عودة للأعلى

حـمـاة 82

قصة شاهد  على  المجزرة

تعريفات

القصة

من حلب إلى السويد

الشاهد

 الشاهد

اسم الشاهد محفوظ لدى هيئة التحرير وأشير له في النص بالحرفين الأولين (ع. ل). وهو من مواليد حماة 1966، التقته الجزيرة نت في  معسكر اللجوء بمنطقة فيسكان السويدية. بعدما علمت أنه كان شاهد عيان على مجزرة عام 1982 عرضت عليه أن يقدم لها شهادته، لكنه رفض ذلك لأسباب لم يفصح عنها في حينه.

 

 ومع تكرار المحاولة في وقت لاحق علل (ع. ل) رفضه بخوفه على أهله وأفراد أسرته الذين لا يزال بعضهم يقيم في سوريا، وبعدما أفهمناه أن مخاوفه الأمنية ستؤخذ في الاعتبار أبدى استعداده للإدلاء بشهادته بشرط عدم نشر أي صورة أو ملف صوتي يشير إلى شخصيته الحقيقية، باستثناء صورة جانبية.

 

 أما الصور المرفقة، فهي لبيته الكائن في حي سوق الشجرة، قام بطباعتها والاحتفاظ بها لأنها تظهر آثار المجزرة في الحي الذي كان يقيم فيه قبل أربعة وثلاثين عاما.

 

من خلال حديث الشاهد، تبين أنه بالرغم من خروجه من سوريا ووصوله إلى بر آمن في القارة الأوروبية، فإنه لا يزال يشعر بالخوف، وهو على اقتناع تام بأن نظام بشار الأسد لن يسقط خلال السنوات الخمس القادمة على الأقل، لذلك وعد مبتسما في حال سقوط النظام أن يحل ضيفا على شاشة الجزيرة للتحدث بوجه مكشوف عن الأهوال التي شاهدها وعاينها بحماة.

 

 

من حلب إلى السويد

قضى (ع. ل) اثنين وثلاثين عاما من عمره في مدينة حلب، التي انتقل للعيش فيها مع أمه ومن بقي حيا من أفراد أسرته بعد مجزرة حماة، حيث عمل هناك بالتجارة الحرة. ومع قيام الثورة السورية عام 2011، واشتداد الحصار على منافذ المدينة، تأثر عمله بشكل كبير، وبدأ يشعر بالخطر في ظل المقاومة الشرسة التي أبدتها المدينة، فخشي أن يتكرر سيناريو حماة، لذلك انتقل عام 2014 عبر الأرياف إلى مدينة إدلب، ومن هناك تمكن من الدخول إلى الأراضي التركية، التي مكث فيها عاما كاملا عمل خلاله حارسا في أحد المصانع، وحين تمكن من إخراج باقي أفراد أسرته، توجه عبر قوارب الموت إلى البر اليوناني، وذلك في صيف عام 2015، ومن اليونان عبر عدة دول أوروبية: مقدونيا، صربيا، هنغاريا، النمسا، ألمانيا، الدانمارك، حتى وصل إلى السويد.

 

عن تجربة اللجوء يقول (ع. ل) الذي يقيم منذ تسعة أشهر في أحد معسكرات اللجوء بمدينة سندسفال السويدية: "إحساس اللجوء ليس إحساسا جديدا، لأنه لم يتسلل شعور المواطنة إليّ يوما، ولكن الجديد هو الإحساس بالحرية والكرامة، والشعور بأنه لك مطلق الحرية في اختبار واستخدام حواسك الخمسة، واستحضار ذاكرتك المثقلة بالمآسي في أي وقت، والأهم من هذا وذاك، القدرة على الصراخ والبكاء دون أن تدفع حياتك ثمنا لذلك".

 

السويد

الدانمارك

ألمانيا

النمسا

المجر

صربيا

مقدونيا

اليونان

تركيا

سوريا

القصة

يتذكر (ع. ل) وهو أحد الناجين من الليلة الخامسة من المجزرة، التي داهمت فيها سرايا الدفاع التابعة لرفعت الأسد (سوق الشجرة)، الحي الذي كان يقيم فيه هو وأفراد عائلته الذين قتلوا باستثنائه هو وأمه وشقيقته الصغرى.

 يقول: "قبل ساعة واحدة من اقتحام الحي، قامت أمي بنقلي وشقيقتي التي تصغرني بعامين، إلى بيت خالتي المجاور، لاعتقادها أنه أكثر أمنا من بيتنا الذي يقع على الشارع الرئيسي، كان الخوف يتملكنا، حيث كانت الأخبار تأتي من الأحياء المجاورة عن الإبادة الجماعية والإعدامات الميدانية، وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها".

ويتابع: "لم يمض على وصولنا ساعة حتى بدأنا نسمع أصوات التفجيرات والأعيرة النارية التي لم تتوقف على مدار تسع ساعات متواصلة، كنا نتابع ما يحدث في الخارج من شقوق الأبواب والنوافذ، كنا نرصد توسلات الشيوخ والعجائز، والنحيب الطويل الذي لم يكن يقطعه سوى طلقة نافذة في رأس الضحية".

 

عائلة الشيخ خليل

وعن صور المذابح التي رآها بأم عينيه، يقول: "كانت أكثر الصور إيلاما المذبحة التي ارتكبت بحق عائلة الشيخ خليل، حيث أمر الضابط بإخراج كل من في المنزل، تمهيدا لتفتيشه بحجة حيازة السلاح، ومن ثم قام بفصل الرجال عن النساء، وكانت العائلة تتكون من أربعة شبان، وثلاث فتيات، بالإضافة إلى الأب والأم، والجد المقعد، بعد ذلك أمر الجنود الذين كانوا يلبسون الأقنعة، بإعدام الأب وأبنائه الأربعة واحدا تلو الآخر، وذلك أمام صرخات وتوسلات الأم، ومن ثم قام بنفسه بإعدام الفتيات الثلاثة والأم الثكلى بعد فاصل من العبث بثيابهن وحجابهن، وقبل أن يهم بالمغادرة طلب متهكما من الجد المقعد، أن يقف على رجليه للدعاء، علّ الله يسمعه، فيستجيب له، ويعيد الحياة إلى أفراد عائلته".

الجندي

صورة أخرى مغايرة، يطلعنا عليها (ع. ل) في شهادته، لجندي رفض أن يكون أداة قتل وبطش في يد النظام، فأخذ على عاتقه حفظ وحماية ما يمكن إنقاذه من لحم ودم. عن تلك الصورة يقول: "لم يكن بيت خالتي في مأمن، كما اعتقدت أمي، فقد داهم أحد الجنود البيت، وحين كنا نلتقط أنفاسنا الأخيرة، أمرنا وسط ذهولنا جميعا بالتزام الصمت والاختباء تحت الأسرة وخلف الستائر حفاظا على أرواحنا، ومن ثم أخبر آمر السرية بأن البيت خاليا، فيما بعد علمنا أن هذا الجندي مسلم سني، ولا أدري حقيقة كم من البيوت والأرواح التي بقيت على قيد الحياة بفضل هذا الجندي".

مات دعسا

بعين دامعة، يتذكر (ع. ل) أخاه الأكبر الذي قُتل في اليوم العاشر من المجزرة، فيقول: "كان أخي واحدا من الشباب الذين تأثروا بشخصية مروان حديد*، الذي كان يعمل قبل اعتقاله وإعدامه في السجن عام 1976 على تجنيد الشباب، من أجل مواجهة مخطط النظام الذي كان يسعى في ذلك الوقت لإخضاع الشعب السوري لسلطة وسطوة الحزب الواحد. فكان أول المنضمين من العائلة لصفوف الطليعة المقاتلة*، وقبل يومين من قيام النظام  بفرض طوق أمني على المدينة جاءت التعليمات إليه بالتوجه إلى حي البارودية للالتحاق بعناصر الطليعة المقاتلة استعدادًا للمواجهة، لم يلتفت وراءه حين غادرنا مودعًا، لا أدري لماذا انتابني في تلك اللحظة شعور بأنه لن يعود، كانت آخر كلامته لأمي: "لن يضيعنا الله، ما دمنا على الحق".

 

ويتابع: "فيما بعد روى لنا من نجا أنه ظل يقاتل على أحد المحاور حتى فرغت ذخيرته، فداهمته إحدى سرايا الدفاع* واعتقلته حيًّا هو وخمسة من شباب الطليعة أذكر منهم: الشهيد حسين المصري، والشهيد عدنان البارودي، فأمر الضابط بتكبيلهم ثم أمرهم بالانبطاح على وجوههم، ومن ثم قامت إحدى المدرعات التابعة للواء 47 بدعسهم ذهابًا وإيابًا إلى أن سوت أجسادهم بالأرض".

 

حمام الدم

يضيف (ع. ل): "في اليوم الأخير من الأسبوع الدامي الذي شهده حي سوق الشجرة والذي سقط فيه حوالي 200 قتيل، من بينهم أبي وأخي وثلاثة من أبناء عمومتي، وشاب مسيحي من ريف حمص الغربي، تصادف وجوده بالحي مع فرض الطوق الأمني، جاء القرار بتجميع الجثث في شارع صلاح الدين، تمهيدًا لنقلها إلى جهة غير معلومة، كانت الدماء تسيل في كل مكان بغزارة شديدة توحي بأن شلالًا من الدم اجتاح المدينة. لم يستوقف الناجين آنذاك الذين لم يتجاوزوا أصابع اليد الواحدة في كل شارع وحارة السؤال عن الأهل والأقارب: كيف وأين قضوا نحبهم؟ لأن السؤال الأكبر الذي كان شاخصًا فوق أعقاب المحرقة هو: "كيف ما زالنا على قيد الحياة؟".

يقول (ع. ل) في شهادته إن العديد من القصص والحكايات تواترت إبان المجزرة، عن حوامل بُقرت بطونهن، ورُضّع فسخت أرجلهم، وأطفال قطعت أطرافهم أمام أعين أمهاتهم، وإنه لم يكن هناك شفقة أو رحمة تجاه أي طفل أو رضيع أو حتى جنين، ويؤكد أن الذريعة التي كان يرددها الجناة على مسامع الثكالى هي خوف النظام من انضمام هؤلاء الأطفال إلى جماعة الإخوان المسلمين في المستقبل، ويتساءل (ع. ل) هل صدرت الأوامر من حافظ الأسد حقًّا آنذاك بقتل جميع الأطفال في حماة؟

نزع الحجاب

يروي (ع. ل) في شهادته أنه في إحدى المداهمات بمنطقة الحاضر، تم إلقاء القبض على فتاة تدعى رواد، وذلك بسبب تشابه اسمها مع اسم شاب مطلوب للنظام، وبالرغم من أنها كانت تحمل ما يثبت هويتها وشخصيتها فإن الضابط أصر أن تنزع الحجاب عن رأسها ليتأكد من أنها ليست الشخص المطلوب، فرفضت ذلك بشدة، فغضب الضابط، وأمر جنوده أن يعرّوها تماما من ملابسها، ومن ثم تناوبوا على اغتصابها أمام أهلها وذويها، وهي لا تزال عذراء، قبل أن يفرغ آخر الجنود طلقاته النارية في رأسها.

 

 

حي الحميدية

يتابع (ع. ل): "مع استعصاء بعض الأحياء على السقوط، مثل: حي الكيلانية، وحي الزنبقي، وحي البارودية، حيث لاقت سرايا الدفاع هناك مقاومة شرسة، جاءت الأوامر في اليوم الثاني عشر، من حافظ الأسد بقصف هذه الأحياء وتدميرها على رؤوس ساكنيها، وكان له ذلك. حيث قامت القوات بإشراف مباشر من رفعت الأسد، الذي كان رئيسا  لسريا الدفاع بنسف البيوت وتفجيرها بالديناميت، وقد سقط أكثر من 10 آلاف من الضحايا في ذلك اليوم. مما اضطرهم بعد إنهاء العملية إلى حفر خنادق طويلة وعميقة في حي الحميدية، لدفن الجثث وإخفاء معالم الجريمة، ولا يزال حتى اليوم عدد كبير من ذوي الشهداء يزورون ذلك المكان، لوضع الورود  صباح كل عيد، ظنا منهم أن أبناءهم دفنوا هناك".

 

الغربة داخل الوطن

في الحديث عن ما بعد المجزرة، يقول (ع. ل): "تحولت حماة إلى مدينة أشباح، الدماء في كل مكان، والبيوت مدمرة، والجثث مكومة في الشوارع كأنها أضاحي العيد، لم يسمح لأحد بالدخول أو الخروج من المدينة، وبعد شهر من المجزرة سويت البيوت بالأرض، ودفنت الجثث في مقابر جماعية، سقط حوالي 40 ألف من سكان حماة، ومن بقي على قيد الحياة تمنى لو كان في عداد الشهداء، لأن المأساة الحقيقية كانت بعد المجزرة: التزامك الصمت وأنت تسير فوق جثة أمك أو أبيك وأخيك بذاكرة مشلولة، إحساسك أنك الناجي الوحيد دون أن تقوى على الصراخ أو البكاء، فكم من أم ثكلى لحقت بأبنائها لأنها اتشحت بالسواد، وكم من رجل أعدم وهو يحاول تقصي آثار ذويه".

 

ويتابع: "لم تكن حماة طيلة السنين التي تلت المجزرة سوى سجن كبير، لا يحق لأحد أن يتكلم أو حتى يسترجع شريط المجزرة في خلوته السرية، أصبحنا نتحرك كالدمى بلا روح وبلا إحساس، وعلى هذه الحالة مات كثيرون، وجُنّ آخرون، وسجن من سجن وقتل من قتل، أما الذين بقوا مثلي على قيد الحياة، فهم أكثر ألمًا من غيرهم، لا لأننا عشنا غرباء في وطن ضاق بنا أحياء وأمواتا، بل لأننا لم نحظ طيلة فترة وجودنا في حماة، بنعمة الصراخ والبكاء".

 

 

تعريفات

مجزرة حماة : سقط فيها ما بين 20 و40 ألف قتيل، وفقد أكثر من 15 ألف شخص، ونزح أكثر من 100 ألف من سكان المدينة الواقعة وسط سوريا جراء حملة عسكرية شنها النظام السوري في فبراير/ شباط 1982 ضد المعارضة الإسلامية في المدينة.

 

مروان حديد –  قائد ومؤسس الطليعة المقاتلة في سوريا، كان من أشد المعارضين للانقلاب الذي نفذه حزب البعث عام 1963، دعا إلى حشد المظاهرات في حماة احتجاجا على بعد السلطة الحاكمة عن الدين الإسلامي، بعد أن قامت القوات السورية بقمع المظاهرات في حماة، دعا حديد إلى المواجهة العسكرية مع النظام، وأخذ يحشد ويجند الشباب لهذا الغرض، اعتقلته المخابرات السورية عدة مرات، كان آخرها في الثلاثين من يونيو/ حزيران 1975، توفي في سجن المزة العسكري بعد عام واحد من اعتقاله في يونيو/ حزيران عام 1976.

 

الطليعة المقاتلة – اعتبرها البعض الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، قامت الطليعة المقاتلة بتنفيذ العديد من عمليات الاغتيال التي استهدفت رموز وقيادات النظام السوري مثل مدير الأمن القومي في حماة الرائد محمد الغرة، بالإضافة إلى بعض الشخصيات العلوية في سوريا، وقد كانت أوجع الضربات التي تلقاها النظام حادثة مدرسة المدفعية بحلب التي نفذها النقيب إبراهيم اليوسف عام 1979 وقد قتل في الهجوم 32 طالبا من العسكريين الذين ينتمون للطائفة العلوية، بعد ذلك بدأت المواجهة العلنية بين الطليعة المقاتلة والنظام، وقد شهدت هذه الفترة إصدار قرار رئاسي بإعدام أي منتسب لجماعة الإخوان المسلمين .

 

سرايا الدفاع –  قوة عسكرية في سوريا أنشئت عام 1971، تولى قيادتها رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وكانت مهمتها الدفاع عن النظام. نسب إليها تنفيذ عدة عمليات ومجازر ضد المعارضة الإسلامية، منها: مجزرة سجن تدمر عام 1980، التي قتل فيها حوالي 1200 سجين من الإسلاميين وفقًا  للأرقام التي أوردتها منظمات دولية، ومجزرة حماة عام 1982، التي راح ضحيتها حوالي ما بين 20 و 40 ألف قتيل، وأكثر من 15 ألف مفقود، ونزح جراءها أكثر من 100 ألف من سكان المدينة. في عام 1984 تم دمج سرايا الدفاع في الجيش السوري تحت اسم الفرقة الرابعة.

 

 

*

*

*

*