سهى صباغ*

مهما كانت الصراعات السياسية وأسبابها في سريلانكا، فليس هذا موضوعنا، وإنما الحالة الإنسانية التي تركتها حرب أهلية دامت 27 عاما، المتمثلة في المفقودين، وهو ما يرصده فيلم "قصص الحافلة البيضاء" كتابة وإخراج وإنتاج "لينا مانيميكلاي".

هناك من يسمونهم متمردون، أو ثوار "التاميل"، وهم إحدى الإثنيات في سريلانكا. كان أبناؤها يطالبون بالانفصال، ليُصبحوا شعبا مستقلا.

دخلت سريلانكا الحرب منذ 1983 وطُبِع تاريخها، بالعمليات المسلحة لـ"نمور التاميل" ضد الدولة، فتم القضاء على قيادتهم. كان ثمة مسلسل طويل من العنف، وجرائم حرب من طرفي النزاع، راح ضحيتها، حوالي 100 ألف قتيل، وحوالي 60 ألف مفقود.

كلمات بصوت المعلقة أحيانا، وأحيانا أخرى نستمع لقصص يرويها شخوص عانوا من الحرب ونتائجها. تاريخ من الجرائم والمآسي. آلاف في عداد المخطوفين، أثناء عمليات حركة جبهة التحرير الشعبية. "اعتقلونا، لكنّ الحقيقة التي نسعى إليها، ستُحَررنا." تعلق إحدى السيدات.

تمر الكاميرا في الطبيعة السريلانكية الخلابة. هي لا تشبه الأحداث التي يعرضها الفيلم، والتي تخص إنسانا ينتهكه الألم.

بأصوات الضحايا
بعض العبارات الصادرة عن ذوي المفقودين. أمهات، أبناء أشقاء وغيرهم، تُعبر عن المأساة التي يعيشونها:
- لا تهم حالته الصحية، حتى لو كان مقعدا. المهم أن يعود.
- نحن الكاميرا المكسورة، نحن الصوت، نحن شرائط التسجيل المصادرة.
- هذه الجزيرة، عبارة عن غرفة استجواب. اعتقلونا. تم تخويفنا.

تصور الكاميرا القلقة أناسا يهربون وأطفالا، وجنود ينفذون الاعتقالات.
الفيلم يُبين أن المقاومة في سريلانكا، بالنسبة للدولة تعني الفتنة، أما حالات الاختفاء الممنهجة، فهي جريمة مستمرة.

موجات من الحوادث شهدتها البلاد، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار، وبعد دخول قوات حفظ السلام الهندية، لم يتوقف الاختفاء، وموجات الاعتقالات.

عدد غير قليل من السيدات، اعتبرن من المتمردات قبض عليهن، واختفين. سُمِعَ بأنهن استُخدمن من أجل المتعة، من قبل الجيش. كالعادة في الحروب، المرأة ضحية تنتهك كرامتها وكبرياؤها

عدد كبير لعائلات تعاني من الوضع المأساوي هذا، حيث أمست بلا معيل بعد اعتقال الزوج أو الابن. الملفت أيضا أن عددا كبيرا من المثقفين هم من بين المعتقلين من كتاب ورسامين وصحفيين.

سيدة تُخبر قصتها وهي تغلي الملابس على نار الحطب. أحد أبنائها أصبح معوقا. خسر رجليه الاثنتين أثناء القصف. الابن الأكبر في عداد المفقودين، أما الزوج فقد أصيب بشظايا في صدره. اشتغلت طباخة في إحدى المدارس، لتعيل عائلتها المنكوبة. لم تكن في البداية تحب هذه المهنة، لكنها كانت مضطرة لذلك. تقول إنها، حين تسمع صوت أحدهم في الشارع ينادي "يا أمي" تتلفت من حولها، معتقدة أن النداء موجه إليها.

أمهات يتجولن في الشوارع يبحثن عن أولادهن. مظاهرات وصور الأبناء ومطالبات بعودتهم، أو معرفة أي شيء عنهم. لن يفقدن الأمل، وسوف يواصلن التظاهر وحسب قولهن " حتى تمتلئ الصور بالحياة".

رجاء مستميت
أم تجلس مع أولادها في العتمة. لم تطهُ أصناف الطعام التي يحبها ابنها، منذ أن فُقِد. تحزن الغربان على حزنهم، حسبما يُعبر الفيلم. وجوه تفتقد، تتألم، وجوه أمهات، آباء، أبناء، تعبة من الانتظار، من تساؤلات عن مصير أحبائهم. لا يعرفون عنهم شيئا. كل وجه من الوجوه، هو لوحة تعبيرية، تحكي الألم، تحكي مقاومة اليأس ورجاءً مستميتا، بخبر أو حدث يقلب تلك الحياة الجحيمية.

صور من الأرشيف لمشاهد الحرب. قتال وقتلة، وعائلات تشتتت إلى جهات مختلفة، لتعود وتلتقي في اليوم التالي. شابة تحكي عن صديقتها المفقودة. كانتا تأكلان بطبق واحد، ترقصان وتُغنيان. تتساءل: هل ماتت، هل سجنوها؟

أجيال من النساء. الجدة، الأم، الابنة، ينتظرن عودة الأحباء. كأنهن ينتظرن سرابا. تقول إحدى الأمهات: أؤمن بعودته، كما أؤمن بديانتي

عدد غير قليل من السيدات، اعتبرن من المتمردات قبض عليهن، واختفين. سُمِعَ بأنهن استُخدمن من أجل المتعة، من قبل الجيش. كالعادة في الحروب، المرأة ضحية تنتهك كرامتها وكبرياؤها.

طبيعة بكر وأصوات الطيور، وبيوت متواضعة، جميلة ببساطتها وخصوصيتها. سريلانكا ذات الطبيعة المميزة بجمالها وغناها، حزينة بأهلها.

كناية الحرية
" ليس زملاؤنا المثقفون، وليس الثوار وحدهم من اختفى، ولكن كل معارض للدولة". هذا ما علقت عليه إحدى السيدات، وهي كاتبة وثائرة، ألفت كتابا عن أيام الحرب، واستسلامهم للجيش. كذلك كان لديها رواية "المتمرد العاشق" تروي أحداثا جرت في المخيم الطبي مع المتمردين. فيما بعد نشرت مجموعة شعرية عن زوجة الرجل المفقود. تقول "لا تلتقطي السمكة، بل انظري إليها فحسب" هي أمّ تمنح ابنتها الصغيرة، كناية للحرية.

يأتي المحققون لبيوت البعض، ويأخذونهم في حافلة بيضاء، بذريعة استجوابهم والتحقيق معهم، فيختفون ولا يعودون.

"براجيس" أحد المفقودين، وهو رسام كاريكاتور وكاتب، يمتلك موهبة خاصة. كتب عن الأسلحة الكيماوية التي استخدمتها الدولة ضد "التاميل" في 2008. اختفى. ربما لهذا السبب تم اختطافه.

مشكلة المفقودين، لم تكن حكرا على طائفة بعينها، وهذا ما أظهره الفيلم، حين دخل إلى حياة العائلات المفجوعة بأحبائها، وهم يمارسون شعائرهم الدينية، كذلك كان اهتمامهم واضحا بتعليم وتثقيف أبنائهم، وكما ردد البعض، من أجل إسعاد الأب حين يعود.
تمر الكاميرا في الطبيعة السريلانكية الخلابة. هي لا تشبه الأحداث التي يعرضها الفيلم، والتي تخص إنسانا ينتهكه الألم

في كولومبو، بميدان الإستقلال، شموع وصور. أكثر من 60 ألف مفقود، لا ضريح لهم. هناك جدار كبير من الصور، وكلمات تقول "اغفر لي، لوضع نصب تذكاري لك على جانب الطريق."

أجيال من النساء. الجدة، الأم، الابنة، ينتظرن عودة الأحباء. كأنهن ينتظرن سرابا. تقول إحدى الأمهات "أؤمن بعودته، كما أؤمن بديانتي."

هذه القصة بلا نهاية. ذكرتني بأهالي مفقودي الحرب في لبنان، الذين ما زالوا قابعين في خيم أمام مقر الأمم المتحدة، يُطالبون بمعرفة أي شيء عن أبنائهم. بعض من أهاليهم رحل عن الدنيا ولم يُكَحل عينيه برؤية فلذة كبده وحبيب مفقود.

* كاتبة من لبنان

المصدر : الجزيرة