سهى صباغ

لون الزهرة بنفسجي، ومن داخلها تطل شعيرات أرجوانية قليلة لا يتعدى عددها الثلاث أو الخمس، ليولد من بعد اسم الزهرة النبيلة، أو نبتة الملوك أو الزهرة الحمراء.

ربما أنبل ما في تلك النبتة الصغيرة أنها انتشلت قرية "تالوين" جنوب المغرب، وعدد سكانها ستة آلاف نسمة من الفقر، فالزعفران مصدر عيش السكان هناك.
اللون الأرجواني يزين تالوين التي يغلب عليها اللون الترابي

اللون الأرجواني يزين تالوين التي يغلب عليها اللون الترابي، لون الجبال التي تطوقها من كل صوب. تُنتج سنويا ما يعادل أربعة أطنان من الزعفران، بقيمة أربعة وعشرين مليون دولار. يُعتبر المغرب، ثاني مُنتج للزعفران في العالم بعد إيران.

هذه الحكاية قدمها فيلم "الزعفران.. الذهب الأحمر لتالوين" الذي بثته الجزيرة الوثائقية. تابعت الكاميرا سيرة الزعفران وناسه البسطاء منذ غرس البصيلات إلى حصادها ثم بيعها إلى سماسرة لتصل إلى الزبون بسعر عال تستحقه هذه التوابل النادرة.

زراعة الزعفران تتطلب شخصين يتعاونان معا، فالأول يحفر في الأرض بعمق عشرة سنتيمترات، والآخر يضع البصيلات التي يمتد عمرها لخمس سنوات، بعدها على المزارع اقتلاعها وتغييرها.

عمال وعاملات يجمعون حصادهم من الأزهار النبيلة

هناك طريقتان لري زهرة الزعفران، واحدة تقليدية وأخرى حديثة. يشرح المزارع "عبد الله أدهمو" الذي يسقي بالطريقة التقليدية بالتعاون مع ابنه. يحفران قنوات للسقي، مما يسبب هدرا للمياه، فالقنوات غير إسمنتية، وبذلك تشرب الأرض الكثير من المياه قبل أن يصل بعضها إلى جميع البذور. أما الطريقة الحديثة بالري في الحقول الكبيرة، فهي عبر التنقيط لتجنب هدر المياه.

الشركات الكبيرة التي تمتلك آلاف الهكتارات تستعمل تلك الطريقة، لكنها بالطبع مكلفة، لحاجة المحركات للبنزين، كما يخبر المزارع المستثمر لعشرات الهكتارات "محمد أوحقي".

المزارعون الصغار يتبعون طرقا سليمة، إن كان بالزرع أو حتى بقطف زهرة الزعفران. يبقى لليد والحساسية القلبية دورهما في العلاقة مع زعفران تالوين.

هم يستيقظون باكرا قبل طلوع الشمس، ليقطفوا الزهرة البنفسجية، التي يصفها الفيلم بالأرجوانية، حسب لون الشعيرات في داخلها وليس لون الزهرة الخارجي. وأهمية قطفها باكرا، كي يسبقوا تفتحها، فلا تتأثر بأشعة الشمس أو تنجذب إليها الحشرات، وأيضا كي لا تتبخر المواد المفيدة مع أشعة الشمس. عكس المستثمرين الكبار الذين يستخدمون أناسا لا يمتلكون الأرض، فيستمرون بقطف الزهرة حتى بعد طلوع الشمس، وذلك يؤثر على جودتها.

كل ثمانين كيلو من الزهور تنتج غراما من الزعفران

للزعفران فوائد كبيرة، وهذا ما لم يتطرق إليه الفيلم الذي استعرض مراحل زراعته وقطافه وتجفيفه وبيعه، دون أن يبين سبب كل هذا العناء، وهو ما يستقطب الناس إليه. عدا أنه من المطيبات التي تُستعمل في الطعام، فالزعفران يُستعمل للكثير من الأمراض المستعصية منها، الحماية من السرطان، زيادة المناعة، ومنع أمراض القلب، ويُستعمل أيضا بمساحيق التجميل وغيرها.

دون دراية دقيقة بطريقة القطف، يمكن أن يلحق الأذى بالزهرة وتفقد قيمتها. يجب اقتلاعها من جذورها، حتى لا ينزل منها الصمغ، فيتلف الزهرة. العناية الأفضل كما أشرنا أعلاه، هي للمزارعين الصغار، الذين يستفيدون بشكل مباشر من بيع الزعفران. يقومون بكل الطقوس في احتراف متناه، وهم يُغنون "أيها الزعفران، أين أنت الآن، فيك دواء العاشقين".

يستقطب الزعفران زبائن من مختلف الطبقات والثقافات. كما بدأ الفيلم بتصوير سيدتين هما حفيظة ومريم، الأولى تقصد السوق الشعبي والأخرى، تقصد محلا حديثا. والاثنتان تعرفان قيمة الزعفران، وتشتريانه كل حسب مقدرتها وباهتمام. هناك الزعفران ذو اللون البرتقالي، ولكن الأجود هو المائل إلى الأحمر القاني.

مهرجان للزعفران يتمنى أهل تالوين لترسيمه كمناسبة سنوية

زهرة الزعفران، تلك النبتة النبيلة تتطلب نظافة متناهية. يصل المزارعون إلى البيت. يغسلون أياديهم جيدا، ويمدون الشراشف البيضاء على الطاولات، كي ينشروا عليها الزهور المقطوفة، وينزعوا منها الشعيرات، بلطف كما هو لطف الزهور التي بين أيديهم.

يضعونها بالصحون التي يُفضل أن تكون بيضاء أيضا. تلي عملية فرز الشعيرات، عملية التجفيف بواسطة المجفف الكهربائي، وهي طريقة صحية تحافظ على جودة الزعفران، ويجب أن يُجفف جيدا، قبل أخذه إلى السوق لبيعه.

"جميل أيها الزعفران حين تدخل إلى السوق.." تغني النساء في المرحلة قبل الأخيرة لبلوغ السوق.
ولأنه نادر، يُباع بالغرام كالذهب، فثمانون كيلو من الزهور تفرز غراما واحدا من الزعفران، أحد التوابل العتيقة.

ينزل الفلاحون إلى سوق المدينة، ليعرضوا ما لديهم من "الذهب الأحمر" على التجار لبيعه، ورغم ما يملكونه من منتج نادر، إلا أن انتهازية السماسرة واستغلال هؤلاء الفقراء يجعلهم ينزلون بالسعر ما استطاعوا، وما بيد الفلاح البسيط من حيلة، فهل بإمكانه أن يتخيل المائدة المترفة، التي ستصل إليها شعيرات زهرتهم، التي تدللت بين أيديهم؟ خاصة وأن هناك من يتخوف، بأن لو تغير وضع الفلاح المعيشي نحو الأفضل، ماذا سيحل بزراعة الزعفران؟ والجواب يُرد عليه بسؤال طويل:

لو تؤمن كل المتطلبات المسهلة والمريحة، لاستمرار الفلاح بزراعته، ويأخذ حقه بما يحصل عليه من حياة كريمة، ويكون هناك من توعية لقيمة ما يقومون به، فلم لا تظل زراعة زهرة الزعفران وتزدهر أكثر، وتستمر هذه المهنة كغيرها من المهن، ولا تكون مرتبطة ببؤس أصحابها؟
في سوق البهارات يسأل عن زعفران تالوين لجودته
وفي العودة للواقع، يبيع الفلاح بضاعته النادرة بأثمان متواضعة، ويذهب ليتبضع بما حصل عليه من مال قليل، ويشتري ما أوصته عليه الزوجة، شريكته بهذا المُنتج. يشتري ما استطاع من مؤونة للبيت، وبعض اللحم التي تطهوه الزوجة، ترش بعضا مما ادخرته من الذهب الأحمر، لتطييب طعامها، بجلسة حميمة يستعيدان بها أنفاسهما، وتبقى السهرات المرفهة لأصحاب الأموال والعطور.

أخيرا أصبح هناك تعاونيات تأسست لتعنى بالمنتج من الزعفران وتسويقه، وتحدد أماكن بيعه المرخص لها. توضع الملصقات على العلب، لتمييزها عن الزعفران المزيف، فهناك أعشاب تُشبهه. فتحت هذه التعاونيات، المجال للفلاح بالانضمام إليها، لتوعيته وحفظ حقوقه.
* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة