زكريا جابر*

في قاموس أسلحة وأدوات التعذيب العسكرية السورية في لبنان خلال الحرب الأهلية، تأخذ العجلة أو الإطار المرتبة الأولى في لائحة الأدوات المستخدمة لدى نظام المخابرات السورية. وكان يُعرف فندق "بوريفاج" بكمية الإطارات التي تستقبله طوابقه الثلاثة الأولى التي كان يستعمرها الجيش السوري ونظام البعث لتعذيب السجناء.

أحيانا كانت تستعمل العجلة من أجل التظاهر في لبنان خلال عدة مناسبات غاضبة في الشارع. لكنْ، ثمة محاربون قدامى ممن قرروا أن يكون العنف الوحيد الذي يمارسونه هو حين يحرقون الزفت بحرارته المرتفعة تحت عجلات دراجاتهم النارية باحترافٍ فني لرياضة الشارع الأقوى.. القيادة على عجلتين.

أربعة مقاتلين مليشياويين سابقين من أطراف وأحزاب مختلفة ومتقاتلة خلال الحرب الأهلية، توحدوا لممارسة شغفهم في قيادة الدراجات النارية، متخيلين من خلال تلك التجربة مراحل حياتهم كدراجين من دون سلاح.

الفيلم قدم زاوية جديدة لمواضيع استهلكت بشكل قاتل كالحرب والحب

مشهد جميل لكاتب عشريني أن يرى رجلا خمسينيا يروي سيرته مع حبيبته الـ "موتسيك" أو الـ "موتو" أي الدراجة النارية بالمصطلح الشوارعي أو العامية اللبنانية. مشهد يمكنه أن يعيدني إلى الحياة ويفقدني الكسل ويشجعني أن أمارس الجنون في الهواء الطلق ويدفعني لأستمع لرواية الدرّاج الكاملة.

"على الدراجة النارية، ترى الأمور بلا إطار، بلا حدود". هكذا  يلخص مروان طرّاف علاقته بدراجة هارلي دايفدسون التي تُعبر عن فحولة شديدة بين آليات النقل الخاص في العالم.

مروان طرّاف، المدير الإداري لوكيل شركة هارلي دايفدسون في بيروت والمنتج ومؤسس شركة دارك سايد للإنتاج السينمائي والوثائقي يظهر في هذا الفيلم مع حفنة من تجاربه العسكرية وعلاقته بالدراجة النارية بشاعرية تفوق قصص الحب الخيالية.

إلى جانب نماذج أخرى من درّاجي بيروت المحترفين، والذين ارتقوا على آلام الحرب الأهلية وانتمائهم المسلح والمليشياوي لأحزابٍ لبنانية عدّة. وأخذ هذا الموضوع عظمته في هذا الفيلم بترجمة إخراجية يمكن أن نعنونها بـ "وداعا أيها السلاح، نرحب بـ هارلي دايفدسون".

غسان حيدر وجورج جريج وجمال القهوجي دراجون انضموا إلى صفوف القتال خلال الحرب الأهلية داخل عدّةِ أحزاب متقاتلة قبل أن يعودوا إلى وعيهم ويلتقوا ببعضهم البعض بصداقة لا تنتهي، يمكنني أن أعنونها بـ "صديقي بالدراجة النارية، صديقي للأبد، وأيضا ومجددا، وداعا أيها السلاح".

المخرج رامي قديح (وسط) مع بعض رفاقه من فريق العمل في فيلم "عجلات الحرب"

خلال الحرب الأهلية التي دامت 15 عاما وكانت حصيلة خسارتها البشرية أكثر من مئتي ألف قتيل، يرى بعضهم بريقا من النور في ظلمة الحرب. العجلة كانت معقل السلام لبعض المسلحين الذين وجدوا هواءهم الطلق والحر وبريق السلام من خلال الاستعراض، نسيان الحرب، ممارستها كرياضة، التقاط الصور مع دراجاتهم وكأنها صور عائلية تبني ذاكرة جميلة في عقولهم المستقبلية.

رواية لا تخطط إلا كما خططها المخرج رامي قديح بأسلوب سينمائي، هاربا من تقنيات الإخراج الوثائقي المعتادة في العالم العربي وفي لبنان خصيصا.

 أجمل ما يمكنني ذكره حول أسلوب رامي قديح هو تجاوزه لتقنية "سين جيم" أي السؤال والجواب. يأخذنا رامي في رحلة سينمائية فائقة الحرارة البصرية ذات لمسة هوليودية غير مغشوشة بل منبثقة من الحس الهوليودي (على سبيل المثال: الموسيقى البصرية المستخدمة ذات الطابع الأميركي الشائع في الأسلوب السينمائي المسمى بـ Spaghetti Western والتي تليق بموضوع الفيلم ذي الثقافة الغربية وجها واللبناني التطبيق مضمونا.

يحتوي الفيلم على نماذج متنوعة من الدراجين، تنوعا رائعا بالتجارب الأولى، بالأحاسيس التي تولد خلال القيادة وخلال الاستعراض، الحالات الصحية وخطر الإعاقة الجسدية، علاقتهم كدراجين بالمجتمع وبالدولة.

وبعيدا عن شاعرية مروان طرّاف والحرية التي يشعر بها خلال قيادته الدراجة، يروي الدرّاج والمهندس الميكانيكي جمال قهوجي علاقته بالدراجة النارية كمحترف وشخصية استعراضية فريدة من نوعها.

يقول قهوجي "جعلنا من بيروت الغربية مساحة شاسعة لنمارس جنوننا بالدراجات، بخرابها وبحربها". طريقة جديدة وطريفة لتحويل الحرب من مأساة إلى مساحة لممارسة الشغف والجنون.

إنه وبالطبع فيلم أكثر من توثيقي أو تسجيلي، فالسينما تغلب في "عجلات الحرب" 52 دقيقة لا يمكنني أن أطوي شاشة حاسوبي خلالها، بل على العكس، حين قررت مشاهدة الفيلم فعلتُ ذلك ثلاث مرّات متتالية. لم أتمكن من الاكتفاء بقدر الأدرينالين الذي كان يضخ في شراييني كل مرّة، روى أحد الدراجين مسيرته مع الدراجة النارية.

بالإمكان أن نصف تلك التجربة بـ: الفيلم الذي يمكنه تسليط الضوء بفرادة بصرية على مواضيع تم استهلاكها بشكل قاتل، كالحرب والحب ومغامرات المراهقة.

"عجلات الحرب" هرب من تقنيات الإخراج الوثائقي المعتادة بالعالم العربي

يتكامل الفيلم بتصويره الرائع والمونتاج والإخراج من حيث صناعة الفيلم، لكن العوامل التي جعلت منه أكثر من متكامل فكرةً، هي تقنية استعمال الأرشيف القديم للدراجين واستعراضاتهم في بيروت الغربية خلال الحرب الأهلية وأيضا مقاطع الـ animation التي استخدمت في سبيل إعادة تمثيل بعض الأحداث المذكورة على ألسن شخصيات الفيلم.

فيلم "عجلات الحرب" من إخراج رامي قديح وإنتاج شبكة تلفزيون الجزيرة وحائز على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان بيروت السينمائي الدولي، والترشيح الرسمي في مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية.

*كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة