حميد بن عمرة*

لم يستول المخرج التونسي حمدي بن أحمد على الكاميرا فجأة بين نقرتين على فيسبوك ولا أبوه ورّثه المهنة، ولم يلق بنفسه في الماء اعتباطا كي يتعلم السباحة، كما أن هذا الاسم لا تحمله شقراء عذراء بعد عدد هائل من الصور الذاتية أمام المرآة قررت تصوير فيلم حول عائلتها.

لقد تأقلم تدريجيا مع المهنة كمخرج مساعد لعدد كبير من المخرجين الأجانب الذين صوروا جزءا من أفلامهم في تونس مثل الفرنسي جان جاك أنو الذي يعتز بذكره احتراما وتقديرا لدقة عمله.

بن أحمد في ثاني أفلامه التسجيلية له لا يناور ولا يعتنق الموضة الجديدة لأفلام الرؤية فيها لا تتعدى كاميرات المراقبة في المراكز التجارية ولا يضيف فيلما آخر لكومة من الأشرطة المنعدمة التأطير الحافل بها في المهرجانات الحديثة.
الفيلم يتوغل في حياة مجتمع صغير في طريقه للانقراض

يرحل بنا المخرج في سفر بين كثبان الرمال التونسية الجزائرية، مقتفيا أثر قافلة تزحف في فناء الصحراء رويدا متوجهة إلى مخدعها بعد أيام من السير.

"آخر الرحّل" هو عنوان الفيلم المكتوب بالخط الكوفي المغربي، والذي أراد به مخرجه عبور مسافة شاسعة تفصلنا عن حواسيب الصالونات ومواقعها الاجتماعية، للتوغل في حياة مجتمع صغير في طريقه للانقراض. العنوان يحمل في طياته الشكل والمضمون.

من أول لقطة يتّضح أن الواقف وراء الصورة يدرك قيمة الحياة البسيطة التي لا تحتاج لأي زينة ولا حتى أن تعبّر عن ذاتها كي تشعر بوجودها. من هذا المنطلق نفكك الفيلم ونفصح عن جمالية قد تشبه لوحات الاستشراق إن لم ندقق في زاوية اللقطات المرادفة.

جمال الرمال قد يوحي بقصائد الغزل أو مذكرات السياح الأجانب، لكن في هذا الموقف نترقّب وجوها صافية ينهمك أصحابها كل في مهمته حسب قدرات سنه.

البدو الرحل بين الجزائر وتونس يتنقلون بلا جوازات سفر

ليس هناك راو يفرض صوتا إذاعيا قديما بأسلوب إنشائي، بل نغم رهيف يوازي السرد المتمهل، بنوتات تدحرجت من خيوط قيثارة لا تنافس الصورة ولا تريد التستر خلفها.

هذه هي الموسيقى التصويرية التي يحتاجها الفيلم التسجيلي عندما يداعب إطاره حافة الفيلم الروائي.
الأبطال هنا، الريح والرمل الناعم الملمس ورحّل لا يعرفون الحدود الدولية.

إن تواؤم نوتات ربيع زموري مؤلف الموسيقى ولقطات أحمد بن أحمد يخدم شخصيات لا بطولة فيما يقومون به من عمل يدوي يومي.

الفيلم ليس تنقيبا صحفيا ولا توثيقا أنثروبولوجيا يستفسر ويصنف أنواعا من البشر لم يستهوهم بعد ملاذ الحياة المدنية المزدحمة.

عرض الحياة دون مؤثرات بهلوانية يعمق الفكرة السينمائية التسجيلية

إنها مجموعة من الرحّل يتنقلون من صحراء الجزائر إلى مدينة دوز التونسية، ولا يحملون جوازات سفر لا من هذا ولا من ذاك، كما أنهم ليسوا مهاجرين غير شرعيين أو لاجئين سياسيين. إنه نمط عيش نادر في هذه المنطقة المنسية من خرائط الحضارة.

البحث عن الماء وطهو الخبز أهم الأخبار وأولاها في الصحراء، أما الإبل فهي التي تتحكم في الرحّل حسب اعترافهم. يتحركون بمرادها ويبجلونها كأفراد الأسرة.

ينفرد بالمشهد الأول رجل في مقتبل العمر ينقب عن رؤوس رماح قديمة يولع بها السياح. إنها مصدر قوت يبيعونها في الأسواق.

من مكان حديثه للكاميرا إلى أقرب تجمع تجاري بمدينة دوز التونسية لا يعبِّر الرجل عن المسافات بعدد الكيلومترات وإنما بعدد الليالي التي تفصله بين نقطة وأخرى.

تجمع فتاة حطبا تربطه في كومة أكبر من قامتها وترجع إلى الخيمة الرئيسية، بينما ترمم فتاة أخرى محيط الخيمة من تسرب الرمال، كما تضع خشبا رقيقا يحول دون الرياح والحشرات.

نمط حياة نادر ومنسي ومنسجم مع أرضه وسمائه

ترصد الكاميرا بحياء وجوه العائلة الملتفة حول الجمال المتأهبة للسفر.أما الأطفال فلا يخادعهم اندماج المخرج وطاقمه الصغير. فالعدسة لعبة براقة لا يمتنعون عن النظر إليها. يقرأ المشاهد في عيونهم تساؤلات وفضولا فطريا بالغا.

تواكب الكاميرا الرحيل في صمت سينمائي تنفذ منه نوتة وأخرى وثالثة على وتيرة القافلة المركبة من قائد وأطفال تقاربت أعمارهم وقاماتهم.

تقترن ثلاثة رؤوس لطاقم الجمال في وقت مستقطع للشرب. يصور حمدي الإبل كالبشر فنقترب من عيونها لنرتوي معها ونذكر فضل هذه الدابة على طريق الحرير ولولاها لما كان للصين أثر خيط في هذا الفناء الفسيح.

لقطات طائرة تحلق بإطار واسع فوق صفرة الرمل وذهبيته لتمد البيداء عمقا وقوة مخيفة يحترم المشاهد فيها قوة الصحراء وحريتها. فالصور موزونة على نفَس الريح، مما يجعلنا نقرأ قصة شخصية موازية يحط فيها كل منا جانبا من عزلته وطرفا من كثبانه السرية فيها.

كيف يجعل المخرج من لقطة عادية حركة تعبيرية تمنح طعم الخبز وحرارة أطرافه؟
الفيلم التسجيلي ليس دوما لافتة احتجاج ترفعها نقابات يرأسها مخرج يحلم بإدارة الورشة أو تنظيم انقلاب إداري. فما يمنع الفيلم التسجيلي من التوغل بنا في مواضيع غير استقصائية ساخطة ومنددة باللاعدالة أو من عرض نماذج شاذة لأشخاص خرجوا من كتب الأرقام القياسية في أكل أكبر همبورغر أو من توريط المشاهد في ملاحم كاذبة تخدم مصالح أمنية مجهولة؟

"آخر الرحّل" لا يتباهى بندرة شخصياته، كما لا يصورها من زاوية بورجوازية.

يتعمد المخرج كتم أسماء شخصياته رغم إفصاحهم عن وجوههم. فالكاميرا تحاول محاصرة كثبان الرمال وكثبان من عائلات تبعثر أفرادها بين رعي الغنم وحلب المعز والثرثرة حول الحياة في المدن.

فهل بطاقة التعريف الشخصية في الفيلم التسجيلي أهم من الهوية الاجتماعية؟

هل الخيمة ونمط حياتها أصدق من أقوال الشخصيات أم إن الفيلم التسجيلي يلزمه قسط معين من الحديث حتى يؤدي مهمته المزعومة؟ 
رقصة الفتيان في سهرة صحراوية على إيقاع الدف
إذا كانت الصورة تتساءل فإن الموسيقى تجيب دوما بحدس متناه، لا لترميم فراغ الصحراء، وإنما لتقص لنا مشاعر حمدي والرحّل الذين يقتفي حياتهم. فإن كان المخرج ضيفا عند الرحّل فإنهم في الفيلم هم الضيوف. نحن لا نزورهم بل يأتون إلينا بحياتهم كما هي.

يلتف الجمع حول إبريق شاي لسعه الجمر بصبر في انتظار أن يحضر خباز القافلة خبزه المستدير. يضع العجينة على الرماد المتوهج باطنا ويغطيها به. يصور حمدي المشهد ببساطة تضاهي الخباز في أدائه.

كيف يجعل المخرج من لقطة عادية مألوفة عند الرحّل حركة تعبيرية تروي لنا طعم الخبز وحرارة أطرافه؟ وكيف يألف الرحّل الكاميرا والميكرفون ويجعلون هذه الأدوات جزءا من أوانيهم حتى لا يبالوا بها وهم لا يملكون من الحضارة الاستهلاكية شيئا يعوّدهم على ذلك؟

عندما يتمكن الفيلم من عرض الحياة كفكرة سينمائية دون زركشة المؤثرات البهلوانية يمكن الاعتراف بصدق النية في الإخراج.

إن أبطال "آخر الرحّل" لا يموتون بسرطان الرئة، فالهواء نقي، ولا يعرفون اكتئاب المواطن المدسوس في قاع الحافلة بنهاية اليوم. فالحياة مجردة من الهاتف المحمول والدعاية والرصيف وإشارات الضوء الأحمر.

تتحرك نوتات "القصبة" وهي قريبة للناي في أنينه إلا أنه هنا لا ينوح بل يتنهد كلما تحركت القافلة معطيا إشارة الانطلاق مثلما تفعل مكبرات الصوت في محطات القطار.
القبيلة تقيم حفلا كبيرا لختان أحد أطفالها
وعندما تعود القافلة إلى وكرها تزغرد النساء مثلما يصفق ركاب بعض الخطوط الجوية في أفريقيا فور هبوط الطائرة. فالعودة عرس لا زفاف فيه، لكنه في الفيلم ينبئ بعرس آخر يترقبه أب لطفله الذي بلغ سن الختانة.

السرد الذي يوظف كل خبر ويركّب كل لقطة في مكانها يعطي للفيلم سهولة في الاستيعاب دون التدحرج لسذاجة المشهد الكسول الذي يكتفي بالضغط على زر الكاميرا ويتمنى أن يصنع الحظ باقي الأحداث.

حمدي بن أحمد يفترش الفضاء بعدسة لا تظهر عضلات التقني المفرط في شتى أنواع المؤثرات الصوتية والبصرية. تفترش مثله الخراف صحراءها في هدوء مريح. تحلب أم قوت ابنها من عنزة أليفة في حركة سلسة ووتيرة مطمئنة.

يستدرج الفيلم انتباهنا إلى سهرة ترقص فيها الصبايا على إيقاع دف صور حمدي فيه المشهد متأثرا بفيلم "الرسالة" ولا يلومه في هذا أحد لأن المكان والظرف وطريقة الرقص تشبه مشهدا مماثلا في الفيلم المذكور.

فهل ينبغي الحذر من المشاهد الكاريكاتيرية حتى وإن توفرت فيها مكونات مشاهد سابقة لأفلام معروفة ينتبه إليها حتى المشاهد العادي، أم إن هذه مجرد قراءة موجهة من كاتب المقال؟

ويأتي اليوم الأليم، يوم الختانة. الكاميرا في هذا الموقف حذرة ومتعاطفة مع الصبي الذي يفخر بثياب عرسه. ويتعمد المخرج الوقوف بعيدا عن خيمة الطهارة التي تستقبل طبيبا لا ننتبه إلى مهنته إلا من الحقيبة التي يختال بها.

يتعمد المقال أيضا عدم البوح بأسرار الفيلم حتى يتمكن القارئ من مشاهدته، لأنه من إنتاج 2016 ولم يواجه بعد رأي الجمهور.

يعبر "آخر الرحّل" الـ52 دقيقة في سكون الشاشة بصورة عذبة تحكّم فيها مخرجها من زوايا إطاره الثابت.

فهل نعتبر اللقطة الثابتة المصورة على منصب ثلاثي قريبة في دقتها إلى الأسلوب الروائي، أم إن الصورة المسودة المرتعشة كأنها عدسة "ألزايميرية" هي المعبرة عن الواقع كما تفرضه سينما الأصدقاء بتواطؤ من حزمة من النقاد الذين لا يميزون بين اللقطة الكبيرة واللقطة الإيطالية؟
المخرج بن أحمد اعتنى في فيلمه بالجوهر وبالشكل الذي أشار إلى مهنية رفيعة
هل المخرج الذي يعتني بصورته، وهذا أدنى الحرفية، يصنّف فورا كمخرج لأفلام دعائية، أم إن السينما حتى التسجيلية لا تحتاج للتأني والتركيز على موضوعها بصورة وصوت خاليين من الوشوشة والخشخشة؟

اعتنى مخرج "آخر الرحّل" بالتفاصيل ولم يبخل على المشاهد بصور خالية من اللقطات المهرولة، لأنه يعرف أن السينما فن لا يرتجل طوال الوقت، وأن الفيلم التسجيلي يخضع إلى لغة وقواعد لا تقتنيها من النت أو من النصائح العابرة في أروقة المهرجانات.

"آخر الرحّل" يحفظ لنا دفترا عائليا لعرب لا يسجّلون ميلاد أولادهم في بلديات الجزائر أو تونس. إنهم آخر الأحرار في هذه المنطقة.

"آخر الرحّل" يحافظ على حرية الأسلوب التسجيلي ويحترم حرية شخصياته وبالتالي يحترم المشاهد.
_____________

* مخرج سينمائي جزائري

المصدر : الجزيرة