إغلاق

غوانتانامو

وعد أخلفه أوباما

إغلاق غوانتانامو وعد أخلفه أوباما

 

بعد يومين من دخوله البيت الأبيض مطلع عام 2009، أصدر الرئيس الأميركي باراك أوباما ثلاثة أوامر رئاسية، يقضي أولها بإغلاق معتقل غوانتانامو السيء السمعة خلال عام، وينص ثانيها على منع التعذيب في المعتقلات والسجون الأميركية، أما الثالث فيأمر بإنشاء هيئة من الأجهزة والوكالات الحكومية الأميركية ذات الصلة، مهمتها مراجعة سياسيات الاعتقال وإجراءاته.

 

ومع انتهاء عام 2016، يكون أوباما قد أتم ولايتين رئاسيتين، في حين أن غوانتانامو -بسمعته العائدة إلى حقبة الرئيس جورج بوش وحربه على الإرهاب- ما زال قائما.

 

صحيح أن عدد نزلاء المعتقل انخفض من 242 إلى 61 خلال السنوات الثماني لولايتي أوباما، وأن ذلك تم بفضل سياسة ممنهجة واجهت مرارا مقاومة من جمهوريي الكونغرس؛ لكن إدارة أوباما نفسها تخلت بدورها عن أولوية إغلاق المعتقل لصالح شؤون محلية أخرى تخدم سمعة أوباما وحزبه الديمقراطي، بحسب ما يقول الكاتب المتابع للشأن الأميركي أحمد حسين آدم.

 

الجزيرة نت تابعت وعد أوباما المخلوف بتغطية إخبارية، ضمت ظروف إنشاء المعتقل، وشهادات بعض من مروا بزنازينه، والفظائع التي شهدها، ومواضيع أخرى من بينها قراءة في أسباب عجز أوباما عن إغلاقه.

 

 

مقدمة

المعتقل

أوباما وغوانتانامو

افتتحت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن معتقل غوانتانامو السيئ السمعة، مطلع عام 2002 في عز حملتها العسكرية لاستئصال تنظيم القاعدة وحركة طالبان من أرض أفغانستان، بعد هجمات 11  سبتمبر/أيلول الشهيرة في نيويورك وواشنطن. واختيرت قطعة من أرض كوبا تخضع للسيطرة العسكرية الأميركية، مكانا لاحتجاز "الأشخاص الخطرين للغاية واستجواب المعتقلين بطريقة مثلى ومحاكمة الموقوفين المرتكبين لجرائم حرب" على ما قال وزير الدفاع الأميركي وقتئذ دونالد رمسفيلد. وكان الهدف من اختيار غوانتانامو هو حرمان المعتقلين -الذين صنفهم المشرعون الأميركيون على أنهم "مقاتلون أعداء"- من الخضوع للتشريعات والقوانين التي يخضع لها الأميركيون.

 

واستقبل السجن 779 معتقلا، جيء بهم على مراحل بين عامي 2002 و2006 بعد توقيفهم في باكستان وأفغانستان ودول أخرى آسيوية وعربية حليفة لواشنطن، في عز ما كان يعرف بحرب إدارة الرئيس جورج بوش على الإرهاب.

 

لكن إدارة بوش ما لبثت أن اكتشفت أن أكثر المعتقلين قُبِض عليهم خطأ، أو نتيجة وشاية من سلطات باكستان وأفغانستان الطامعة في الحصول على جوائز ترضية، في حين أن المتورطين فعليا في هجمات سبتمبر والمنتمين إلى القاعدة وطالبان هم قلة. وقد أكد الرئيس الباكستاني الأسبق برويز مشرف ذلك في مذكراته التي نشرت عام 2006 بعنوان "على خط النار" عند إقراره بتلقي حكومته جوائز ترضية أميركية مكافأة على تسهيلها القبض على مشتبه في انتمائهم إلى القاعدة وطالبان.

 

وبعد إخضاع الموقوفين للاستجواب مشفوعا بسوء المعاملة، وهو ما وضع واشنطن في مرمى المنظمات الحقوقية العالمية، اضطرت إدارة الرئيس بوش إلى إطلاق سراح 532 معتقلا -غالبيتهم أفغان وسعوديون- على مراحل، وسلمتهم إلى سلطات بلادهم التي أخضعتهم لبرامج إعادة تأهيل ودمج. واحتفظت الإدارة الأميركية مع انتهاء ولاية بوش الثانية أواخر عام 2008 بـ242 آخرين بدون محاكمة، وسط انتقادات حقوقية ومخاطبات قانونية وسياسية بشأن استمرار اعتقال الموقوفين غير المدانين.

 

وشكل الصيت العالمي السيئ للمعتقل والانتهاكات التي وقعت داخل أسواره مادة دسمة في الحملة الانتخابية التي أتت بباراك أوباما رئيسا نهاية عام 2008. فقد تعهد بإغلاق معتقل غوانتانامو ووصفه بأنه "فصل حزين في التاريخ الأميركي". وبرر أوباما اعتراضه على سياسية سلفه جورج بوش الابن بأنها قامت على "خيار خاطئ" يخيرنا بين "أمننا وقيمنا"، وتعهد بجعل حرب الولايات المتحدة على "الإرهاب" متسقة مع القيم الأميركية.

 

ومع بدء ولاية باراك أوباما الأولى مطلع عام 2009 اختير الدبلوماسي المخضرم دانيال فرايد موفدا  للإشراف على إغلاق معتقل غوانتانامو، فباشر التفاوض مع الدول الحليفة لواشنطن لاستقبال الموقوفين دون محاكمة وغير المدانين بالإرهاب.

وتم في هذا الإطار ترتيب استضافة نحو 22 دولة أوروبية وغربية لمعتقلين مفرج عنهم من رعاياها أو أجانب ترفض بلادهم استقبالهم. وواصل الموفدون اللاحقون هذه الترتيبات مما أفضى عمليا بحلول أغسطس/آب 2016 إلى بقاء 61 نزيلا فحسب في غوانتانامو، يوصف أغلبهم بأنهم معتقلون خطرون.

 

ويقول الموفد الخاص الحالي لإغلاق معتقل غوانتانامو السفير لي وولوسكي في هذا الصدد إن "استمرار عمل منشأة الاعتقال يضعف أمننا القومي عبر استنزاف الموارد وإلحاق الأضرار بعلاقاتنا مع حلفاء وشركاء أساسيين، ويعزز موقف المتطرفين العنيفين". وهي إشارة إلى ما كان يردده أوباما من أن بقاء غوانتانامو يفيد القاعدة ويدعم قدرتها على تجنيد مقاتلين.

 

ورغم حكم الرئيس الديمقراطي باراك أوباما ولايتين متتاليتين فإنه لم يتمكن من الوفاء بوعده بإغلاق المعتقل. ويعود ذلك بدرجة أساسية إلى اعتراض جمهوريي الكونغرس على نقل المعتقلين المدانين بتدبير هجمات سبتمبر مثل خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة لمحاكمتهم جنائيا داخل الأراضي الأميركية، أو لنقل أي من المدانين الآخرين إلى منشآت عقابية تقع على أراض أميركية.

وقد اضطر أوباما إلى الخضوع لتسويات مع الجمهوريين ألزمته بغض الطرف عن وعده بإغلاق المعتقل مثل مشروع قانون الاعتماد الدفاعي لعام 2011 الذي يحظر عمليا نقل المشتبه فيهم المحتجزين في غوانتانامو إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم جنائيا.

 

وقال في هذا الصدد "رغم اعتراضي القوي على تلك البنود التي تعارضها إدارتي بشكل مستمر، فقد وقعت على هذا القانون بسبب أهمية إجازة الاعتمادات من بين أمور أخرى لأنشطتنا العسكرية في 2011". ويبدو أن الموفد الأخير لإغلاق المعتقل لي وولوسكي كان أكثر واقعية من رئيس البلاد في نظرته إلى فرص تحقيق وعد أوباما. فقد قال عند اختياره للمنصب عام 2015 "ليس لدي أوهام بأن الأمور ستيسر بالسهولة المأمولة".

 

 

شهادات

محطات

معتقلون بارزون

أبو زبيدة

سجين غوانتنامو المنسي

رمزي بن الشيبة

 منسق "غزوتيْ نيويورك وواشنطن"

خالد شيخ محمد

 النزيل "كي أس أم"

توزيع المعتقلين

فظائع وانتهاكات

كل ما يمكن أن يتصوره العقل البشري من أنواع وفنون التعذيب القديمة والمبتكرة، حصل هنا في هذا المعسكر.

ضرب وشتم وتهديد بقتل الأمهات والتبول على المصاحف وإلقاؤها في دورات المياه ووضع رؤوس المعتقلين بمقاعد التغوط وصدمات كهربائية وإيهام بالغرق وحرمان من النوم وحبس انفرادي لشهور طويلة في مكان مظلم والتعرض لأصوات عالية تخرق طبلة الأذن وغير ذلك...

ويقر تقرير لمجلس الشيوخ الأميركي في 10 ديسمبر/كانون الأول 2014 عن أساليب التعذيب التي انتهجتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، بأن التحقيقات مع المعتقلين وظروف اعتقالهم كانت قاسية وأسوأ بكثير مما سمحت به الوكالة.

 

وأفادت دراسة نشرها موقع بلوس ميديسن الطبي نهاية شهر أبريل/نيسان 2011 أن ثمة تسع حالات أفادت بوجود ممارسات غير مصرح بها حتى ضمن برنامج "تقنيات الاستجواب المشددة".

 

ومن ذلك "الضرب المبرح المؤذي الذي غالبا ما يؤدي إلى فقدان الوعي و/أو تكسير العظام والاعتداءات الجنسية و/أو التهديد بالاعتداء الجنسي، والإعدامات الوهمية (...) وإيصال المعتقل إلى حافة الاختناق بالماء (مثل حشر خرطوم الماء بالفم) أو الطعام".

وتقول الدراسة إن "بعض الادعاءات الأخرى قالت إن المعتقلين أجبروا على إدخال رؤوسهم في مقاعد التغوط، واستخدمت أجسادهم كممسحة لتنظيف الأرضيات".

 

 

وثائقيات

طفل غوانتانامو .. عمر خضر

الموت تحت سياط التعذيب قصة سعودي في سجن غوانتانامو

السجين 345

معتقل غوانتانامو وما بعده

مذكرات

العنوان: يوميات غوانتانامو

-المؤلف: محمدو ولد صلاحي

-المحرر: لاري سيمز

-عدد الصفحات: 432

-الناشر: ليتل براون أند كامباني

-الطبعة: الأولى، 2015

يحمل كتاب "يوميات غوانتانامو" لكاتبه الموريتاني محمدو ولد صلاحي القابع في المعسكر منذ الخامس من أغسطس/آب 2002 تفاصيل دقيقة ومروعة ليوميات سجين كتبها بخط يده ساردا تجربته الخاصة التي ما زال يعيشها كل يوم في المعتقل حتى بعد صدور الكتاب.

 

هذه اليوميات الشخصية توثقها هوامش نقحتها الحكومة الأميركية وكذلك حواشٍ وسرد يرتبط بوثائق رفعت عنها السرية مؤخرا.

 

واللافت في هذا الكتاب الفريد، نظرا لارتباطه بوقائع يومية موثقة ومدونة بعناية، تلك الحبكة الإنسانية من العلاقات التي تشكلت على مرور الوقت بين السجناء من طرف والمحققين والحراس من طرف آخر، وكذا كون هذه اليوميات النابضة بالألم تروي قصة المئات من المعتقلين خلف أسوار غوانتانامو، وتؤكد محنتهم التي بدأت الوثائق تكشفها حديثا، والتي تؤرخ لفترة سوداء في تاريخ حقوق الإنسان التي يعتز بها الأميركيون.

كان ولد صلاحي من الذين تعرضوا لبرنامج خاص في التعذيب أقره شخصيا وزير الدفاع الأسبق دونالد رمسفيلد وأطلق عليه اسم: المشاريع الخاصة. ويتضمن هذا البرنامج، الذي أعد خصيصا للسجناء في غوانتانامو، وسائل مبتكرة للتعذيب، منها إخضاع السجين للعزلة الكاملة، ومنعه لفترات طويلة من النوم، وكذا التحرش الجنسي بالسجناء، ووضعهم في أوضاع مجهدة، وتهديدهم بالقتل لهم أو لأقرب ذويهم.

وقد خضع ولد صلاحي لكل هذه الوسائل غير القانونية في التعذيب وهدد بقتله أو قتل أمه عشرات المرات. أما ممثلو القضاء العسكري الذين امتنعوا عن محاكمة ولد صلاحي فقد عزوا قرارهم هذا إلى كون السجين قد تعرض لحملة من التعذيب الشديد، وكذا لأنهم -وبكل بساطة- لم يعثروا على أي دليل يمكنهم من توجيه الاتهام إليه.

وبناء عليه ما زال ولد صلاحي في معتقله بدون أن يوجه إليه اتهام منذ 15 عاما!

 

تجويع وتعذيب

 

"تمر الأيام طويلة وكئيبة خلف القضبان، وأكاد لا أشعر أن الزمن ينقضي.. أوقاتي هي مزيج من ظلام وألم مستمر.. أما عن التعذيب الذي كنت أتعرض له فحدث ولا حرج. كنت أحرم من الطعام لفترات طويلة ثم تقدم لي فجأة كميات كبيرة من الطعام بعد طول تجويع ويطلب مني الحراس التهام الأكل كله في ثلاث دقائق، إلا أن أحد الحراس كان يأتي ليسحب الصحن بعد 30 ثانية" هكذا وصف صلاحي إحدى طرائق التعذيب النفسي والجسدي معا من خلال إخضاع الجسم لعقاب شديد ثم الإيحاء برفع العقاب دون إيقاف فعلي له.

 

وتحدث أيضا في يومياته عن الضرب المبرح الذي كان يتعرض له أثناء الاستجواب مما كان يدفعه أحيانا للاعتراف بأعمال لم يقم بها من أجل أن يتوقفوا عن ضربه.

وكتب أيضا عن طرق أخرى جهنمية فعلا كأن "يرمى من قارب في ماء المحيط ثم يسحب من جديد إلى القارب حيث يجبر هناك على شرب كميات كبيرة من الماء قبل أن يلقي السجان كمية كبيرة من الثلج في ثيابه وينهالوا عليه ضربا".

 

ويقول المدير التنفيذي للاتحاد الأميركي للحريات المدنية أنتوني روميرو في تعليق له على الكتاب "إنها مذكرات مثيرة للقلق حقا فيما تثير من أمور وحقائق حاولت حكومة الولايات المتحدة إخفاءها لأعوام خلت. إنها حياة خلف القضبان صادمة للضمير الإنساني، حياة ويوميات محمدو ولد صلاحي".

ويضيف أن المذكرات "تثير فينا ذاك المشترك الإنساني بين البشرية الذي يحثنا إلى القفز وراء جدران السجن وإلغاء الفروق الإنسانية بيننا".

 

ومن نافلة القول أن كل من يقرأ كتاب "يوميات غوانتانامو" يتأكد من أن ولد صلاحي ليس فقط هو من يتعرض للتهديد في هذا المعتقل بظروفه الجائرة، بل أيضا كل المعتقلين خلف الأسوار.

هي إذن مذكرات توحي بعالم بائس يعصف بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي طالما تغنى بها الأميركان وروجوا لأنفسهم بوصفهم حماتها وسدنتها في العالم.

 

 

 

هل يفي أوباما بوعده؟

ملف لم يغلق

"في الغرف المظلمة لسجن أبو غريب وزنازين الاعتقال بسجن غوانتانامو... خسرت أميركا أغلى قيمها". تلك كانت كلمات السيناتور باراك أوباما -المرشح الرئاسي الأميركي الشاب- وقتذاك، الديمقراطي المثالي الذي حاضر في القانون الدستوري بجامعة هارفارد الأميركية العريقة.

 

كلماته الشجاعة تلك، كانت قد ميزته أمام منافسيه السياسيين المخضرمين، ربيبي المؤسسة الأميركية الحاكمة: جون ماكين وهيلاري كلينتون. و ذلك إبان حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية في خريف 2007.

 

كلمات أوباما الرنانة تلك كان قد تردد صداها داخل أميركا وخارجها، ذلك لأنه قد أعطى أملا، بأنه –أخيراً- قد نهض سياسي جديد من غمار الساسة الأميركيين، سيحرر المجتمع الأميركي والغربي من سوءات الاستثمار والتكسب السياسي في أزمات الخوف والكراهية التي سادت إبان عهد جورج بوش، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية.

 

في أوج حملته الانتخابية الموسومة بحملة الأمل، وعد أوباما باستعادة روح أميركا وتفوقها الأخلاقي، لذلك كأن من أشهر وأهم وعوده الانتخابية: إغلاق سجن غوانتانامو السيّئ الصيت، الذي وصفه أوباما في مناسبات عدة "بوصمة العار في سمعة وروح أميركا الديمقراطية".

 

إجراءات و خطوات نحو الوفاء بالوعد

اتساقا مع وعده الانتخابي، وبعد يومين فقط من دخوله البيت الأبيض في 22 يناير/كانون الثاني 2009، أصدر الرئيس أوباما أهم ثلاثة أوامر تنفيذية (رئاسية) ذات رمزية عميقة، ترمز بجلاء إلى فلسفة ونهج حكمه.

 

الأمر التنفيذي الأول كان يقضي بإغلاق سجن غوانتانامو خلال عام واحد فقط، بينما الأمر التنفيذي الثاني كان منع التعذيب في السجون والمعتقلات الأميركية، أما الأمر التنفيذي الثالث فإنشاء هيئة مختلطة من الأجهزة والوكالات المعنية تعمل على مراجعة سياسات وإجراءات الاعتقال في أميركا.

 

لا جدال، تلك كانت خطوات وإجراءات عملية وجدت قبولا واسعا. فبدا واضحا أن أوباما كان جادا في إرسال رسالة واضحة لمؤيديه في أوساط الديمقراطيين والليبراليين، بأن أميركا تحت قيادته قد أحدثت قطيعة كاملة مع عهد إدارة جورج بوش، وأن العالم على موعد جديد مع أميركا التي تقود بالنموذج والمثال والالتزام بالقانون الدولي والمعايير الإنسانية الحضارية.

 

أسباب النكوص الحقيقية

بناءً على المواقف المعلنة لأوباما، لم يشك أحد في نيته والتزامه بإغلاق السجن الذي اتفق أغلب خبراء القانون الدولي والمنظمات الحقوقية على عدم قانونيته، وذلك وفقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي، خاصة القانون والعرف الإنساني الدولي الذي نهض على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، و برتوكوليها الملحقين الأول والثاني لعام 1977.

 

إذن، لماذا نكص أوباما وعده بإغلاق سجن غوانتانامو حتى الآن؟ ما الأسباب الحقيقية لذلك؟

 

لا شك أن هنالك أسبابا ظاهرة ذات طبيعة قانونية وسياسية وأمنية وبيروقراطية، يمكن أن يبرر بها البعض فشل أوباما في إغلاق هذا السجن، فمثلا الرئيس أوباما و"ماكينة" إعلامه وعلاقاته العامة، تركز بشكل رئيسي على لوم الكونغرس!

 

حقا، لا أحد ينكر دور الكونغرس في إفشال جهود أوباما في إغلاق هذا السجن، كما لا نقلل من العوامل والأسباب الأخرى. بيد أننا نلوم الرئيس أوباما على هذا الفشل على مدى الثمانية أعوام الماضية من فترة حُكمه. فقد أصبح جليا أن هناك فرقا واختلافا بين شخصية أوباما المرشح الرئاسي، وشخصية أوباما الرئيس الذي تبدلت أولوياته كسياسي براغماتي يسعى لتحقيق كسب سياسي شخصي، وتركة تاريخية في الحكم تخلد اسمه. إضافة إلى ذلك، فإن نهج أوباما وطبيعة شخصيته المترددة، ظلت تمثل أهم العوامل التي جعلته يعجز عن الوفاء بوعده الانتخابي بإغلاق السجن على الأقل حتى الآن!

 

بحكم شخصيته الوفاقية في القيادة والحكم، أراد أوباما موافقة ومساعدة الكونغرس في تنفيذ وعده بإغلاق غوانتانامو. غير أن أوباما يدرك جيدا صعوبة هذا المسعى، إن لم يكن استحالته، خاصة أنه فقد السند بعدما فقد حزبه الديمقراطي الأغلبية في الكونغرس ومجلس الشيوخ، وذلك بعد عامين فقط من دخوله البيت الأبيض، إضافة إلى خذلانه من بعض أعضاء حزبه في الكونغرس الذين لم يجرؤ على المخاطرة برصيدهم السياسي في شأن يتسم بحساسية عالية في أوساط الرأي العام الأميركي.

 

لذلك فإن كثيرا من الذين تابعوا ملف إغلاق السجن خلصوا إلى حقيقة صادمة، وهي أن الملف كان ضحية لعبة سياسية وتجاذب بين السياسيين الأميركيين من الحزبين. فأوباما الرئيس لم يدرج هذا الملف ضمن أولوياته كما وعد إبان حملته الانتخابية. فقط، ظل مسكونا وغارقا في أولويات الملفات الداخلية التي أرادها أن تكون ضمن تركته في الحكم، ومن أوضح الأمثلة على ذلك خطة التأمين الصحي المجاني، أو ما يسمى "برنامج أوباما للرعاية الصحية". حتى إن كبير موظفيه في البيت الأبيض آنذاك إيمانويل رام خاطبه ناصحا "لماذا نبدد رصيدنا السياسي في ملف إغلاق هذا السجن... إنه ليس أولوية للأميركيين، الرعاية الصحية المجانية هي شغل الأميركيين الشاغل.. سيخلدك التاريخ -كأول رئيس أميركي يحقق هذا الإنجاز".

 

إذن، أوباما كان يساوم ويقايض لتمرير وإنجاز ملفات أخرى، كأولويات قصوى، على حساب ملف إغلاق سجن غوانتانامو. لذلك من المهم إيراد شهادة السيناتور المخضرم جون ماكين الذي اتهم إدارة أوباما بعدم الجدية في إغلاق السجن، حيث قال بالحرف "أنا حليف لإدارة أوباما ومؤيد لإغلاق غوانتانامو، وطالبت الإدارة عدة مرات بتقديم خطة واضحة للكونغرس لإغلاقه، إلا أن الإدارة عجزت عن تقديم خطة عملية في هذا الشأن".

 

كما أشرت، لا أقلل البتة من دور الكونغرس -الذي يسيطر عليه الجمهوريون- في عرقلة جهود إدارة أوباما في إغلاق السجن. فهنا تتبدى النقطة الفاصلة بين نهجين وفلسفتين ومدرستين في السياسة الأميركية، إلى حد ما! فأوباما وقاعدته الليبرالية واليسارية ظلوا يشعرون بخيبة وعقدة أخلاقية واضحة جراء بقاء هذا السجن؛ أما الجمهوريون -خاصة مجموعة المحافظين الجدد الذين كانوا يسيطرون على إدارة بوش- فيرون في استمرار هذا السجن أمرا مبررا ومشروعا من أجل حماية وصون الأمن القومي الأميركي. حتى أن إنشاء السجن خارج الأراضي الأميركية كان الهدف منه إبعاد المعتقلين من دائرة اختصاص المحاكم الأميركية، بحسب كثير من المراقبين. وفي هذا السياق استغل الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس لعرقلة جهود أوباما لإغلاق السجن، فمثلا كان الكونغرس قد أصدر تشريعا منع بموجبه إدارة أوباما من استخدام أي ميزانية أو إنفاق أي "مال فدرالي" لترحيل معتقلي غوانتانامو إلى الأراضي الأميركية.

 

وعلى الرغم من العراقيل والعقبات التي وضعها الكونغرس، استطاع أوباما تخفيض عدد المعتقلين في غوانتانامو، حيث كان عددهم 242 معتقلا عندما دخل أوباما إلى البيت الأبيض، منهم 177 رحّلوا ووطّنوا في بعض الدول وفقا لاتفاقيات خاصة. أما العدد المتبقي من المعتقلين في غوانتانامو حتى هذه اللحظة فيبلغ 61 معتقلا، هؤلاء تتراوح ظروفهم وأوضاعهم القانونية، فهنالك من حكم عليه بالسجن أكثر من عشر سنوات، وهناك من ينتظر المحاكمة، وآخرون تقرر اعتقالهم لفترة مفتوحة (دون محاكمة) لخطورتهم على الأمن القومي الأميركي، على حد تقدير الأجهزة الأمنية الأميركية، وهم 31 معتقلا، و هنالك أيضا من تقرر الإفراج عنه أو ترحيله إلى دول أخرى، وعددهم عشرون معتقلا.

 

مهما يكن من أمر، فهنالك أسئلة جوهرية في هذا الشأن: كيف سيتعامل أوباما مع من تبقى من المعتقلين؟ هل سيتحدى أوباما الكونغرس ويصدر أمرا تنفيذيا بترحيل هؤلاء المعتقلين إلى الأراضي الأميركية، ماذا يعني إغلاق المعسكر بصورة نهائية؟ هل سيحاكم من تبقى من هؤلاء المعتقلين في المحاكم المدنية الأميركية؟

 

القرار بيد أوباما، لكن هل سيفعلها في "الزمن الضائع"؟

ما زالت أمام الرئيس أوباما فرصة للوفاء بوعده الانتخابي بإغلاق سجن غوانتانامو، إذ إن القرار بيده وحده لا بيد الكونغرس كما هو شائع، وذلك وفقا للدستور الأميركي، لكنه قطعا يحتاج إلى إرادة سياسية لتنفيذ وعده.

 

وألفت هنا إلى مقال مهم نشر في صحيفة واشنطن بوست، فقد رأى المستشار القانوني للبيت الأبيض جورج كريغ في عام 2009، وكليف سلون المبعوث الخاص لأوباما لإغلاق سجن غوانتانامو في الفترة 2013-2014، في مقالهما تحت عنوان "الرئيس لا يحتاج إلى إذن الكونغرس لإغلاق غوانتانامو"؛ أن قرار الكونغرس المتعلق بمنع الإدارة من ترحيل معتقلي غوانتانامو إلى الأراضي الأميركية غير دستوري. كما أوضح المسؤولان السابقان أنه "وفقا للمادة الثانية من الدستور الأميركي، فإن الرئيس يملك السلطة الحصرية في تحديد السجون والمعتقلات التي يتحفظ فيها على معتقلي العدو العسكريين".

 

وفي ضوء ذلك، هل سيمارس الرئيس أوباما سلطته الحصرية -وفقا للدستور الأميركي- ويصدر قرارا أو أمرا تنفيذيا بترحيل من تبقى من المعتقلين إلى الأراضي الأميركية، وتقديمهم لمحاكمات أمام القضاء الأميركي، وبالتالي إغلاق سجن غوانتانامو نهائيا؟ هل يمكن أن نقرأ تصريحات جو بايدن نائب الرئيس الأميركي في هذا السياق بشيء من الأمل؟ فقد قال في نهاية الأسبوع المنصرم "إن سجن غوانتانامو سيغلق قبل العشرين من يناير/كانون الثاني 2017، أي قبيل مغادرة أوباما البيت الأبيض".

 

يبدو أن نائب الرئيس الأميركي يتحدث بناء على معلومات، لذلك من المرجح أن يغلق أوباما سجن غوانتانامو، لكن السؤال بأي صيغة أو سيناريو؟ وهل ستكون صيغة تتوافق مع القانون الدولي، خاصة أن الأميركيين لا يعترفون بالمركز القانوني لمعتقلي غوانتانامو كأسرى حرب، وفقا للقانون الإنساني الدولي؟

 

سنرى ما إذا كان أوباما سيفي بوعده قبل جلوسه على رصيف الأحداث قريبا، كي تترسخ في أذهان الناس أن الوعود الرئاسية -والتي هي في غالبها للاستهلاك السياسي- قابلة للتنفيذ لاستعادة الصدقية المفقودة.

 

 

 

 

أحمد حسين آدم