نبض عربي لفلسطين من باريس   
الأربعاء 1437/10/2 هـ - الموافق 6/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 21:35 (مكة المكرمة)، 18:35 (غرينتش)

حينما بدأ القصف الإسرائيلي على غزة بداية شهر يوليو/تموز 2014، نزل مئات من الشباب الفرنسيين ذوي الأصول العربية والأمازيغية إلى الساحات الفرنسية للتعبير عن تضامنهم مع سكان غزة، وقد تحدى هؤلاء الشباب قرار منع المظاهرات الذي أقرته حكومة إيمانويل فالس واحتشدوا بالآلاف في الشوارع وفي مدن فرنسية مختلفة.

وبذلك برز ما أسمته صحيفة لوموند الفرنسية بـ"جيل غزة"، إذ لم تعرف شوارع باريس مظاهرات لأبناء المهاجرين منذ عام 1983 التي نتذكر فيها أن شبيبة الضواحي كانوا يرتدون الكوفية الفلسطينية حينما دخلوا لمقابلة الرئيس فرونسوا ميتران في قصر الإليزيه.

أثار هؤلاء الشباب الفرنسيون ذوو الأصول العربية والأمازيغية في فرنسا الكثير من الجدل والنقاش، حيث مثلت بالنسبة لهم الحرب على غزة مبرراً كافياً للنزول للشارع والاحتجاج من أجل وقفها. في الوقت الذي كان لا ينزل للشارع إلا محتج على وضع مالي أو أمني، وكانت كل اهتماماته متعلقة بحالة الإقصاء التي يتعرض لها كمواطن فرنسي وعلى مشاكل دمجه واندماجه في المجتمع على أسس وقيم الجمهورية الفرنسية والمتمثلة في الحرية والإخاء والعدالة بين مكونات الشعب الفرنسي المتنوعة.

إن الشباب الذين نزلوا إلى شوارع باريس بعد قصف غزة، لا تتعدى أعماره الثلاثين عاما، شباب يتواصلون للتجمهر بالرسائل القصيرة والإنترنت، وأثار نزولهم إلى الساحات الفرنسية ردود فعل عنيفة من بعض وسائل الإعلام وبعض أفراد الطبقة السياسية الفرنسية ومثقفي النخبة وصحفييها الذين رأوا في شعارات هذا الجيل وحملهم لأعلام أصول آبائهم، نوعا من التمرد على مفهوم "الاندماج" العزيز على المسؤولين والنخب الفرنسية.

واتهم بعض المسؤولين في الحكومة وخارجها هؤلاء الشباب بأنهم يجلبون النزاع الفلسطيني الإسرائيلي إلى الأراضي الفرنسية، وبكون هذا الاصطفاف إلى جانب الفلسطينيين يضع علامات الاستفهام حول الهوية والانتماء الكامل للدولة الفرنسية، رغم أن الأمر متعلق بأبناء الجيل الثالث والرابع.

في حين دافعت شخصيات فرنسية عامة عن هؤلاء الشباب المتضامنين مع غزة، وأذكر هنا رسالة وزير خارجية فرنسا الأسبق دومنيك دوفيلبان التي كانت نشرتها جريدة لوفيغارو، ورسالة الصحفي الشهير إدوي بلينيل إلى الرئيس الفرنسي فرونسوا هولاند.

وكان هذا مبدأ اهتمامي واهتمام أصدقائي الذين تعاونوا معي في هذا العمل لمحاولة الإجابة عن سؤال رئيسي هو: ما الذي يدفع شباباً فرنسيين إلى تبني القضية الفلسطينية والالتحام معها بهذا الشكل، رغم أنهم ولدوا في فرنسا وكبروا وتتلمذوا على قيمها كأي فرنسي من أصول غير عربية وإسلامية؟ ولماذا اهتم بالقضايا العربية والثورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وبلدان المغرب؟ وما هو فهمه للثورات العربية؟ ولماذا تبقى فلسطين القضية المحورية عند هؤلاء الشباب؟

فاتح، ونيسم، وآية، وحورية لم يتوقفوا لحظة على تنظيم المظاهرات والتنديد بأي خطوة من السلطات الفرنسية تجاه إسرائيل، وقد كانوا حاضرين وعبروا عن غضبهم حينما نظمت بلدية باريس " شاطئ تل أبيب". إنه جيل نذر نضاله لتعريف الرأي العام الفرنسي بالقضية الفلسطينية، ويعمل ميدانيا في حملة التضامن مع فلسطين في مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية، وتنظيم رحلات إلى الأراضي المحتلة.

هو ذلك الجيل الذي تم اتهامه في بعض الجرائد الفرنسية بـ"معاداة السامية" ومعاداة القيم الفرنسية مثلما ذهب مدير صحيفة فرنسية حينما اتهم المتظاهرين بأنهم يكرهون اليهود، وأن كراهية اليهودي هي التي تحرك هؤلاء النشطاء.

حاولنا أن نوضح في فيلمنا من خلال متابعة تحركات أبطاله وتصريحاتهم، أن "معاداة السامية" هي معادلة سحرية تسمح لبعض السياسيين الفرنسيين وبعض المنظمات اليهودية الفرنسية بتجريم أبناء الضواحي وتشويه سمعتهم أمام الرأي العام الفرنسي والعالمي. إنها الشماعة التي يعتمد عليها هؤلاء لإقصاء المتعاطفين والتشكيك في هويتهم وانتمائهم للدولة الفرنسية.

وتأتي إجابات أبطال العمل الذين يرون في الوفاء للأصول والاهتمام بالقضايا الإنسانية الكونية غير متعارض مع هويتهم الفرنسية البحتة، فهم مواطنون فرنسيون كاملو المواطنة ويعبرون عن آرائهم في ما يحيط بهم ضمن القيم العامة للدولة الفرنسية.

المخرج: محمد زاوي

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة