخبز والنتائج التي أدت إليها

أحمد منصور: يعني أنا أفهم من ذلك بأن قضية رفع سعر الخبز كانت الآن هي القضية الأساسية التي تسيطر على أركان الدولة في تلك المرحلة؟

محمد مزالي: لأنها كانت مؤامرة تستهدف الوزير الأول ما هذا الموضوع يعني وإلا كانت قضية عادية كان يمكن أن درسها وحلها في نطاق..

أحمد منصور (مقاطعا): هل كان الرئيس يشارك في تلك المؤامرة؟

محمد مزالي: هو الرئيس أبدا في اعتقادي بريء من هذا وإنما يعني وقع تحميسه إن صح التعبير إثارته بسبب ما اعتبره تبذيرا.

أحمد منصور: وسيلة التي لعبت هذا الدور؟

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: إدريس قيقه لعب دورا معها في إقناعه؟

محمد مزالي: هذه قناعتي.

أحمد منصور: المؤامرة على الوزير الأول نفهمها في تلك المرحلة بأنها سعي لإقالته وإبعاده.

محمد مزالي: طبعا.

أحمد منصور: من هو الشخص الذي كان مرشحا في تلك المرحلة ليكون بديلا عنك؟

محمد مزالي: سيأتيك الحديث يعني.. في اعتقادي وهذا ما كاد يقع في يوم ما يعني في الأيام القليلة بعد 2 يناير. فأقنعته بالتريث فلما دخلنا إلى قاعة مجلس الوزراء وأمام المصورين قال لوزير الإعلام قال يا عبد الرزاق -اسمه عبد الرزاق الكافي- قال له حط في البيان الختامي للمجلس حط أن الحكومة برئاسة المجاهد الأكبر قررت مضاعفة سعر الخبز، فأنا ترقبت حتى خرج الصحفيون -معذرة للصحافة- ثم والله كنت الوحيد الذي عارض بورقيبة ولم يتكلم أي وزير آخر حتى أقنعته.

أحمد منصور: ماذا قلت له؟

محمد مزالي: قلت سيادة الرئيس نحن اتفقنا منذ حين في المكتب أن تعطينا شهرين حتى أتفاوض مع اتحاد الشغل أتفاوض مع اتحاد المزارعين مع الخبازين مع الرحاية مع يعني ومع وزارة المال والتخطيط حتى نقيم كم المنحة المعطاة للطبقات الضعيفة، فالوحيد الذي تكلم هو رئيس البلدية شيخ المدينة زكريا المصطفى لأن بورقيبة قال له يا سي زكريا مش قلت لي جلاز الخبز مرمي هكذا؟ قال له إيه نعم يا سيادة الرئيس، هو الوحيد، البقية والله أي وزير لم يتكلم إلا أنا فما زلت به إقناعا حتى قال طيب نضيع الشهرين لكن كويس..

أحمد منصور: وافق على التأجيل إلى بداية يناير.

محمد مزالي: وافق على التأجيل فأجلنا واتفقنا.

أحمد منصور: طيب هو الآن كان صرح للإعلام بهذا الأمر.

محمد مزالي: لا، هو قال للوزير حتى يكتب البلاغ قبل انتهاء مجلس الوزراء، كان المفروض أن يتلو الوزير بعد..

أحمد منصور: بعد الاجتماع.

محمد مزالي: هذه من علامات الديمقراطية طبعا. فقضينا نوفمبر وديسمبر في الإعداد، الذي يجب أن يعلمه الإخوان النظارة في تونس وخارجها هو أني تمكنت من إقناع الاتحاد العام التونسي للشغل وزعماءه وسأذكرهم بالاتفاق معي في سقف المنحة والمنحة تتكون من دينار ونصف لكل فرد في عائلة لا يتجاوز عدد أفرادها الستة حيث أب وأم وأربعة أبناء فتكون المنحة تسعة دنانير، وقدرت الخسارة في الطاقة الشرائية حوالي 10 و 10,5 يعني حيث بسيطة كانت، وعندي وثيقة يمكن أن أدلي بها فيها اتفاق ما بين أعضاء الحكومة أربعة أو خمسة أعضاء حكومة المسؤولين في الصف الأول وزعماء اتحاد الشغل وفي مقدمتهم المرحوم الآن الحبيب عاشور والطيب البكوش وخليفة عبيد والكاتب العام الحالي -نحن في 1999- للنقابات وهو إسماعيل السحباني، كلهم أمضوا على الاتفاق على الزيادة في سعر الخبز مضاعفة وعلى هذه المنحة التي استنبطتها شخصيا لتخفيف الوطأة على الطبقات الكادحة..

أحمد منصور: بحيث يكون هناك توازن إلى حد ما.

محمد مزالي: أيوه، هذه سميناها الإجراءات المصاحبة، ثم ببرقية -لأول مرة في تاريخ تونس المستقلة- برقية لكل المحافظين كل الولاة لتحويل قدر مليار أو مليارين بحسب الولاية حتى يدعموا المعوزين الذين ليسوا عملة ولا موظفين.

أحمد منصور: طيب نحن هنا عايزين نفهم نقطة مهمة جدا، كثير من الحكومات بالذات في العالم الثالث تقوم برفع الدعم عن السلع الآن بتوصيات من صندوق النقد والبنك الدولي والمقرضين الموجودين في أنحاء العالم، في نفس الوقت تقوم بزيادة الرواتب زيادة تحاول أن تغطي بها مثل نفس الطريقة التي فعلتم بها الآن، لماذا أصلا رفعتم سعر الخبز؟ دعوا سعر الخبز كما هو ولا تعطوا الناس منحة أو ارفعوا سعر الخبز 10% بدل هذا السعر المضاعف.

محمد مزالي: يا ريت لو قلت هذا أنت للرئيس بورقيبة لوفرت علينا أزمة من أشد أزمات تونس المعاصرة.

أحمد منصور: لا، هذا الكلام الذي أقوله منطقي ومقبول أم لا؟

محمد مزالي: لا، معقول، أنا شخصيا كنت أتبناه.

أحمد منصور: يعني أنفع رئيس حكومة؟

محمد مزالي: آه طبعا، طبعا يعني أنا هذا خطابي في أيام زمان يعني، يا ريت. فالشيء الذي وقع هو غريب جدا هو أن أكثر الولاة اتصل بهم وزير الداخلية وأرسل منشورا لقوات الأمن حتى يجردهم من السلاح، المنشور هذا موجود وقد أدي به ممضى من طرفه في محاكمة إدريس قيقه.

أحمد منصور: خوفا من أن يحدث..

محمد مزالي: لا، لا، بالعكس تشجيعا على أحداث الشغب وحتى لا يقدر البوليس على مواجهة الشغب وبعض الولاة خصوصا في الجنوب أول والي بدأ بالعيب هو اسمه حفصة في ولاية قبلي فيما أذكر وهو قريب جدا للسيدة وسيلة والحوادث بدأت هناك في الجنوب ثم في الجنوب الغربي وسرت وامتدت إلى عدة ولايات.

أحمد منصور: مع هذه الإجراءات التي قمتم بها من عملية الدعم العائلي التي أشرت إليها المادي وفي نفس الوقت رفع سعر الخبز، هل كنتم تتوقعون أن ينتفض الناس ويخرجوا بهذه الطريقة؟

محمد مزالي: لا، لا، لأن مع هذه الإجراءات الفنية هناك اتصالات شعبية في كل جهات الجمهورية بما فيها يعني وشارك فيها الوزراء والمسؤولون السياسيون بما فيهم إدريس قيقه حيث ترأس اجتماعا في تونس العاصمة وأقنع الناس بضرورة مضاعفة السعر هذا إدريس قيقه نفسه، ولكن وقعت الحوادث ولاحظ الناس والبسطاء والمعوزين والبطالين -وأقول هذا من غير احتقار يعني لأنهم في حاجة-..

أحمد منصور: يعني العاطلين عن العمل.

محمد مزالي: أن البلد أن المدينة غير محروسة وأنه لا وجود لرجال أمن فبدؤوا في نهب المغازات وفي إشعال العجلات المطاطية وبينما كان بورقيبة يومها يوم 2 مارس يعني الثلاثاء فيما أذكر في قصر هلال للاحتفال بالذكرى كذا لبعث الحزب الدستوري التونسي، فلما رجعنا كنت مع بورقيبة رجعنا إلى تونس في ظروف صعبة ثقيلة وكنت أنا شخصيا حزينا متألما لأنه قيل لي إن هناك مجاريح وأموات فقلت للسيد الرئيس أمام عدد من الوزراء قلت السيد الرئيس إذا كان خروجي من الحكومة يعاونك على حل المشكلة أنا نقدم استقالتي، بحضور ستة أو سبعة وزراء وأكثر، فقال لي أبدا وخاطب قيقه وقال له أعد لي الآن أمرا بإعلان حالة الطوارئ، بعد نصف ساعة جاء يعني سائق بالدراجة النارية وجلب الأمر وأتاه بالأمر وأمضاه بورقيبة أمامنا.

أحمد منصور: لم تعترضوا على هذا الأمر؟

محمد مزالي: لا، لا، هذا من مشمولات رئيس الدولة. ثم باقتراح من إدريس قيقه وتأييد له من طرف الحبيب الابن أمرني بورقيبة أمرا بأن أذهب إلى الإذاعة والتلفزيون وأخاطب الشعب وأقول إنه لا رجعة في الأسعار المضاعفة، واضطررت..

أحمد منصور: يعني زيادة إثارة الناس.

محمد مزالي: أيوه معناها توريطي أنا..

أحمد منصور: وتحميلك أنت المسؤولية.

محمد مزالي: توريطي أنا والفكرة الشيطانية ونحن في مأدبة.. مش مأدبة، في مائدة العشاء قلت لقيقه لأن قيقه قال لي لو تذهب السيد الوزير الأول وتعلم الناس بأنه لا فائدة من الإلحاح والأسعار لن تراجع، قلت له لماذا؟ ليس هناك لزوم، فبورقيبة قال لي لا، لا، لا بد تمشي، فرحت ومباشرة خاطبت الناس قلت لهم هذا قرار الحكومة هو الإبقاء على الأسعار، عندما تورطت وورطوني شخصيا من الغد وسيلة وجماعتها أخذوا يقنعون بورقيبة بضرورة التراجع..

أحمد منصور: التراجع عن الأسعار؟

محمد مزالي: التراجع عن الأسعار حتى أبقى أنا بلغة رياضية في موقع التسلل أمام الشعب، يوم الأربعاء يوم الخميس أبلغت أن بورقيبة سيخاطب الشعب ويتراجع في الأسعار، لا وينقص من الأسعار فرحت أنا إلى القصر ووجدت بعض الوزراء من أنصار وسيلة..

أحمد منصور: (مقاطعا): هل أنت في هذا الأمر خاطبت الشعب في التلفزيون والإذاعة وقلت لا تراجع؟

محمد مزالي: لا، لا، خاطبته يوم الثلاثاء في المساء يعني بأمر من بورقيبة ورحت لبورقيبة وجدته نازلا بالأسانسور يعني هو وزوجته وأخت زوجته، صباح الخير، صباح الخير، بورقيبة سكت قلت له سيادة الرئيس بلغني أنك ستنقص من أسعار الخبز، قال لي نعم، قلت له أنصحك يا سيادة الرئيس أنصحك بأن تتراجع كليا ونرجع الأسعار إلى ما كانت عليه، قال لي لماذا؟ قلت لأنني تورطت في زيادات وفي اتفاقيات مع الخبازة ومع الرحاية ومع اتحاد الشغل وكذا..

أحمد منصور: تلغي كل هذا.

محمد مزالي: نلغي كل شيء وأعطنا مهلة حتى ندرس موارد جديدة للميزانية نعوض بها صندوق الدعم.

أحمد منصور: يعني هي نفس الفكرة التي أنا أشرت إليها.

محمد مزالي: نعم.

أحمد منصور: لا يوجه أي دعم للناس وفي نفس الوقت لا يتم أي زيادات.

محمد مزالي: بالضبط بالضبط. فلما راح المكتب زي هذا وكنت بجانبه كانت وسيلة تنظر من وراء الباب على أساس أن يقول بورقيبة كما أوحي له بذلك أن يقول مزالي الوزير الأول ورطني وأنا أتبرأ منه وإلى آخره. فبورقيبة كلمة قصيرة قالها موجودة عندي تسجيلها موجود يعني يقول كنا متفقين أنا وسي محمد مزالي على الزيادة لكن تبين لي الآن أن هذه الزيادة مشطة ولهذا -قالها بالعامية- قال ولهذا لا حلت لا ربطت، لا حلت لا ربطت، معنا ما وقع شيء لا حل ولا عقد ولا حل..

أحمد منصور: هذا أعلنه على الناس؟

محمد مزالي: آه، فنظم قيقه وجماعة الحزب في تونس العاصمة نظموا مظاهرات على أنها ابتهاج وراحوا أمام القصر وخرج بورقيبة وكأنه استرجع شيئا من شبابه بورقيبة يعني ما زال شبابا ما زال نيو إلى آخره وفي نفس المساء وأنا في بيتي لم يدعني أحد أرسل لي -وهذا يجب أن يعلمه المواطنون اليوم وغدا- أرسل لي إدريس قيقه وزير الداخلية في حكومتي أرسل لي آمر الحرس السيد الأخ عامر قديره حوالي الساعة الخامسة السادسة في بيتي وقال لي جئتك يعني مبعوثا رسميا من وزير الداخلية لأقول لك استقل بالكرامة أفضل من أن تطرد بالإهانة، ما معناه يعني حاولت أن..

أحمد منصور: ماذا كان إيقاع هذا عليك؟

محمد مزالي: أنا قلت له هذا ربما نصيحة؟ قال لا، لا، قال لي اتجاه رسمي قال لي موقف رسمي، قلت طيب شكرا. من الغد -كان يوم سبت كما أذكر- رحت لبورقيبة قلت له السيد الرئيس من فضلك أنا أحسن نمشي ومعلش أعتبر مسؤولا معلش ولو أنت شخصيا قررت الزيادة لكن أنا نتحمل المسؤولية، قال لي ليه تقول هذا؟ قال لي أنا قررت مش أنت أنا قررت زيادة الخبز، وهذا بحضور وزير أو اثنين يعني..

أحمد منصور: تذكر من فيهم؟

محمد مزالي: أذكر مدير ديوان الوزير -هو مات- المنصور السخيري وأذكر الباجقي السبسبي، فيما يعني يظهر لي على الأقل هدول، وقلت وزير الداخلية أرسل لي آمر الحرس الوطني وحكيت له الحكاية فضغط على زر ودخل مدير المراسم قال له اطلب لي إئتني بإدريس قيقه، أنا والله كنت أظن في طيبة نفسي طبعي أن قيقه يشتغل في مكتبه فإذا بالباب ينفتح ويدخل قيقه دخول الأبطال لمكتب الرئيس بورقيبة ووراءه وسيلة على أساس أنه سيعين وقتها ودخل وكله فرح..

أحمد منصور: على أساس أنك جئت تقدم استقالتك وقبلت.

محمد مزالي: أني خلاص استقلت، رغم يعني بورقيبة ما يتصورش الاستقالة يتصور الطرد والإقالة، الإقالة لا الاستقالة. فما أن خطا ثلاث خطوات في المكتب حتى أوقفه بورقيبة وأخذ يسبه ويشتمه شتائم مقذعة لا يمكن أن نكررها أن نعيدها..

أحمد منصور: في حضور الوزراء الذين أشرت إليهم؟

محمد مزالي: نعم، بحضور الباجقي السبسي بحضور المنصور السخيري ومات ووسيلة وراء الباب تنظر وأخذ وجهها يصفر أصبح وجهها يعني بشرتها كالليمون، فبهت الذي كفر، قال له..

أحمد منصور: كفر بمن؟

محمد مزالي: كفر بنعمة الله، إحنا الخبز القمح نسميه نعمة في تونس. فقال له قلت للوزير الأول كذا وكذا، قال له نعم قلت له، قال له ليه؟ لما شاف الرئيس مناصرا الوزير الأول قال له السيد الرئيس أنا هذا اجتهادي، إذا أنت عندك ثقة متجددة في وزيرك الأول كلفه بتكوين حكومة ثانية، قال له يا حمار أنت اشتغلت معي سنوات -عفوا على هذه الكلمة لكن قال له أكثر من هذا، قال له حمار وأكثر من حمار مع السب يعني- قال له إذا أنت لم تفهم طبيعة النظام الرئاسي فكيف بقيت معي هذه السنوات الطوال تشتغل؟! أنا رئيس الدولة بحكم الدستور أعين وأقيل كل الوزراء ولأبين أني أحب محمد مزالي وثقتي به كاملة أطردك من الداخلية وأكلفه بها، اخرج يا ابن كذا يا ابن الكذا، وسب. فوسيلة كانت متأثرة كثيرا ووقتها بورقيبة قال لي..

أحمد منصور: (مقاطعا): لم تعلق وسيلة؟

محمد مزالي: لا، لا، ما شفتهاش من بعد أبدا. فقال لي بورقيبة قال لي من نسمي في الداخلية؟ قلت له والله سي عمرو قديره كاتب دولة، كاتب دولة معناها للأمن وكان مسؤولا كما قلت لك عن الحرس الوطني نكلفه بالداخلية كإدارة جهوية وبلدية وغيرها وإذا لم تر مانعا ننادي الأخ زين العابدين بن علي الذي عينته سفيرا منذ ثلاث سنوات في فرصوفيا ونرجعه إلى..

أحمد منصور: في وارسو يعني.

محمد مزالي: في فرصوفيا ونرجعه إلى سابق خطته مع المرحوم الهادي نويرة أي مدير الأمن، قال لي كويس.

أحمد منصور: هل اعتبر هذا نهاية لانتفاضة الخبز؟

محمد مزالي: تقريبا، تقريبا نهاية يعني.

أحمد منصور: ماذا كان موقف الاتحاد التونسي العام للشغل والأحزاب الأخرى الموجودة من هذا الذي وقع وهي كانت تملك رصيدا واسعا في الشارع؟

محمد مزالي: يعني كلها في اعتقادي بوغتت بهذه الحركية الموحى بها والمنظم لها من طرف بعض خلايا الحزب الحاكم وبعض الأعوان السريين التابعين لوزارة الداخلية..

أحمد منصور: سعادة الوزير يعني إدخال عنصر المؤامرة على قضية تمس حقوق الناس فيه شيء من المبالغة لأن في أي مكان في العالم خاصة دول العالم الثالث يتم مساس قوت الناس المتمثل في الخبز ينتفض الناس ويخرجون بدون ترتيبات وبدون أي شيء وتلجأ السلطة دائما إلى ما تقوله أنت الآن من أن هناك مؤامرة وهناك من حرك الشارع في الوقت الذي لم يحرك فيه الشارع إلا بطون الناس الخاوية وإلا الأموال القليلة الموجودة معهم.

محمد مزالي: هذا المنطق السليم يعني لكن في قضية الحال المعارضة لم تتحرك في الأول اتحاد الشغل لم يتحرك الاتجاه الإسلامي لم يتحرك بل إن الأستاذ عبد الفتاح مورو خاطبني بالتلفون وعبر لي عن تضامنه مع الحكومة وشجبه لانتفاضة الشارع.

أحمد منصور: معنى ذلك أن هؤلاء كانوا ضد الناس..

محمد مزالي: معناه أن هؤلاء لم ينظموا شيئا في الواقع ومعنى هذا أن مشاكلي أنا لم تأت من المعارضة ولا من الشارع بل أتت من القصر ومن بعض أعضاء الحكومة..

أحمد منصور: الآن يعتبر الرئيس حسم الأمر لصالحك أمام وسيلة وأمام إدريس قيقه..

محمد مزالي: إيه.

أحمد منصور: إدريس قيقه حينما عزل من المفروض أنه أيضا حول للمحاكمة.

محمد مزالي: نعم هو عزل يوم السبت أظن 5 أو 6 يناير 1984 ومن الغد يوم الأحد سارع بالهروب إلى باريس ولكن بورقيبة أصر على البحث في هذه المؤامرة وكلف بها وكيل الجمهورية العام حينذاك الذي أصبح وزير عدل وهو الأخ رضا بن علي وحكم غيابيا من طرف المحكمة العليا ولم يرجع قيقه إلى تونس إلا بعد 7 نوفمبر حيث ألقي عليه القبض وزج به في السجن المدني أياما بحدود نصف شهر ثم حكم عليه بخمس سنوات مع تأجيل التنفيذ.

أحمد منصور: كالعادة حدث قتلى وحدث جرحى من الشعب التونسي في تلك الانتفاضة، من يتحمل مسؤولية هؤلاء؟

محمد مزالي: الوضع بصفة عامة..

أحمد منصور: وأنت تتحمل كرئيس حكومة جانبا من هذه المسؤولية.

محمد مزالي: يعني ما هي حيلتي؟ يعني عندما يقرر رئيس الجمهورية مضاعفة الخبز وعندما..

أحمد منصور (مقاطعا): حينما تقبل تشارك في المسؤولية وأنت قبلت.

محمد مزالي: طبعا طبعا يعني زي ما قلت بالنسبة للانتخابات هناك مسؤولية لا يمكن التقصي منها ولكن هناك نوع من المسؤولية وهناك درجاتها، وما حيلتي إذا كانت المعارضة في تونس ليست في الشارع بل في فراش بورقيبة؟! هذا الوضع المأساوي الطريف -إن صح التعبير- الذي كانت عليه الحالة في تونس.

أسباب الصراع مع الحبيب عاشور

أحمد منصور: سيادة الرئيس رئيس الحكومة في تلك الفترة بدأ الصراع من شكل آخر بينك وبين الحبيب عاشور رئيس الاتحاد التونسي العام للشغل، وأنت ذكرت أن العلاقة بينك وبينه كانت جيدة..

محمد مزالي: كانت جيدة.

أحمد منصور: في الوقت الذي يمثل فيه الحبيب عاشور قوة عريضة موجودة في الشارع التونسي وهي اتحاد النقابات، معنى أن يحدث صدام بين رئيس الحكومة وبين رئيس اتحاد النقابات أن هناك عدم استقرار سياسي موجود في البلاد وهذا أيضا يكون له تأثيره على الرئيس.

محمد مزالي: صحيح، لعله يفيد أن أذكر بأنه حالما اضطلعت بمسؤولية رئاسة الحكومة حاولت ونجحت أنا وبعض زملائي في الديوان السياسي وفي الحكومة في تطبيع الاتحاد العام للشغل الذي دخل مسؤولوه في السجون بعد 26 جانفيه 1978 فأطلق سراح كل المساجين وأذكر أني كنت يوميا كدت أفتك قائمة بالنقابيين والطلبة بين قوسين كذلك للعفو الرئاسي، أذكر مرة بحضور وزير العدل الأخ محمد شافي أني قدمت للحبيب بورقيبة أمرا جمهوريا يقضي بالعفو التشريعي عن 1200 نقابي وطالب وقال لي بورقيبة هذا عدد كبير قلت له السيد الرئيس أحسن يعني نتخلص من الموضوع وأثرت عليه ونجحت في إطلاق سراح الزعماء، الطيب بكوش وغيره وغيره كثيرين ثم بعد حين أطلقنا سراح الحبيب عاشور ثم وفي اجتماع حضره الزعماء النقابيون بمكتب بورقيبة طالبوا بإرجاع عاشور إلى النقابات فالتفت إلي بورقيبة قال لي ما رأيك يا سيد الوزير الأول؟ قلت له أنا شخصيا أتحمس كثيرا وأنصح بلا فقط يعني رد الاعتبار للحبيب عاشور بل لإرجاعه إلى سابق خطته على رأس الاتحاد العام للشغل، وهذا ما تم، ثم بالمفاوضات مع نقابات التعليم العالي والثانوي ومع نقابات البنوك ونقابات قطاعات كثيرة ونظرا إلى أن هناك ازدهارا وقتها في أول السبعينات نسبي في الاقتصاد يعني قررنا زيادات هامة لكل أصناف الموظفين والعملة ومن يراجع الصحافة التونسية يشاهد ويلاحظ التصريحات الكثيرة التي يشكر فيها الحبيب عاشور محمد مزالي ويقول فيها إن محمد مزالي هو رجل ديمقراطية هو رجل حوار هو الرجل الذي يحدب على الشغالين. ثم بعد الخبز وبعد أن تورط -بين قوسين- في الإمضاء على الاتفاق كما كنت أقول وتحت تأثير لا أدري أخذ يناوئ ويطالبني بمطالب تعجيزية.

أحمد منصور: ماذا كان هدفه من وراء ذلك؟

محمد مزالي: أعتقد أن الشق الذي انهزم في قضية الخبز لم يهضم هذه الهزيمة وكان يريد أن يتخلص من محمد مزالي.

أحمد منصور: ما طبيعة علاقته مع وسيلة في تلك الفترة؟

محمد مزالي: كويسة وهذا الموضوع كانت كويسة قبل 26 جانفيه إلى أن وقعت الواقعة وكذلك كويسة في هذه الأيام.

أحمد منصور: كانت وسيلة لا زالت في سلطانها أم أنها بعد.. بدأ سلطانها يتقلص شيئا فشيئا.

محمد مزالي: لا، كما قلنا في حلقات سابقة تضعضع سلطانها.

أحمد منصور: أنت الآن علاقتك مع وسيلة كيف كان وضعها في تلك الفترة بعد 1984؟

محمد مزالي: دائما لم أكد أراها أبدا لأنها كانت تغادر القصر ولم أرها وعند..

أحمد منصور: كان في غضب دائم بينها وبين الرئيس؟

محمد مزالي: في غضب، تغضب ثم ترجع.

أحمد منصور: لعبت دور مصلح بينهما قبل ذلك؟ لم تلعب هذا الدور في تلك الفترة؟

محمد مزالي: خلاص.

أحمد منصور: كنت سعيدا بهذا؟

محمد مزالي: لا، لا سعيد ولا شقي، ما أنا لم أعتبر وسيلة معطى في المعادلة الحكومية.

أحمد منصور: كيف وهي كان لها سلطانها ولها نفوذها؟

محمد مزالي: كنت أجهل وأتجاهل ذلك ولا أرضى به.

أحمد منصور: كنت تهرب منه بمفهوم أدق.

محمد مزالي: إيه لكن هذا موقفي لكن ما حيلتي عندما تكون زوجة رئيس الدولة هي مؤثرة، ما يكونش يعني نفصل بين..

أحمد منصور: الآن إدريس قيقه وهو كان المنافس الرئيسي لك أو البديل الذي كان يعد لخلافتك تم استبعاده وهرب وحوكم كمان، هل هناك منافسون كانوا لك في تلك الفترة؟

محمد مزالي: لا، هو بعد هذه الأزمة الحادة ونظرا لأن صحة بورقيبة كانت دائما في تداعي وفي ضعف نما وترعرع الطموح عند بعض الناس..

أحمد منصور: من بعض الناس هؤلاء؟

محمد مزالي: أبرزهم أصبح رئيس جمهورية الآن ومن كاد يصبح رئيس جمهورية، هناك أسماء كثيرة.

أحمد منصور: من كاد يصبح رئيس جمهورية؟

محمد مزالي:مثلا كاد يصبح وزيرا أول ثم رئيس جمهورية يعني منصور السخيري، عبد الهادي مبروك.

أحمد منصور: كل هؤلاء في الفترة من 1984 إلى 1986 كانوا يحاولون أن يكونوا بدلاء لك؟

محمد مزالي: من غير أن يظهروا لي عداء بالعكس.

أحمد منصور: لكن كان منصبك باعتبارك أنت الذي تنوب عن رئيس الجمهورية في تلك المرحلة منصبا ذو طموح وذو مطمح لدى الجميع.

محمد مزالي: لأنه كان المدخل إلى رئاسة الجمهورية.

أحمد منصور: لأنه كان المدخل. أنت أيضا في ذلك الوقت الذي بدأت فيه صحة الرئيس تتردى أما كنت تخطط وتأمل وترتب لأن تكون أنت الرئيس القادم لتونس؟

محمد مزالي: والله لا، وهذه مشكلتي هذه قوتي وضعفي، لم أفكر أبدا بل أقول لك إنه في أواخر أكتوبر أوائل نوفمبر 1984 أصيب الرئيس بورقيبة بنوبة قلبية حادة دخل إثرها إلى المستشفى الرابطة وفي يوم من الأيام نادتني وسيلة بالتلفون قال لي -وأنا قلت في الحزب وقتها في الديوان السياسي- قالت لي يا سي محمد أسرع في القدوم إلى غرفة القبة فإنه في حالة احتضار، فرحت إلى هناك ووجدته مصابا بما يسمى.. يعني لما القلب يضعف الدم يتراكم في الرئتين ويهدد المريض -عافاكم الله- بالاختناق ووجدت أطباء بصدد إفراغ الرئتين أو التخفيف عن الرئتين داخله وكان في حالة يعني تعبانة ثم تحسنت حالته بعدين في الليل..

أحمد منصور: ما شعرت وقتها أنك يمكن أن تصبح الرئيس؟

محمد مزالي: أبدا، شعرت بثقل كبير يعني فوق كتفي لأنني أعتبر أن هذه أمانة..

أحمد منصور (مقاطعا): تدهور صحة الرئيس في ذلك الوقت أدى إلى أن يكثر أو تكثر قضية السعي لقضية الخلافة، قضية الخلافة هنا أصبحت محورا رئيسيا لدى الجميع، أين كان موقعك أنت من هذا الأمر؟

محمد مزالي: أنا موقعي كان واضحا وبسيطا، كنت أقول في نفسي إن شاء القدر أن يستقيل هذا مستحيل لكن أن يلقى حتفه الرئيس بورقيبة قبلي أنا لأن الأعمار بيد الله فأتحمل المسؤولية وإذا تغير رأي الرئيس بورقيبة وأقالني فأكون سعيدا لأتمتع بتقاعدي وأتفرغ إلى ما لم أزل أعنى به وهو مجلة الفكر والحركة الثقافية ونشاطي ضمن اللجنة الأولمبية التونسية وخاصة اللجنة الأولمبية الدولية وكنت أكون سعيدا بذلك غاية السعادة.

أحمد منصور: هذا هو كان شعورك في تلك المرحلة أم شعورك الآن بعدما أصبحت بعيدا عن السلطة؟

محمد مزالي: يعني بعد أن أصبحت بعيدا عن السلطة آسف لشيء واحد وهو أن القوم لم يتركوني أتمتع بالتقاعد كمواطن بسيط لا أكثر ولا أقل، لكنت واصلت نشر الفكر وخدمت تونس في مجالات الثقافة والرياضة وأنعم.. يعني اشتغلت 36 سنة في وظيفة عمومية وسياسية لكن بعض الأقوام -لا أدري من- أبوا إلا أن يهاجموني ويحاولوا تشويه سمعتي والحكم علي. أريد أن أقول كلمة فقط عن الحبيب عاشور تتمة لما سبق أن قلته أمامك، يعني عندما اشتد النزاع واحتدم النقاش وكانت أمامي مطالب تعجيزية طلب مني الحبيب عاشور وكانت آخر مقابلة مقابلة على انفراد استقبلته في قصر الحكومة بالقصبة وكنا وحدنا، قال لي يا سي محمد قرر لي زيادة واحدة لكافة الأصناف بسبعة أو أحسن ثمانية دنانير في الشهر ونمضي على الصلح وانتهى الأمر، قلت له سي الحبيب أنا بودي نقرر زيادة أحسن من هيك لو الاقتصاد يسمح بهذا، امهلني مدة حتى تنتهي السنة 1985 وإن شاء الله تكون سنة 1986 أحسن والموارد أوفر، قال لي وقتها باللغة العامية التونسية قال لي يا خسارتك يعني التوانسة لازم يعرفوا ما خسارتك يعني وا أسفاه عليك، قلت له على إيش يا خسارتي؟ قال لي يا سي محمد..

أحمد منصور: يعني كان يتعامل معك بندية الرجل.

محمد مزالي: طبعا هو أكبر مني في السن وأنا كنت أحترمه كثيرا..

أحمد منصور: لا، حتى في المسؤولية السياسية و..

محمد مزالي: آه يعتبر نفسه يعني قوة هو يعتبر نفسه معناها يسمي ويعزل الوزراء ناهيك. فقال لي لو وافقت على هذه الزيادة لكنت تجدني في وقت آخر بعد بورقيبة أنا الذي أدعمك كرئيس جمهورية، قلت له يا سي الحبيب أنا في الكرسي هذا من لم أفكر أبدا في رئاسة الجمهورية أنا أفكر في تأدية الأمانة وأتحملها مهما كانت التكاليف، عمل هيك بيده وقال لي يا خسارة، بالسلامة، قلت له الله يسلمك، آخر مقابلة.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة أتناول معك الفصل الأخير من حياتك السياسية، إقالة الرئيس بورقيبة لك وفرارك هاربا عبر الصحراء ليلا من تونس إلى أوروبا التي لا زلت تعيش فيها إلى الآن، أشكرك شكرا جزيلا كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد محمد مزالي رئيس الحكومة التونسية الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة