سهى صباغ*

فتش عن الربح المادي السريع، تجد خلفه الأيادي الملوثة. بإمكان المرء أن يستغني عن الكثير من الكماليات، لكنه لا يقدر على العيش بلا غذاء.

لا أحد يصنف جريمة الغذاء الفاسد والمدبر بليل جريمة حرب، إن تشويه وإمراض وقتل الملايين عبر طبق الطعام أو عبوة معلبة دون ضجيج هو الملف المسكوت عنه.

الفيلم التسجيلي "الغذاء الداء" (إنتاج 2015- من سلسلة عالم الجزيرة) يذهب إلى الصين، ليطرح موضوع المنتجات الغذائية، التي تعرض حياة الناس للخطر، علما بأن الصين هي أكبر دولة منتجة للغذاء في العالم.

خليط من المواد الكيميائية والصناعة الغذائية، التي تشمل أيضا الأراضي الزراعية، تعرض حياة الناس للخطر. على سبيل المثال، طبق النودلز (الحساء الأصيل)، وكان يُعرف بغذاء الأباطرة، أصبح طبقا شعبيا، يقدم في كل شارع من شوارع الصين تقريبا، يحتوي النودلز على كل العناصر الغذائية وشرائح من لحم الخنزير والخضار.

أطباق النودلز الشهيرة بها منكهات ضارة لتعويض طعم اللحم غير الموجود وبسعر رخيص

ستيف تشاو المراسل الصحفي بحث بشكل دقيق عن حقيقة هذا الحساء، الذي تحول من وجبة شهية غنية بالمواد الغذائية إلى طبق سام.

يقصد تشاو المحل الذي لا يزال يحافظ على تقديم طبق النودلز المصنوع بالطريقة الأصلية، دون سموم ولا تزوير.

يخلط الشيف الطحين مع البيض، ويعجنهما بشكل جيد، ثم يقطّع العجينة، لتصبح شبيهة بالمعكرونة، التي اختلف على أولوية صنعها: هل الصينيون أو الإيطاليون؟ يُضاف إلى هذا الطبق، الخضار ولحم الخنزير. لا شك أن النودلز يتطلب الكثير من الوقت والجهد حتى يصبح جاهزا للتقديم.

يجول المراسل الصحفي برفقة الخبير وانغ جيتشيانغ، ومكتشف الأسرار الخفية والقذرة كما يصفه الصحفي، على المطاعم التي تقدم النودلز. تحرص هذه المطاعم على صناعة النكهة الشهية واللون ناصع البياض، معتقدين بأنه يزيد الطلب والرغبة فيه. يؤكد الخبير أن الطبق لا يحتوي على المكونات الغذائية المطلوبة، فما هي إلا منكهات يستعيضون بها عن اللحم، تختصر الوقت والتكلفة الكبيرة؛ وبالتالي يكون أرخص بكثير، وحجم الأرباح يكون هائلا.

عبوات تباع خارج القانون في الصين من أجل طبق رخيص وقاتل

يلتقط الفيلم الازدحام الشديد للناس وهم يأكلون بشهية؛ الطعم يشبه طعم الطبق الأصلي، ويجهلون تماما ما يدخل أجسادهم من مواد سامة.

يتابع الفيلم بحثه عن طريقة تصنيع الطبق اللذيذ الذي يأكله الناس أينما كان؛ طبق شهي وسريع يجاري متطلبات العصر.

الصحفي الذي يتظاهر بأنه صاحب محل، يسأل ويتجول بأماكن لا يخالها المرء لبيع المواد التي تضاف للطعام، مثل البوراكس الكيميائية المبيضة. ملعقة صغيرة من هذه المادة كافية لقتل طفل. تُستعمل عادة مبيدا للحشرات والفطريات، أما الميلامين التي تضاف إلى الحليب فهي مادة سامة، سممت آلاف الأطفال، منهم الطفلة شين يي لين البالغة ثمانية أعوام وتشكو من الوجع في الظهر والكليتين.

المستشفى يتستر على حالها، والأطباء ينكرون أنها تشكو من الحصى في الكلى، لكن الكاميرا السرية في الفيلم ساعدت على توصيل الصورة الحقيقية للناس في أماكن عديدة. والدة الطفلة شين يي لين نفسها هُددت ومنعت من التصريح بما تشكو منه ابنتها.

مشكلة الغذاء السام في الصين تشبه فعلا الموت الجماعي. تقول والدة الطفلة "إما أن نموت جوعا أو من الطعام المسمم"، وتضيف ساخطة "نحن كلنا نعيش في بالوعة واحدة".

صاحب مطعم يكشف بالتجربة كيف يمكن صنع نودلز بنكهات مسرطنة

الجريمة كبيرة جدا، بل هي مجزرة جماعية، لو تأملنا جيدا كم أن عدد الضحايا مهول، مجزرة لأجساد على قيد الحياة، فعدد سكان الصين مليار وثلاثمئة مليون نسمة، أي ما يقارب 22% من سكان العالم.

تقول مختصة "لا نحس بأننا آمنون، ولا نحن سعداء"، ونتساءل: كيف سيكونون سعداء، ومن يشاهد بعينه ما يُصيب هذا الشعب، لا يعود يحلم بزيارة بلد من أقدم البلدان في العالم، والغنية بالمعالم الأثرية والحضارية.

يكمل الفيلم جولته بزيارة المزارع وبعض الأراضي الزراعية الشاسعة، ويتحقق إن كانت تحافظ على المواصفات المطلوبة هي الأخرى، لخدمة الغذاء، فيجدها ملوثة بالمبيدات. الصحفي -الذي بذل جهدا كبيرا لإظهار الحقائق- يجد عبوات المبيدات مرمية في كل مكان، يبدو أن من يستعملها غير آبه لكي يخفيها عن الأنظار.

يعمل بعض المتطوعين على تفقد الأماكن بشكل مفاجئ، ويقومون بالفحوصات والاختبارات، لكن إلى أي حدٍ ينجحون في حماية الناس وكشف مجرمين لا يتوانون عن الاستخفاف بالبشر وبيع حتى لحم الجرذان على أنه لحم خنزير. أيضا وأيضا، إن كان الخنزير نافقا أو مريضا، فبالإمكان أن يؤخذ إلى السوق، أما في المزارع فيُحقن لزيادة هرمونات النمو لديه، فيزيد بضعة كيلوغرامات خلال شهور قليلة.

ما من كائن يسيء لنفسه كالإنسان الذي يستعمل في غذائه مادة "الفورمولديهايد" التي تستخدم لحفظ الجثث، وهي من مسببات سرطان الكبد.

العمل جار على قدمٍ وساق ليكون القتلة أوفياء لذلك القتل. نسأل: أتستحق حفنة من الدراهم -ولا ننسى معها المقاعد- كل هذه الضحايا وارتكاب ما تيسر من جرائم؟! طبعا إن سمعنا المستفيد لن يضحك من كلامنا، بل ربما يبكي معنا علينا.

في النهاية -وكما نسأل في بلادنا- أين الدولة؟ وكيف تتصرف هكذا؟
يجيب الفيلم بأنها لم تسجن إلا عددا قليلا من منتجي ما يُسمى المواد الغذائية، وتأكدوا أن 21 منهم مذنبون. هل بإمكان أحد تخيل أن مشكلة بهذه الفظاعة، وعلى مستوى الصين، يكون عدد المذنبين بهذا القدر فحسب؟ أما من طلع "كبش الفداء" فهما اثنان، وقد نُفذ بهما حكم الإعدام.

عائلة طفلة ضحية تجار الغذاء الفاسد قررت أن تأكل مما تزرع

وللتذكير، ففي عام 2007 تم إعدام الرئيس السابق لإدارة الغذاء والدواء الرسمية، عن طريق الحقنة القاتلة، وذلك لأخذه رشى من شركات مختلفة، كبديل للرخص الرسمية المتعلقة بسلامة المنتج.

هل كان أيضا "كبش فداء"؟ لا نعرف. ولكن ما نعرفه، وكما يؤكد الفيلم، أن يوما بعد يوم يزداد وعي الشعب في المناطق الحضرية بسلامة الغذاء، ويقول المسؤولون إنهم يحاولون السيطرة على الوضع، أما قائد فريق التفتيش فيؤكد أنهم يفعلون ما يستطيعون لتقديم غذاء سليم.

في النهاية، هناك رأي يقول في الفيلم إن أية شركة عالمية لن تجرؤ على شراء مواد غذائية من الصين، خاصة بلاد مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، أما نحن في بلادنا العربية فعلينا أن ننتبه لملف الفساد الغذائي عندنا، ولا نضيف إليه "منكهات" جديدة.

ــــــــــــــــــ
* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة